الهوية والحرية في “الوجود والعدم”- ستيفن وانغ/ ترجمة: يوسف أيوب

الهوية والحرية في “الوجود والعدم”- ستيفن وانغ/ ترجمة: يوسف أيوب

يواصل ستيفين وانغ [Stephen Wang [1 مناقشته [2] حول الجوانب الأساسية للإنسان من خلال النظر في ما قاله جان بول سارتر حول كتابه الوجود والعدم.

لماذا يقوم الفرد بأمر ما دون سواه؟ ما الذي يفسر الفعل؟ سوف نقوم في إجاباتنا على هذه الأسئلة بتقديم مجموعة كبيرة من الأسباب أو العلل، الدوافع أو المحفزات. كما أننا سنعمل على التمييز ما بين هذه المفردات بعناية فائقة. إلا أن ما تفترضه الإجابة ستقدم لنا، في كثير من الأحيان، مسوغات عمّن هو الشخص وما هو عليه: “إنها تعامل المريض لأنها طبيبة”؛ “يهرب لأنه جبان”؛ “إنهم يهتمون بأطفالهم لأنهم آباء مخلصون”. تشير هذه التفسيرات بطريقة ما إلى هوية الشخص الذي يتصرف. لذلك يمكننا أن نفهم لماذا يتصرف البشر من خلال النظر في بعض جوانب هويتهم الشخصية.

ومع ذلك ، لا يستسيغ جان بول سارتر هذا النوع من التفسير، كونه يظن أن هذه التفسيرات مقلوبة رأسًا على عقب. بحسب سارتر، ليس من الصحيح أننا نتصرف بطريقة معينة بسبب هويتنا. بدلًا من ذلك، من خلال التصرف بطريقة معينة نحن نؤسس الهوية. فبدلاً من قول “يهرب لأنه جبان”، يجب القول “إنه جبان لأنه يهرب”؛ وبدلًا من القول “إنهم يهتمون بأطفالهم لأنهم أباء مخلصون”، يجب القول “إنهم آباء مخلصون لأنهم يهتمون بأطفالهم”. يمكن أن يكون هذا النوع من الوصف غير بديهي، وقد يبدو حدسي.

 

في هذه المقالة، سنرى ما يقصده سارتر وما لا يقصده من خلال هذا الانعكاس غير الملائم في اللغة اليومية. في تأملاته حول الفعل، يذهب سارتر إلى صميم ما يجب أن يكون عليه الإنسان. فيزعم سارتر بأن أفعالنا الحرة ليست نتيجة لهويتنا، بل هي ركيزة لهويتنا – ومن خلال طبيعتنا كبشر دائمًا ما نتجاوز من نحن نحو ذات تم اختيارها بحرية. فتسمح لنا التزاماتنا بأن نصبح أشخاصًا قد لا نعتقد أننا كنا سوف نكونها؛ وتضيء على مجموعة من الأولويات قد تظل غامضة. ومع ذلك، فنحن لسنا عبيداً، بل صانعين لوجودنا، كما تسمح الحرية بعملية مستمرة لإعادة تصميم هويتنا وإعادة بنائها.بدأ سارتر مذكراته حول عمله المبكر العظيم الوجود والعدم Being and Nothingness (يشار إليها أحيانًا باسم BN) على أرضية أسره في حرب صيف عام 1940. فقد بدأ الكتابة بجدية بعد إطلاق سراحه في صيف عام 1941، واستمرت خلال الأشهر القليلة المقبلة في باريس وفي عطلات مشاركته في ركوب الدراجات حول فرنسا. ربما تم الانتهاء من BN في أكتوبر 1942، مما يعني أن هذا العمل الضخم كتب في وقت قصير بشكل ملحوظ. تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من نشر BN في صيف عام 1943، عندما كان اتجاه الحرب في أوروبا وشمال إفريقيا ينقلب بشكل واضح ضد ألمانيا النازية، إلا أنه كتب في زمن الاحتلال عندما بدا النصر بعيد المنال والمستقبل لفرنسا بدا قاتمًا للغاية. وهذا يجعل مناقشات سارتر حول الحرية والمستقبل وإمكانيات إنقاذ أنفسنا من أسر الحاضر أكثر إثارةً للدهشة. قلق الحريةفي قسم من الوجود والعدم الذي يتعلق بالقلق (angoisse)، يقدم سارتر مثالين لأفراد يكتشفون أن هويتهم غير آمنة. أولًا، “السائر نحو الهاوية”  the cliff walker. هو شخص يمشي على جانب جرف خطير، وعلى طريق ضيق طويل، بدون حاجز حماية. إنه قلق. هذا القلق ليس خوفًا مباشرًا من أن الطريق سوف ينهار (بل قوياً بما فيه الكفاية) أو أن عاصفة من الرياح تضربه (بل الجو هادئ): إنه خوف من أنه قد يرمي نفسه عن طيب خاطر ويقفز حتى مماته. هو لا يثق بنفسه.كثير من الناس لديهم تجربة vertigo akin[3]. من جهة، بالنظر إلى الهاوية، فنحن نريد أن نعيش؛ ومن جهة أخرى، أصبحنا ندرك ونعي حريتنا الكاملة. نلاحظ هنا أن “إرادة العيش” ليست جزءًا ثابتًا من تركيبتنا النفسية. فكلما زاد تفكيرنا في الأمر، كلما أدركنا أننا لسنا ملزمين بها، وأصبحنا نشعر بالارتباك حيال الإمكانيات التي تفتح أمامنا. يمكن أن نكون متهورين ونقفز، بلا سبب على الإطلاق – وهذا هو ما يخيفنا حقًا. إنه مثال جدًّا خاص، لكنه يوضّح كيف يمكن فجأةً تقويض ثقتنا بهويتنا. قد نصاب بالدهشة مما قد يصنعه هذا “الدوار”. في معظم الحالات العادية: قد يخيّل لنا ما نستطيع فعله بطرق مختلفة، بحيث يمكننا من إعادة التفكير في أولوياتنا، التي يمكننا تغييرها، بحيث لا يتعين علينا أن نكون الشخص الذي كنا عليه. فالهوية الإنسانية ليست ثابتة. عادةً ما نستأنس أن نشعر ونمضي قدمًا بشكل ثابت، وذلك على قاعدة من نحن، ولكن بين الحين والآخر نشعر بصدمة مرافقة لها: بأننا يمكن أن نكون أشخاصًا آخرين.تشكل تجربة الدوار أحد أشكال القلق: فنحن ندرك أننا لا نستطيع ضمان إستمرارية الدوافع التي أثرت علينا: الهوية ليست مجرد [straightjacket[4 ، ولا تحدد المستقبل بشكل مسبق. في هذه اللحظة، في منتصف الطريق الخطير، قد نشعر بالثقة؛ ولكن مع بضع خطوات، من يدري ماذا يمكننا أن نفعل؟ “إذا لم يجبرني شيء على إنقاذ حياتي، لا يمنعني شيء من الإسراع والقاء بنفسي في الهاوية. سيترتب عليه ما يصدر من سلوك حاسم أنا لم أكنه بعد. “عادةً، وبطبيعة الحال، ينتهي معظم الناس من المشي بأمان. إلا أن ما يريده سارتر في هذا المثال هو إدراك أن قرار المشي بعناية لا يتحدد بهويتنا. بدلاً من ذلك، فإن القرار بحد ذاته هو الذي يحدد هويتنا ويضمن استمرارنا في أن نكون أشخاصًا نريد العيش. إنه لتمييز دقيق.أما المثال الثاني من القلق هو “المقامر المنصلح”. قرر المقامر، بصدق، عدم المقامرة مرةً أخرى. فقد اتخذ قرارًا جدّيًا بالانسحاب. إنه يعتبر نفسه مقامرًا منصلحًا، كما أنه متمسك بهذه الهوية للحؤول عن أية إغراءات قد يصادفها. إلا مع اقترابه من طاولة الألعاب، يتلاشى هذا القرار:”ما يدركه تمامًا، في هذه الحالة من القلق، عدم فاعلية قراره السابق. إنه هناك، بلا شك، لكنه ثابت، وغير فعّال، تجاوزته حقيقة أنه واعيًا لقراره. لا يزال القرار بيديه لدرجة أنه مدرك باستمرار هويته مع نفسه برغم استمرارية الزمن، إلا أنه لم يعد الأمر كذلك – بسبب حقيقة أنه أصبح موضوعًا لوعيه. “أنا لست خاضعًا لذلك، إنه فشل في المهمة”.الهوية التي أقامها المقامر لنفسه بعد ما تم إصلاحه هشة. بالمقابل يتمنى المقامر من هويته أن تقيّده وتضمن طريقة حياته الجديدة، لكن هذه الرغبة بالذات تخون تصميمه بأن كلا المقامرة وعدمها ممكنان على قدم المساواة. فهويته الحالية، التي تم إصلاحها، وهمية – إنها في الحقيقة ذكرى لهوية سابقة (كانت في وقت قراره): لقد تم تجاوزها بالفعل، ولن يكون القرار فعالًا ما لم يتم إعادة صياغتها مرةً أخرى.يشعر السائر نحو الهاوية بالقلق لأنه لا يستطيع التأكد من أن قراره الحالي للعيش سيستمر طوال الطريق؛ كما يشعر المقامر بالقلق لأن قراره السابق بعدم المقامرة لا يدعمه في الوقت الحالي. في كلتا الحالتين، يأتي وعيه بالهوية بمعزل عنهما لأنه يدرك أنه غير ملزم بها. من خلال البحث عن الأسباب، يقوم كل منهما بتمييزها، أي الأسباب، وجعلها غير فعّالة. هذا الوعي هو ما يحبط ماثيو[5] (الشخصية الرئيسية لرواية سارتر “عصر العقل” -1945). يريد ماثيو تبرير أفعاله على أساس أسباب وجيهة، أو على الأقل رغبة جمة؛ لكن من خلال استجوابه لدوافعه، ومحاولة إثبات ما إذا كانت مقنعة، فإنه ينأى بنفسه عنها. تُظهر عملية فحص دوافع هذه الشخصية أنها ليس لديها سلطة مُلزمة على مستقبله: “إن البحث عن الالتزامات يؤدي به إلى الحرية لأنه يكشف عن حقيقة ي أن مسارات الأفعال البديلة قابلة للحياة أيضًا. وعلى الرغم من أنها تبدو مكلفةً، فإن ثمن إدراك الهوية هو التحرر المقابل من تلك الهوية، مع وجود مسؤولية دائمة عن استمرار أو إنكار تلك الهوية. نختبر هذه المسؤولية من خلال القلق”. بناءً على ما تقدم، ما يسعى سارتر إليه تأكيده على أن حقيقة هويتنا لا تتغير فقط، لأن القلق لا يتحقق عندما يتم نسيان هويتنا في الماضي واعتماد هوية جديدة. بالأحرى، القلق هو علامة على أن البشر “منفصلون عن أنفسهم”، عن الهويات التي تشكل من هم الآن. ويمكننا مراجعة الحاضر وليس الماضي فقط ، كما أنه لدينا مسؤولية مستمرة لإعادة تكوين هوياتنا من خلال خياراتنا. من خلال القلق، يدرك المقامر الذي تم إصلاحه “دوام تمزق الحتمية”. وبالتالي فإن القلق هو أحد مظاهر الحرية، بحيث تتميز الحرية “بالتزام متجدد لإستمرار إعادة تشكيل الـ “أنا” الذي يعيّن الوجود الحر”. يستخدم سارتر مصطلحات الـ “أنا” و “الجوهر” للإشارة إلى هذا الجانب من الهوية الإنسانية المتجذر من الماضي في كل لحظة. تحتوي الـ “أنا” على محتوى تاريخي يجب إعادة تأكيده أو تعديله أو رفضه بمجرد التعرف عليه. الجوهر هو ما كنا عليه وما نحن عليه – إنه الماضي بما يؤثر على الحاضر ويشكله: “نظرًا لهذه الحقيقة، فإن مجموع الخصائص في شخصيتنا هو ما يفسر الفعل”. ولكن يجب أن نضع في عين الاعتبار هذين النوعين من القلق، بحسب سارتر: الخصائص التي تشكل هوية الشخص في كل لحظة مستندةً على الفعل الذي يختاره الفرد بحريته، وليس العكس. قرار المقامر مهم فقط إذا احتفظ به؛ رغبة السائر نحو الهاوية في الحياة تحميه فقط إذا حافظ عليها في كل خطوة. لهذا السبب كتب سارتر:”الفعل دائمًا ما يقبع وراء الجوهر. إنه عمل إنساني فقط بقدر ما يتجاوز كل التفسيرات التي يمكن أن نقدمه له، على وجه التحديد لأن أي شيء يمكن للمرء أن يصفه في الإنسان من خلال صيغة “هذا هو”، من خلال ما هو عليه حقًّا”.يلّخص سارتر هذه الفكرة في وقت لاحق في الوجود والعدم، مع الانتهاء من واحدة من أكثر العبارات التي أسيء فهمها: “من خلال حقيقة وحيدة أدرك الدوافع التي تلهم أفعالي، هذه الدوافع هي بالفعل موضوعات متجاوزة لوعيي؛ موضوعات في الخارج. عبثًا أسعى للقبض عليها؛ بل أهرب منها من خلال وجودي. أنا محكوم بالوجود إلى الأبد ما وراء الجوهر، ما وراء دوافع وحوافز أفعالي. أنا محكوم أن أكون حراً “.

قد تبدو اللغة مبالغًا فيها (إن قول “أنا حر” أو “أنا دائمًا حرًا” مقارنة مع “أنا محكوم على أن أكون حراً”) ولكن الحقيقة الواضحة: متى ما وعينا جانبًا ما من جوانب هويتنا، فإنها، أي الهوية، تفقد قبضتها علينا ويتوجب علينا اختيار كيفية الرد عليها.

الإخلاص خداع الذات

هناك عدة طرق لمحاولة تجنب مسؤولية أنفسنا بما يتلازم مع القلق. في مشروع سارتر، تندرج جميعها تحت صفة “سوء اعتقاد” (الخداع الذاتي). نوع واحد من سوء الاعتقاد هو “الإخلاص”. إنه مصطلح تقني في مفردات سارتر: هو السعي في “أن نكون نحن “؛ لجعل حياتنا تتطابق مع هويتنا، لتتوافق مع أفعالنا، مع واقعنا الداخلي المفترض. ولكن بمجرد اكتشاف أي جانب “أساسي” لوجودنا فهو ما نريد فعلًا أن نقدمه، فإننا ندرك أننا لسنا متفقين مع هذا “الجوهر” ولا نلتزم به. لتفسير أو تقديم عذر لسلوكنا بالإشارة إلى “من نحن” ، يجب أن نقطع المسافة بين أفعالنا الحالية و “الهوية” السابقة التي تسببت فيها، عن طريق تفكيرنا في هذه الهوية. نحن نشارك في مطالبة “النفس” ونخون فوراً بعدنا عنها:

“في الشكل العام، الإخلاص المستمر كجهد دائم للالتزام بالذات هو بطبيعته جهد دائم لفصل المرء عن نفسه. يحرر المرء نفسه من نفسه من خلال الفعل الذي يجعل المرء نفسه كائنًا لنفسه “.

على أن مجموع الشخصية التي يمكن أن نكون مخلصين لها تعتبر واسعة النطاق. نحاول أن نحددها، ليس فقط مع واجباتنا العامة، ولكن أيضًا مع مواقفنا، عواطفنا، شخصيتنا الأخلاقية، تفضيلاتنا الجنسية. بالإشارة إلى هذه الميزات، يمكننا أن نعطي أنفسنا سببًا للفعل، لكن يجب أن نعترف بأننا نختار بحرية وأنها لا تقيدنا.

يجب التوضيح أن سارتر على دراية ومعرفة للعديد من العوامل التي تشكل هوية كل شخص. ليس هدفه إنكار حقيقة الهوية الإنسانية، بل السؤال عما إذا كان هذا كافياً لتقييم أفعال الشخص.

يجدر النظر في بعض العوامل التي تشكل هويتنا في الوجود والعدم. “الوقائعية” Facticity  هي الكلمة التي يستخدمها سارتر للدفاع عن الوقائع التي لا حصر لها حول حياتنا والتي لم نختارها. هذا ما يشكل المعنى الذي تعطى به حياتنا، واكتشافها، وهي تستند على ظروف خارجة عن إرادتنا. نحن مخلوقات جسدية، في وقت ومكان محددين، ولدينا سجل شخصي، نعيش في ظروف محددة. هناك العديد من الحقائق التي لا يمكن إنكارها حول علم النفس الفردي. يسرد سارتر العديد من الخصائص والميزات الشخصية والعادات والحالات وما إلى ذلك، والتي تشكل الوحدة النفسية لغرورنا. ولا تشمل هذه الصفات الكامنة التي تسترشد بسلوكنا، مثل الاجتهاد والغيرة والطموح؛ والحالات الفعلية التي تجسد سلوكًا معينًا، مثل المحبة أو الكراهية؛ ولكن أيضا نمط كامل من الأفعال. تعبّر أفعالنا عن الأغراض الموحدة للنفسية. تتخذ الأفعال البشرية نوعًا من الموضوعية وتنكشف أهدافنا ببعض من الاستمرارية: تدريب الملاكمين، أبحاث العلماء، إبداع الفنانين، حملة السياسيين.

تعتمد وقائعيتنا الفردية على لغة معينة، ومجتمع متماسك، وبنية سياسية، وعلى أن تكون جزءًا من الجنس البشري. بمعنى آخر، نحن كائنات طبيعية وثقافية لا نحدد ظروف وحقائق حياتنا. إذا كنا بحاجة إلى هذه البيئة المعقدة لمنحنا هوية، فإننا نحتاج أيضًا إلى علاقات مع أشخاص آخرين لفهم هويتنا. من خلال وساطة الآخرين يمكننا أن نفهم أنفسنا. على سبيل المثال، نقدّر أنفسنا بطريقة جديدة عندما نعلم أو نرغب أو نحب: “أدرك ذاتي بقدر ما يراني الآخرون”؛ “أرى نفسي لأن هناك من يراني” ، بحسب سارتر.

في هذه الطرق المختلفة، يكشف سارتر عن فهم غني جدًا لكل ما يشكل الحياة الإنسانية. إنه يهتم بعمق بمسائل علم الاجتماع والثقافة واللغة وعلم النفس والعلاقات الإنسانية. يخلق كل هذا حقيقة وجودنا، وإعطاء هويتنا الفريدة. يجب أن نتذكر أن سارتر لا ينكر أبدًا أن للبشر جوهرًا: “الجوهر هو كل شيء عن الكائن البشري الذي يمكن أن نشير إليه بالكلمات: “هذا هو”. لكل كائن بشري، بعض البنى الأصلية ثابتة. “

لذا، فبدلاً من أن تكون ضد-ماهوية anti-essentialist ، يمكن وصف فلسفة سارتر بأنها “ماهوية مشروطة”، ويكمن شرطها الأساسيّ في كون الجوهر لا يكفي أبدًا. يؤكد سارتر على أن مجموع الجواهر التي تشكل هويتنا لا يمكن أن تحدد إنسانًا بشكل كافٍ، لأن وعينا بهذا المجمل هو بحد ذاته جانب أساسي من جوانب وجودنا. نحن على علاقة مع هذا المجمل، وما يترتب عنه، ومع ما يؤول إليه. هذا هو السبب في أن الهوية البشرية غامضة وغير آمنة وغير كافية لتفسير أعمالنا.

