في تعريف الفلسفة – رامين جاهانبيجلو / ترجمة: معتصم الهقاص

في تعريف الفلسفة – رامين جاهانبيجلو / ترجمة: معتصم الهقاص


تعريف الفلسفة : عزيزي زميلي الشابّ؛

وصلتني رسالتك بينما كنت مسافرًا لمدينة ميدلين، ومن ثمّ، فإنني أتقدم لك باعتذاري عن تأخري بالرد على بريدك. لكنني، على أية حال، في غاية السعادة وفي منتهى البهجة لاستلامي رسالة من فيلسوف شابّ (والحال أن البعض  يتحرّج من هذا اللقب لأنه بالنسبة إليهم لا يمكن أن تكون شابًا وفيلسوفًا في الوقت ذاته)، وأن أشاطركَ آرائك حول حبّ الحكمة والعالم المحيط بها.

دعني، في البداية، أقول لك أنني معتز بهذه الثقة التي تمنحها لما أكتب، وإنني ممتن للتعاطف والاهتمام اللذين تعبّر بهما عن أعمالي وحياتي. إنني لا أدّعي امتلاكي لعقل خصب لا يكلّ، لكن الواحد لا يعدم أن يجد في كتاباتي أحد عناصر البراعة، وذلك لانكبابي على الاهتمام بثقافات مختلفة وبتقاليد الأفكار بشكل كبير. ولكن على أية حال، فإنّ الحياة ليست طويلة بما يكفي لإنجاز كلّ مهام الأفكار والأعمال، ولا تكفي حتى لإنجاز ما تعلمناه من الحياة ذاتها.

إنني على قناعة تامّة بأن الفلسفة هي النطاق الأسمى الذي يحوي بداخله مختلف حقول المعرفة جميعًا، بالإضافة إلى مختلَف أساليب النظر المتباعدة المعنيّة بالتبصّر في الواقع. إنّه ليس من الصعب معرفة أنّ اللحظة الفلسفيّة قد صاحبت الإنسانيّة منذ خطواتها الأولى في حدائق بابل المعلّقة وحول أعمدة متحف الأكروبولص اليونانيّ. إنّ أحدًا لا يعرف متى بالضبط وأين بدأ الإنسان يتفلسف لأول مرّة؟ ولكن، وأكثر من أي شيء آخر، الأسلوب الذي أُدرِكت به هذه اللحظات الفلسفيّة كان عبر ذهول وجوديّ عميق، قبل أن يذكرنا العالم بما سمّاه فلاسفة ما قبل سقراط بـ”أبريون” أو “مبدأ العلل الأولى”. ويصفُ أناكسندر مبدأ العلل الأولى على أنّها المنبت الخام المولّد لكل الموجودات، ويعتبرهُ فيثاغورس أنه المطلق اللا محدود. هذا المبدأ المطلق اللا محدود كان موصوفاً من قِبل الأغريق بأنه لا بداية له، ولا نهاية، وأنه خالدُ لا يطرأ عليه الفساد. إذا كان مبدأ العلل الأولى يمثّل روح الغموض لفلاسفة ما قبل سقراط، وفوق كلّ هذا هو يمثّل لديهم “السرّ الأعظم”، ذلك لأنه ينبثق، لديهم، كشيء إلهيّ يحوي عنصراً من الإبهام، لذلك قال أرسطو أنها لا يمكن أن توجد وجوداً حقيقياً، ولكن توجد كاحتمال وإمكانيّة.

بالنسبة إلى أرسطو، “فإنّ اللامتناهي هو الإمكانية المفتوحة لاكتساب المزيد -رغم الكثير الذي اكتسبتَه بالفعل- بمعنى أنّه لا يوجد شيء تكتسبه هو متناهٍ، وإنّما هو كُليّ أو متكامل”. إنّ اللاتناهي، في نهاية المطاف، هو مبدأ مكوّن لمفهوم المرء عن اللانهاية. واللانهاية هي أصل لا نهاية له لكلّ ذلك. فكما يقول أتباع المذهب الأبانيشاديّ، فإنّنا إذا نزعنا اللانهائيّ عن اللانهاية، فإنّ اللانهاية لا يمكن محوها على أيّ نحو كان؛ لأنّه ليس بإمكان المرء أن ينزع أيّ شيء عن اللانهاية. وبالتالي، فإنّ ما يكمنُ في نهاية الطريق هو في حقيقة الأمر ما هو كائنٌ في بدايته. وكما يصوغ ذلك فتغنشتاين ببراعةٍ، فإنّ “ما هو نهائيّ في اللانهاية ليس سوى اللانهاية ذاتها”. ما ليس بنهايةٍ هو المستمرّ. فنحن نقول عن شيءٍ ما إنّه مستمر عندما يكون هذا الشيء غير مفكّك أو متواصلاً.

يعتنق اللاهوتيون مفهوم الاستمرارية في الحياة على أنه سلسلة من الوجود، بمعنى، لو كان الإله موجوداً فهذا يعني أن هناك وصلةً وجوديّة بين الله والإنسان، والذي، بالمقابل، يعكس الفهم عن طبيعة الآمرية التي فرضها الله عليه، على الإنسان. بمعنى آخر، الإنسان قد اتّخذ مكانه من سلسلة الوجود العظيمة و “مهما كان فعله فهو صحيح” كما قال ألكسندر بوب في كتابه “مقالة في الإنسان”. ونحن نعلم كيف ألتقط فولتير هذا المعنى، جاعلا منه سخرية كاملة في مسرحيته “كانديد”. فوفقا للسيد “بانقلوس”، أحد شخوص مسرحية فولتير، فإن في هذا العالم ” كل شيء هو الأفضل في أفضل العوالم الممكنة”. وأهمية فولتير ليست فقط كامنة في أن أعماله ناقدة وتحريضية، وهي الروح التي أنت بحاجة ماسّة لها كفيلسوف شابّ، وإنما هي مهمة لكل حركة فلسفية تحمل على عاتقها همّ تغيير الوجه الموروث للمجتمع ومؤسساته.

وكونك فيلسوفًا يعني ألا تصادق على المبادئ العامة التي ترى جاهزيّة معنى الحياة. كما يؤكد أسكار وايلد هذا المعنى وبقوّة: “هنالك لحظات يختار فيها المرء إما عيش حياته بامتلاء وعمق وتَمام، أو يجرّ على نفسه وجودا مزيّفا سطحيّا ومهينًا، وهذا الذي يحتاجه العالم المنافق”. هذه هي لحظتك الفلسفية الآن، إن كنت تعاني من الآلآم، أن كنت تعاني ألمًا وجوديّا، فلا تلم الفلسفة. ألقِ باللائمة، أولا، على العالم الذي تعيش فيه. ثانيًا، على عقلية القطيع التي تقتل وتحطّم كل صور الأسئلة. فالجماهير لا تحتاج للأسئلة لأن لا شكوك لديهم حول أية شيء. وهم خلو من الشكوك لأنهم يحكمون بالخير أو الشر على الأشياء دون حتى التفكير بها. ومن الخطأ، وهو سلوك غير فلسفي، أن تدّعي معرفة كلّ الإجابات. لكنّ الفلسفة تأخذ وقتها في التفكير في الأسئلة المصاغة على هيئة يقينيّة مطلقة والموجهة للجماهير. التفكيرُ، إذن، يكون فلسفيا وتأمليّا إذا كان نابعًا من الأسئلة (تثوير الأسئلة) (طرح الأسئلة). كفيلسوف، عليك أن تحمل مصير التفكير على عاتقك وتواجه أعباء الأسئلة، دون حتى التساؤل ما إذا كان هذا الطريق يؤدي إلى الشهرة. والآن، أرجوك أن تتفهم أن الفلاسفة لا يمارسون التفلسف من أجل أن يصبحوا مشاهير. هناك طرق عديدة للنجوميّة في عالمنا هي خارجة عن اهتمام الفليلسوف. لذلك، تجنب الشهرة كما تتجنب المحن والطاعون ومرض الإيبولا. وتذكر ما قاله الأغريق عن اللا نهاية، لأن الأمر ذاته ينطبق على الفلسفة.

الفلسفة هي التفكير على نحو غير محدود، ونحن إذا طرحنا جهود الفلاسفة من الفلسفة، فإنّ الفلسفة لا يمكن محوها بأيّ شكلٍ كان؛ لأنّه ليس بإمكان المرء أن يجعل إمكانيّة التفكير بمبعدٍ عن الفلسفة.  الفلسفة يجب أن تكون في عالمها ولوحدها وأن تجد كلّ شيء بنفسها. على هذا النحو، كفيلسوف شابّ، يمكنك أن تجد طريقك ومن ثمَّ أن تستمر في النمو بهدوء، ولكن بصورة موثوقة. هناك الكثير مما يمكنني قوله لك، ولكن، ورغم كل شيء، أنت بحاجة لأن تفكر لوحدك في حياتك الفلسفية. ولا تنسَ، الفلسفة مرآة، وستعكس للفلاسفة ما يفكرون من خلالها.


الترجمة لرسالة من كتاب: (Letters to a Young Philosopher – Ramin Jahanbegloo (OUP India 2017

error: