“الأكوان”: الحركة والسّكون، الاجتماع والافتراق – دانييل جيرميه / ترجمة: محمد بو هلال

مذهب الأشعري دانييل جيرميه الكون الحركة والسكون

الفصل الثالث بعنوان (“الأكوان”: الحركة والسكون، الاجتماع والافتراق) من كتاب (مذهب الأشعري) لدانييل جيرميه


لا بدّ أن توجد بكلّ جوهر أعراض، وكما ذكرنا سابقا (انظر ص 48) فإنّه يوجد خاصّة العرض المسمّى كون (انظر المجرّد ص 243، سطر 11 “إنّ الجوهر لا يجوز أن يخلو من الأكوان كما لا يجوز أن يخلو من الألوان”. وانظر كذلك المجرّد ص 331، سطر 2-3).

لفظ كون، في اصطلاح المتكلّمين القدامى -والأشعري، في هذا السّياق، يعيد استعمال لفظ شائع عند المعتزلة، فيما يبدو منذ أيّام أبي الهذيل والنظّام ومعمّر، الخ (انظر مقالات ص ص340-356)- له معنيان: معنى شائع، يعود إلى المصدر من كان. ويدلّ على “وجود” ما. (ولكنّه في هذه الحالة يكون متبوعا دائما بنعت، وفق المعنى النّحوي للكلمة). وله معنى آخر، أكثر تخصّصا، يفهم بمقتضاه الكون في علاقته بالاسم المشتقّ من ذات الجذر: مكان، ويدلّ على “الوجود الكائن في مكان”. ويمكن ترجمته بموضع (كما فعلت ذلك طويلا)، أو موقع[1]. ومن الآن فصاعدا، أفضّل أن أقول “كون” للحصول على عبارة فرنسيّة مشتقّة من الجذر ذاته لكلمة (مكان)، كما درجنا على ذلك في التّرجمة (رغم أنّ هذه التّرجمة ليست مناسبة بصفة تامّة، في هذه الحالة كما سنرى).

ما يجب فهمه من كون ومكان

العرض كون هو إذن، ما يكون به الجوهر “كائنا في مكان”. هكذا يعرّفه الأشعري عادة، غير أنّه يضيف هذا التّدقيق: “إذا كان مكان” (انظر المجرّد ص 243، ص 10-11. وانظر أيضا: ص 43، سطر 13، ص 203 سطر4-5؛ و ص 262 سطر 14-15). لم هذه الإضافة التي تبدو مجانيّة؟ يعود هذا التّدقيق إلى المعنى شديد الخصوصيّة  -وقد أشرنا إليه سابقا- (انظر: ص ص 57 و 63) الذي جعله الأشعري لكلمة مكان، أو على الأقلّ لما فهمه منه ابن فورك، بما أنّ هذا الأخير ذكر هذا المفهوم على أنّه “الظّاهر من مذهبه” (المجرّد ص 273، سطر 8-9). إنّ المكان –إن أخذنا بهذه التّرجمة- عند الأشعري ليس، كما نراه نحن مفهوما مجرّدا أو نقطة في الفضاء أو شيئا محدّدا هندسيّا، بل هو جسم (أو ربّما مجرّد جزء، انظر المجرد، ص 273، سطر 5) يقع فوقه الجسم (أو الجزء) الذي نقول عنه “كائن في مكان”. ومكان الشّيء هو “ما كان فيه الكائن بأن يكون فوقه مماسّا له معتمدا عليه”، (انظر المجرّد، ص 273، سطر 8-9. وانظر كذلك المجرّد، ص 273، سطر 17-18).

والحقيقة أنّ هذا المفهوم ليس خاصّا بالأشعري، فالجبّائيون قالوا بهذا الرّأي ذاته أو قريبا منه (وهذا بلا شكّ  رأي آخرين غيرهم ممّن سبقوهم. (انظر مقالات، ص 442، سطر 9-14). وعند الجبّائيين، كذلك (انظر المغني، ج 8، ص 146، سطر 11) “مكان الجوهر ما يعتمد عليه”. وانظر أيضا المصدر نفسه ص 145، سطر 15، 16). والفارق الوحيد أنّ الجبّائيين استعملوا هنا فعل “اعتمد على”، في معناه الحرفي “سلّط ضغطا على”. وفي مذهبهم أنّ كلّ جسم ثقيل له بهذا الثّقل (اعتماد لازم سفلي) يتولّد منه نزوله. ويعرّف مكانه إذن بما يعتمد عليه ويمنعه من النّـزول “ما يقلّ الثّقل ويمنعه ثقله من توليد الهوي”، (تمهيد ص 62، سطر 7. وانظر المسائل ص 188، سطر 22-23. وكذلك مقالات، ص 442، سطر 10و 13-14). أمّا الأشعري فيرفض هذا المذهب. وكما نعلم (انظر: ص ص 72-73) فعرض الثّقل لا وجود له في نظره. وما يسمّيه، من جانبه “اعتماد” ليس سوى نوع من الاتّصال (مماسّة مخصوصة)، يكون بفضله جزء ما (أو جسم)كائنا فوق آخر. وهذا الاعتماد لا يمكنه بأيّ بحال أن يولّد نزول ما هو محلّ له، لأنّ القاعدة العامّة تقضي بأن العرض لا يمكنه أن يولّد العرض (انظر ص 403). وكان الأشعري يقول إنّ ما يمنع الجسم من النّزول يكون -تبعا لقاعدة المتضادّات- بحصول عرض السّكون الذي يخلقه الله فيه حالا بعد حال (انظر المجرّد ص  275، سطر 7-14، وانظر كذلك ص 246، سطر 1-3).

ولكن مع هذا الاختلاف، فإنّ الأشعري يؤيّد قول الجبّائيين في تعريف الـ “كون”، خلافا لقول البلخي المأخوذ عن أرسطو، والذي يعرّف “كون” الشّيء بأنّه “ما أحاط به من جميع جوانبه”، (انظر مسائل ص 188، سطر 23- 24؛ أوائل المقالات، ص 130، سطر 1-5 [2] ). وفي المجرّد إشارتان إلى هذا التّعريف (ص 273، سطر 19: “لو كان مكانه ما أحاط به”، وانظر أيضا ص 274، سطر 21-22). وقد عارض الأشعري هذا القول بما اعترض به شيخه الجبّائي بردّه إلى طريقة أهل اللّغة (انظر: مسائل، ص 188، سطر 24 وما بعده): علماء اللّغة لا يقولون القلنسوة مكان للرّأس، بل إنّ الرّأس مكان لما فوقه. وما يسمّونه مكان الرّجل فهو مقعده (هناك حيث يجلس)، لا ما علاه (المجرّد ص 275، سطر 1-4).

والحقيقة أنّه يمكننا القول بأنّ الأشعري لم يكن يأخذ دائما بهذا المفهوم، من خلال ما يظهر في العبارة المتواترة في المجرّد (ص 226، سطر 19- 23؛ ص 273، سطر 23 وما بعده؛ ص 331، سطر 6-7)، وقد أشير إليها أيضا في (مقالات ص 324، سطر 1-9)، وبها أراد الأشعري أن يقيم الدّليل، على أنّ الشّيء يمكن أن يكون في نفس الوقت ثابتا ومتحرّكا. والمثال، هنا أيضا، هو رأس الرّجل، وتحديدا “الصّفيحة العليا” لهذا الرّأس (انظر: ص 62)، عندما يتحرّك. ويمكن أن توصف هذه الصّفيحة، حسب الأشعري، بأنّها ثابتة ومتحرّكة في الوقت ذاته: ثابتة بالنّسبة إلى طبقة الأجزاء الكائنة مباشرة تحتها، ومتحرّكة بالنّسبة إلى المحيط الخارجي (جوّ، هواء) التي هي مماسّة له من الجهات الخمس الأخرى (وتحديدا جهة الأعلى). ولكنّ المتحرّك، عند الأشعري يعرّف منطقيّا بأنّه “ما انتقل من مكان إلى مكان”، (انظر المجرّد ص 331، سطر 1)، “ما فرّغ مكانا وشغل غيره”، (انظر المجرّد ص 338، سطر 5). هل ينبغي أن نفهم من ذلك، أنّ الجوّ –أو تحديدا جزؤه المماسّ لتلك الصّفيحة- يمثّل كذلك “كونا” ل “الصّفيحة العليا” المشار إليها؟ يميّز الأشعري في جوابه، إذا فهمت قصده جيّدا، بين الكون الحقيقي للصّفيحة وما هو كون كذلك، ولكنّه كون لغيرها. والصّفيحة في حال كونها “كائنة على ما تحتها”، (المجرّد ص 331، سطر 6-7) تكون “لازمة لمكانها”، (المجرّد ص 331، سطر 7)؛ “ساكنة في مكانها”، (المجرّد ص 274، سطر 2). وفي حال كونها متحرّكة في الجوّ تكون مفارقة لمكان إلى مكان آخر، غير أنّ حركتها لا تبقى في مكانها، بل في مكان غيرها[3].

هذا الجواب، ليس مقنعا بصفة تامّة… والحقيقة أنّ فهم معنى المكان على هذا النّحو غير مناسب، وأنّ الأشعري تعوزه، في هذا السّياق، عبارة يشير بها إلى المكان، كما نفهمه نحن، أي المكان كنقطة في الفضاء محدّدة هندسيّا. وقد كان للجبّائيين عبارة تدلّ على هذا المعنى (لا نعلم منذ متى؟). وإلى جانب عبارة “مكان”، التي أشاروا بها إلى ذات المعنى الذي ذهب إليه الأشعري، فقد استعملوا عبارة “جهة” لتدلّ، هذه المرّة، على مكان محدّد بصفة تجريديّة. وفي تعريف عرض “كون” بأنّه “ما بفضله تكون المادّة كائنة في مكان”، استخدموا لفظ “جهة” (لا مكان كما فعل الأشعري) (المجموع، ج1، ص 33، سطر 5-6: “… فهو قولنا كون، وفائدته ما به يصير الجوهر في جهة دون جهة”، (التّذكرة، ص 78ب، سطر 4): “الكون هو ما يوجب كون الجوهر كائنا في جهة”؛ (انظر أيضا المغني ج 8، ص 78، سطر 13- 14). لم جهة؟ لأنّها الكلمة المستعملة عادة لتعيين إحدى “الجهات” الستّ التي يتحدّد بها كلّ جسم بالنّسبة إلى آخر: أمام، وراء، يمين، يسار، أعلى، أسفل، وهو ما يعادل أن نقول بكلّ دقّة “بحيث هو” (انظر هنا بكلّ وضوح، التّذكرة، ص 62، سطر 3-6)[4].

ومن المؤكّد أنّ لفظ “جهة” ليس مجهولا لدى الأشعري. ولكنّي أعتقد بأنّه، عادة ما يعطيه معنى أقرب إلى دلالته الأصليّة التي تشير تحديدا إلى “الاتّجاه” الذي ننعطف إليه أو نتحرّك نحوه، ولا يأخذه في معنى “النّقطة المحدّدة في الفضاء” (وهو بلا شكّ معنى مشتقّ من هذا اللّفظ)[5]. والعبارات التي نسبها إليه المجرّد تتحدّث عن حركات “في جهة أو إلى جهة”، (انظر ص 234، سطر3- 5؛ ص 245، سطر 1- 2؛ ص 332، سطر 4- 5)[6]، وعن مماسّة في جهة محدّدة (ص 259، سطر 7). وقد رأينا سابقا (ص 61) أنّ جهة، جهات يمكن أن تشير كذلك إلى جوانب شيء (كلّ جانب يقابل جهة)، وأنّ الأشعري يرى أنّ الجزء ليس له جهة، وأنّ الأجزاء المحيطة به هي جهاته؛ ومن البديهي، في هذه الحالة، ألاّ تدلّ “جهة” على “المكان” الهندسي الذي يشغله الجزء.

وفي ضوء هذا التّعريف للمكان – بوصفه دالاّ، لا على محلّ محدّد هندسيّا، بل على جزء أو جسم يحمل جزءا آخر أو جسما آخر- نفهم لم طرح السّؤال الغريب غرابة شديدة للوهلة الأولى، والمتعلّق بإمكانيّة أن يكون الجسم “لا في مكان”. لقد سبق أن رأينا (ص 63) أنّ الأشعري يردّ على هذا السّؤال بالإيجاب، تماما كقول الجبّائيين أيضا. وفي مذهبه أنّ كلّ جزء، وكلّ جسم كائن بطبعه في مكان، يوجد به عرض “كون”، ولكنّ هذا ال”كون” لا يقتضي بالضّرورة وجود مكان له. ويمكن للجزء أن يكون منفردا، دون أن يوجد تحته جزء آخر. ولا يمكن أن يمنعه ذلك من أن يكون فيه ذات الكون الذي كان يكون فيه لو كان له مكان (المجرّد ص 204، سطر 18- 20 و ص 243، سطر 11- 12).

اعتبر الأشعري، مثله مثل أبي الهذيل والجبّائيين (انظر: مقالات ص 326، سطر 2- 3 و ص 571، سطر 8- 10؛ المسائل ص 194، سطر 15-25؛ التّذكرة، ص 501، سطر 19 وما بعده) أنّ الأرض ساكنة، لا يرفعها شيء، أي أنها توجد فعلا “في لا مكان” (المجرّد ص 264، سطر 10- 11)، وكذلك “جملة العالم بأسره (المجرّد ص 264، سطر 11- 12 و ص 275 سطر 18، وانظر المغني ، ج 8، ص 296، سطر، 1-3)[7]،  وتحديدا (الصّفيحة السّفلى انظر مجرد، ص 331، سطر 5)[8]. ولا يمتنع بهذا احتواء هذه (الصّفيحة السّفلى) من العالم، كما هو حال (الصّفيحة السّفلى) من الأرض، على ذات المعنى “كون” الذي تكون به كائنة في “مكان”  إذا كان مكان “وفيه ما يمنع الذي إن لو كان مكان كان فيه به كائنا”، (المجرد ص 331، سطر 5- 6؛ وانظر أيضا ص 264، سطر 12 و ص 277، سطر 2 وما بعده). وهذا ما يكون في كلّ جسم إذا وجد في الشّروط ذاتها (المجرّد، ص 221، سطر18 -19).

وحجّة الأشعري، أنه لو احتاج كلّ جسم أو جزء مكانا – أي نحتاج جسما آخر أو جزءا آخر-  لاقتضى ذلك ما لا يتناهى من الأجسام أو الأجزاء، وهذا محال، بما أنّ الأجسام والأجزاء متناهية (المجرّد، ص 275، سطر 18- 20؛ وحجة مماثلة في التّذكرة ص 52، سطر 6-7).

طرح سؤال آخر حول ما ينبغي أن تكون عليه مساحة المكان، قياسا إلى الجسم الذي يحمله. أمّا أبو هاشم فرأى أنّ مساحة المكان ينبغي أن تكون أكبر؛ فاليد، كما قال، يمكن أن تكون مكانا لذبابة لأنّ اليد أكبر، ولكنّها لا يمكن أن تكون مكانا لصخرة كبيرة، لأنّ اليد أصغر منها (انظر: المسائل، ص 189، 7-12؛ التّذكرة، ص 180، سطر 14 وما بعده). وقد أنكر الأشعري هذا المذهب كما أنكره الجبّائيون المتأخّرون (انظر: المسائل، ص 189 سطر، 6 وما بعده والتّذكرة، ص 180، 4 وما بعده): ما يكون مكانا يجب ألاّ يكون أكبر مما هو “متمكّن عليه”[9]، ويمكن أن تكون مساحتهما متساوية (المجرّد ص 275 ، سطر 5- 6). وقد أكّد الأشعري، بلا شك، كابن متّويه إمكان وجود مكان مساحته أقلّ ممّا يحمله، ويكون ذلك لعلل مختلفة. ويكفي، حسب ابن متّويه أن يكون في هذا المكان المعني العدد الكافي من أجزاء السّكون لتوازن أجزاء الثّقل في الجسم الكائن فوقه (التّذكرة، ص 180، سطر 9، 13). أمّا عند الأشعري، فقد رأينا أنّ الثّقل غير موجود، وأنّ المكان ليس هو ما يمنع الجسم الأعلى من النّزول، وسكون الأجسام راجع، ببساطة إلى إرادة الله، دون الحاجة إلى شيء يرفعها (انظر المجرّد، ص 133، سطر 6- 10 و ص 264، سطر 6- 7).

الأشكال المختلفة للأكوان

منذ البداية جرى ربط كلمة كون في الاستعمال الكلامي المبكّر بلفظي حركة وسكون (زعم ابن متّويه أنّها قد تكون جرت على لسان واصل، انظر تذكرة، ص 450، ص 17-20). ومن البديهي أن يكون اعتبار عرض كون هو ما به يكون الجوهر كائنا في مكان معيّن، مرتبطا منطقيّا بمعنى السّكون، الذي يقصد به عادة، البقاء في المكان نفسه، وبمعنى الحركة التي هي انتقال من مكان إلى آخر. والسّؤال الذي لا يمكن إغفاله يتعلّق بما إذا كانت هذه الألفاظ الثّلاثة تشير إلى كيانات مختلفة أم لا. في هذا المعنى، أشار الأشعري في المقالات (ص 324- 325 و ص 350- 356) إلى عدد من الآراء المتباينة. أمّا أبو الهذيل فكان يرى أنّ الحركة والسكون (باعتبارها كيانات وأعراض، بكلّ تأكيد) مختلفة عن كون (مقالات ص 325، سطر 9؛ ص 351، سطر 1، 2 و ص 355، سطر 3). وفي المقابل، كان رأي النظّام أنّ الحركة والكون مترادفان (ص 324، سطر 14، ص 351، سطر 11، و ص 354، سطر 1)؛ وذهب معمّر إلى أنّ السّكون هو المرادف لكون (ص 325، سطر 6 و ص 355، سطر 1، 2).

وكان رأي الجبّائي غامضا في هذه المسألة. وإذا أخذنا بما جاء في مقالات (ص 325، سطر 11؛ ص 352، سطر 5، 6 و ص 355، سطر 12)، فيمكن القول بأنّه كان يعتبر الحركة والسّكون هما كونان؛ وذهب البغدادي، في المقابل إلى أنّ الجبّائي ربّما أخذ برأي أبي الهذيل، ومن ثمّ، لعلّه كان يرى أنّ الكون له معنى مغاير للحركة والسّكون (تفسير أسماء الله الحسنى، ص 126ب سطر 9-11)؛ أو لعلّه كان يأخذ في البدء برأي أبي الهذيل، فيما ذكر ابن متّويه، ولكنّه خلص لاحقا إلى المطابقة بين الكون والسّكون، غير أنّه بقي على قوله بأنّ الحركة ذات معنى مغاير (التّذكرة، ص 448، سطر 14-18)؛ وأخيرا قال ابن راشد إنّ الجبّائي، مثل البلخي، كان يرى أنّ الحركة والسكون معنيان مختلفان ومتضادّان (المسائل، ص 173، سطر 12-13). والحجج التي قدّمها الجبّائي ليثبت أنّ الحركة “جنس برأسه” مذكورة في المسائل ص 175، سطر 10 وما بعده (وانظر كذلك …في التّوحيد ص 132، سطر 1- 12). وعند التّدقيق، نتبيّن  أنّ إحدى هذه الحجج، تحدّد بوضوح المعنى المشترك: الحركة والسكون يمثّلان النّوع ذاته من الأعراض المتضادّة.

هناك ألفاظ أخرى يمكن ربطها بلفظ كون، بما أنّها تدلّ مثله، على ضرب من علاقة الجوهر بالخلاء، غير أنّ المعتبر في هذه الحالة، ليس صلة الجوهر ب “مكانه”، بل بجوهر آخر[10]. ويتعلّق الأمر بالزّوج المعروف جدّا منذ أبي الهذيل، باسم الاجتماع والافتراق (انظر: مقالات، ص 314، سطر14؛ ص 343، سطر 14؛ ص 344، سطر 7؛ ص 345، سطر 8؛ ص 146، سطر 1؛ ص 361، سطر 10؛ الخ.)، وكذا كلّ الألفاظ ذات المعنى القريب مثل “مماسّة”، “جوار”، “قرب”، “تباعد”، الخ. ولا شكّ أنّ الاجتماع والافتراق تمثّل زوجا من الأعراض المتضادّة والتي لا علاقة لها، في الظاّهر بعرض الكون عند أبي الهذيل وهشام الفوطي وبشر بن معتمر وجعفر بن حرب وأبو جعفر الإسكافي(ذكر جميعهم في مقالات، ص 345، سطر 6-11). وقد أكّدت مصادر الجبّائيين المتأخّرة بوضوح أنّ أبا الهذيل كان يرى في عرض “الافتراق” معنى متميّزا عن “الكونين” اللّذين يبعد بهما جوهران أحدهما عن الآخر؛ وكان هذا القول الأوّل للجبّائي (التّذكرة، ص 452، سطر 10-12؛ في التّوحيد، ص 119، سطر 5-9).

ومن الإبداعات الجريئة التي اشتهر بها أبو هاشم أنّه جمع كلّ هذه الألفاظ – كون، سكون، حركة، اجتماع، افتراق- في نسق واحد، وقال بأنّها تسميات مختلفة لكيان واحد. وفي رأي أبي هاشم، فإنّ المعنى نفسه يكون كونا بحدوث المادّة (يحدثها الله في مكان ما)؛ ويكون سكونا حين يستقرّ الجوهر في مكانه لحظتين فأكثر؛ ويكون حركة حين يكون الجوهر بحركته في مكان، وقد كان في اللّحظة السّابقة مباشرة في مكان آخر؛ ويكون اجتماعا (أو جوارا، أو مماسّة) حين يكون به جوهران كائنين أحدهما قرب الآخر؛ ويكون افتراقا (أو تباعدا) حين يكون به أحدهما بعيدا عن الآخر. كلّ هذه الألفاظ تحيل على نوع وحيد، وكلّها تعبّر عن هيئة ما في الكون “كون واقع على وجه”، (انظر التّذكرة، ص 451، سطر 4-5 و10). وكان هذا إذن مذهب مدرسة الجبّائيين (انظر: المجموع، ج 1، ص 33، سطر 5-14؛ التّذكرة، ص 432، 3-8)[11].

ويتجلّى المظهر الأوضح لهذا المذهب في الصّورة التي يعرضها عن الحركة. وإذا كنّا نرى بديهيّا، الحركة بوصفها مسارا حركيّا وتطوّريّا، فإنّ تفسير أبي هاشم لها يقود، على العكس إلى النّظر إليها، باعتبارها مظهرا ثابتا إلى حدّ ما، وليس مسارها هو المعتبر فيها، بل منتهاها ونقطة وصولها. وهذا يعود إلى النّظر إليها بصفتها كونا، أي بصفتها سبب وجود الجوهر حيث هو. ويأخذ أبو هاشم في اعتباره الكون، أي ما يجعل الجوهر كائنا في مكان ما في لحظة ما، ويقول عنه لاحقا إنّه سكون، أو حركة، أو مجرّد كون، وذلك بحسب ما يكون عليه الجوهر، خلال اللّحظة السّابقة مباشرة ، سواء كان كائنا في ذلك المكان، أو في مكان مختلف، أو لا في مكان (بسبب عدم كونه). وهذا ما يؤدّي خاصّة إلى هذا القول، الغريب عند ذوي المعارف المحدودة، وهو “حركة تدوم ( أي تظلّ موجودة في اللّحظة الثّانية) هي سكون”. (المسائل، ص 173، سطر 15-16 وص 108، سطر 4-6: لأنّ سبب كون الجوهر في مكان ما ليس “الحركة”، إلاّ إذا كان الجوهر في اللّحظة السّابقة كائنا في مكان آخر؛ وإذا ظلّ الكون، في اللّحظة الموالية على حاله، فإنّ هذا السّبب ذاته المسمّى”حركة” يجب أن نسمّيه “سكونا”.

 هل يعود هذا إلى تأثير أبي هاشم[12]؟ بعيدا عن الاختلافات حول نقاط خاصّة، فإنّ موقف الأشعري، في هذا الجانب هو ذاته. وكان يرى كذلك أنّ الكون، الحركة والسكون، الاجتماع والافتراق تمثّل جنسا واحدا، وأنّه لا يميّز بينها إلاّ اختلاف التّسميات. وهذا مؤكّد، بالنّسبة إلى الألفاظ الثّلاثة الأولى، وقد أثبت مرارا في المجرّد، وقد جاء في المجرّد، ص 211، سطر 2 وما بعده “وكان يقول إنّ السّكون والحركة جنس الكون”[13]. وإنّما يجري على الكون اسم حركة وسكون إذا حدث على وجه، فإذا كان كونا في مكان فهو سكون فيه. وإذا كان كونا عن مكان كان حركة عنه، والجنس واحد والتّسمية مختلفة من طريق اللّغة.” وكذلك في المجرّد ص 243، سطر 13-14: “كان يقول إنّ الحركة والسكون جنس الكون، وإنّ الكون إذا وقع على وجه مخصوص فهو حركة، وإذا وقع على وجه آخر كان سكونا” (انظر كذلك المجرّد ص 337، سطر 20 وما بعده). أمّا ما يخصّ الاجتماع والافتراق فالأمر أقلّ وضوحاـ ومن الثّابت أنّهما من جنس واحد: “جنس الاجتماع هو جنس الافتراق” (المجرّد ص 245، سطر 15-16. وانظر كذلك ص 204، سطر 21). وبالنّظر إلى بعض التّعابير في المجرّد، يمكن أن نعتبر أنّ الاجتماع والافتراق يشكّلان معا جنسا واحدا، وأنّ الحركة والسكون جنس آخر، ويمكن أن يكون هو ذاته جنس الكون. وكذلك خاصّة في ص 245، سطر 15-16: “كان يقول إنّ جنس الاجتماع هو جنس الافتراق، كما إنّ جنس الأكوان هو جنس الحركة والسكون”. ولا أعتقد، في المقابل أنّ الأمر على هذا الوجه، أوّلا بدليل هذا المقطع الآخر في المجرّد ص 204، سطر 17-22: “كان يقول إنّ الجزء الواحد يصحّ أن يحدث منفردا عن سائر الأجزاء(…) وكان يقول إنّ ما فيه من الكون في حال الانفراد هو الذي يكون سكونا إذا كان في مكان، ويكون حركة إذا كان في مكان قبله ثم كان فيه بعده بلا فصل، وكذلك يكون اجتماعا وافتراقا بمثل ما يكون به سكونا وحركة”. وقول الأشعري بأنّ الاجتماع والافتراق من الأكوان، ثابت كذلك بما ذكر بدقّة في المجرّد، في الفصل المتعلّق ب “الأكوان والألوان” (انظر: المجرّد ص 245، سطر 13-17)؛ وقد أطلق عليهما ههنا بوضوح لفظ كون وكونان (ص 245، سطر 13، 15)؛ وبالمناسبة، كما سنرى عرّف الأشعري الحركة بكونها (“مماسّة مخصوصة” المجرّد، ص 213، سطر، 6-7 وص 274، سطر 10-11)، وهذا ما يبيّن بجلاء، أنّه يرى “المماسّة” (الاسم الآخر ل “الاجتماع”) والحركة جنسا واحدا[14].

الحركة والسكون

تظهر مخالفة الأشعري لأبي هاشم والجبّائيين المتأخّرين في مسألة السّكون على وجه خاصّ، فعند الجبّائيين  لا يصحّ نعت الكون ب”السّكون”، إلاّ إذا بقي بعد لحظة كونه، في مكانه الذي كان كائنا فيه، إمّا بأنّ “يبقى” أو بأنّ “يحدث عقب مثله” (انظر: التّذكرة ص 432، سطر 3-5 و ص 452، سطر 6؛ المجموع، ج 1، ص 33، سطر، 8-9). بعبارة أخرى، فإنّ تسمية السّكون تدلّ على حال سابق، وعلى لحظة ولّت، كما هو الحال في تسمية الحركة. أمّا الأشعري فلم يعتبر هذا المعنى. واعتمادا على كلام أهل اللّغة، كما يفعل دائما، اعتبر أنّ سكن هو مرادف لحلّ، وهو يدلّ إذن على “كون الكائن في المكان الذي يحلّه من غير أن يراعي فيه أو يشترط وقتا أو وقتين أو ثلاثة” (المجرّد، ص 212، سطر 8-9؛ وانظر كذلك ص 213، سطر 4-5؛ ص 234، سطر 5، ص 245، سطر 18-23؛ ص 265، سطر 4-6).

ولأجل ذلك، اعتبر الأشعري، خلافا لأبي هاشم وأتباعه[15]، أنّ الكون (كونه ساعة حدوثه) يكون “في المكان الأوّل في الحالة الأولى سكونا” (المجرّد، ص 212، سطر 12-13 و ص 262، سطر 12-13)[16]. و(إذا فهمت جيّدا) فالحالة الوحيدة التي يجوز فيها الحديث عن كون فحسب، لا عن سكون، هي افتراض وجود جزء منفرد، أي جزء لا في مكان. (المجرّد ص 204، سطر 18-20؛ ص 244، 4-5؛ ص 262، سطر 17-19، وكذلك تفسير أسماء الله الحسنى، ص 126ب، سطر 12-15)[17].

وإذا كان السّكون مجرّد مرادف للحلول، ولا يدلّ على معنى آخر غير الوجود في مكان ما، فهذا يؤدّي بنا إلى القول، إنّه ينبغي ألاّ نرى، من النّاحية النّظريّة فكرة السّكون وعدم الحركة التي نتصوّرها عادة في هذا المعنى. وإذا اعتبرنا الحركة وجها من وجوه الكون، فيمكن أن نقول، خلافا لذلك في الظّاهر- وهذا ما سيقوله الأشعري بالفعل- أنّ كلّ حركة سكون. والحقيقة أنّ الأشعري لم يكن وفيّا باستمرار لهذا الاصطلاح الغريب. وعندما يأخذ في الاستدلال على أنّ الله قادر على أن يسكّن صخرة في الخلاء حتى لا تنزل، فإنّه يرجع ذلك إلى قدرة الله على أن يحدث فيها سكونا بدل الحركة (المجرّد، ص 264، سطر 7-9)،  “وكان يقول في وقوف الأرض مثل ذلك وإنّها أجسام واقفة لا في مكان وإنّ الله هو المسكّن لها بسكون يخلقه فيها حالا فحالا” (المجرّد ص 264، سطر 10-11؛ ص 275، سطر 21-24؛ ص 277، سطر 21-22). وهذا لا ينفي أنّ اللّفظ الذي يدلّ حقيقة على السّكون، في اصطلاح الأشعري، ليس السّكون بل الوقوف، وكلّ مشتقّات هذا الجذر، كما تبيّن لنا الآن. وهذا للإشارة، بالتّأكيد إلى السّكون”العمودي” (إذا جازت المجازفة بهذه العبارة)، وهو حال الأرض وكلّ الأجسام الثّقيلة التي يوقفها الله في الخلاء كي لا تنزل (انظر: المجرّد ص 133، سطر 6-10؛ ص 264، سطر 4 وما بعده؛ ص 277، سطر 18-22)، وكذلك السّكون “الأفقي”. وقد رأينا سابقا، أنّ الأشعري، قد تبع أبا الهذيل والجبّائي في تعليل الفروق في السّرعة بين متحرّكين (انظر ص 56):”وكذلك كلّ شيء كان أبطأ من شيء فلكثرة وقفاته” والعبارة العربيّة المناسبة لذلك هي “وقفات” (انظر: المجرّد، ص 208، سطر 8-10 و ص 264، سطر 15-17).

والسّكون يقتضي مكانا، ولا يقتضي إلاّ مكانا واحدا. والحركة تقتضي مكانين: “إنّ الحركة تقتضي مكانين” (المجرّد، ص 244، سطر 4). ويعرّف الأشعري الحركة بأنّها “كون في مكان بعد كون في غيره، كون في مكان قد سبقه كون آخر في مكان آخر”، وكان يردف ذلك دائما ب “بلا فصل” (المجرّد، ص 243، سطر 14-15؛ ص 258، سطر 19-20؛ ص 262، سطر 3-4). ويقصد بذلك أنّه لا تكون حركة إذا كان الكون بين مكانه الأوّل والثّاني معدوما، ثمّ أحدث؛ ويجب أن تكون الطّفرة في حال الوجود (المجرّد، ص 243، سطر 15-19؛ وانظر كذلك: المجرّد، ص 207، سطر 19: “بلا فصل من غير عدم وحدوث”.

هل أخذ الأشعري هذا التّعريف، بكلّ دقّة، من أبي هاشم ؟ علما وأنّ هذه الدّقة ثابتة عند الجبّائيين المتأخّرين (كذلك المسائل ص 187، سطر 1-2: “إنّ المتحرّك هو الكائن في جهة بعد أن كان في غيرها بلا فصل”؛ انظر المصدر نفسه، ص 187، سطر 12-13 والتّذكرة ص 451، سطر 12، 13) مع شرح مماثل ل “بلا فصل” (انظر تعليق ابن متّويه في التّذكرة ص 451، سطر 14-17).

وجاء في تعريف الأشعري للحركة إبدال الكون بالمماسّة. وقد أشار ابن فورك إلى ورود هذا المعنى في كتاب الإدراك، حيث جرى تعريف الحركة ب”مماسّة مخصوصة، هو أن تكون مماسّة الجوهر لمكان بعد مكان بلا فاصل” (المجرّد، ص 274، سطر 10-11، وانظر كذلك ص 213، سطر 6-7 و ص 338، سطر 5-6). وهذا يفهم بسهولة. ولنتذكّر أنّ المكان عند الأشعري ليس الموضع المجرّد والمحدّد هندسيّا، بل هو جسم (أو جزء) يكون  فوقه جسم آخر (أو جزء)، وهو الجسم (أو الجزء) “الكائن”، أي: ما يكون مماسّا له من جهة صفيحته السّفلى. ومن ثمّ، فكلّ كون في مكان ليس، بالفعل، سوى وجه من المماسّة المخصوصة “ليس الكون في مكان أكثر من مماسّته له على وجه مخصوص” (المجرّد، ص 331، سطر 8-9).

أمّا “المتحرّك”، فيعرّفه الأشعري – مستندا في هذا السّياق، إلى كلام أهل اللّغة، كما يحبّ أن يفعل ذلك- بأنّه “من انتقل من مكان إلى مكان” أو “ما فرّغ مكانا وشغل غيره” (انظر المجرّد: ص 211، ص 21-22؛ ص 331، سطر 1-2؛ ص 338، سطر 5 وكذلك ص 244، سطر 14 و ص 333، سطر 7-8).

وللقول بأنّ الحركة تقتضي حتما مكانين نتائج مختلفة، منها أوّلا، رفض الأشعري لقول النظّام بأنّ الأجسام تكون متحرّكة لحظة حدوثها، عندما يخلقها الله بحركة سمّاها النظّام  “حركة اعتماد”، وميّزها عن حركة أخرى سمّاها “حركة نقلة” (انظر: مقالات، ص 324، سطر 12 وما بعده). وعند الأشعري ليست الحركة في الواقع  سوى “انتقال” من مكان إلى آخر. ومن البديهي إذن، أنّ الأجسام قبل حدوثها، لا يكون لها مكان لكونها معدومة، ولذا لا نقول عنها ساعة أحدثها الله إنّها “متحرّكة”، لكونها لم تنتقل من مكان لتشغل المكان الخاصّ بها. وفي هذه الحالة لا يمكن أن نتحدّث إلاّ عن “سكون” (المجرّد، ص 262، سطر 3-13؛ وانظر كذلك ص 239، سطر 2-5).

وبفضل هذا المبدإ نفسه – أي أنّ كلّ حركة تقتضي مكانين- أنكر الأشعري، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه، أن يقال عن جسم إنّه “متحرّك” بحركة الجسم الذي يحمله. والمسافر على ظهر سفينة لا يمكن أن يقال إنّه “متحرّك”، إذا بقي في مكانه، على ظهر تلك السّفينة، وهي تتحرّك. و”مكان” المسافر هو هذا الجزء من السّفينة الذي يكون فيه، والذي يماسّه بالجزء الأسفل من جسمه، ولا يكون متحرّكا  إلاّ إذا “انتقل من هذا المكان ليشغل آخر”. وبناء على هذا، قال الأشعري إنّه إذا تحرّكت صخرة، أو جسم ما، فالمتحرّك، في الحقيقة هي “أجزاؤها الظّاهرة”؛ أمّا “أجزاؤها الدّاخلة الباطنة” فتبقى ساكنة، لكونها لا تغادر أماكنها (بما في ذلك الأجزاء التي تماسّها) لتشغل غيرها ( انظر: المجرّد، ص 213، سطر 11-13 و ص 338، سطر 3-6). وإذا كنّا نقول إنّ الجسم يتحرّك كلّه، والحال أنّه لا يتحرّك، في الواقع سوى “الصّفيحة الظّاهرة منها الملاقية للجوّ”، فقولنا هذا على وجه المجاز؛ وكذا نقول عن الجملة ما لا يخصّ سوى الجزء، كما لو قلنا للإنسان “أسود” والحال أنّ السّواد في بعض أجزائه فحسب، وهي أجزاؤه الظّاهرة (المجرّد، ص 213، سطر 20)[18].

ونلاحظ بخصوص هذه المسألة –أي أنّ ما يتحرّك في الجسم المتحرّك هو صفيحته الخارجيّة- موافقة الأشعري للبلخي، في مقابل مذهب الجبّائيين (انظر: المسائل ص 180، سطر 22 وما بعده؛ التّذكرة ص 492، سطر 10 وما بعده). وهذا لأنّ البلخي، بدوره يعرّف حركة الجسم بالنّظر إلى مكانه، أي بالنّسبة إلى جسم آخر يماسّه هذا الجسم (انظر: التّذكرة، ص 493، سطر 15-18). وللجبّائيين رأي آخر، بما أنّ تعريفهم للحركة، كما أشرنا إلى ذلك، يعتبر، لا “المكان”، بل “الجهة” التي يكون فيها الجسم، أي الخلاء الذي يشغله (انظر: التّذكرة، ص 493، سطر 19 وما بعده؛ وكذلك المسائل ص 191، سطر 12 وما بعده). وتبعا لهذا، يمكن القول، إنّ الحجر إذا تحرّك ف”الكلّ من أجزائه يحصل في جهة سوى ما كانت فيه” (التّذكرة، ص 492، سطر 12).

وفي ضوء هذا المبدإ، كذلك (أي أنّ الحركة تقتضي مكانين) رأى الأشعري أنّه تجاوز شبهة أثارها “الملحدة”، وهي تشكّك جهارا في مبدإ تناهي الكون، التي أجمع عليها جمهور المتكلّمين[19]. والاعتراض هو بالفعل ما يلي: إذا بلغ إنسان نهاية الكون، ومدّ يده إلى الأمام عند آخر جزء، هل يكون مدّها “في شيء أو في لا شيء”؟ (انظر: المجرّد، ص 244، سطر 5-12؛ ص 273، سطر 2-3؛ ص 277، سطر 13-15)[20]. أجاب الأشعري على هذا، إجمالا، بقوله إنّ كلّ حركة هي انتقال من مكان إلى آخر. وإذا كنّا افترضنا أنّ الشّخص المعني يقف على آخر ذرّة في الكون، فهذا يعني ضرورة أنّه لا “مكان” وراءه. ومن التّناقض إذا، القول بوجود حركة في هذا الاتّجاه، لأنّ هذا قد يقتضي، على العكس وجود هذا “المكان”. وفي الحقيقة هذا جواب سفسطائي، فهو يموّه للقول بصحّة مبدإ تناهي الكون، الذي يشكّك فيه اعتراض الملحدة تحديدا. ولكنّ جواب الشّيخ المفيد (أوائل المقالات، ص 166، سطر 18 وما بعده) الذي يرمي إلى توضيح موقف البلخي وأكثر متكلّمي المعتزلة، يطابق هذا الرّأي[21].

لما كانت الحركة تقتضي مكانين، حركة تنتقل عنه، وأخرى تشغله، فإنّ حركة واحدة يمكن أن يقال عنها في الآن ذاته، ضدّ السّكون ومطابقة له، وذلك بحسب اتّجاه النّظر، سواء إلى نقطة الانطلاق أو نقطة الوصول.

وإذا نظرنا إلى نقطة الانطلاق (أي المكان الأوّل من المكانين) فـ الحركة والسكون متضادّان، بما أنّ الحركة التي تكون “حركة عن المكان” هي بالضّرورة مناقضة ل”السّكون في المكان”. ويعبّر عن هذا التّناقض بعبارتي ضدّ أو ترك[22] (انظر: المجرّد، ص 214، سطر 4: “كان يقول إنّ الحركة عن المكان ترك السّكون فيه وضدّ له”؛ انظر كذلك، في معنى معاكس، ص 234، سطر 3). وبهذا يمكن القول مثلا، بالتّضادّ بين حركة الصّخرة المنحدرة والسّكون الذي يقدر أن يحدثه الله فيها فلا تنحدر (المجرّد، ص 264، سطر 7-9).

ولكن إذا نظرنا إلى نقطة الوصول ( ثاني المكانين)، وبما أنّ السّكون، عند الأشعري، ليس إلاّ كونا في مكان، دون اعتبار المدّة، فإنّ الحركة والسكون يكونان كونا واحدا. إنّ الكون في مكان هو سكون، والكون في مكان غيره هو حركة، أو هو حركة إذا كان كونا عن المكان الأوّل، وهو سكون إذا كان كونا في المكان الثّاني (انظر: المجرّد، ص 213، سطر 3: “نفس الحركة عن المكان هو نفسه سكون في غيره”؛ أو انظر ص 243، سطر 22 وما بعده “إنّ الكون الثّاني في المكان الثاني هو نفس الحركة، وهي حركة عن المكان الأوّل وسكون في المكان الثّاني”؛ وانظر كذلك: ص 254، سطر 15-16). وكذلك إذا كانت الحركة لا تحرّكا عن المكان الأوّل، ولكن تحرّكا إلى المكان الثّاني (انظر: المجرّد، ص 262، سطر 5: “نفس التّحرّك إلى المكان هو نفس الحركة ونفس السّكون في المكان”؛ وانظر كذلك ص 234، سطر 4). ومن هنا جاءت هذه العبارة، المتناقضة مرّة أخرى، والمنسجمة كلّيا مع ما قيل: “كلّ متحرّك عنده ساكن” (المجرّد، ص 332، سطر 21)، وإلى هذا أضاف ابن فورك “وإن لم يكن كلّ ساكن متحرّك”. وهذا، بالتّأكيد، لأنّ كلّ “سكون” لا يكون حركة إلاّ إذا كان في اللّحظة السّابقة “سكونا” آخر.

هذا التّباين –أي عدم المطابقة في الكون-(انظر: ص 80) ليس بين الحركة في ذاتها والسّكون في ذاته، بل بين “سكونين” مختلفين، أي (باعتبار معنى السّكون عند الأشعري)، بين كونين مختلفين. وبناء على ما تقدّم أعلاه، فـ الحركة والسكون ليسا إلاّ وجهين لتسمية نفس الكون بحسب الجهة التي ننظر من خلالها. إنّهما إذن، جنس واحد.

كلّ هذا لا يكتسب معناه، بالتّأكيد، إلاّ في سياق هذا التّصوّر المتناقض ل”سكونيّة” الحركة الذي يعود إلى أبي هاشم و(من بعده؟) الأشعري. إنّ القول بأنّ الحركة كون في مكان، يقتضي أنّ هذا الجوهر كان، في لحظة ما، “كائنا” في مكان محدّد. وهذا القول المبالغ فيه عند الأشعري، بشكل قطعي، يعود إلى التّفسير الذي اعتمده للفظ سكون، والموافق، في قوله لمعنى الكون. ورغم استخدام ألفاظ نقلة، خروج، ظّعن، ارتحال، الخ (انظر: المجرّد، ص 244، سطر 13-14 و ص 245، سطر 22)، فإنّه لم ينظر إلى الحركة في نشاطها، وفي تحوّلها ذاته، وإنّما نظر إليها دائما في نقطة وصولها، كفعل منته، وكوقفة تتبعها وقفة أخرى. والحقيقة، أنّه لا يمكن لها أن تكون على غير هذا الوجه في نظام فكري يعتبر الخلاء والزّمن أجزاء متقطّعة ومتذرّية. وكما رأينا أعلاه ( ص ص 54-55)، فإنّ كلّ مسافة تقطع، وفق هذا النّظام، هي سلسلة من النّقاط التي يتمّ اجتيازها حينا بعد حين، والتي يمسّها المتحرّك ويحاذيها حينا بعد حين. ويوافق هذه السّلسلة من النّقاط المتقطّعة سلسلة متقطّعة مماثلة من الأوقات، حتّى أنّه لا يمكن رؤية الحركة ساعة تحقّقها، ولكنّها دائما آتية أو ماضية: هناك وقت أوّل تكون فيها الحركة من أ إلى ب غير كائنة بعد؛ ثمّ بعدها في وقت ثان، تكون هذه الحركة قد تمّت واكتملت، وهكذا فإنّ الحركة كلّها تبدو قائمة على توالي الوقفات[23].

ومع ذلك فإنّه لم يقع إقصاء كلّ تصوّر حركي للحركة. وهو ما يظهر مثلا في لفظ سير، والذي يستخدمه الأشعري للأجسام المتحرّكة بسرعات مختلفة، فيقول، بحسب الحال “بطيء السّير، سريع السّير، أسرع السّير” (المجرّد، ص 208، سطر 8 و سطر 15-17). وربّما يظهر هذا التّعبير كذلك في لفظ قطعَ وقطعٌ، بمعنى اجتاز (مسافة)؛ وقد ورد كذلك في المجرّد، ص 208، سطر 1، بخصوص حركة الدّوّامة: “قطع أعلاها أكثر من قطع قطبها”. والحقيقة أنّ استعمال هذا اللّفظ مرتبط كذلك بتمثّل الخلاء على هيئة متقطّعة: ف “تجاوز” تعادل “مرّ ب” مختلف نقاط الطّريق؛ “نقطع” مكانا ومكانين (انظر: المجرّد، ص 208، سطر 7-8: “إنّ الرّجل يقطع مكانين في حال تقطع السّفينة مكانا”)؛ في المجرّد، ص 207، سطر 20، وردت “يقطع” مرادفا ل”يحاذي”…

ولما كان قطع مسافة يعني الاجتياز الإلزامي لمجموع سلسلة “الأماكن” المكوّنة لهذه المسافة، كلّ “الأماكن” التي لها نفس المسافة (المقصود فعلا هو أجزاء). ولما كانت كلّ سلسلة متساوية من “الأماكن” تقابلها سلسلة متساوية مثلها من الأوقات التي لها نفس المدّة (أجزاء من الوقت)،  فإنّ كلّ قطع لمكان يوافقه وقت جديد؛ وينتج من كلّ ذلك أنّ كلّ الحركات متساوية كمّيا. ولا توجد حركة أبطأ أو أسرع من أخرى: كلّ حركة هي انتقال جزء من الخلاء إلى جزء مجاور، وذلك في جزء من الوقت. ولا يمكن حرق المراحل، كما يقول النّظّام في مذهبه عن “الطّفرة”، لما أراد تفسير اختلاف السّرعات. وقد رأينا ( ص ص 54-58) أنّ الأشعري ينكر هذا القول، مثل باقي المتكلّمين من المعتزلة، باستثناء النظّام؛ ولا يجوز عند الأشعري، وكذا عند المعتزلة أن يكون المتحرّك في وقت ما في “مكان” ما من الطّريق، ويكون في الوقت الموالي في “المكان” العاشر، دون أن يمرّ ب”الأماكن” التّسعة المتوسّطة. وقد رأينا كذلك (ص 56) كيف فسّر الأشعري بدوره، بعد أبي الهذيل والجبّائي اختلاف السّرعة بين متحرّكين: إذا كان أحدهما أبطأ من الآخر (أي أنّه قطع في نفس الوقت مسافة أقلّ)، فلأنّ حركاته قطعتها وقفات لا تدركها العين، بينما كان المتحرّك الآخر يواصل سيره.

إنّ الحركات، عند الأشعري لا تختلف –أو تتشابه- إلاّ باعتبار “الجهة” التي تحدث فيها. والحركتان متماثلتان إذا كان حدوثهما في نفس الجهة، والحركتان مختلفتان إذا كان حدوثهما في جهات مختلفة (المجرّد، ص 245، سطر 1-2 و ص 332، سطر 4-5).

وبالنّظر إلى ما يسبّب الحركة والسكون، قال الأشعري، ببساطة: إنّ المسبّب، دائما هو الله، وفي أصول الاعتقاد أنّ كلّ ما يحدث في الكون هو اختراع الله، دون أيّ واسطة (انظر: ص 401 وما بعده). و الحركة والسكون عند المعتزلة يمكن أن يحدثا ب “التولّد”، بواسطة عرض آخر: الحركة عند الجبّائي والبلخي، هي اعتماد عند أبي هاشم (انظر: المسائل ص 205، ص 3-8، التّذكرة، ص 480، سطر 15 وما بعده؛ الشّامل، ص 503، سطر 13 وما بعده). والقاعدة المطلقة عند الأشعري، كما سنرى، أنّ العرض لا يمكن أن يولّد آخر (انظر: ص 403).

بالنّسبة إلى الحركة، اعترض الأشعري، تحديدا، على قول الجبّائيين بأنّ الحجر فيه “اعتماد لازم” يدفعه إلى الانحدار نحو الأسفل، وأنّ النّار فيها “اعتماد لازم” في المعنى الآخر؛ ويقول إنّ الله هو من يحدّد وحده حركة هذا الجسم أو ذاك. وإذا كان حقّا أنّ المألوف أن ينحدر الحجر وأن تصعد النّار، فإنّ ذلك من أثر “العادة” التي أجراها الله، ولا شيء يمنعه من نقض العادة (المجرّد، ص 272، سطر 5-6 و ص 276، سطر 1-3). وقد رأينا أنّ الأشعري ينفي تحديدا، وجود عرض “ثقل” يشابه ما يسمّى “اعتماد لازم سفلي” الخاصّ بالأجسام الثّقيلة (ص ص 72-73)، وما يسمّى اعتماد ليس في نظره إلاّ نوعا من مماسّة جسم (أو جزء) لما تحته (ص 100).

وبخصوص السّكون، نفى الأشعري بشكل مواز، كما رأينا أيضا (ص 100)، أن يمنع جسم جسما آخر من النّزول، وأن يكون إذن، إلى حدّ ما السّبب في سكونه، كما رأى ذلك الجبّائيون (انظر: التّذكرة، ص 594، سطر 6-7)؛ وإذا بقي الجسم ساكنا، فهذا يعود في كلّ الأحوال، إلى السّكون الذي يخلقه الله فيه حالا بعد حال (المجرّد، ص 274، سطر 21-23؛ ص 275، سطر 7-10 و 15-16). ولذا قال الأشعري إنّه “جائز أن يوقف الله الحجر الثّقيل في الجوّ” “من غير عمد ولا علاقة” وذلك بحصول السّكون اللاّزم فيه (المجرّد، ص 133، سطر 6-9 و ص 264، سطر 4-9). وكذلك أيّد أبو الهذيل والجبّائي هذا القول، أمّا البلخي فقد كان له رأي مخالف (انظر: مقالات، ص 312، سطر 10-13؛ المسائل، ص195، سطر 6-8؛ التّذكرة، ص 488، سطر 13-15؛ أوائل المقالات، ص 164، سطر 1-6).

وهذا القول يشمل فعليّا، مجمل الأرض، فهي ساكنة عند الأشعري وكذا عند جمهور المتكلّمين. وهي “ليست بمنحدرة سفلا”، كما يقول بعض الدّهريّة (مثل السمانيّة، أي البوذيّة)[24]، و لا هي “صاعدة ولا متمايلة يمينا أو شمالا” (انظر المجرّد، ص 277، سطر 18-19). ولكنّها إذا كانت ساكنة فليس (المجرّد، ص 277، سطر 20-21) لأنّها “تتدافع أجزاؤها”، كما توهّم ذلك من قالوا إنّ الله خلق الأرض من جسمين أحدهما ثقيل ومنحدر والآخر خفيف وصعّاد (انظر: مقالات، ص 326، سطر 12-13؛ أصول الدّين، ص 62، سطر 3-4؛ البدء والتأريخ، ج 2، ص 51، سطر 9-12)؛ أو لما ذهب إليه أبو هاشم في قوله بالاعتمادات المتضادّة في شطريها: اعتماد نازل في الشّطر العلوي واعتماد صاعد في شطرها السّفلي (انظر: المسائل، ص 192، سطر 14-15؛ التّذكرة ص 496، سطر 16-20؛ الشّامل، ص 481، سطر 10-17). وحركة الأرض لا تعود كذلك إلى أنّ الله يخلق تحتها “جسما صعّادا”، حركته في الصّعود كعمل حركته في الهبوط (انظر مقالات، ص 326، سطر 4-6). ويبدو هذا القول مقبولا عند ابن الرّاوندي، حسب أصول الدّين، ص 62، سطر 1-3، هو قول  هشام بن الحكم، حسب البدء والتّأريخ، ج 2، ص 51، سطر 5-8). والأرض لا تتحرّك لأنّ الله يخلق تحتها في كلّ حال جسما ما يلبث أن يعدمه ليخلق آخر وهكذا يفعل باستمرار (هذا الجسم لا يحتاج ما يرفعه، لأنّ الأجسام لا تقدر على الحركة حال حدوثها، انظر: مقالات ص 326، سطر 7-11، وكذلك المسائل ص 194، سطر 15-18؛ التّذكرة ص 501، سطر 19 وما بعده)[25]. أمّا الأشعري فيقول، كما رأينا ( ص 63) إنّ الأرض توجد “لا في مكان”. وهي إذا كانت ساكنة فذلك –كما سبق أن قال أبو الهذيل والجبّائي (انظر مقالات، ص 326، سطر 2-3؛ البدء والتّأريخ ج 2، ص  51، سطر 8-9؛ المسائل، ص 192، سطر 16) – “بسكون يخلقه الله فيها حالا بعد حال” (المجرّد، ص 133، سطر 9-10؛ ص 264، سطر 10-11؛ ص 275، سطر 21-22؛ ص 277، سطر 21-22). إنّ الله، بمشيئته، ودون واسطة “يسكّن” الأرض، وكذا يسكّن بمطلق اختياره كلّ ساكن، ويحرّك كلّ متحرّك (المجرّد، ص 275، سطر 22-25).

الاجتماع والافتراق

إنّ هذا ال”كون” الذي يكون به الجزء أو الجسم كائنا في مكان، والذي سمّيناه حركة أو سكونا بحسب حاله، يمكن أن نسمّيه كذلك، بحسب الرّسم الموحّد لأبي هاشم، والذي اعتمده (؟) الأشعري، “اجتماع” أو “افتراق”، بحسب مكان الجزء أو الجسم من غيره في القرب والمجاورة أو الافتراق. والجبّائيون المتأخّرون – الذي آثروا استخدام لفط “مجاورة” أو “تجاور” في حديثهم عن الاجتماع- يقولون باختصار، يكون اجتماع إذا كان جوهران “على سبيل القرب”، ويكون افتراق إذا كان هذان الجوهران “على سبيل البعد” (انظر: بزدوي في التّوحيد ص 119، سطر 2-3؛ المسائل، ص 219، سطر 4-5؛ التّذكرة ص 452، سطر 12-13). أمّا الأشعري فيضع بدوره، تعريفات أكثر تفصيلا. وكان يقول إنّه يكون اجتماع إذا كان الجوهر مع الجوهر “بحيث لا يصحّ أن يتوسّطهما ثالث وهما على ما هما عليه” (المجرّد، ص 30، سطر 1-3؛ وانظر كذلك ص 272، سطر 17-18)[26]. ويكون افتراق إذا كان الجوهر مع الجوهر “بحيث يصحّ أن يكون بينهما ثالث وهما على ما هما عليه”، المجرّد، ص 30، ص 4-6؛ وكذلك ص 206، ص18،19 و ص 272، 16-17)[27].

وليس الاجتماع والافتراق هما اللّفظان اللذان يستخدمهما الأشعري في هذا المقام. وإذا أخذنا بقول ابن فورك، فإنّه كان يشير كذلك إلى “الاجتماع” بألفاظ “تأليف” أو “ائتلاف”، و”مماسّة”، و”مجاورة”، و”اندماج”، و”اتّصال”، و”التزاق”، معتبرا أنّ كلّ هذه الألفاظ من المترادفات (المجرّد، ص 30، سطر 1-4 و 6-7؛ ص 203، سطر 8-9؛ ص 245، سطر 13). وهو لا يميّز، مثل البلخي، وخلافا للجبّائيين (المسائل ص 219، سطر 4-5) بين المجاورة والائتلاف، والحال أنّهما مختلفان عند هؤلاء، فالثّانية أثر (متولّد) عن الأولى (انظر: المغني، ج 4، ص 43، سطر 11 وما بعده؛ ص 98، سطر 13 وما بعده؛ ص 127، سطر 13 وما بعده). وقد فسّر الجبّائيّون حقيقة الائتلاف، كجنس منفرد بقولهم إنّه ما “يصعب تفكيك” ذرّاته، ومعنى الصّعوبة هذا لا يفيده لفظ التّجاور (انظر: المسائل ص 219، 6-21؛ التّذكرة، ص 503، سطر 5-12؛ الشّامل، ص 466، سطر 19-23). وأجاب الأشعري على هذه المسألة بأنّ “تعذّر تفكيك بعض الأجزاء دون بعض لأجل فقد قدرته لا لأجل معنى زائد على المماسّة والمجاورة” (المجرّد ص 30، ص 3-4). وهذا يبيّن أنّه لا يميّز –كما هو واضح هنا- بين مجاورة ومماسّة، في حين أنّ أبا هاشم وأتباعه يرون أنّ مماسّة تعني تأليف ( قارن المسائل ص 226، سطر 21-25 و ص 227، سطر 1-2؛ وانظر كذلك التّذكرة ص 509، سطر 3-7 و ص 511، سطر 1-3)، وينبغي أن يتمّ تمييزها، مثل تأليف، عن مجاورة.

هذه رؤية ابن فورك، على الأقلّ. وإذا أخذنا بقول الجويني، الذي ينقل –تصريحا وتلميحا- عن الباقلاني، فإنّ رأي الأشعري كان مخالفا لهذا، وأشدّ منه تعقيدا (انظر: الشّامل، ص 455، سطر 14 وما بعده)[28]. وعوض القول بالكون الواحد والوحيد، الذي لا تختلف فيه إلاّ الأسماء بحسب الحال، فإنّ الأشعري يقول بأنّه يكون لكلّ جزء ما لا يقلّ عن ثلاثة معان مختلفة عند مماسّتها لذرّة أخرى (والتي تعود كلّها، مع ذلك إلى جنس “كون”، إذا فهمت هذا جيّدا)، انظر، ص 107، ملاحظة 14) وهي: الكون ذاته “الذي يحسّس الجوهر بحيّزه”؛ ومعنى “المجاورة” وهو ما يكون به الجوهران “في حيّز ليس بينهما حيّز ثالث”، (الشّامل، ص 456، سطر 4-5)، والذي يضادّه معنى “المباينة”؛ وأخيرا، معنى “المماسّة” وهو ما يكون به الجوهر مماسّا لآخر، أي مؤتلفا معه (مماسّة وتأليف مترادفان، انظر: أخبار ج 2، 55أ، سطر 3-6). وطبقا لرأي الأشعري فإنّ تآلف جوهرين يكون بفضل معنى”التّـأليف” الكائن في كلّ منهما، وهو خلاف مذهب الجبائيين (انظر ص 79)[29]، القائل بأنه يوجد في الجزء مماسّات بقدر عدد الأجزاء التي يماسّها؛ فإذا كان الجزء يماسّ ستّة أجزاء أخرى (وهو العدد الأقصى، انظر ص 60)، فإنّ فيه ستّ مماسّات، وفي المقابل فإنه ليس فيها إلاّ مجاورة واحدة (انظر الشّامل ص 456، سطر 6-7). وفوق ذلك،  فالكون ذاته لا يوجد إلاّ إذا كان عدد هذه المماسّات ستّا، وهو ما حمل الأشعري على ألاّ يفترض وجود “كون سابع” يكون به الجزء كائنا في مكانها (الشّامل، ص 464، سطر 5-7).

لا أعلم ما قيمة  هذه الرّواية في المذهب الأشعري (أثبتها الآمدي بجميع مسائلها، أخبار، ج 2، ص 55أ، سطر 1-3)، المخالفة لما نقله ابن فورك. ومن المحتمل أن يكون الأشعري قد قال بهذا الرّأي أوّلا، ثم قال بالرّأي الآخر بعدها. ويخيّل إلي أنّ القول الأوّل أقرب إلى المألوف من آرائه[30].

ومن المرادفات الأخرى أيضا لاجتماع وتأليف، لفظ تركيب (انظر: المجرّد، ص 41، سطر 6؛ ص 68، سطر 12؛ ص 83، سطر 1-2) وصورة (انظر: المجرّد، ص 30، سطر 10-11 و ص 52، 19-20) وهيئة وبنية وكيفيّة (انظر: المجرّد ص 82، سطر 10-11؛ ص 83، سطر 1-2؛ ص 146، سطر 4-9؛ ص 215، سطر 9-11؛ ص 266، سطر 16-20). وكذلك ألفاظ طول وعرض وعمق، التي تدلّ عند الأشعري على “نوع من التّأليف” (المجرّد، ص 203، سطر 8-9 و ص 205، سطر 18-19).

ومثلما أنّ السّكون ليس ضدّا للحركة، فإنّ الافتراق ليس ضدّا للاجتماع (بالمعنى الذي يعطيه الأشعري لمعنى المضادّة طبعا)، وإذن فهذا اللّفظان يمكن أن يدلاّ على نفس الكون، لأنّه من الواضح أنّ الجزء الواحد يمكن أن “يمسّ شيئا ويفارق غيره” (المجرّد ص 204، سطر 12 و ص 245، سطر 16-17).

وأخيرا، فإنّه بالكيفيّة نفسها تختلف الحركات (انظر ص 115) والمماسّات[31] فيما بينها، أو تتشابه عن طريق جهاتها. ولكن، خلافا للحركات، فإنّ المماسّة تضادّ المماسّة في الجهة الواحدة (انظر: المجرّد، ص 259، سطر 7)؛ وفي المقابل، فإنّ المماسّات المختلفة لا يضادّ بعضها بعضا في الجهة الواحدة. ويمكن للجزء الواحد أن يماسّ غيره من الجهات الستّ: عن اليمين وعن اليسار ومن الأمام ومن الخلف ومن الأسفل ومن الأعلى؛ ويمكنه إذن، أن يكون بمفرده محلاّ لستّ مماسّات مختلفة (المجرّد، ص 204، سطر 5-11 و ص 259، سطر 7-10).


الهوامش:

[1]  حول معنى كون، انظر: فرانك، الكائنات، ص 95- 104. وانظر خاصّة الملاحظة المطوّلة عدد 16، ص ص  114- 115. وانظر أيضا: بيترز، الله ص ص 109، 112، 128، 130. وقد ترجم بيترز أكوان ب “أشكال الكون (في الفضاء)”. ومن جهته آثر فرانك ألاّ يترجم لفظ كون نفسه (وقد عرّفه  ص 98 ب “ما يستوجب وجود الجزء في محلّ خاص)، بل اختار أن يترجم كائن ب “كائن في فضاء”.

[2]  لعلّه يمكن تعريف ذلك بعبارة مقالات ص 442، سطر 16 التي تعرّف المكان بأنّه (ما يتناهى إليه الشّيء)

[3]  «لا يترتّب عن ذلك أن يصبح الجوّ مكانا للرّأس، رغم أنّ كلّ متحرّك يلزمه مكانا يفارقه، لأنّ الجوّ إن لم يكن مكانا للرأس (فهو مكان لغيره)» (المجرّد ص 274، سطر 3-5). أثبت هنا تصحيحيا بسيطا للمخطوط الذي جاء فيه “في مكانٍ”، عوض “مكانٌ”.

[4]  في نفس المعنى استعمل الجبّائيون غالبا كلمة “محاذاة” (انظر بهذا الخصوص فرانك، كائنات ص 114، عدد 16 والمراجع المذكورة، ويضاف إليها أيضا المغني، جزء 7، ص 232، سطر 11- 12؛ ج 6ب، ص 171، سطر 7- 11؛ جزء 8، ص 239، سطر 1- 2؛ المسائل، ص 174، سطر، 8- 12) رغم أنّ تحرّي دقّة العبارة، جعل ابن متّويه يفضّل كلمة “جهة” (انظر، التّذكرة ص 62، سطر 6-9). وعلاوة على ذلك، يجب الإقرار بأنّ الجبّائين المتأخّرين أنفسهم لا يأخذون دائما بهذا التّمييز الذي يرونه بين “جهة” (أو محاذاة) و”مكان”؛ وكثيرا ما استخدموا هاتين الكلمتين إحداهما محلّ الأخرى (انظر أيضا فرانك Ic المسائل ص 30، سطر 17-21). ولكن في هذه الحالة، فإنّ مكان هو الذي يدلّ على معنى جهة، ويفقد بهذا معناه المحسوس والمادّي.

[5]  في كلّ الأحوال، ليس لهذه الكلمة معنى غير معناها المادّي. والأشعري يستبعد حديث النجّاريّة عن جهات فعال، ويقولون إنّ الفعل الإرادي للإنسان هو “خلق من جهة كسب من جهة”. والجهة عند الأشعري لا تستخدم إلاّ للأجسام (أو الأجزاء) ولا تنسب إلى الأعراض (انظر المجرد ص 99، سطر3- 8 و ص 203، سطر 17- 20).

[6]  في المجرّد ص 226، سطر 20، حيث يتحدّث عن الرّجل الذي يحرّك رأسه “من جهة إلى جهة”، يجب أن نفهم أنّه يحرّكه إلى الأمام إلى الخلف، ومن اليمين إلى اليسار، الخ.

[7]  هذا يعني الأرض والأفلاك المحيطة بها من ذوات النّجوم (انظر: اللّمع، 10 ص، 15؛ ص 43،2 و 5؛ رسالة أهل الثّغر ص 38، 8).

[8]  الصّفائح العليا مكانها هو الصّفائح التي تحتها (المجرّد ص 264، 12- 14).

[9]  يستعمل المتكلّمون، عادة هذه العبارة الخامسة المستعارة “تمكّن”، المشتقّة بشيء من التعسّف من “مكان”، بمعنى “كان في مكان”. انظر: الملل والنّحل، الترجمة الفرنسية، ص 238، عدد25؛ المجرّد، ص 274، سطر 3 و15-20.

[10]  إذا جاز قول ذلك. وفي الواقع، فإنّ “مكان” الجوهر هو بحدّ ذاته جوهر (أو جسم).

[11]  انظر هنا التّحليل الوافي لفرانك، كائنات، ص 95-104.

 إلاّ إذا حصل التّأثير بالمعنى الآخر؟ ولنذكّر بأنّ الأشعري وأبا هاشم عاشا في زمن واحد، وكانا من البصرة وقد تتلمذا على شيخ واحد… [12]

[13]  “كان يقول إنّ السّكون والحركة جنس الكون”، انظر مثل ذلك: المجرّد، ص 243، سطر 13).

[14]  في نفس المعنى، يمكن الاستناد كذلك إلى بداية فصل الأصول للبغدادي حول مختلف أصناف الأعراض (ص 40، سطر 9-14). وقد أشار البغدادي في المقام الأوّل إلى الأكوان، وذكر بوضوح أنّ الاجتماع (ويسمّيه كذلك تأليف) يعدّ جزءا منها، وكذا السّكون والحركة، ثمّ خلص إلى القول: “هذا مذهب شيخنا أبي الحسن الأشعري”. والصّواب أنّ هذا يمكن أن يخصّ تحديدا تعريف الحركة والسكون، اللذّين خالفهما لاحقا  تعريف القلانيسي (ص 40، ص 14-16). ولكنّي لا أفهم لم لا يتّبع صاحب هذا القول مذهب الأشعري. وفي كلّ الأحوال، فقد أصبح اعتبار الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق جزءا من الأكوان رأيا غالبا في المذهب الأشعري، مثلما نراه خاصّة عند الجويني (الشّامل، ص 428، سطر 1-5 و 16-17 وص 429، سطر 23 وما بعده. وفي هذا المعنى نلاحظ أنّ القول المنسوب إلى الأشعري في الشّامل ص 455، سطر 14-19، والذي فيه أنّ المماسّة التي يكون بها الجوهر ملاصقا لآخر يمكن أن تكون غير الكون، ما يجعل له مكانا خاصّا “معنى زائد عن الكون الذي يحسّس الجوهر بمكان”، لا يعني أنّ المماسّة عند الأشعري من غير جنس الكون. ونقل عنه الجويني كذلك أنّ الجزء إذا كان مماسّا لستّة أجزاء أخرى، فيمكن أن يكون له ستّ مماسّات، وبذلك ليس ضروريّا القول بأنّ له “كونا سابعا” يكون به الجزء كائنا في المكان الذي يكون فيه (الشّامل ص 464، سطر 5-7؛ وانظر كذلك أبكار، ج 2، ص 55أ، 8-13). وقد أثبت الآمدي من جهته، أنّ الأشعري كان يعتبر المماسّات أكوانا (أبكار، ج 2،ص 57ب سطر 21-23).

[15]  يجب التّنبيه على أنّ الأشعري، يختلف بقوله في السّكون، لا عن الجبّائيين، بل يخالف كذلك القلانيسي الذي يعرّف السّكون بكونه “كونان متواليان في مكان واحد” (أصول الدّين، ص 40، ص سطر 14، 15؛ الصفّار، 34أ، سطر 1-2).

[16]  أشار ابن متّويه بوضوح إلى هذا القول في التّذكرة، ص 448، سطر 13-14.

[17]  أعترف بعدم فهم ما قيل في المجرّد ص 262، سطر 13-16، حيث يمكن القول خلافا لهذا، أنّ الكون الأصلي لا يمكن أن يسمّى حركة ولا سكونا، حتى في حال وجود مكان (؟)

[18]  مع هذا الاعتراض: “إذا كانت الحركة لا تخصّ إلاّ الأجزاء الخارجيّة للجسم فقط، فكيف نفسّر أنّ تحريك إناء، مملوءا بالزئبق أشدّ مشقّة من تحريكه إذا كان فارغا أو مملوءا بجسم أقلّ ثقلا ؟”، أجاب الأشعري ببساطة، أنّ مذهبه لا يقول بتوليد الأفعال، ولذا فالقدرة الإنسانيّة لا عمل لها خارج محلّها (انظر: ص 403)، وحركة الإناء ليست بفعل حامله، بل هي فعل الله. وحول هذا الاعتراض على البلخي، انظر: المسائل، ص 181، سطر 8-10؛ التّذكرة ص 492، سطر 15-20.

[19]  ذكر الأشعري، أنّ الملحدة يقولون إنّ كلّ جسم فوقه جسم وتحته جسم، وهكذا بلا نهاية (انظر: المجرّد، ص 202، سطر 15-18. وانظر كذلك انتصار، ص 33، سطر 9 “…لأنّ أهل الدّهر يزعمون أنّه لا نهاية للأجسام في المساحة والذّرع)، كذلك في أصول الدّين ص 61، سطر 9-12 و ص 66، سطر 4-6 ( أو انظر مليّا، في كلّ مرّة: الدّهريّة).

[20]  هذه المسألة معروضة كذلك في مقالات ص 433، سطر 1-3، وفي أوائل المقالات ص 166، سطر 18 وما بعده.

[21]   تتساءل بعض الأقوال المعترضة عمّا إذا كان ذلك الشّخص الكائن في أقصى طرف الكون، يرى شيئا ما، إذا نظر أمامه. الجواب بالنّفي، وبالمثل: لا  يمكن أن نرى إلاّ ما كان موجودا؛ والحال أنّه من المعلوم أنّه لا شيء وراء الكون (المجرّد ص 273، سطر 2-3؛ ص 277، سطر 13 و 15-17؛ وأوائل المقالات، نفسه)

[22]  الذي يدلّ على “فعل الضدّ” (انظر: ص 270).

[23]  لا بدّ من الإقرار بأنّ مثل هذه الرّؤية ليست خاصّة بالذرّيين المسلمين، وكما نعلم، فقد كان لبرجسون تحليل مماثل، بخصوص كيفيّة فهم الزّمن في “العلوم الوضعيّة” (انظر: التّطوّر الخلاّق، فصل 4)، ولنلاحظ أيضا، في معنى مقابل، أنّ جميع معاصري الأشعري لم يكونوا يرون الأشياء بنفس الطّريقة. أمّا القلانيسي السنّي، فكان يرى أنّ الحركة هي “كونان متتاليان، أحدهما في وقت أوّل، والآخر في وقت ثان” (أصول الدّين، ص 40، سطر 15-16؛ وانظر كذلك فرق ص 158، سطر 21-23؛ تبصرة الأدلّة ص 558، سطر 5-10)، وهذا ما يبقي المجال لنوع من الحركة. وأمّا “سكونيّة الأشعري فتعود كذلك ، كما هو الحال عند أبي هاشم، إلى أنّه لا يحبّ أن يرى في الحركة إلاّ كونا وحيدا، والذي لا يمكن أن يكون إلاّ نقطة الوصول.

[24]  انظر مقالنا، “بوذا والبوذيّة في الحديث النّبوي”، المجلّة الآسيويّة، 1969، ص ص 295، 297.

[25]  نلاحظ أنّ المجرّد يخلط دون مسوّغ  بين هاتين النّظريّتين (نظريّة “الجسم الصّاعد” والجسم الذي يخلق دائما) والحال أنّهما متباينتان في المقالات.

[26]  نجد، بالفعل عند ابن متّويه، تعريفا مماثلا للتّجاور: “حصول الجوهرين على حدّ لا يبقى مكانا لثالث بينهما” (التّذكرة، ص 574، سطر 15-16؛ ذكره بغير دقّة، فرانك في كائنات عدد 28).

[27]  في المجرّد ص 245، سطر 13-14 نسب ابن فورك للأشعري تعريفا غير متوقّع ل “اجتماع”. وهو قوله: “كون كلّ واحد من الجوهرين بحيث صاحبه)، وهذا ما يناقض بديهيا، المبدأ القائل بأنّه لا يمكن أن يكون جوهران في مكان واحد (انظر ص 48). وهذا يعود، بلا شكّ، إلى سوء تعبير.

[28]  انظر كذلك فرانك، “الأجسام والذرّات”، عدد. 24.

[29]  وانظر كذلك اللّمع، ص 33، سطر 11 “إن المتماسّين إنّما يتماسّان بحدوث مماسّتين فيهما.

[30]  أمّا الباقلاني فقد أنكر (وقد تبعه في ذلك الجويني) كلّ هذه الفروق التي نسبها إلى الأشعري. وقال بأنّه لا يوجد في الجزء إلاّ كون واحد ووحيد، والذي نسمّيه، بحسب الحال، أسماء مختلفة، وقال بأنّ مجاورة ومماسّة من المترادفات (انظر: الشّامل ص 462، سطر 3-12 و ص 478، سطر 24-25).

[31]  هذا هو اللّفظ المستعمل في هذا السّياق، وهو ما يمكن أن يكون حجّة مؤيّدة لرؤية الباقلاّني –الجويني.