توضيحات

بعض التوضيحات لتجنب أي سوء الفهم.

أولاً، كما رأينا بالفعل، ليس هناك ما يشير إلى أن هويتنا معزولة عن عالم من الأسباب والتأثيرات. بالرغم من إعادت بناء قراراتنا حول كيفية التصرف، فنحن نستجيب لواقعية تصرفاتنا كضرورة حقيقية.

ثانياً ، لا يتخيل سارتر أبدًا أن القلق موجود في جميع أنشطتنا. إنه يعترف بأننا نتصرف في معظم الحالات اليومية دون قلق: عادة ما ننشغل بأشياء دون تفكير كبير، مع الأخذ في عين الإعتبار هوية معينة وأهداف معينة. حتى في خضم العمل الأكثر عفوية أو اعتيادًا، “لا يزال هناك احتمال لوضع هذا الفعل موضع تساؤل”.

ثالثًا، لا يعتقد سارتر أن كل ما يفعله البشر هو تحت سيطرتهم. كما يقبل العديد من “الأفعال” التي يقوم بها البشر باعتبارها “لاإرادية” (نحن مستيقظون، نائمون، ذوي خدود حمر)، وكثير منها غريزية (نأكل عندما نكون جائعين، نحطم الأشياء في حالات الغضب، نهرب من الخطر إذا ما أحسسنا به)، وكثير ما تتجسد بغير وعي تقريبًا (نقود بمهارة مذهلة أثناء وجود نوع من الطيار الآلي، نغني أغنية دون إيلاء الكثير من الاهتمام لها)، كما أنه يترتب عن هذه الأفعال كمٌ من النتائج غير المتوقعة. يلاحظ، على سبيل المثال، أن “المدخن غير المسؤول يتسبب من خلال إهماله في انفجار دون أي اهتمام أو ردة فعل”. يقول سارتر ببساطة، في بعض الأحيان ندرك أن العمل هو عملنا، ونعي أن هناك مسارات بديلة لهذا العمل. واقعُ أننا نستطيع يحيلنا إلى بعض الأفعال، وأننا نستطيع أن نقصد ونبتّ في إمكانيات بديلة يدلّنا على مدى الحرية في تحديد مسار فعلنا. الفعل المقصود فقط يمكن أن يكون “فعلًا إنسانيًا”.

رابعًا ، لا يمكن تقويض حجة سارتر، من قبل شخص يصر على أن تجربة الانفصال والحرية هذه مجرد وهم: “تعتقد أنك حرًا ، لكن في الحقيقة، كل شيء مصمم – حتى إيمانك بالحرية مصمم نفسيًا”. يقوم منهج سارتر بناءً على المنهج الظواهري (الفينومينولوجي). يبدأ بالتجربة الإنسانية ويحاول توضيح ما يوجد في تلك التجربة. في هذه الحالة، لا نختبرُ إيمانًا نفسيًا بأننا منفصلون وأحرار؛ إنها قناعة تشكل أساس فلسفته. عوضًا عن ذلك، نحن نختبر الإنفصال نفسه. وهو ليس نتيجة أو لزوم. القلق هو تجربة الاضطرار إلى الاختيار دون أسباب كافية للاختيار – تجربة أن تكون حراً. هذه هي نقطة الانطلاق لفينومينولوجيا سارتر، وهي البيانات الأصلية التي بنيت عليها فلسفته. إنه لا يكشف تحيّزا لصالح الحرية. بل على العكس من ذلك، فإن الإصرار على أن جميع الأعمال البشرية محتومة تفرض تحيزًا على بيانات الخبرة وتناقضها. هذا التحيز سيكون شكلاً من أشكال سوء الاعتقاد.

خلاصة

يمكن تلخيص رؤية سارتر للعلاقة بين الهوية والحرية بالطريقة التالية: للبشر هوية ولكنهم يتجاوزونها. نُعرّف بأفكارنا ومشاعرنا وقيمنا، ونُعرّف بظروفنا و مجمل تجربتنا. ومع ذلك، نحن في الوقت نفسه نعي هذه التجربة، وبالتالي نكون على مسافة عنها. لدينا أسئلة، ومعضلات، ولحظات من القلق الوجودي والأخلاقي التي تجعلنا ندرك نقصنا وقصورنا. هناك نقص جوهري داخل الحاضر يشل أفكارنا وأفعالنا. لا شيء يمكن أن يحدد لنا تمامًا معنى العالم أو اتجاه حياتنا. ومع ذلك، نحن قادرون على تجاوز كل ما نحن عليه وتصور المستقبل الذي سيمنح معنى للحاضر. من خلال الفعل الحر من أجل غاية غير موجودة بعد، نوجه أنفسنا إلى هذا الهدف ونجعله حقيقيًا بالنسبة لنا. بهذه الطريقة نفهم العالم ونعطي معنى لحياتنا من خلال التزاماتنا النشطة.

الإنسان ليس هوية حاضرة جامدة ولا هدف مستقبلي غير ملموس. نحن نتشكّل من خلال علاقة قمنا باختيارها بحرية بين هوية حالية و غاية. تتضمن الشخصية بالضرورة كل من الحقائق التي تحددنا والحركة وراء هذه الحقائق إلى ما نسعى إلى أن نصبح عليه. فهي تنطوي على الجوهر والوجود، وحيازة الذات والتجرّد منها، والإستبطان والنشوة، الحاضر والمستقبل، الحقيقي والمثالي، الدلالي والشرطي. أنها تنطوي على ما هو حقيقي، وما يمكن أن يكون. في فهم سارتر، نحن نشكل هويتنا الشخصية من خلال قبول من نحن وحرية التحرك وراء هذا.

[1] Stephen Wang is Lecturer in Philosophy and Systematic Theology at Allen Hall in London.

 

[2] Identity and Freedom in Being and Nothingness,

https://philosophynow.org/issues/64/Identity_and_Freedom_in_Being_and_Nothingness

 

[3]  هو وصف للذعر الذي يحدث عندما يفكر شخص ما في حقيقة وجوده ولكن لم يعد يقبل هذه الحقيقة أو بنية التفكير بها. فجأة يفقد المفكر إيمانه بأي شيء، فكل شيء يبدو وكأنه غير حقيقي. أصبح الفكر بلا معنى وشعور أقرب إلى الدوار. وصف العديد من الكتاب هذا الشعور بأنه “الفراغ” أو “أزمة ما بعد الحداثة”. ووصفه أخرون بمصطلح آخر له معنى مماثل هو الشذوذ. في حين أن أزمة ما بعد الحداثة تصف الفكر أو المعنى لرؤية الوجود على أنه بناء خاطئ وأن الفراغ يخلق تمثيلًا مجازيًا ويشير هذا الشذوذ إلى الطريق المسدود، فقد استخدم مصطلح ما بعد الحداثة بشكل أكثر تحديدًا للإشارة إلى هذا الشعور عندما يستغرق الأمر على مظاهر فسيولوجية، مما تسبب في زيادة معدل ضربات القلب والتعرق.

[4]  تستخدم لتقييد الأشخاص الذين قد يتسببون في ضرر لأنفسهم أو للآخرين.

[5]  تدور أحداث الرواية في باريس البوهيمية في أواخر الثلاثينات، مركّزةً على ثلاثة أيام من حياة مدرّس فلسقة يدعى ماثيو، يبحث ماثيوعن المال ليتمكّن من إجراء عملية الإجهاض لعشيقته مارسيل. جاء على لسانه: “لقد كان حرًا، حرًا من كل شئ. حر لكي يتصرف كحيوان، أو كآلة…في استطاعته أن يفعل ما يريد. ولا أحد من حقه أن ينصحه…إنه وحيد وحر، في سكون موحش، بدون عذر. محكوم عليه بالإختيار، محكوم عليه بالحرية إلى الأبد.”

المصدر

error: