الوجود عند ابن عربي: الخيال، ووحدة الوجود، والتّألّه – وليام تشيتيك


وحدة الوجود عند ابن عربي

  • الوجود عند ابن عربي

يعدّ الوجود عند ابن عربي من أهم الصطلحات التي يوظفها، تلك الكلمة التي أَخَذَتْ مَكَانَة فلسفيَّة في الخطاب الفلسفيِّ مع ابن سينا. والوجود -قرْآنيَّا وفي استخدام العرب- يعني الوِجْدان، العثور على الشيء، الوعي بالمتعة والجَذْب. وتسْتخدم بمعنى العِلم بالموجود؛ لأنَّ ما يوجَد هو الشيء الواقع هناك، وما يمكن اختباره. إنَّ فعل الوجود عند ابن عربي (الإدراك، المعرفة، الوعي) لم يغِبْ أبدا عن حقيقة كونه موجودا. وإنْ كان ابـن عربي قد استخدم اللغة السينويَّة أثناء حديثه عن الوجود من جهة الإمكان والوجوب؛. فإنَّه في الوقتِ ذاتِه عالج الوجودَ بمفاهيمَ تأسَّستْ في الوَعْيِ الصُّوفي مثل تحقيق العِلم بامتلاء الله الحضوريِّ، ومعرفة الوعي الإنسانيِّ (دوبيDobie  2007).

من بين الأسماء الإلهيَّة القرآنيَّة اسم (النّور)؛ فالله “نور السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (24:35). واتّصاف الله بالنورانيَّة يعني اتّصافَه بـ الوجود، وكما يشرح القونويُّ:

“اعلم أنَّ النّور الحقيقيَّ يدْرَكُ به ولا يُدْرَك”،.

تماما مثلما تتكشّف الأشياء بالموجود الحقِّ ولكن لا يظهرُ هو ولا يَتَبَدَّى. يتابعُ القونويُّ قائلا أنَّ النورَ الحقَّ

“عين ذات الحقِّ من حيث تجَرُّدِها عن النّسَب والإِضافات” (القونوي، الفكوك، 225).

وبتعبير آخر، النور الحقُّ هو الوجود المطلق الذي يُعْلِن نفسَه في الوجود المقَيَّد. هذا النُّور بالتَّحديد هو الَّذي يَتَأَتَّى به الإيجادُ والوعيُ والإدراكُ. فلا موجودَ بحقٍّ إلا الله، ولا مُوجِدَ بحقٍّ إلا هو، ولا موجَدَ بحقٍّ إلا هو، ويوضِّح ابن عربي هذه الفكرة قائلا:

“واعلم -أيّدكَ الله- أنَّ الأمرَ يعطِي أنَّه لولا النور ما أدْرِك شيئٌ، لا معلوم ولا محسوس ولا مُتَخَيَّل أصلا. وتختلف على النّور الأسماءُ الموضوعةُ للقوى؛ فهي عند العامَّة أسماء للقوى، وعند العارفين أسماء للنور المُدْرَك به،. فإذا أدركتَ المسموعاتِ سَمَّيْتَ ذلك النورَ سمعا، وإذا أدركتَ المُبْصَرَاتِ سميتَ ذلك النورَ بصرا،. وإذا أدركتَ المَلموسات سمَّيتَ ذلك المدْرَك لمْسا، وهكذا المُتَخَيَّلات؛ فهو القوَّة اللامِسَة ليس غيره، والشامَّة والذَّائِقَة والمُتَخَيِّلَة والحافِظَة والعَاقِلَة والمُفَكِّرَة والمصَوِّرَة، وكلُّ ما يقع به إدراك فليس إلا النُّور. وأما المُدْرَكَات، فلولا أنها -في نفسها على استعداد به- تَقْبَل إدراكَ المدرِك لها ما أدْرِكَتْ، فلها ظهور إلى المدرِك، وحينئذٍ يتعلَّق بها الإدراك. والظهور نور؛ فلا بد أن يكون لكلِّ مُدرِك نسبة إلى النور بها يستعدُّ إلى أن يُدْرِك؛ فكلُّ معلوم له نِسْبَة إلى الحقِّ، والحقُّ هو النُّور؛ فلا معلوم إلا الله على الحقيقة”. (ابن عربي ، الفتوحات المكية، طبعة 1911،3:276-77 ).

  • وحدة الوجود عند ابن عربي

في العادة، يعدّ كثيرون ابن عربي مؤسِّسَ عقيدة وحدة الوجود ، أو واحديَّة الوجود، ولكن، هذا قَوْلٌ مضَلِّل؛. فابن عربي لم يستخدم هذا التعبير مطْلَقا، بل إنَّ المقاطع التي تمُتّ إلى هذه العقيدة بصِلة ليستْ ذاتَ أهميَّة خاصَّة،. وليس لها تلك المكانة عند من يَنْزِع إلى القول بـ وحدة الوجود الضروريِّ في الفلسفة واللاهوت المُعَاصِرَين. والسبب وراء اختيار وحدة الوجود بالذات في محاولة تأطير ابن عربي فلسفيَّا ليس واضحا. قد يكون السببُ تركيزَه على التَّوحيد كمبدأ هادٍ له، وإعطاءَه الوجودَ مكانة خاصَّة في لغته. ومن تمام الوضوح عنده أنْ لا موجود بحق إلا الله، وما من شيء غيره إلا وهو زيف. ولكن، لا يُعَدُّ هذا القولُ إلا طريقة أخرى للتعبير عن ما قاله ابن سينا قبل ذلك؛ أنَّ كلَّ الأشياءِ ممكنةٌ أو مُحَتَمَلةُ الوجود؛ من أجلِ حِفظ الموجود الضروريِّ.

باختصار، نقول: إنَّ ابن عربي وحتى أتباعه -كالقونوي- قد ركَّزُوا على الوجود الحقِّ؛ الواحد المتفرِّد الذي يستمدُّ منه كلُّ وجودٍ وجودَه. وعندما استخدمَ بعضُ أتباعِه -في مناسبات- نادرة تعبيرَ وحدة الوجود لم يُعْطوه معنىً فَنِّيَّا. وأوَّل من نَسَبَ القول بـ وحدة الوجود إلى ابن عربي هو الحنبليّ المتَكَلِّم ابن تَيَمِيَّة (توفي 1328)، والذي عَدَّ هذا القولَ أشنعَ من الكفر. ووَفقا له، تعني هذه العقيدة أنْ لا وجود لثمَّة تَغَايُر أو مُفَارَقَة بين الله والعالَم. وقد أثار هجومُه جدلا طويلا حول هذا المُصْطَلَح، ولم يحاول أحدٌ تعريفه إلا قليلا.

نسِبتْ إلى هذه العقيدة سبعةُ معانٍ مختلفة في الأدبيَّات اللاحِقة، وحَذا المستشرقون حَذْوَها معْلِنين اختراع ابن عربي لهذه العقيدة،. وبالتالي كانوا يفسِّرونها تفسيرا سلبيا على مثال ابن تيميّة، وكانَ الأقلُّ شيوعا أن تُفَسَّرَ بشكل إيجابيٍّ، (مثلما فعل عبد الرحمن الجامي (توفِّي 1492)؛. أوَّل المدافعين عن ابن عربي ، وأوَّلُ مُعْتَنِقِي هذا التعبير) (تشيتيك Chittick 1994).

.

  • طلاقة الوجود عند ابن عربي

وتسمية الموجود الحقِّ بالواحد يعني الحديث عن وَحْدَة الذَّات. وبلغة أخرى، يمكن القول أنَّ الموجود -النّور في ذاته- مطَلَق؛ لا يقيِّده زمان أو مكان، لا يعَرَّف ولا يَتَعَرَّف، واضح في خفائه، خفيٌّ في وضوحه. وعلى نقيضِ ذلك، كلّ موجود سواه مدْرَك ومعَرَّف ومقَيَّد. ورغم أنْ ليس للحقِّ كفوًا أحدٌ وأنَّه العَلِيّ، إلا أنَّه يَتَجَلَّى في كل شيء؛ ومن أجل ذلك يشَابِه ويحَايِث. بل إنَّه يَحوز تمام الطَّلاقة التي لا يقَيِّدها ثمَّة إطلاق. يقول ابن عربي :

“واعلم أنَّ الله تعالى لَمَا كان له مطْلَقُ الوجود، ولم يكن له تقييد مانِع من تقييد، بل له التَّقييداتُ كلّها؛. فهو مطلق التَّقييد، لا يحكم عليه تقييد دون تقييد، فافهم معنى نسبةِ الإطلاقِ إليه” (ابن عربي ، الفتوحات المكية، طبعة 1911، 3:162.23).

  • الخيال

يلعب الخيال -كما يوَضِّح كوربان Corbin – دورًا كبيرًا في كتاباتِ ابنِ عربي. على سبيل المثال، يقول ابن عربي في فتوحاتِه مُتَحَدِّثا عنه:

“وليس بعد العِلمِ بالأسماءِ الإلهيَّة ولا التَّجَلِّي وعمومِه أتمُّ من هذا الرّكْن” (ابن عربي ، الفتوحات المكية، طبعة 1911، 2:309.17).

وكثيرا ما وجَّه ابن عربي سِهام نقده ضدَّ الفلاسفة واللاهوتيِّين بسببِ عَجْزِهِم عن إدراكِ الحَاجَةِ المعرفيَّةِ إليه. يرى ابن عربي أنَّ العقلَ كلمةٌ مأخوذَةٌ من العِقَال؛ لذا ليس له غير أنْ يقَيِّدَ أو يحَدِّدَ أو يحَلِّلَ فقط. ولِلعقل أنْ يدْرِك الفَرْقَ والتَّباين، وله أنْ يستوعِبَ تَعَالِيَ اللهِ ومخالفَتَه للحوادث. في مقابل العقل، نجد أنَّ الخيالَ الصَّحيحَ المنْضَبِط يملك قدرةً على معرفةِ التَّجَلِّي الذَّاتيِّ لله في كتبه الثلاثة جميعِها. ولا يمكِن بحالٍ تأويل اللغة الرمزيَّة والأسطوريَّة للكتاب المقَدَّس .-مثل التَّجَلِّي الذَّاتيِّ للرّوح والكون، الدائم الاستمرار، غير المتَكَرِّر أبدا- بِمَعْزِل عن العَقْلِ المقَيَّد.

إنَّ ما أسماه كوربان Corbin  بالخيال الإبداعيِّ (مصطلح لا نجد له مكَافِئًا يساويه في لغة ابن عربي) لا بدَّ له أنْ يَتَكَامَلَ مع الإدراكِ العقليِّ. إنَّ مستقر الوعيِ والمعرفة هو القلب في اللغة القرآنيَّة، والقلب كلمة لها نفس الحِسِّ اللغَوي للتقَلّب وعدم الثَّبَات. والقلب -عند ابن عربي- له عينان؛ العقل والخيال، وتغَلّب أحدِهما على الآخر يؤدِّي إلى انحِراف الوعي والإدراك.

إنَّ المسْلَكَ العقليَّ للفلاسفة واللاهوتيِّين في حاجةٍ إلى أنْ يخطوَ تجاهَ الكمالِ عن طريق حَدْسِ الصّوفيَّةِ الرّوحيِّ، أو الكَشفِ الذي يَسْمَح برؤْيَةٍ خَيَالِيَّة غيرِ تَخْيِيليَّة. وعلى القلب، الواحِديِّ الوعي أنْ يتناغمَ مع تَقَلّبِه الخاصِّ؛ فيدرك الله -في إحدى نَبَضَاتِه-. مفَارِقا لمخلوقاتِه بعينِ العَقْلِ، ثم يراه بعد ذلك مشَابِها بعينِ الخَيَال. ولنا أنْ نقارِبَ هاتين الرؤيتين عن طريق اسمي القرآنِ الرئيسَيْنِ؛ القرآن (الجَمْع)، والفرقان (الفَصْل).

هذان المعنيَان يحدِّدان الملامِح الأنطولوجية والإبستمولوجيَّة؛. فالاسم الأوَّل يلمِّح إلى توحيد الوجود الواحديِّ (المتَصَوَّر بالخيال)، ويفصِل الثاني بين المعارِف والإدراكاتِ المتَعَدِّدةِ (المدْرَكَة بالعقل). والحقّ في حقيقته، -كما يوضِّح ابن عربي كثيرا- هو الواحِد الكثير؛ الواحد في ذاتِه، الكثير في أسمائِه، وأسماؤه هي أصْل التعدّدِ والتَّقييدِ والحَدِّ. يرى القلب بعين الخيال واجبَ الوجودِ حاضرًا في كلِّ شيء، ويلْحَظ بعين العقل علوَّه وتَعَدّدَ الوجوه التي يَظْهَر عليها.

“فمن وقفَ مع القرآنِ من حيث هو قرآن، كان ذا عينٍ واحدةٍ أَحَدِيَّةِ الجَمْع، ومن وقفَ معه من حيث هو مجموع كان في حقِّه فرقانا؛. فشاهَدَ الظَّهرَ والبطنَ، والحَدَّ والمطْلَع، فقال لكل آية ظهر وبطن، وحدّ ومطْلَع، وذلك الآخر لا يقول بهذا، والذوق مختلف. ولمَّا ذقْنَا هذا الأمر الآخر، كان التَّنَزّل فرقانيا، فقلنا هذا حلال وهذا حرام وهذا مباح،. وتَنَوَّعتْ المشارب، واختلفتْ المذاهب، وتميَّزَتْ المِراتِب، وظهرتْ الأسماء الإلهيَّة والآثار الكونيَّة، وكثرتِ الأسماء والآلهة في العالَم” (ابن عربي ، الفتوحات المكية، طبعة 1911، 3:49.16).

عندما يتحدَّث ابن عربي عن الخيال، على أنَّه إحدى عيني القلب، فإنَّه يستعمل اللغة التي وضعها الفلاسفة أثناء حديثهم عن قوى الرّوح. ورغم ذلك، نجد أنَّه كانَ أكثر عناية بالحالَة الوجوديَّة للخيال، والتي لم يلْقِ لها الفلاسفة الأوائل بالا، إلَّا قليلا. وقد كان استخدامه للخيال ينسجم مع معناه الحياتيِّ الذي يداني الصّورةَ أكثر من الخيال. وقد وظِّف للإشارة إلى انعكاس الصور، والخيالات، والأمور المفْزِعة، وكلِّ ما قد يتبدَّى في الأحلام والرّؤى،. و يعَدّ بهذا المعنى مرَادِفا لمصطلح المِثَال الَّذي فَضَّله كثيرٌ من الكتَّاب المتَأَخِّرين.

يلحّ ابن عربي على أنَّ الصّورةَ تَجمَع بين جانبين اثنين، وتعمل على توحيدهما في واحدٍ أَحَدٍ؛ لذا يتشابهان ويختلفان في الآن نفسِه. وانعكاس الصّورة، يعني المِرْآةَ، والموضوعَ المنْعَكِس معا، أو أنَّه لا يَعْنِي المرآة ولا الموضوع. والحلم هو الرّوح والمَرْئِيّ معا وإلا ما هو الرّوح وما هو المرئيّ. والصوَر بطبيعتها هي/لا هي. وبعينِ العقل، لا تكون الفكرة إلا صحيحةً أو خاطِئةً، أمَّا عين الخيال، فإنَّها ترى المفاهيمَ صورا،. وتقول بخطئها وصوابها في آن واحد، أو بانعدام الخطأ والصواب معا. ولا تظهر تطبيقات هذه الأنطولوجيا إلا عندما ننظر إلى عوالم الخيالِ الثَّلاثة.

وبالمعنى الواسع، تصف الصورَة/الخيال كلَّ ما عدا الله؛ الكون كلَّه، باعتبار عرضيَّتِه وفنائه. وهذا ما أَسْمَاه ابن عربي بالخيالِ المطْلَق. وإنَّ، كلَّ كلمة مطلقة منطوقَة في أنفاس الرحمن، لا تنكَشِف إلا في شكلِ موجودٍ مقَيَّد. وما من شيء إلا وهو وَجْه من وجوه الله؛ إعلان لأسماء إلهيَّة بعينها، وفي الوقت ذاتِه يكون حجابَ الله في حالة تَحَجّب أسمائه الأخرى. ولا يعني وجود شيء إلا وجودَ الحقِ حقيقةً، وعدم وِجدانه يعني أنْ يكونَ أيَّ شيء غير الحقِّ. وكلّ شيء -بتعبير ابن عربي الموجَز- هو /لا هو، حق/لا حق، موجود/معدوم، متجلٍّ/محتجب.

“فالغَيْرُ على الحقيقةِ ثابت لا ثابت، هو لا هو” (ابن عربي ، الفتوحات المكية، طبعة 1911، 2:501.4).

وبالمعنى الضيق، يدل الخيال على ما أسماه كوربانCorbin  بعالَم الخيال. والإسلام -مثل معظم التقاليد- يَتَصَوَّر الكون على تَسَلْسل هيْكَلِيّ للعوالِم؛. عالمين أو ثلاثة عادة، والقرآن يقابِل بين عالَمي الغيْب والشَّهادة، ويسَمَّى الأوَّل عالَم الأرواح، والثاني عالمَ الأجسام، أو العالَم المعقولَ والمَحْسوسَ بلغةِ الفلاسفة. والقرآن يتحدَّث عن “السماء والأرض وما بينهما”، وقد أبرزَ ابن عربي الآثارَ الكاملة لعالَمِ ما بينهما في إحدى مسَاهَمَاتِه؛. فالعالَم يعَدّ من جانبٍ غَيْبِيَّا وروحِيَّا ومَعْقولا، ومن جانبٍ آخرَ هو مشهود وعيْنيّ ومَحْسوس.

بالضبط، هذا هو عالَم الخيال؛ حيث تَتَجَسَّد الموجودات الرّوحيَّة، مثلما تَجَلَّى جبريل لمريمَ العذراء في صورة إنسان، وحيث يمكن للعَيْنيَّاتِ أن تصير أرواحا، مثلما نختبِر اللذائذَ والآلامَ الجِسْمِيَّة في عالَمِ ما بعد الموت. وعالم الخَيال حقّ. والعالَم البرَّانيّ لكتاب الكونِ أكثر واقعيَّة من عالم المشهوداتِ والمحسوساتِ والأجسام، ولكنه أقلّ واقعيَّة من العالَم الغيبي والمَعْقول والرّوحانيِّ. وتحقيق وجودِه هو ما يمكنه وحْدَه أنْ يفَسِّرَ التَّجَلِّيَ الملائكيَّ والشَّيْطَانيَّ، والبعثَ الجِسمانيَّ، واختبار الرّؤى، وكلَّ الظَّواهر الأخرى غير الحسِّيَّة، فالفلاسفة -عادة- لا يعملون إلا على تفسير الحِسِّيَّة منها فحسب. وقد كان تقديم ابن عربي لعالَم ما بينهما بمثابَة عامل من بين عواملَ كثيرة أنقذتْ الفلسفة الإسلاميَّة من الوقوع في فخِّ ثنائيَّة العقل/الجسد أو التصوّرِ الثَّنويِّ للعالَم.

ومن هنا، ينتمي العالَم الثالث للخيال إلى كتاب الإنسانِ المصَغَّر الذي يتآلَف مع النفس، وهو محَلّ التقاء ارّوح والجِسم. إنَّ الخِبرَة الإنسانيَّة دائما ما تكون خياليَّة أو نفسانيَّة، وبذلك يمكن القول أنَّها روحيَّة وجسديَّة في الوقت نفسِه. والصَّيْرورَة الإنسانيَّة لا تنفكّ عن التَّذَبْذبِ بين الروح والجسم، والنّور والدّهْمَة، والصَّحْو والمَحْو، والمعرفة والجَهل، والفضيلَة والرَّذيلَة. ولأنَّ الرّوح تقطن عالَم ما بينهما؛ فإنّها تملك قدرَةَ المجاهَدَةِ من أجل التَّحَوّل والمعرفة. والحقّ الخياليّ وحده هو الذي يطيق أن يتعالَى تجاه نورانيَّة الرّوح أو أنْ يَتَسَفَّلَ نحو ظلَمَةِ المادَّة.

  • البرزخ

غالبا، يستخدم ابن عربي مصطلح البرزخ (الحاجز، الحد) في خِضَمِّ مناقَشَتِه الدَّورَ الوجوديَّ للصّورة/الخيال، والبرزخ في القرآن يعني المانِعَ الذي يمنع البحرين؛ العذْب والمالِح أنْ يبغيَ أحدهما على الآخر (25:53، 55:20)، وهو الحاجِز الذي يحجز الأرواحَ المتوفَّاة عن الرّجوع إلى العالَم. بشكل عام نجد أنَّ اللاهوتيِّين فهموا البرزخَ على أنَّه مسْتقرّ الرّوح ما بين الموت إلى البعث. يوَظِّف ابن عربي هذا المفهوم للدَّلالة على أيِّ شيء يجمع ويفَرِّق بين شيئن في الوقتِ نفسِه دون أنْ يكون ذا وجهين في ذاتِه، كالخطِّ الحاجِز بين الظِلِّ ونورِ الشَّمس. ويرادِف البرزخ الأعلى -في استخدام ابن عربي- الخيالَ المطْلَقَ.

بتعبير آخر، هو الكون؛ عالَم الممْكِنات التي ليستْ ضروريَّة في ذاتها أو مسْتَحِيلة، وليستْ مطْلَقَة أو غير مطلَقَة. ولعلَّه يكون نَفَسَ الرَّحمن الذي ليس بموجود مطلق ولا  كلمات منطوقَة. “فالحقّ هو النّور المحْض، والمحال هو الظّلْمَة المحضَة؛ فالظّلْمَة لا تنقلِب نورا، والنّور لا ينقلِب ظلْمَة أبَدا. والخَلْق بين النّور والظّلمَة برزخ لا يَتَّصِف بالظّلْمَة لذاته ولا بالنّور لذاتِه، وهو البرزخ والوسط الذي له من طَرَفَيْه حكم. ولهذا جعل للإنسان عينين وهداه النجدين (القرآن، 90:8-10)؛ لكونه بين طريقين، فبالعين الواحِدَة من الطَّرِيق الواحِدَة يقبل النّور وينظر إليه بقَدْر استعداده، وبالعين الأخرى من الطريق الأخرى ينظر إلى الظّلْمة ويقبل عليها، وهو في نفسه لا نور ولا ظلمَة” (ابن عربي ، الفتوحات المكية، طبعة 1911، 3:274.28).

وحدة الوجود

وحدة الوجود عند ابن عربي  وليام تشتيك