الشاعر والسلطة السياسية قبل الإسلام: طرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمى كنموذجين – يسين العمري


 تُعتبر العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية علاقة جدلية – استشكالية منذ القدم، فهي علاقة ديناميكية ومتحرّكة وغير جامدة وثابتة؛ حيث قامت بالأساس على قاعدة ثنائية العلاقة بين الموالاة والمعارضة، ولا يمكن القفز على كون السلطة السياسية عبر العصور تحتاج للمثقفين وللسلطة الثقافية عموماً لتكريس شرعيتها، والتبرير لسياساتها، وتلميع رموزها، وإقناع الجمهور بكلّ ما ينتج من أقوال وأفعال عن الحاكم وبطانته. وفيما يخصّ المثقف العربي، وحتى قبل استقرار المفهوم ورسوخه على إثر قضية الضابط “دريفويس” بفرنسا، كان الشعراء بالأساس ممّن لعبوا دور المثقف في العصر الجاهلي، يتعاملون مع السلطة الحاكمة بمنطقين مختلفين، فإمّا يوالون الحاكم ويمدحونه، فيحصلون مقابل ذلك على الامتيازات المالية والمناصب والمكانة الاجتماعية، وإمّا يعارضون الحاكم فيكون مصيرهم إمّا محاولة التدجين والاحتواء في بعض الحالات، أو مباشرة الإقصاء والتنكيل والعقوبات التي تتراوح ما بين السجن والتعذيب والتشريد والقتل وحرق الكتب وغيرها. نشير مع ذلك إلى أن هناك استثناءات على قاعدة الثنائية، فخارج منطق الموالاة والمعارضة، قد نجد هناك المثقف المحايد أو الذي يتقلّب بين الموالاة والمعارضة حسب المصلحة والمشروع الشخصي والقناعة. هذه المقالة البحثية تهدف إلى الغوص في علاقة المعارض للسلطة السياسية في العصر الجاهلي (طرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمي نموذجين)، الأول منهما فقد حياته ثمن قصيدة هجا بها ملك الحيرة عمرو بن هند، والثاني نال التكريم والقرب والعطايا نتيجة مدحه لهرم بن سنان شيخ وزعيم قبيلة ذبيان.


  • فهرس:

  • مقدّمة.

    • المحور الأول: المثقف المعارض ما قبل الإسلام (نموذج طرفة بن العبد): الأوجه والدوافع والمآل.

      • المبحث 1: أوجه ودوافع معارضة طرفة بن العبد لملك الحيرة عمرو بن هند.

      • المبحث 2: مآل معارضة طرفة بن العبد.

    • المحور الثاني: المثقف الموالي قبل الإسلام (نموذج زهير بن أبي سلمى): الأوجه والدوافع والمآل.

      • المبحث 1: أوجه ودوافع موالاة زهير بن أبي سلمى لزعيم قبيلة ذبيان هرم بن سنان.

      • المبحث 2: مآل موالاة زهير بن أبي سلمى.

  • خاتمة.

  • فهرس المصادر والمراجع.


 

 

مقدمة:

      شكّلت علاقة المثقف -أو من كانوا يقوم مقامه ويلعبون دوره قبل تأصيل ورسوخ مفهومه بالمعنى الحديث- بالسلطة السياسية علاقة ملتبسة ومتشابكة، عرفت أوجهاً متعدّدة وتميّزت بالدينامية وعدم الجمود، وعرفت هذه العلاقة الجدلية بين الطرفين مساراً طويلاً عبر محطّات تاريخية تميّزت بالتحدّي والمواجهة حيناً والتحالف والتناغم حيناً آخر.

      ولم يخلُ التاريخ العربي ما قبل الإسلامي بدوره من هذه التجاذبات والتناغمات والتنافرات بين الطرفين، وسأشتغل في هذا المقال على فترة من التاريخ الجاهلي، حيث سأقف على بعض محطّات علاقة السلطة السياسية بالمثقف المعارض والموالي، وتبيان بعض أوجه ودوافع ومآلات الصراع بين الطرفين، مع اختيار نموذجين عن تلك الفترة، وتمّ اختيارهما لمكانتهما الأدبية والشعرية من جهة، فكلاهما من أصحاب المعلقات السبع المعروفة، لأنّ مواقفهما تجاه السلطة في حينه تضاربت بما يخدم موضوع المقالة، فمنهما المعارض الذي هجا ومنهما الموالي الذي مدح، فالمعارض هو أشعر الشعراء في الجاهلية بعد امرؤ القيس، طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة من قبيلة قيس بن ثعلبة من بني بكر بن وائل، الذي نشأ في عائلة كلها شعراء (جده وأبوه وعمّاه وخاله)، أمّا الشاعر الموالي فقد وقع الاختيار على زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني وهو من مُضَر، ويلقّب بحكيم الشعراء، توفي قبل بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بسنة واحدة.[1]

    بناءًا عليه، أفتتح مقالي بطرح الإشكالية وهي كالآتي: ما هي أوجه ودوافع معارضة المثقف للسلطة السياسية في العصر الجاهلي؟ وكيف تعاملت السلطة الحاكمة مع المثقف المعارض والموالي لها؟ وسأعمل على ذلك من خلال النموذجين  المختارين، وذلك وفق تصميم ينقسم إلى محورين: يتعلّق الأول بـ المثقف المعارض في العصر الجاهلي، وينقسم هذا المحور إلى مبحثين، يتطرّق الأوّل إلى أوجه ودوافع المعارضة طرفة بن العبد لعمرو بن هند ملك الحيرة، في حين يستعرض المبحث الثاني المصير الذي آلت إليه تلك المعارضة. أمّا المحور الثاني فيتناول المثقف الموالي في العصر الجاهلي، وينقسم هذا المحور بدوره إلى مبحثين، يتطرّق الأوّل إلى أوجه ودوافع موالاة زهير بن أبي سلمى لزعيم قبيلة ذبيان هرم بن سنان المرّي، في حين يستعرض المبحث الثاني المصير الذي آلت إليه تلك الموالاة.

      يمكن في هذا المقام ملاحظة أنّ إشكالية المقالة ذات طابع تفكيكي للعلاقة بين المثقف المعارض والموالي من جهة، والسلطة السياسية في عصر ما قبل الإسلام، ومن خلال العودة لتاريخ هذه العلاقة بين الطرفين يمكن القول بأنّ المثقّف “العربي” الحالي في علاقته بالسلطة السياسية الحاكمة ينطلق من حمولة تاريخية لها انعكاسات مختلفة، حيث أرى أنّ استحضار البُعد التاريخي –في تقديري- عنصر مؤسّس لفهم واقع واستشراف مستقبل العلاقة بين الطّرفين.

      وقبل الشروع في التحليل، أرى أنّه من الضروري أن أبيّن في هذا الصّدد أنّ علاقة المثقف -أو لنقل من كانوا يقومون بدوره قبل رسوخ المفهوم وتأصيله بشكله الحديث المتعارف عليه- بالسلطة السياسية في الثّقافة العربية قديمة وقائمة في أساسها على ثنائية المدح والهجاء (حالياً المعارضة والموالاة)، وأستعين في هذا الصّدد بما ذكره حسين العودات الذي يصف هذه العلاقة كالتالي: […كانت علاقة ذوي الفكر بذوي السياسة قائمة في بادئ الأمر في ما هو متعارف عليه بعصر الجاهلية، يعني قبل قيام دولة الإسلام المركزية، التي بدأت نواتها الأولى منذ دولة المدينة التي أسّسها الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم، وكان المدح والهجاء هما الموضوع الأساسي لمثل هذه العلاقة، حيث كان بعض المثقفين إمّا هم من الشعراء، وكانوا يقومون بوظيفة إعلامية من خلال دور المدّاحين والهجّائين، وإمّا هم من الكتّاب يقولون نصوصاً قريبة من الحكمة أو الفلسفة، ونذكر منهم قسّ بن ساعدة الإيادي والنابغة الذبياني وغيرهما].[2]

      وكانت علاقة السلطة السياسية في عصر الجاهلية ممثلة في شيخ القبيلة بالشاعر باعتباره مثقف ذلك العصر، تقوم على أساس أنت تكتب وأنا أشتري وأنشر وأكافئ إن كان الشاعر موالياً (مادحاً)، أو أنت تكتب وأنا أقتل إن كان الشاعر معارضاً (هَجَّاءًا) ، ممّا أبرز دور المثقف بقوّة في المجتمع الجاهلي، وقد استمرّ الأمر كذلك في الدولة الإسلامية ما بعد الرسول عليه السلام والخلفاء الراشدين، حيث لم يكن الشعر يلعب دوراً بالغ الأهمية حينها، وإن كان موجوداً طبعاً ولم يندثر، ويؤكّد العودات هذه الفكرة، حيث ذكر أنّ: [… المنطق السلطاني الذي جرى وفقه استجرار الشّعراء والأدباء والعلماء والأطبّاء إلى داخل ما سمي ب “الحريم الثقافي” هو منطق “أنت تكتب وأنا أشتري”، وكان المثقّف يحتال على عصره سابقاً بالاستنساخ، في غياب الطّباعة ووسائل النّشر الجماعي، فكان الجمهور مهجوراً ثقافياً، يعيش بين النّمط السّلطاني والطّقوس الاجتماعية الدّينية، مع كلّ شعائر العصر وشعارات القوى المتغالِبَة، فتكرّست منذ ذلك الوقت علاقات المصالح المتبادلة بين المثقّف والحاكم، حيث تأكّد من جهة تجذّر تقليد ضرورة الغطاء الثّقافي للسّلطة، وحاجة أيّ سلطة إلى آراء المثقّفين وتبريراتهم، فلم تعد وجهات نظرهم أو مواقفهم من الدولة أمراً من النّوافل، بل أمراً جوهرياً تقع في صلبه مقوّمات السّلطة واستمرارها، ومن جهة ثانية تأكّد أنّ المثقّفين أصبحوا شركاء حقيقيّين في السّلطة وركناً من أركانها، لا يقلّ شأنهم عن شأن الجنود، ولا يقلّ دورهم عن دور القوّة العسكرية في امتلاك السّلطة وتثبيت أركانها، رغم بقاء هذه العلاقة مثل علاقة بيع وشراء (أنت تكتب وأنا أشتري)، بمعنى أنّ الحاكم بحاجة إلى المثقّف ليكتب له ما يستطيع به ومن خلاله تحقيق شرعية حكمه واستمرارها، والمثقّف بحاجة إلى الحاكم للحصول على الامتيازات السياسية والمالية والمعنوية والسّلطوية أيضاً].[3]

        أمّا بخصوص طبيعة السلطة السياسية التي كانت قائمة في العصر ما قبل الإسلامي، فيبيّن محمد كلاوي أنّ: [… إقليم الحجاز يُعتَبَرُ الامتداد الجغرافي الذي نشأ وترعرع فيه الإسلام، ومنه انتشر إلى باقي المناطق التي دانت لحكم المسلمين، وبالتالي شكّل نقطة القاعدة الجغرافية الأصلية للثقافة العربية الإسلامية. فهذا الإقليم اقترن بمفهوم البداوة، وما يوحي به من قفر وجدب على الصعيد البيئي. غير أنه بقدر ما كانت هذه الوضعية عائقاً حال دون تطوّر نمط الحياة اليومية للرجل العربي آنذاك، بقدر ما زكّت فيه جملة من السّجايا والخصال انعكست إيجاباً على حياته الاقتصادية والسياسية. وهكذا استقرّت في المجتمع الحجازي كثير من الأعراف والعادات شدّت أواصر ترابطه القبلي وأذكت روحه التجارية، وهي سمات أفرزت مكوّنين أساسين استندت إليهما السلطة الحاكمة التي على رأسها شيخ القبيلة في تجمّع قَبَلي ما ممتدّ على رقعة جغرافية معيّنة، سواء تعلّق الأمر فيها بمواطن الحلّ أو التّرحال، تقوم على أساسين: الترابط العصبي المستمدّ من الروح القبلية التي يقول عنها الجابري أنها كانت “مفعولاً طبيعياً فطرياً، بمعنى أنّه لم يكن يحرّكه غير ما شكّل من القبيلة قبيلة، وهو القرابة بالنسب أو ما في معناه كالولاء، والحِلف، والجوار”، والتوزيع الاجتماعي المبني أولاً على مختلف الفئات الاجتماعية التي كانت تُصنَّف وفق أصلهم القبلي، وبالتالي كان المحدّد الرئيسي فيها هو موقع كلّ قبيلة في ترتيب السُّلَّم الهرمي، بالرغم من وجود “فوارق” في المستوى المعيشي، كما كان مبنياً ثانياً على التّشكيل القبلي الذي كان أضفى النّزعة النظامية على ذلك المجتمع. وكان الإطار السياسي متمثلّاً في دار الندوة كأعلى هيئة سياسية لصنع واتّخاذ القرارات المنظمة لشؤون الحياة العامة في مكّة، وهي هيئة مقسّمة إلى قسمين: واحد استشاري يفترض فيه أنّه ذو طابع جماعي، والثاني هو الملأ وهو بمثابة مجلس تنفيذي “إذا ما توفّر الإجماع للقرارات الصّادرة عنها”، ولكن العضوية في دار الندوة كانت تخضع لشروط تحول دون إشراك كلّ الأطياف الاجتماعية فيها، وهكذا “فلم يكن يدخلها من قريش من غير ولد قصي إلا ابن أربعين سنة للمشورة، وكان يدخلها ولد قصي أجمعون”].[4]

         وأستنبط ممّا سبق، أنّ السلطة السياسية في عصر ما قبل الإسلام كانت قائمة على القبيلة والتحالفات القبلية، وتكمن فاعلية عامل العصبية القبلية في التكوين السكاني والدفاع عن مصالحه المادية، وقد كان هو محور السلطة السياسية، والعماد الصّلب فيما يخص النمط الإنتاجي والبيئي. وقد عرف محمد عابد الجابري العصبية بأنها: [… الجماعة، ولكن ليس مطلق الجماعة، بل بالضّبط تلك التي تتكوّن من أقارب الرجل الذين يلازمونه، وهذا يعني: أولاً، أن العصبية تقوم أساساً على القرابة، ثانياً: أن جميع أقارب الرجل، ليسوا بالضرورة عصبة له، بل فقط الذين يلازمونه منهم].[5]

 

أهمية الموضوع:

        تكمن أهمية البحث في كون أنّ ما عرفته المنطقة “العربية” من حراك جماهيري أُطلق عليه “الرّبيع العربي“، أعاد طرح العديد من الأسئلة والنّقاشات ولا زال، حول دور وتأثير المثقّف في المجتمع، وحول سبل تعاطي السّلطات السّياسية في الدّول “العربية” مع المحكومين من جهة، ومع المثقّفين من جهة أخرى، وهو ما استدعى -في تقديري- العودة إلى النّبش في تاريخ وأصول تشكّل العلاقة بين المثقّفين والسّلطة السّياسية في التاريخ العربي ما قبل الإسلام، لاستكشاف كيف انتظمت العلاقة بين الطّرفين، وأوجه ودوافع ومآلات الموالاة والمعارضة، وكيف يمكن استخلاص العبر من هذه الحمولة التاريخية.

       من هذا المنطلق، أرى أنّ أهمية البحث مُستمَدّة من عنصر الجِدّة والرّاهنية، إضافة إلى المساهمة الأكاديمية التي حظي بها موضوع المثقف والسلطة السياسية سواء في المرجعية الغربية أو العربية، مع اختلاف زوايا معالجة الموضوع، ومن خلال اطّلاعي على المصادر والمراجع التي تسنّى لي الاطّلاع عليها أثناء إنجاز هذه المقالة.

أسباب البحث:

  • محاولة توضيح أنّ “المثقف” كمفهوم وكرمز وكإيديولوجيا له حمولة تاريخية، ويستند على سلطته المعرفية (سلطة العقل) في مواجهة سلطة غاشمة تحتكر وسائل العنف، أو يضع تلك السلطة المعرفية في خدمة الحاكم ليتقرّب منه وينال مكاسب ذلك التقرّب، وفي الغالب تكون كلمات المثقف المعارض كابوساً مزعجاً للسلطة السياسية، حيث يخشى الحاكم وحاشيته من تأثيرها على العامّة/ وبالتالي سقوط هيبة الحاكم أمام شعبه، واجتراء العامّة عليه، وبالتالي سهولة تمرّدهم على السلطة القائمة، لذلك يسارع الحاكم إلى معاقبة المثقف المعارض ووأد “فتنته”، أمّا المثقف الموالي فيسلك منهجاً تبريرياً يجعل ما يقوم به الحاكم مقبولاً لدى الشعب، ومقابل هذه الخدمة ينال المكافأة المالية والحظوة الاجتماعية، فيصير أشبه بالموظف لدى الحاكم، يستخدمه متى وأين وكيف ما شاء، وضدّ من شاء.

  • وضع الأصبع على مكامن الخلل في العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية في الجغرافيا والحيّز التاريخي اللذان ترصدتهما المقالة.

أهداف الموضوع:

  • الانخراط في سياق الدراسات والأبحاث التي تمّ القيام بها حول الموضوع، ومحاولة تبيان بعض الإشكالات العالقة أو التي لم يتمّ تفكيكها بخصوص موضوع المثقف الموالي والمعارض في علاقته بالسلطة السياسية في العصر الجاهلي.

منهجية البحث:

       اعتمدت في هذا البحث على المنهجين الوصفي والتاريخي، إضافة لجوانب من المقارنة والنقد والتحليل، انطلاقاً من زاوية المعالجة التي اخترتها للموضوع وهي بالأساس التاريخ، دون إغفال بعض الأنساق ومجالات البحث الأخرى الثانوية مثل الفكر السياسي.

      وقد اقترحت هذه المنهجية، عملاً بالقاعدة البحثية القائلة بأنّ طبيعة الموضوع هي التي تحدّد طبيعة المنهجية، حيث لم أعتمد في هذا البحث على منهج واحد، بل قمت بتوظيف المنهج المناسب في الظّرف المناسب، ولهذا قمت مثلاً بتوظيف المنهج الوصفي للمساهمة في التّعرّف على المفاهيم موضوع المقالة (المثقّف والسلطة السياسية)، والوصول إلى تفسيرات تحاول الإجابة على الإشكالية، كما قمت بتوظيف المنهج التّاريخي لتتبّع ورصد تمظهرات معارضة وموالاة المثقف للسلطة السياسية في العصر الجاهلي.

      أنتقل بعد عرض إشكالية وأهمية الموضوع، وتبيان أسبابه وأهدافه، وطرح منهجيته، إلى توضيح أنّ العلاقة بين السلطتين الثقافية والسياسية علاقة غير جامدة وثابتة، بل هي متغيّرة ومتحرّكة عبر التاريخ القديم والحديث، ولا تحكمها العواطف، بقدر ما تحكمها وتتحكّم فيها المصلحة من الطرفين، فالمثقف تحرّكه مصلحته الشخصية حيناً ومصلحة مجتمعه حيناً، والمصلحتين معاً في أحيان أخرى. كما أنّ السلطة السياسية تحرّكها في علاقتها بالمثقف مصلحتها الملحّة والدائمة في إيجاد من يُبرّر سياساتها ويُقنِع المحكومين بشرعيتها، حتّى تتّقي السلطة غضبتهم وتمرّدهم، كما أنّ العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية قد تعكس نوعاً من الصّراع الاجتماعي أو السياسي أو الإيديولوجي داخل المجتمع.

     وأرى أنّ الأمر يقتضي من الناحية المنهجية تعريف المصطلحين الرئيسيين في هذه المقالة، ويتعلّق الأمر بالمثقف والسلطة السياسية، وأبدأ بمعنى المثقف، حيث أوضح محمد عابد الجابري أنّ: [… المثقّف هو الذي يعرف، ويتكلّم ليقول ما يعرف، وبالخصوص ليتولّى القيادة والتّوجيه في عصر صار فيه الحكم فنّاً في القول قبل أن يكون شيئاً آخر، وقد اتّسع مفهوم المثقّف ليشمل جميع الذين يشتغلون بالثّقافة، إبداعاً وتوزيعاً وتنشيطاً، بوصفها عالماً من الرموز يشمل الفن والعلم والدين].[6]

      وأرى أنّ المثقّفيْن (الشاعرين) اللذان سأشتغل عليهما في هذه المقالة ينضويان تحت هذا التّعريف، من حيث المقدرة الفكرية والأدبية والبعد الإبداعي والألمعية الفذّة لديهما في الشّعر، حيث كان المشهد الشعري بالخصوص في الحجاز  يتميّز بالثراء، ويتصدّره كوكبة من فطاحل الشعراء والخطباء، باعتبارهم من كانوا يقومون مقام المثقفين بالمفهوم الحديث للمصطلح ويلعبون دورهم، وكان منهم من عارض السلطة السياسية فاكتوى بنارها، وبعضهم كان موالياً للحكّام (شيوخ القبائل)، وكان أولئك الحكّام في كثير من الأحيان يحاربون أولئك الشعراء الأفذاذ والجهابذة بإيعاز من محيط الملك أو زعيم القبيلة أو شيخها، ممّن كانوا يحقدون عليهم أو من بعض الشعراء الذين كانوا ينافسونهم، أو بينهم مشاكل شخصية، فكانوا يوغرون صدر الحاكم والعامّة على بعض الشعراء كمثقفين في ذلك العصر.

     وفي إطار تنسيب الأحكام، وجب التوضيح أنّ طرفة بن العبد قبل هجائه لملك الحيرة عمرو بن هند فقد سبق له أن قام بمدحه، بل وكان من خاصّته وأهل مجلسه وديوانه، وبالتالي تحكمت المصلحة الشخصية باعتبارها من محددات العلاقة بين الحاكم والمثقف في ما آلت إليه الأمور، حيث انتهى الأمر بمقتل الشاعر، وهذا الحدث له ما يماثله في التاريخ الإسلامي، وبالضبط في عصر الدولة الإخشيدية بمصر، حيث قام الشاعر أبو الطيب المتنبي بمدح حاكم مصر كافور الإخشيدي، ثمّ ما لبث أن هجاه، ممّا تسبّب في قتله،[7] ويكون بذلك قد أدّى الشاعر طرفة بن العبد ثمن موقفه المعادي للملك عمرو بن هند، وقد لعب محيط الملك دوراً هامّاً في تأجيج الموقف، وأوغروا صدر  عمرو على طرفة، وبالأخصّ ابن عمّ طرفة بن العبد وكانت بينهما خصومة، فهجاه طرفة، فلعب دوراً في الجفاء بين طرفة والملك عمرو، حتى تمّ له ما أراد وانتهى الأمر بقتل طرفة.[8]

      بعد أن قدّمت معنى المثقف والمثقفين المختارين كنموذجين للموالاة والمعارضة، أنتقل إلى عرض معنى السلطة بمفهومها العامّ ومفهومها الخاصّ السياسي، فمن ناحية التعريف المتداول لها كمفهوم عامّ، أرجّح ما ذهب إليه جون وليام لابيار إذ عرّفها بأنّها: […الوظيفة الاجتماعية التي تقوم على سنّ القوانين، وحفظها، وتطبيقها، ومعاقبة من يخالفها، وهي التي تعمل على تغييرها وتطويرها كلّما دعت الحاجة: إنها لا غنى عنها لوجود الجماعة ذاته، لاستمرارها، ولمتابعة نشاطها، من هنا بالذات، إنها تلك الوظيفة القائمة على اتّخاذ المقررات التي يتوقّف عليها تحقيق الأهداف التي تتابعها الجماعة، فالتنظيم، والتقرير، والحكم، والعقاب، هي المهام التي تنتظر السلطة، في أيّة جماعة كانت…].[9]

      وفيما يخصّ تعريف السلطة في بعدها السياسي، أختار التعريف الذي وضعه هنري لوفيفر، واتّفقت عليه معظم المعاجم القانونية التي عرّفت السلطة السياسية بأنها: [ عنصر من عناصر الدولة إلى جانب السكان أو الشعب، والأرض أو الإقليم. ومن شروطها وجود موارد من البشر والسلاح والمال، وجود مجتمع منظّم يعيد إنتاج العلاقات التي تكوّنه (من الأعراف إلى القانون)، ثمّ وجود ضوابط وقيم وإيديولوجيا].[10]

     أمّا فيما يخصّ الإطار الزمني الذي تشمله المقالة البحثية، فيتعلّق الأمر بعصر ما قبل الإسلام المتعارف عليه بالعصر الجاهلي.

       ويتّفق المفكّرون العرب والغربيون بخصوص تأصيل مفهوم المثقّف بمفهومه العصري، ونجد مثلاً من بين أولئك المفكّرين العرب المختار بنعبد العالي على سبيل المثال، والذي بيّن أنّ النقطة المفصلية في بلورة المفهوم تاريخياً كانت في “قضية دريفوس”، حيث يذكر الكاتب أنّ: [… بيان المثقفين في قضية “ألفريد دريفوس”، الضابط اليهودي الذي اعتقلته فرنسا في غويانا سنة 1894م بتهمة تجسّسه لألمانيا، أدّى لظهور المثقف، الذي يعني سواء من حيث المعنى اللغوي أو الاستعمالي “الشخص المهتم أو المتابع في مجال بعينه أو في مجالات متقاربة، وقد يكون متابعاً ومعلقاً في الأدب والسينما، المسرح أو الرسم التشكيلي، والحدود هنا واضحة بين المثقفين والمفكرين والمبدعين”. أمّا في الثقافة العربية، فإن الحدود غير واضحة بين المثقف الذي هو قارئ ومتتبّع بالأساس، وبين المفكّر أو المبدع، وغالبا ما يتم إدماج الجميع داخل صيغة واحدة هي صيغة المثقفين، كما يتميز المثقف العربي بطابعه الموسوعي وتعدد اهتماماته وبنزعة تربوية، بل أبوية أحيانا اتجاه مجتمعه، والمثقف أمام شعوره بواجبه “التربوي” إزاء المجتمع، يحاول أن ينقل إليه كل الضروب المعرفية الممكنة، حتى ولو أدى ذلك إلى نوع من الإسفاف، كما ينغمس في العمل السياسي لأنه يعتبر نفسه ضميراً للشّعب، ويرى أن مكانته داخل المجتمع توفر له نوعا من الحماية، وأنه يستطيع أن يصير إحدى القنوات التي يمكن أن يمرّر من خلالها الخطاب السياسي في غياب المؤسسات الاجتماعية والسياسية التي يفترض أن يمر هذا الخطاب عبرها].[11]

        غير أنّ بعض المفكرين مثل محمد عابد الجابري وعلي أومليل وغيرهما قاموا بـ”تبيئة” مفهوم المثقف بما يلاءم المرجعية العربية – الإسلامية مع العودة للجذور من باب المقارنة، حيث تمّ استنباط بعض الوظائف المشابهة لوظيفة المثقف، والتي قام بها بعض الفقهاء والوعّاظ والكتّاب والمفسّرون والشعراء والأدباء وغيرهم في التاريخ الإسلامي الوسيط، وبالقياس على ذات المعيار، يمكن أن نقوم بتبيئة مفهوم المثقف ليشمل فترة العصر الجاهلي.

      بعد هذه التوطئة التي اشتملت على مدخل نظري عامّ، ومحاولة لضبط الإطار المفاهيمي، أنتقل إلى المحور الأول المتعلّق بأوجه ودوافع ومآلات معارضة الشاعر طرفة بن العبد، باعتباره النموذج الذي اخترته كمثقف معارض في العصر الجاهلي

المحور الأول: المثقف المعارض للسلطة السياسية قبل الإسلام:

       سنتطرق في هذا المحور إلى نموذج الشاعر طرفة بن العبد الذي لقي حتفه على يد ملك الحيرة عمرو بن هند، وهو في الخامسة والعشرين من عمره وفي روايات أخرى السادسة والعشرون، بسبب قصيدة هجاه فيها هو وأخوه قابوس، لأنّ الملك أساء إليه لم يكرم وفادته كما سنرى.

     ولكن قبل أن نستعرض ملابسات هذه الحادثة التاريخية، وما يمكن استخلاصه منها، نتطرّق باقتضاب لمكانة الشعر والشعراء في القبائل والممالك العربية حينئذ، بما أنّ الشعراء يمكن اعتبارهم مثقفو تلك الحقبة الزمنية سواء معرفياً لفصاحتهم في اللغة العربية، أو لدورهم في المجتمع عبر الدفاع بالكلمة عن القبيلة وحلفائها والذّبّ عن أنسابهم وأحسابهم وأعراضهم والتغنّي بانتصاراتهم في الحروب والافتخار بهم…إلى آخره، أو لتعظيمهم لزعماء وملوك العرب من خلال شعر المدح أو الحطّ من قدرهم والاستهزاء والاستهانة بهم من خلال شعر الهجاء.

      يشير مصطفى صادق الرافعي إلى أنّ الشعراء قبل الإسلام كانوا يعرضون أشعارهم في الأسواق مثل عكاظ، وفي موسم الحجّ في مكة على أندية قريش، وما استُحسِنَ من الشِّعر رُوِيَ وكان فخراً لقائله، وكان العرب يُفاخِرون بشعرائهم، كما كان الشاعر يتباهى بقبيلته، ويُعرض عن غيرها، وكان ذلك دينه السياسي ودَيْدَنَهُ، فكان يستحيل إيجاد شاعر يمدح قبيلة بينها وبين قبيلته عداوة، وهذا التفاني في حبّ القبيلة والدّفاع عنها والتنافر مع أعدائها، خلق الحرص في طبائع الشعراء، فتمكّنت غريزة الفخر من نفوسهم، ومن جهتها صارت القبائل وزعمائها في حاجة للشعراء، لدرجة أنّه لمّا كان ينبغ شاعر في قبيلة أتت القبائل الأخرى فهنّأتها بذلك، وصنعت الأطعمة، واجتمعت النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعن في الأعراس، وتتباشر الرجال والولدان، لأنّ الشاعر يحمي أعراض أفراد القبيلة ويدافع عن الأحساب ويخلّد المآثر ويشيدون الذِّكر، وكانت لا تتمّ القبائل إلا بغلام يُولد أو شاعر يَنبُغ أو فرس تُنتِج. ويخلص الرافعي إلى أنّ الشعر في الجاهلية أخذ طابع العصبية القبلية.[12]

المبحث 1: أوجه ودوافع معارضة طرفة بن العبد لملك الحيرة عمرو بن هند.

        ننتقل بعد أن ذكرنا مكانة الشعراء والشعر في المجتمع القَبَلي العربي قبل الإسلام، إلى تسليط الضوء على مثل يؤرّخ لعلاقة الصّدام بين المثقف والسلطة السياسية قبل الإسلام، من خلال استعراض حادثة قتل الشاعر طرفة بن العبد على يد ملك الحيرة بسبب قصيدة شعر.

        يذكر الرافعي أنّ طرفة بن العبد كان شاعراً ذا حَسَبٍ في قومه من أهل اليمامة، وكان جريئاً في شعر الهجاء، أبيّاً ومُعتدّاً لنفسه، مُدلّ على قومه، أي واثق من محبتهم له ومنزلته منهم فيتجرّأ عليهم بمقدار ما تدفعه هذه الثقة، مترفّعاً إلا عن الملوك يرجوهم ويهجوهم، فهو يذهب إليهم بنفسه، ولكنه يَمْثُل لديهم وكأنّه بين قومه، ويفسّر الرافعي ذلك بكون الشاعر طرفة بن العبد كان غِرّاً (ساذجاً) لم تَسْلَم به السِّنُّ إلى مذهب عن نزق الحداثة وسكرة الشباب.[13]

     ويضيف الرافعي عن سبب قتله هو أنّ كان ضحية جنون كبرياءه وقتله لسانه، والأقوال متقاربة في ذكر حادثة قتله، يسوق الرافعي منها ما رواه يعقوب بن السكيت في شرح ديوانه، حيث قال إنّ طرفة هجا عمرو بن هند ملك الحيرة بأبيات أوّلها:

فليت لنا مكان الملك عمرو ….. رَغوثاً حول قبتنا تَخُورُ.

من الزّمِرات أسبل قادماها …… وضرّتُها مركّنة دَرُورُ.

يشاركنا لنا رِخلان فيها …….. وتعلوها الكِباشُ فلا تنورُ.

لَعَمْرُكَ إنّ قابوس بن هند …… لَيَخلِطُ مُلكَه نوكٌ كثيرُ.[14]

      ونلاحظ أنّ الشاعر طرفة بن العبد يعني بأبياته هذه أنّ الملك عمرو بن هند لا يصلح للمُلك، وخير منه نعجة تخور (الرَّغوث)، بل حملت قصيدته سبّاً بذيئاً للملك، يحمل دلالة جنسية خادشة في الشطر الثاني من البيت الثالث، كما تعّرض الشاعر بالهجاء لشقيق الملك.

      ويذكر الرافعي أنّ الملك عمرو بن هند لم يسمع تلك القصيدة حتى خرج يوماً إلى الصيد فأمعن في الطلب، فانقطع في نفر من أصحابه حتى أصاب طريدته، فنزل وقال لأصحابه: اجمعوا حطباً، وفيهم ابن عمّ طرفة واسمه عبد عمرو بن بشر، وكان قد وقع بينه وبين طرفة شرٌّ فهجاه، وكان عبد عمرو لا يعلم بأمر ذلك الهجاء، فأخبره الملك بأمر هجاءه وذكر له أبيات سمعها من طرفة في هذا الخصوص، فغضب عبد عمرو ممّا قاله وأنفه واستقبحه، فقال: لقد قال للملك أقبح من هذا، قال عمرو: وما الذي قاله؟ فندم عبد عمرو و أبى أن يُسمعه، فقال: أسمعنيه وطرفة آمن، فأسمعه القصيدة التي هجاه بها، فسكت الملك على ما قرّر في نفسه، وبلغ ذلك طرفة.[15]

      يتّضح من هذه النازلة أنّ الجفاء والعلاقة المتوترة بين الشاعر المثقف في شخص طرفة بن العبد، وبين السلطة السياسية متمثّلة في الملك عمرو بن هند وأخيه، يعود لطابع شخصي، وهذا الأخير محدّد من محدّدات العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية، فماذا كان مآل معارضة طرفة للملك؟

المبحث 2: مآل معارضة طرفة بن العبد.

  يوضّح الرافعي أنّ الملك عمرو بن هند لم يعجل على طرفة بن العبد بسبب هجائه له، وذلك لمكانة قومه، وتظاهر بأنّه تجاهل أمره منتظراً غِرّته والاستمكان منه، حتى أمن طرفة ولم يعد خائفاً، ظنّاً منه أنّ عمرو بن هند قد رضي عنه، فقدم إليه يتعرّض لفضله، مع شاعر آخر يُدعى المتلمس أو جرير بن عبد المسيح، وهو رجل مسنّ ومجرّب –وكلاهما هجا الملك-، فكتب لهما إلى عامله على البحرين وهجر، وقال لهما انطلقا إليه فاقبضا جوائزكما، ففطن المتلمس للأمر، وحذّر طرفة، واقترح عليه فتح الرسالة وقراءة ما فيها فإن كان خيراً واصلا المسير، وإن كان شرّاً لم يهلكا، لكن طرفة –لسذاجته وحداثة سنه حسب الرافعي- رفض تحذير جرير، ورفض فكّ خاتم الملك، ففرّ جرير إلى الشام، أمّا طرفة فوصل إلى البحرين وسلّم عاملها كتاب الملك ففتحه وقتل طرفة، وقيل أنّ ذلك كان سنة 552م وقيل 564م. [16]

      ويذكر مصطفى صادق الرافعي بأنّ طرفة لم يجزع لمّا أيقن بالموت، بل واجهه باقتدار وسكون جأش وقوة غريزة، فقال مخاطباً من كلّفه عمرو بن هند بقتله:

أبا منذرٍ كانت غروراً صحيفتي …… ولم أعطكم بالطّوع مالي ولا عرضي.

أبا منذرٍ أفنيت فاستبق بعضنا ……. حنانيك، بعض الشرّ أهون من بعضِ.[17]

     ونستنتج من هذا المحور أنّ السلطة السياسية في شخص الملك عمرو بن هند لم تتقبّل أن تكون للسلطة الثقافية في شخص الشاعر طرفة بن العبد، رأي في أهليتها وصلاحيتها للحكم، حتى ولو كان الطابع الشخصي بين الطرفين حاضراً في هذه الحادثة التاريخية، ولكن يمكن أن نستخلص منها أنّ الحاكم لا يقبل نقده كشخص ولا كصاحب سلطة ونفوذ فكيف بهجاءه، لذلك كان ردّ الفعل هو القتل. ويمكن كذلك أن نستخلص أنّ المثقف المعارض لا يبالي بمصير معارضته للحاكم، فهو لا يعارض إلا عن علم مسبق بأنّ نهايته ومآله ستنتهي بالتنكيل أو السجن أو القتل، ولذلك فهو يواجه مصيره وهو معتدّ بنفسه، ولا تظهر عليه آثار الخوف من سوء المصير أو الأسف على ما بدر منه من مواقف، حتى لا يشمت فيه من عارضه، ويسجّل عليه التاريخ موقف المتراجع والنّادم.

     وبهذا نختم محور المثقف المعارض للسلطة السياسية في العصر الجاهلي، والذي استعرضنا فيه تجربة الشاعر طرفة بن العبد مع ملك الحيرة عمر بن هند، وننتقل إلى محور آخر نستعرض من خلاله نموذج المثقف الموالي للسلطة السياسية في عصر ما قبل الإسلام، حيث سنخوض في تجربة الشاعر زهير بن أبي سلمى.

المحور الثاني: المثقف الموالي قبل الإسلام (نموذج زهير بن أبي سلمى): الأوجه والدوافع والمآل.

        سبق أن استعرضنا في معرض التطرق لنموذج المثقف المعارض للسلطة السياسية قبل الإسلام مكانة الشعر والشعراء في المجتمع العربي، باعتبارهم مثقفي تلك الحقبة الزمنية، وسنتطرق في هذا المحور إلى نموذج أحد الشعراء ممّن خصّصوا شعرهم لمدح زعماء القبائل والملوك للتقرّب منهم وكسب المال كما سنرى.

       يشير سراج الدين محمد بادئ ذي بدء إلى معنى المديح، فهو لغة حسن الثّناء بذكر مآثر الفرد أو الجماعة، أمّا اصطلاحاً فهو من أكثر الفنون الأدبية شيوعاً، وفي الشعر العربي “الجاهلي” استُمِدّت المعاني التي يدور حولها من بيئة العرب الصحراوية، ومجتمعهم الذي يعتمد على الفروسية، فكان الشعراء يمدحون بالجود والعزّة والشجاعة والإباء والفتك بالأعداء وإكرام الضيف ورعاية حقوق الجار وصفاء النسب، أي أنّ المدح كان يهتمّ في المقام الأول بالقيم الإنسانية للمحافظة عليها وترسيخها في النفوس، ومن هنا كانت وظيفة الشاعر تربوية أخلاقية.[18]

     ويضيف سراج الدين أنّ المدح في الجاهلية كان في أوّل الأمر جماعياً أكثر منه فردياً، وكان يمتاز بالصّدق والعفوية، لكنه في العصور التالية أصبح تكسّبياً، وأصبح الشاعر يتفنّن في استعاراته وتشابيهه لحدّ الغلوّ، وعليه، يمكن القول أنّ شعر المدح قيل أولاً لإبداء الإعجاب الصّادق، ثمّ قيل للشّكر ثانياً، وأخيراً قيل للتزلّف والتكسّب حتى أصبح مهنة تدرّ الكثير من المال.[19]

     ويذكر سراج الدين أنّه لم يكن في الجاهلية قصائد مديح مستقلّة، بل كان المدح جزءاً من قصيدة تبدأ بالغزل ثم بالفخر ثم بالمديح ثم بالوصف ثم بالخمر وما إلى ذلك، ولم يتّخذ المديح استقلالية خاصة إلا في العصور التالية. كما أنّ المديح تشعّب من مدح أفراد وجماعات إلى مدح المدن ومدح الأحزاب والفرق.[20]

      ويذهب سراج الدين إلى أنّ شعراء العرب في الجاهلية نظموا قصائد المدح بدافع الإعجاب بالفضائل المتعارف عليه، فكان همّ الشاعر أن يرفع من شأن قبيلته وأحلافها والتغنّي بالكرم وحسن الضيافة والبطولة والشرف والعِرض وصحّة النّسب، وكان للشاعر حينئذ مكانة كبيرة لدى الملوك والعظماء، وكانت القبيلة تفتخر بولادة شاعر فيها يرفع من شأنها ويهاجم أعداءها.[21]

     ويضيف سراج الدين فنّ المديح تطوّر في الجاهلية وأصبح صناعة يبيعها الشعراء عند أعتاب الملوك والزعماء، وأدرك هؤلاء الملوك والزعماء أثر الشعر في تحقيق أهدافهم وتكريس مكانتهم، فقرّبوا الشعراء وأغدقوا المال عليهم، وقرّبوهم، وأصبحوا ندماء لهم وبات حضورهم قارّاً في مجالسهم، خاصّة ملوك المناذرة في العراق (حلفاء الفُرس وكانت عاصمتهم الحيرة) وملوك الغساسنة في الشام (حلفاء الروم البيزنطيون كانت عاصمتهم الجابية)، ففتحوا قصورهم للشعراء الذين تنافسوا في مدحهم واستطابوا ترف العيش.[22]

بعد هذه التوضيحات، ننتقل إلى استعراض تجربة الشاعر زهير بن أبي سلمى في علاقته الموالية للسلطة السياسية.

المبحث 1: أوجه ودوافع موالاة زهير بن أبي سلمى لزعيم قبيلة ذبيان هرم بن سنان.

    ننتقل بعد أن ذكرنا مكانة شعر المدح والشعراء المدّاحين في المجتمع القَبَلي العربي قبل الإسلام، إلى استعراض نموذج يؤرّخ لعلاقة موالاة المثقف للسلطة السياسية قبل الإسلام، من خلال عرض موجز لمثال الشاعر زهير بن أبي سُلمى وزعيم قبيلة بني ذبيان هَرِم بن سنان.

    ونبدأ بقصّة الشاعر زهير بن أبي سُلمى (520م – 607م) مع زعيم قبيلة ذبيان هَرِمُ بن سِنَان الذبياني (540م – 608م)، وزهير كان قد ورث الشعر عن أبيه وخاله، وورّثه لولده كعب الذي مدح النبي صلى الله عليه وسلّم في قصيدته البردة.[23]

      وقد قام زهير بمدح هرم بن سنان لدوره في إحلال السلام والصلح في فرعين من قبيلة غَطَفَان هما بنو عبس وبنو ذبيان، إثر حرب داحس والغبراء التي دامت أربعين سنة، وقد اشتعلت بين الطرفين بسبب سباق خيل، حيث وقعت مكيدة دبّرتها قبيلة ذبيان لتفوز فرستها الغبراء على حصان قبيلة عبس داحس، فلمّا علم بنو عبس بأمر المكيدة وقعت الحرب. وقد خلفت قتلى كثيرين من الجانبين أبرزهم عنترة بن شدّاد العبسي وعروة بن الورد العبسي، فتدخّل هرم بن سنان والحارث بن عوف لإيقاف الحرب، ودفعا ديات القتلى من مالهما، فأثنى زهير بن أبي سلمى على موقف هرم بن سنان.[24]

       والحقيقة أنني وجدت في المراجع العديد من المواقف التي تدخّل من خلالها هرم بن سنان للصلح بين بني عبس وبني ذبيان، وسأكتفي بذكر أحدها، حيث أورد الرافعي أنّ: [ عبس وذبيان تشاجرا قبل الصلح، وحلف حصين بن ضمضم أن لا يغسل رأسه حتى يقتل ورد بن حابس أو رجلا من بني عبس، ثم من بني غالب، ولم يُطلع على ذلك أحداً، وقد حمل الحمالة الحارث بن عوف بن أبي حارثة، فأقبل حتى نزل بحصن بن ضمضم، فقال له حصين من أنت أيها الرجل؟ قال عبسي، قال: من أيّ عبس؟ فلم يزل ينتسب حتى انتسب إلى بني غالب، فقتله حصين، وبلغ ذلك الحادث الحارث بن عوف وهرم بن سنان فاشتدّ عليهما، وبلغ بني عبس فركبوا نحو هرم، فلمّا بلغه ركوبهم إليه، وما قد اشتدّ عليهم من قتل صاحبهم، وأنّهم يريدون قتل حصين، بعث إليهم بمائة من الإبل وابنه معهم، وقال للرسول أن يقول لهم: هل الإبل أحبّ إليكم أم أنفسكم؟ فأقبل الرسول حتى قال لهم ذلك، فقال لهم الربيع بن زياد: يا قوم إنّ أخاكم قد أرسل إليكم هل الإبل أحبّ إليكم أم ابني تقتلونه مكان قتيلكم؟ فقالوا: نأخذ الإبل ونصالح قومنا ونتمّ الصّلح].[25]

          ويمكن أن نستنبط أنّ سبب موالاة الشاعر المثقف للحاكم، كان بسبب سياسات هذا الأخير التي اعتبرها المثقف إصلاحية، وتخدم المجتمع، حيث كان للحاكم دور في إحلال السلام بين طرفين متحاربين، فكيف ردّ الحاكم على موالاة المثقف له؟

المبحث 2: مآل موالاة زهير بن أبي سلمى.

    ردّ هرم بن سنان على مدح زهير له بمنحه مكافآت عديدة من شدّة إعجابه بشعره، وآلى على نفسه أمام الملأ ألّا يُسلّم عليه زهير إلا وأعطاه عبداً أو أَمَة أو فرساً أو بعيراً، فاستحيا زهير  ممّا كان يقبل منه، فكان إذا رآه في ملإ قال: عمتم صباحاً غير هرم، وخيركم استثنيت.[26]

ويذكر سراج الدين محمد القصيدة التي مدح بها زهير بن أبي سلمى هرم بن سنان، ونذكر منها هذه الأبيات التالية:

بلِ اذكُرَنْ خيرَ قيس كلها حبساً ….. وخيرها نائلاً وخيرها خُلُقاً.

وذاك أحزمهم رأياً إذا نبأٌ ………. من الحوادث آب الناس أو طَرَقَا.

قد جعل المبتغون الخير في هَرِمٍ …. والسائلون إلى أبوابه طُرُقا.

من يلقَ يوماً على عِلّاته هَرِما ….. يلقَ السماحة منه والنّدى خُلُقا.

لو نال حيٌّ من الدّنيا بمنزلةٍ …… وسط السماء لنالت كفُّهُ الأفقا.[27]

   ونستنتج من هذه العلاقة بين الطرفين أنّ الشاعر سخّر شعره ومدحه، لإعلاء شأن زعيم القبيلة ورفع مكانته في قبيلته وباقي القبائل، وذلك من خلال إظهاره للمتلقّي بصورة “برّاقة” باعتباره رجل سياسة “نبيل” رفض الحرب وإراقة الدماء بين قبيلتي ذبيان وعبس، وكذلك كرجل دبلوماسي “شهم” سعى لحصول الصّلح بين المتحاربين، وكرجل سلام “فاضل” و”كريم” دفع ديات القتلى من الجانبين من أمواله. وبغضّ النظر عن نبل ذلك الزعيم فعلاً أو تضخيم الصورة من طرف الشاعر لإظهاره كذلك، إلا أنّ الثابت أنّ ذلك الشعر له انعكاسه الإيجابي على زعيم القبيلة في محيطه الاجتماعي لأنّ مدحه جاء على لسان أحد فطاحلة الشعر العربي الجاهلي الذين يذكرهم تاريخ الأدب العربي، كما أنّ الثابت أيضاً أنّ الشاعر نال من الزعيم المكافأة الموازية لدوره في تلميع صورته وذكر خصاله وإعلاء شأنه.

     ونستفيد من هذا الاستنتاج أنّ الزعيم أو الحاكم أو السلطة السياسية بصفة عامّة لا مناص لها من مثقف في بلاطها، بما له من قبول ونفوذ وتأثير معنوي على الجماهير، ليكتب عنها ما يقنع الناس بشرعيتها ومكانتها وكفاءتها ويبرر لسياساتها… (قبل إقرار المفهوم كما هو متعارف عليه حالياً، كان يقوم بدوره الأديب والفقيه والواعظ والشاعر … إلى آخره كما رأينا).  

خاتمة:

     يمكن القول كخلاصة أنّ العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية غالباً ما كانت إشكالية في التاريخ العربي منذ العصر الجاهلي، فيما يخصّ السلطة السياسية، إذ كانت في معظم الأحوال تخلو من أيّ لون رمادي لدى الحاكم العربي، فلم يكن هذا الحاكم يقبل أيّ حلّ وسط، فإمّا يكون المثقف موالياً له، مؤكّداً لشرعيته وشرعية حكمه، معدّداً إنجازاته، وإمّا يعدّه مناوئاً وعدوّاً تنبغي معاقبته، وكانت العقوبات شديدة جدّاً في أحيان عديدة، منها السّجن والتّجويع والقتل، والمبالغة في التعذيب أحياناً أخرى، كتقطيع الأطراف أو الصّلب أو الحرق أو غير ذلك، ولم تكن جريمة المثقف في معظم الأحوال، مهما كان الموقف منها، تستحقّ مثل تلك العقوبات، لأنها في الغالب الأعمّ، مجرّد رأي مخالف لرأي الحاكم، بل كان الحاكم العربي في محطّات تاريخية متعدّدة، منها العصر الجاهلي كما عرضت متعسّفاً، ولا يقبل أيّ نقد وإن كان خفيفاً أو ناعماً أو شبه نقد، وكذلك من الحكّام من كان لا يقبل أيّ مدح غير مباشر، بل ينتظر دائماً مدحاً مباشراً مبالغاً فيه إلى أبعد الحدود ويستمتع بذلك، حتى كاد مدح الحاكم يصبح في التاريخ العربي، تقليداً عادياً مقبولاً من الكتّاب ومن أبناء المجتمع.

       وقد سار مصطفى مرتضى في نفس الاتّجاه إذ أكّد أنّ: [السلطات الحاكمة في العالم العربي لم تقف عند حدود استتباع المجتمع المدني للمجتمع السياسي والعسكري، بل تسعى إلى ابتلاع الفكر والثقافة والعقل، وإلحاق ذلك كلّه بالدّولة والسّلطة، ليصبح مجرّد صدى لها، وأداة تبرير وتسويغاً للممارسات المختلفة، فالثقافة الرّسمية هي بالأساس ثقافة تبرير وثقافة تسيير الأمر الواقع، تفتقد البُعد التّحليلي والبُعد النّقدي الذي يسم كلّ ثقافة لا تدور في رِكَاب السلطة].[28]

       وقد تطرّقت إلى كون العقوبات التي ينالها المثقف المعارض كانت قاسية للغاية، بحيث لم يكتفِ الحاكم العربي، في العصر الجاهلي، بالعقوبات الجسدية كالسجن أو الضرب، بل تجاوزها إلى عقوبة أفدح وأكثر شناعة، ألا وهي القتل، وبالعكس كان نصيب المثقف الموالي المبالغة في إكرامه وتقريبه وإسباغ العطايا عليه.

    وأتمنى أن ينال موضوع المثقف وعلاقته بالسلطة السياسية في عصر ما قبل الإسلام المزيد من تسليط الضوء عليه، لأنّه في تقديري سيشكّل منطلقاً صلباً لمعرفة العلاقة بين الطرفين في العصر الإسلامي كذلك، سواء في العصور الوسطى أو التاريخين الحديث والمعاصر، بل والتاريخ العربي الإسلامي الراهن.

       وأخيراً، أنهي هذه المقالة بطرح تساؤل مفتوح، ألم يؤدِّ التّحالف والتّوافق وكذلك المعارضة والتّخالف بين المثقف والسلطة السياسية، منذ العصر الجاهلي إلى ما يسمّى بالربيع العربي، إلى المساهمة في خلق زخم ثقافي وسياسي واجتماعي، ألم تؤدّ معارضة المثقف للسلطة السياسية إلى تحوّله إلى أيقونة وشهيد في نظر الناس؟ ثمّ ألم يؤدِّ بالمقابل التّحالف بين المثقف والسلطة إلى ظهور أجيال من المثقفين التبريريين؟ وهل هذا المعطى كفيل بالتأكيد على أنّ المثقف المساير للسلطة والمبرّر لها بالضرورة عبد لها؟

 


فهرس المصادر والمراجع:

1- بنعبد العالي المختار، الثقافة العربية ومعطيات الواقع الراهن والآفاق المتطورة، مجلة الوحدة، العدد 101-102، المجلس القومي للثقافة العربية، باريس، فبراير – مارس 1993.

2- الجابري محمد عابد، العصبية والدولة، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة 1982.

3- الجابري محمد عابد، المثقفون في الحضارة العربية محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثانية يناير 2000.

4- الرافعي مصطفى صادق، تاريخ آداب العرب، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة – مصر، 2012.

5- سراج الدين محمد، المديح في الشعر العربي، دار الراتب الجامعية، بيروت، سلاسل سوفنير، سلسلة المبدعون، 2008.

6- العودات حسين،  المثقف العربي والحاكم، دار الساقي، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 2012.

7- كلاوي محمد، المجتمع والسلطة- دراسة في إشكالية التكوين التاريخي والسياسي للمؤسسات والوقائع الاجتماعية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، طبعة 1999، ص 53-64.

8- لوفيفر هنري، الدولة والسلطة، ترجمة حسن أحجيج، مقالة بتاريخ 14/04/2014، اطّلع عليها بتاريخ 17/05/2021، الرابط:  https://www.ahewar.org/debat/ show.art.asp?aid=410259

9- مرتضى مصطفى، المثقف والسلطة: رؤى فكرية، شركة روابط للنشر وتقنية المعلومات، القاهرة، 2016.

10- ناصف عبد الله، السلطة السياسية: ضرورتها وطبيعتها، دار النهضة العربية، القاهرة، 1982.

[1] – مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة – مصر، 2012، ص 789.

[2] – حسين العودات،  المثقف العربي والحاكم، دار الساقي، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 2012، ص 108 و 109.

[3] – حسين العودات، المثقف العربي والحاكم، ص 127 و 128.

[4] – محمد كلاوي، المجتمع والسلطة- دراسة في إشكالية التكوين التاريخي والسياسي للمؤسسات والوقائع الاجتماعية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، طبعة 1999، ص 53-64.

[5] – محمد عابد الجابري، العصبية والدولة، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة 1982، ص 252.

[6] – محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثانية يناير 2000، ص 24.

[7] – مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة – مصر، 2012، ص 839.

[8] – مصطفى صادق الرافعي، نفس المرجع، ص 840.

[9] – عبد الله ناصف، السلطة السياسية: ضرورتها وطبيعتها، دار النهضة العربية، القاهرة، 1982، ص 49.

[10] – هنري لوفيفر، الدولة والسلطة، ترجمة حسن أحجيج، مقالة بتاريخ 14/04/2014، اطّلع عليها بتاريخ 17/05/2021، الرابط: https://www.ahewar.org/debat/ show.art.asp?aid=410259

[11]– المختار بنعبد العالي، الثقافة العربية ومعطيات الواقع الراهن والآفاق المتطورة، مجلة الوحدة، العدد 101-102، المجلس القومي للثقافة العربية، باريس، فبراير – مارس 1993، ص 47.

[12] – مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، مرجع سابق، ص 641 و642.

[13] – مصطفى صادق الرافعي، نفس المرجع، ص 839.

[14] – مصطفى صادق الرافعي، نفس المرجع، ص 840.

[15] – مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، ص 841.

[16] – مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، ص 841.

[17] –  مصطفى صادق الرافعي، نفس المرجع، نفس الصفحة.

 

[18] – سراج الدين محمد، المديح في الشعر العربي، دار الراتب الجامعية، بيروت، سلاسل سوفنير، سلسلة المبدعون، 2008، ص 6.

[19] – سراج الدين محمد، نفس المرجع، نفس الصفحة.

[20] – سراج الدين محمد، نفس المرجع، نفس الصفحة.

[21] – سراج الدين محمد، المديح في الشعر العربي، ص 7.

[22] – سراج الدين محمد، نفس المرجع، نفس الصفحة.

[23] – مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، مرجع سابق، ص 849.

[24] – سراج الدين محمد، المديح في الشعر العربي، ص 8.

[25]– صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، ص 850 و 851.

[26]– مصطفى صادق الرافعي، نفس المرجع، ص 850.

[27] – سراج الدين محمد، المديح في الشعر العربي، ص 8.

[28] – مصطفى مرتضى، المثقف والسلطة: رؤى فكرية، شركة روابط للنشر وتقنية المعلومات، القاهرة، 2016، ص 32.