مساءلات حول تجليات الحداثة وما بعدها – غريغوار مرشو


تجليات الحداثة ومفاهيمها

سوف أتناول في مقاربتي هذه عدة مساءلات تنصب ، في غالبها، حول تجليات المفاهيم  الحداثية  في الفكر الغربي وكيفية استدخالها في الفكر العربي . لكن تناولي لهذه المساءلات سوف يكون من مواضع متعددة ومن منطلق يتضافر فيها الطرح والنقد. وذلك لما اتضح لي ان مستقبل الفكر الحداثي العربي المعاصر لا يزال معظم المشتغلين عليه أسيرين، في تمثلهم للفكر الغربي الحداثي في قضاياه واشكالياته وأصوله، لقاعدة الانتقائية أو الابتتار  المتمثلة بتطويع  هذا الفكر المقتطع عن سياقه في دفاعهم عن أكثر اطروحاتهم تكرارا وعدمية . هذا فضلا عن الخلط بين الاشكاليات  التي تتناول مسألة  الحقيقة من منظور فكر الاختلاف والدفاع،في الوقت نفسه،عن مواقف  تنخرط  في اشكالية الفلسفة  التقليدية لترسخ الخلافات وجوهرتها على اساس انها اختلافات عنصرية واتنية

 

 الحداثة من منظور نقدي ما بعد حداثي

بداية، لا بد من التساؤل حول دور الفلسفة الحداثية  وماهيتها  ووظائفها بغية تفكيك صروحها  المصنمة وخلخلة تمركزاتها العديدة التي كان  للفكر  الغربي الممأسس دور بارز في ترسيخها وتأزيلها وتأبيدها  واسطرته،كالتمركز اللاهوتي  والتمركز العرقي والتمركز الثقافي والمعلوماتي. وقد تجلت هذه التمركزات القائمة على التقسيمات  التقابلية الثنائية للميتافيزيقا(لموراءالطبيعة)،حينما أعادت الفلسفة الاوروبية الحديثة  الممأسسة ،على نحو سافر،أقلمة هذه التمركزات في الاطار الاغريقي القديم لماضيها الخاص ونافية لما قبلها ولما بعدها في الحضارات الاخرى ، وتأصيل له على نحو اعجازي. وذلك انطلاقا من حركة التأورب التي قادتها  الرسمالية والتي اسطرت العقل الاوروبي وبنت جسورا له تمتد للعقل الاغريقي.قافزة بذلك فوق مختلف الحواجز التاريخية والاجتماعية  والجغرافية  لاقصاء تعددية المنابع والاصول المتوسطية  والمشرقية وغيرها في تشكلها. هذا التصور المتعالي مؤداه بأن الفلسفة أوالعقل أو باختصار,الحداثة  الغربية  هي هبة الهية ربانية تخص شعبا بذاته دون غيره ، وهي حكر على على الفلاسفة أومحترفي الفسفة(حب الحكمة )الغربيين  وليس لمن يشاء من البشر، في الوقت الذي نرى فيه أن الحق في الفلسفة  مرتبط  بالحق الطبيعي في الاختلاف المثمر الذي يعني ممارسة الحرية للجميع

بيد أن مع ظهور الفلسفة النقدية وتنامي الكشوفات  العلمية المتزايدة  تراجعت  اسطورة  المعجزة  اليونانية  وتجلياتها  المتمثلة بالحداثة الغربية وباتت المطالبة من قبل فلاسفة حداثيين جدد وما بعد حداثيين-بوقف التشريعات المعرقلة للفلسفة ،التي تعيق ممارسةحقها الطبيعي بالتشريع لمختلف  الحقول  بما فيها حقل السلطة ،وعلى ممارسة العقل  كسلطة . اذ كثيرا ما يصبح العقل  تابعا  لشمولية ما ,تحكمه عوضا أن يحاكمها ،وتفرض عليه قيود،فتسكته وتتكلم  بالنيابة عنه. بذلك يغدو العقل أداتيا كما هو في زمن  سيادة  تكنولوجيا  الرأسمالية  الحديثة ,أوتواصليا (كما يرى الفيلسوف الراحل جرجن هابرماس)في عصرنا الحالي ,عصر التواصل,الذي تتسيد فيه عولمة الرأسمالية الجديدة حيث يتم تقليص مهام ومسؤوليات الدولة تجاه المجتمع  المدني خاصة  بعد انهيار الاتحادالسوفييتي  ،وتأخذ فيه عمليات  نقل رؤوس الاموال  والمعلومات والصور والسلع طابعا شموليا يحاول تنميط الفلسفة وتسليع البشر والقيم  والمفاهيم وفق معايير السوق.الا أن الفلسفة  بمفهومها الجديد ,تصبح- بنظرنا-أكثر حيوية حينما تمارس حقها  بالنقد  والمساءلة والحفر والاستنطاق  والتفكيك كلما التقت  بمنافسين متهورين .وخصوصا  في أيامنا هذه حيث لن تتحقق استقلالية   الفلسفة  كمؤسسة  للحق  في النقد  والاختلاف والمساءلة  والمسؤولية,الا حين تغدو الفلسفة  نفسها محاكمة تقول نفسها وتتفكر نفسها  وتحاسبها .وتمارس حقها  الطبيعي  في نقد كل جمود ،بما في ذلك جمود العقل ,أي عقل كان : تواصلياأم تكامليا أم تا صيليا في دائرة الجزئيات  والتنميطات.لأن  حقها  في النقد  وفي السؤال هو حق  سابق  لكل حق

 

أنطلافا من  هذا المنظور ,يكننا  القول: اذا كان يحق لنا اعادة طرح  السؤال عن أسباب تجميد الفلسفة العربية وكيفيات تخثيرها, يتوجب علينا البحث خارج أسوار هذه الفلسفة,لكن ليس  في المنقول أو المنسوخ الفلسفي أو المأصول منه ,كما يذهب الى ذلك بعض دعاة  التأصيل الذين  لايزالون غارقين  في  تأسيس  وتأصيل تعالينا واثباته  دون اكتراث  بصيروتنا . فقد تركوا الصيروة تنحبس  في  سياج التاريخ  الغابر تارة في امجاد الاسلاف  المتسيدين من سلاطين  وفقهاء وتارة اخرى في مفاهيم  التعالي  المستجلبة من فكرالاخر الغربي  الممأسس، وهذا ما يجعلنا نهزم ونشيخ في التاريخ ومعه ان لم  يفض الى قذفنا خارجه

 

أمافيما يتعلق بأقلمة المفاهيم  وتبيئتها ثم ارتحالها ,فنستطيع القول في تتبع  تاريخ  العالم الحضاري القديم لحوض البحر الابيض المتوسط ,أننا نجد أنه لم تقم  للمجموعات  السلالية للبشر كيانات محددة الا داخل اقليم معين أوأستيطان ما،وكانت مدن حضارات  القديمة وممالكها  تحقق حركات الأقلمة هذه ,عبر اسواق المدينة  وشبكاتها التجارية والامتداد الامبراطوري ل(المدينة -الدولة)،وعبر علاقات التفاعل  والتبادل  المختلفة ,وعبر منافذ امبراطوريتها التجارية والثقافية,وعبر الحروب

 

ضمن هذا المنظور ,لم يكن الغرب,في العصور القديمة ,سوى موضوع  جغرافي في اذهان الجغرافيين مختلط أينما ذهبنا بالشرق, ولا بتحدد كأقليم الا عندما تشرق الشمس ,لكن مع ظهور الرأسمالية  أضحى قوة تنزع احتلال وامتلاك الافق كله, وتأسس الغرب ايديولوجيا كصيرورة قابلة للتعيين ,أنتجتها  الذات المتمركزة حول ذاتها وتأسست معها الهوية والتصورات الميتافيزيقية في القرون الوسطى على خلفية لاهوتية.لكن الغرب في العصر  الحديث أصبح مفهوما بالقوة بحيث اخذت اعادة الأقلمة  موضعا  مميزا فيه ,وقد تمت تلك الحركية في اطار(الدولة -الامة) ومع روح الشعب  وتصوره للقانون على أساس أنه قانون كوني يتم بموجبه استنساب هذه الدولة -الامة نفسها  للعقلانية وتنميط الشعوب الخارجة عن كونية منظورها باللاعقلانية ووفق معايير بيولوجية

الا انه في العقدين الاخيرين ,اتخذت أقلمة المفاهيم  في ظل العولمة  وتيرة متسارعة مما أدى الى انتشار أنماط

من التفكير والحياة يعمل ترويضها  تبعا لمعيارية اقتصاد السوق وقيمه وأخلاقيته  النفعيةالمركنتيلية(الاتجارية)التوسعية . وما معيارية”حقوق الانسان”الذائعة الصيت والتي تخفي وراءها معيارية انسان  السوق سوى تضليل  يراد به تشكيل رأي عام شمولي ,يهدف  الى تحقيق اجماع قادر على  غربنة وتسليع  الشعوب والدول والسوق عبرعولمة جارفة تبغي الوقوف سدا منيعا  في وجه صيرورة الشعوب  المستضعفة بغية استباحتها, بعد انهيار الاتحاد السوفييتي،واستلحاقها بما سمي بالنظام  العالمي الجديد بكيفية قسرية  عبر اليات  استشرااقية ميتافيزيقية ,تحت راية صدام الحضارات,أو بذريعة استئصال  شأفة    الارهاب,المكنى بالاسلام السياسي على أنه المهدد  للسلام العالمي  بعد توسله وتغذيته وتصنيعه وتسليحه وتمويله وعولمته بالتوافق  مع أاذرعة محلية  واقليمية  للاجهاز على  الاتحاد  السوفييتي ثم توجيه  بوصلته الى المشرق على خلفية الصراع  شيعي- سني في جوهره أماعن مفهوم العقل فقد  تظهر تجلياته عبر  الاسطورة  والدين والسياسة من حيث كون العقل  فاعلية تفكير انسانية طبيعية ، لكن سرعان ما البسته الميتا فيزيقا هوية مختلفة أخرجته فيها عن عقاله  بعدما فصلت فكر الانسان عن جسده،وبنت عوالم من الثنائيات المتقابلة  والمتفاضلة  .لكن هذا لا يعني أن التفكيرالعقلاني نشأ في بقعة محددة من كوكب الارض دون سواها,كما يدعي  نمط التفكير الميتافيزيقي التمركزي باعتبار أن أشكال التفكير لا ترتبط بالعرق  والجغرافيا – مثلما انتهى اليه محمد عابد الجابري في كتابه نقد  العقل العربي[1] – وانما  بمجمل  عوامل  مختلفة  ومتضافرة ، وهي ان صدرت عن العقل فقد تلونت بألوانه وتشكلت بمختلف اشكاله…الخ  .من هنا جاء النقد  الذي خضع له مفهوم العقل  وشتى تمظهراته  وارهاصاته ,ليحمل في ثناياه اتجاهين على يد الفلاسفة الجدد,ابتداء من اواخر  الستينات واوائل السبعينات .يرمي الأول  الى تخليص المفهوم  مما ألحقته به الميتافيزيقا  من حمولات ومركبات خارجة عنه  وعن طاقاته وقدراته ،وامتد الى نقد الحداثة ومذهبيات القداسة  والمطابقة  ومختلف تمركزاتها  على يد أمثا ل  ميشيل فوكو وفرانسوا ليوتار وجاك  ديريدا  …وهدف الثاني  الى الحفاظ على مكتسبات العقل  وابقائه  الموجه للحداثة بوصفها مشروعا لم يكتمل بعد على يد الفلاسفة أمثال جرجن هابرماس وادغار موران والان تورين …الخ

 

ولقد تبدى مؤخرا على الساحة الفكرية العربية محاولات عديدة تناولت نقد العقل  في الفكر  العربي الحديث  للبحث عن اسباب الاخفاقات التي مربها الوضع العربي،لكن هذه المحاولات ظلت محكومة  بغياب مفهوم  واضح ومخصوص للعقل في الانتقادات التي تعرض لها . فاما  تلبيسه عقلانية بيانية ممصوصة من الركائز البرهانية  لغلبة العرفانية الهرمسية الدخيلة في الطرف المشرقي  وحضور العقلانية البرهانية في  الطرف المغربي حسب التصنيف الجابري ،واما نزع العقلانية البرهانية عن الثقافة العربية الاسلامية بالمطلق- قديما وحديثا- بموجب المنطق الاستشراقي وتابعيه المندرجين في سياقه والمروج له مؤخرا الشاعر أدونيس[2] المميز بشاعريته الفريدة والمنفتحةعلى العالمية ,واما التأكيد على وجودها- وهذا اكثر صحة -أداتيا ونقديا في فترة النهوض الحضاري للثقافة  العربية الاسلامية  قبل اندحارها كما جاء  في الدراسات  المعرفية أو الابيستيمية القيمة للتراث للمفكر جورج طرابيشي[3] …الخ

ما بعد الحداثة ودعواها لمقولة التفكيك

فما نراه  اليوم عند فلاسفة  ما بعد الحداثـة هو توسل التفكيك كاستراجية لممارسة الاختلاف، اي كطريق  مختلف  يشكل قطيعة مع فكر العقلانية  التي تمخض عنه العقل الاداتي ،لأن  التفكيك  كممارسة فلسفية  يندرج في اطار صيرورة لا تنتهي ،وهي مفتوحة ولا متوقفة تستنهض العلاقات التي تمدهاجسورا بين المفكربه واللامفكربه,أو بين الفكر والواقع أو بين الذات الفاعلة أوالمتمركزة على ذاتها والاخر المقصى والمهمش .ثم تنهل من التراث النقدي  للمعرفة من غير التساهل  مع ادواتها واليات اشتغالها ،وتعي تلك الممارسة  المفعولات  المختلفة لعملها ,وما ينتج عن ذلك،ولا تكف  عن تفكيك  أدواتها  هي وتجديدها  الدائم ,والتفكيك  حسب  فلاسفة ما بعد الحداثة ليس منهجا  يتبع  قصد  تحقيق  غاية  أو هدف 

 الالتفاف على اطروحات ما بعد الحداثة 

  الا أن  على الرغم مما بلغه معظم فلاسفة ما بعد الحداثة  من فتوحات جديدة في حقول  المفاهيم يبقى   علينا طرح  الاسئلة  التالية:اذا كانت استراتيجية التفكيك هي الهاجس  الاساسي  في بحوثهم، فما هو الضامن لعدم وقوعها في التفتيت  والتذرير  ومن ثم في العدمية ,في حال  غياب  علائقيتها بالتركيب  ؟ هل يعقل    أن  يشتغل  هذا التفكيك دون أن يكون له هدف ما ؟

 

لنسلم  بأن على الفلسفة أن تخرج من الانساق  المغلقة  لفسح في المجال  للعقل  المفتوح أن يتمتع بالاختلاف،    ولنسلم أيضا بأن لا بد من تحرير  الميتافيزيقا من شرك التمركز  على الذاتية  المطلقة والهوية المغلقة،وان الحقيقة  نسبية  ومتعددة  الوجوه  ولا يمكن القبض  عليها بالمطلق. فهل يلغي كل هذا مقتضيات  التركيب، للشروع  في استراتيجية  نهوض فكري ، حيث  تصبح  وجوه الاختلاف لا تنفي وجوه الائتلاف أو التفاعل  ؟

  ان ضرب ستار من الصمت  على مثل  هكذا تساؤلات حول المفاهيم الجديدة ل بعد الحداثة يجب ألا يوقعنا من جديد في اسار  التقيد الحرفي  بنفس الاسئلة  وأجوبة  واشكاليات  ما يطرحه الفكر الاوروبي الامريكي على نفسه ؟ ألا يحاكي  هذا الطرح أصحاب  الدعوات  السلفية  الذين صاروا،بتقليدهم  واعتمادهم  الكلي  على السلف في أكثر مراحل جموده وا نغلاقه المظلم، عالة على اسلافهم  المبدعين ؟ثم الا يعوموا،ابتداء من اربعة عقود ، وخاصة في العقد الاخير، مع موجة ما سمي بالربيع العربي, أشد الافكار  تعمية  وارهابا  تحت رايات  اسلاموية مستتبعة لقوى خارجية واقليمية ومحلية؟

خلاصات

في نهاية التحليل أقول أن كل من ينطلق من فكرة أو مفاهيم  مسبقة الصنع، بنت سياقها الاجتماعي  التاريخي ويبغي  التقدم بموجبها ، يحسن به التراجع عنها،لان تجارب  السابقين  من تنويريين  عرب  او غربيين ليست نماذج كاملة نعمل على احتذائها  أو تطبيقها،بقدر ما هي أفكار يقتضي صرفها وتحويلها في معترك التجربة .باختصار  انها معطيات  لابد من الاشتغال عليها  للكشف عن محجوباتها ، ومن ثم صرفها  واستثمارها  بصورة تتيح  لنا أن نخرج في ممارستنا لوجودنا مخرجا أكثر  معرفة  وثراء وقوة،سواء من علاقتنا  بذواتنا أو بالغير والعالم …الخ

 فما أحوجنا اليوم الى ادخال تجديد على المقررات المتداولة في جامعاتنا  ومدارسنا وتفعيلها بمستحدثات تتواءم مع الاحداث  والكشوفات  المعرفية ، ثم استبدال مقررات باخرى أكثر جدية وفاعلية .اقتراحنا هذا

يأتي ابان ما أنجبته الساحة الفكرية العربية من مفكرين لهم مساهمات هامةوقيمة،لكن مقصية ومهمشة ،حول  القضايا  المعاصرة التي تشغلنا  وتقلقنا ،وحول الاحتمالات التي تسهم  في تجاوز  معوقات  نهوضنا الحضاري.  وتعود بواكير هذه المساهمات الى الثمانيات من القرن العشرين  وفي مجالات  واختصاصات  متعددة ومتنوع،ولكن لم يكتب لها أن تزدهر وتثمر داخل مؤسساتنا   العلمية والتعليمية.ثم اذا أردنا  لأية وحدة   مجتمع  أن تستقيم   ويتم تفعيلها  يفترض  تعضيد العلاقات ما بين مجمل  الاختصاصات للاستفادة  من تلاقح   المهارات والخبرات والكفاءات  بما يعود بالنفع  على المجتمع  ككل  ويدفع هذا الاخير نحو التقدم,والا اي احتكام  الى نوع من تراتبية مسيجة  بمعايير  قيمية واحكام تعسفية منمطة، تضفي على القلة المفكرة  مميزات في قطيعة  نوعية  أو شبه  بيولوجية عنصرية عن العامة، يعني نسف اليات الحراك  الاجتماعي وجدلية  التعليم والتعلم ما بين الطرفين. ولا ريب أن كل الحضارات  التي تصورت أن نخبتها  المفكرة  قد بلغت ذروة التاريخ وكمال العقل، لاقت حتفها بالسقوط، ونشأت على أنقاضها حضارات أخرى،تعيد النظر بنقدية  في  التصورات الميتافيزيقية  للنخبة  التي صنعت  سابقاتها. فهذه هي طبيعة صيرورة التاريخ البشري لا تنتظر ما يروجه  أصحاب نهاية التاريخ الذين  يستنطقونها على هواهم الايديولوجي ,بما يعزز مقولة القوي يظل قويا  أبدا والضعيف أوالمستضعف يبقى ضعيفا  أبدا . الا يدل ذلك  على أن التاريخ حينما يتوقف  عن تفاعلاته مع صيرورة  الوجود الاجتماعي يتحول الى صنم  ويؤبد اسعباد الشعوب وقمعها ماديا ومعنويا؟ 

 

ثم السؤال الان هل الرد على  الاطروحات الحداثوية المحلية وكل ماوقعت فيه من تخبطات  يتجسد  في   امتشاق رايات العودة الى الاصول وتكفير  المجتمع  برمته بحجة السلف خير حاضن  لكل الحلول للخلف أللامسؤول؟ ثم ألانحتاج الى اعمال الفكر،تحليلا ونقدا، للتراث المستبطن في اللاوعي الجمعي بتأولات فقهية  معوقة ومقصية  لفاعلية العقل واناراته؟

بناء على ما تقدم ,أقول لتأمين  احتمالات نشوء وانضاج  عقلانية  منفتحة متفاعلة  مع الحاجات  الحيوية   والتطلعات النهضوية  الحرة لبلادنا،ثم الانعتاق من حالات الهزائم المتلاحقة المذلة التي تتهدد وجودنا بتفسيم المقسم  وتجزيء المجزأ في ظل الاحتلالات الزاحفة  المتكالبة على المنطقة  مجددا،لا مناص من العودة الى الذات  واسقراء  واقعنا وما حكمه و يحكمه  من تحديات  خارجية وداخلية . وذلك من أجل اجتراح أسئلة

وأجوبة جديدة تتواءم مع حجم المسائل المطروحة .فعلى ضوء هذه المسائل وغيرها،علينا القيام أيضا بمراجعة نقدية تاريخية اجتماعية ومعرفية لأسباب الردود العربية  المنقوصة على هذه المشكلة ابتداء بما يسمى بعصر النهضة وما قبلها ، من أجل استشراف رؤية واضحة ومقبولة لما يمكن أن تكون عليه استراتيجيتنا العربية  المستقبلية في القرن الواحد والعشرين، والا أي استمرار في الاستقالة والتقاعس،على هذا الصعيد ،سيؤدي الى تلغيم القواسم المصيرية المشتركة  الجامعة  بيننا  وتشظيها  الى أشلاء دويلاتية  جديدة  سائغة الابتلاع  من قبل القوى الدولية الطامعة الجشعة المتكالبة على البلاد بمعية وكلائها الاقليميين والمحليين. وان غزو عاصمة  العراق بغداد ما كان الا ناقوسا خطرا منذرا بالانسحاب على الجمهوريات : ليبيا وسورية واليمن والسودان وغيرها من البلدان العربية والافريقية….الخ

في نهاية المطاف، فهلا نأمل ،في زمن النكبات ،الخروج من تحت ركام الانهيارات بالتزام بعقد  جماعي  عربي  للامن  والتنمية الاقليمية  تشارك  فيه كل الفعاليات السياسية  والحقوقية والادارية والفكرية  والاقتصادي، على  اختلاف شرائحها وانتماءاتها؟ وهلا يمكن ان نأمل أيضا في أن يحدد هذا العقد  التزامات  ومسؤوليات  وواجبات كل طرف في اطار مشروع عمل تنموي موحد،ترافقه خطة اصلاحات  اقتصادية وادارية  مشتركة، لمحاربة كل انواع الفساد والأفساد المنتشرة حرائقه في مؤسسات الدول المستتبعة،من أجل خلق  مناخ  جديد  مشجع  على العمل  والانتاج والاستثمار؟ بهذه  وغيرها من  الاعدادات  تتمكن البلاد  العربية  من تضميد جروحاتها  المزمنة والانعتاق  من اسار المواقف المنفعلة  والضحية  المستجدية  دائما  للحق  مما تسمى بالشرعية الدولية الى مواقف فاعلة  في الساحة الدولية   

18/04/2021

France- Bressuire فرنسا- بريسوير 


[1]محمد عابد الجابري , نقد العقل العربي , دار الساقي , عام ,,,باجزائه  الاربعة .1982,1987,1990,…الخ

[2]مقابلة مع أدونيس حول جذور العنف  العربي ,يوتوب  ب ب س  16 كانون  الثاني 2015

[3]جورج طرابيشي ,نقد نقد العقل العربي,دار الساقي,بيروت 1996