تأملات حول القسوة والتعذيب – طلال أسد

تأملات حول القسوة والتعذيب – طلال أسد

تشكلات العلماني طلال أسد

غلاف الكتاب

الفصل الثالث من كتاب “تشكلات العلماني” لطلال أسد – راجع الفصل الثاني على هذا الرابط


تمثل أحد الدوافع الرئيسة للعلمانية في الرغبة الواضحة للقضاء على أشكال القسوة أي التسبب العمدي في إلحاق الألم للأجساد الحية للآخرين في «هذه الحياة الدنيا» أو التسبب في مصادر عقولهم ــ التي غالبًا ما أحدثها الدين أو بررها. ووحده التأسيس القانوني العلماني (أو كما يزعم) هو القادر على تقييد، إن لم يكن محو العنف والتعصب الديني تجاه الأقليات الدينية. ولهذا الرابط الوثيق بين الديني المؤسسي والقسوة جذور في خبرة الحروب الدينية في أوروبا الغربية وفي الحركة المعقدة المسماة بالتنوير العلماني. بيد أن هذه الرؤية تميل إلى التغافل عن القوى القاسية التدميرية في القرن العشرين، ألمانيا النازية وروسيا ستالين واليابان الإمبريالية والخمير الحمر وصين ماو (تسي تونغ)، والتي كانت أي شيء غير أن تكون دينية، وكذلك تتغافل عن غزو القوى الأوروبية الوحشي للمجتمعات الأفريقية والآسيوية في القرن التاسع عشر، والذي له أقل الصلة بالدين. وبالطبع، لا تبرهن هذه الأمثلة على أن الدين المؤسسي لا يمكن أن يولد القسوة والعنف. على أن العديد من الحركات الدينية بشرت أيضًا (ومارست) التعاطف والتسامح. وتتلخص وجهة نظري البسيطة في أنه من عدم الصحة مضاهاة الدين المؤسسي بالعنف والتعصب.

بيد أني في هذا الفصل أود أن أتخذ اقترابًا مختلفًا في تناول هذه الإشكالية. فبدلًا من قياس مدى قسوة النظم الدينية في مقابل تلك العلمانية، أريد أن أنظر في الطريقة التي تشكلت بها الحساسيات الأخلاقية حول الألم الملحق عمدًا في المجتمع العلماني الحديث. وأرى أن فكرة القسوة في الخطاب الحديث لها خصائص مميزة. ومع وصفنا لها، فإننا نحدد أيضًا أوجه العلماني. لذلك أعتزم البدء على النحو الذي بدأ به الحكم المنصوص عليه في المادة الخامسة من «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، والذي يقول («لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة») والتي تفترض أن الفكرة لها دلالة عالمية واضحة. وفي هذه العبارة، يبدو أن الصفات المعادلة لــ «المعاملات والعقوبات» تشير إلى أنماط السلوك التي، وإن لم تعادل «التعذيب»، فعلى الأقل لها صلة به.

إن الأحكام القانونية والأخلاقية المستمدة من هذا الحكم لها تاريخ شائق في الغرب، والذي سأشير إليه في ما يلي. وأريد أن أطور هذا الأطروحة القائلة إن هذا الحكم العالمي يغطي نظاقًا واسعًا من أنواع السلوك المختلفة نوعيًا. وعلى وجه الدقة، سأحاول أن أبرز أربع نقاط: الأولى، هي أن تاريخ «التعذيب» الحديث ليس فقط سجلًا من الحظر التقدمي للممارسات اللاإنسانية والإذلالية. لكنه أيضًا جزء من الرواية العلمانية عن كيفية تحول المرء إلى إنسان بحق. أما النقطة الثانية، فهي أن عبارة «التعذيب أو المعاملات القاسية أو الوحشية الحاطة بالكرامة» من المقصود بها إيجاد معيار عابر للثقافات لخلق أحكام أخلاقية وقانونية حول الألم والمعاناة. بيد أن هذه العبارة قد منحت معناها العملي تاريخيًا وثقافيًا. أما نقطتي الثالثة، فهي مرتبطة بسابقتيها؛ وهي أن السبل الجديدة لتعريف «المعاناة»، (والتي تتضمن «المعاناة الذهنية» و«المعاملة الحاطة بالكرامة» و«المُعَاني» (وهو مصطلح أصبح يشير حاليًا إلى غير البشر حتى إلى البيئة) هي متزايدة العالمية في نطاقها لكنها خاصة في محتواها النظري. أما النقطة الرابعة والأخيرة فهي الاهتمام الحديث بمحو الألم والمعاناة غالبًا ما يتصادم مع التزامات وقيم أخرى: مثل حق الفرد في الاختيار، وواجب الدولة في الحفاظ على أمنها.

مجتمعة، تهدف هذه النقاط إلى التشديد على الخصائص غير المستقرة للتوصيف المركزي المستخدم في المجتمع العلماني الحديث. وباختصار، فإن عدم الاستقرار هذا يتعلق بحقيقة أن أفكار التعذيب والقسوة واللاإنسانية والمعاملة الإذلالية من المقصود بها قياس معايير السلوك غير القابلة للسلوك غالبًا. وربما الأكثر أهمية وهو أن فكرة السلوك المقيس تدمرها أفكار الإفراط المستمدة من خطابات علمانية أخرى.

سردان تاريخيان للتعذيب

أبدأ حديثي بمناقشة كتابين يوضحان معًا طرق سرد في غاية الاختلاف لسرد تواريخ القسوة. والأول هو لـ جي آر سكوت G.R.Scott ويعبّر عن القسوة الجسدية كخصيصة للمجتمعات البربرية ــ أي تلك المجتمعات التي لم تتم أنسنتها بعد. والثاني هو لداريوس رجالي. وهو يميز بين نوعين للقسوة الجسدية، الأول ذلك الذي يناسب المجتمعات ما قبل الحديثة والثاني يناسب المجتمعات الحديثة، ويصف ذلك الاختلاف في سياق إيران المعاصرة.

كان سكوت زميلًا للعديد من الجمعيات الثقافية البريطانية، بما في ذلك المعهد الأنثروبولوجي الملكي. وربما كان كتابه «تاريخ التعذيب» هو الأول في من نوعه[1] العصر الحديث. وهو يتناول بإسهاب «الأجناس المتوحشة والبدائية،» مثل الشعوب الأوروبية القديمة وفي بداية الحداثة، و«الحضارات» الآسيوية (في الصين واليابان والهند). ومن ناحية، يسرد الكتاب قصة العقوبات التي تم محوها أو تحجيمها إلى حد بعيد؛ ومن ناحية أخرى، فهو يتحدث عن الدوافع الشائعة والمتجذرة للتسبب في المعاناة. ومن الواضح أن سكوت يدين لأفكار كرافت إبنغ Krafft Ebing ليس فقط بالشكل الواضح في الفصول حول السادية والمازوخية، ولكن أيضًا في المخطط التطوري العام الذي يوظفه، وطبقًا له، يبقى الحث البدائي على إلحاق الألم إمكانية كامنة (وفي بعض الأوقات متحققة) في المجتمع المتحضر.

وقد كان سكوت غير معتاد بالنسبة لعصره عندما أراد تضمين سوء معاملة الحيوانات في روايته عن التعذيب، وفي وصف محنتها كنتيجة لعدم الاعتراف بحقوقها، وهو مثل غيره من المحدثين، يرى أن توسيع نطاق الحقوق حاسم في محو القسوة. بيد أنه في سياق مناقشة أطروحته ضرب على وتر الغموض العميق والمزعج. فلم يكن واضحًا ما إذا كان يفكر أن القسوة الإنسانية مجرد نموذج للقسوة البهيمية، أي تلك القسوة الناجمة عن عمل الغريزة المفترض شيوعها، والتي تقوم بمقتضاها الحيوانات الأقوى باصطياد أو مهاجمة تلك الأضعف؛ أم أن القسوة الإنسانية فريدة، وليست من خصائص السلوك الحيواني على الإطلاق، وأن انعدام الرحمة تجاه الحيوانات ضروري لتبرير اضطهاد الضعاف من البشر (الأعداء المهزومين والأطفال عديمي الخبرة ومن إليهم) على قاعدة أنهم ليسوا بشرًا كاملين. وعلى أية حال، فإن سكوت قد أزعج الأفكار الليبرالية حول معنى أن نكون بشرًا عن حق؛ وذلك عندما ذهب إلى أن البشر ليسوا مختلفين عن الحيوانات الأخرى، وإن كانوا مختلفين، إنما هو اختلاف بفضل قدرتهم الفريدة على القسوة.

ومن الجدير بالملاحظة أن نماذج الألم الجسدي التي يصفها سكوت باعتبارها «تعذيبًا» تنتمي في بعض الأحيان إلى الخضوع غير الطوعي لممارسات الانضباط الشخصي (على سبيل المثال: اختبارات القدرة على التحمل وتقنيات التقشف). ولم يميز سكوت بين النوعين: فالألم يعتبر بالنسبة له خبرة قابلة للعزل، وهي ردة الفعل المرئية للجسد الذي تساء معاملته. ولو كان سكوت قد قرأ أعمال (ألبرخت فون) هاللر Haller لفهمه صحيح الفهم.

في المقابلة بين «الأعراق المتوحشة» والأميركيين الأوروبيين المحدثين، لم يساور سكوت الشك في أن الأولين قد مارسوا «التعذيب» على الآخرين، وربما لأن اسمهم رديف لـ «البربرية». وعلى أية حال، لم تجد أشكال المعاناة التي تسبب بها المستعمرون البيض بحق الأميركيين الأصليين وتوسع دولة الولايات المتحدة مكانًا لها في تأريخه للتعذيب.

ولا يعني هذا أن سكوت يؤكد أن التعذيب غائب كليًا عن المجتمع الحديث. بل على العكس، فهو واضح جدًا حول استخدامه من قبل الشرطة لاسنخراج الاعترافات («تعذيب الدرجة الثالثة»). ويتلخص موقف سكوت في القول بأن تاريخ الحداثة في جزء منه هو قصة المحو التقدمي لكل أنواع السلوك الاجتماعي الصادمة أخلاقيًا، ويتضمن هذا ما يوصف في القانون الدولي باعتباره «العقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة»، ولا يدعي سكوت أن هذا القصد قد تحقق تمامًا، فقد أصبنا بعض التقدم. ويخبرنا في تاريخه للتقدم أن تعريف الدولة ودفاعها عن الحقوق هو الحماية الأكثر فاعلية ضد القسوة.

في كتابه المهم، يضع عالم السياسة الإيراني داريوش رجالي أطروحة شائقة، وهي أن التعذيب، وبعيدًا عن كونه بقاء بربريًا في الدولة الحديثة على النحو الذي تذهب إليه رواية سكوت، في حقيقته جزء لا يتجزأ من هذه الدولة[2]. وعلى الرغم من أنه يصنف التعذيب إلى نوعين؛ حديث وما قبل حديث، فهو يتشارك مع سكوت نظرته حول أن مصطلح «التعذيب» له دلالة ثابتة. وعلى وجه الدقة، فإن كليهما يرى أن التعذيب إنما يشير إلى الممارسة التي يقوم فيها فاعل بالتسبب «بالقوة» في الألم لفاعل آخر، بغض النظر عن الموقع الذي تحتله الممارسة داخل ترتيب أخلاقي أوسع.

يقدم رجالي سردًا مركبًا لدور العقوبات السياسية في إيران قبل وبعد بزوغ التحديث على السواء في تلك الدولة. ويخبرنا رجالي أن التعذيب الحديث هو شكل من المعاناة الجسدية، والتي لا يمكن عزلها عن المجتمع الانضباطي. في إيران، يعتبر التعذيب أمرًا جوهريًا بالنسبة للجمهورية الإسلامية، كما كان بالضبط بالنسبة للنظام البهلوي الذي حلت محله. فكل منهما نظام حديث وانضباطي وإن اختلف سبيلهما.

يعتقد رجالي أن كتابه يدحض ما كان على ميشيل فوكو عن التعذيب في كتابه «المراقبة والمعاقبة»[3]. وهو يبقي على القول إن التعذيب لا يعطي فرصة للانضباط في المجتمع الحديث، كما ادعى فوكو، لكنه لا يزال قائمًا بشكل كبير. غير أن هذا الاعتقاد مبعثه سوء قراءة لفوكو الذي لم يكن همه الأساسي «التعذيب» بل «السلطة» وبالتبعية بالتعارض بين السلطة صاحبة السيادة (والتي تظهر نفسها من خلال العرض المسرحي للأجساد المعذبة) والسلطة الانضباطية (تلك التي تعمل من خلال تطبيع الأجساد في السلوك اليومي).

لم تعد الطقوس العامة للتعذيب ينظر إليها كضرورة للحفاظ على السلطة صاحبة السيادة (أما ما إذا كانت ضرورية للحفاظ على «النظام الاجتماعي» فهي بالطبع مسألة أخرى). بيد أن أطروحة فوكو حول السلطة الانضباطية غير قابلة للتقويض من خلال البرهنة على التعذيب «الخفي» في الدولة الحديثة. على النقيض من هذا، فعندما ارتبط التعذيب الذي يمارس في الخفاء على نحو وثيق باستخراج المعلومات، أصبح أحد أشكال ضبط المجتمع. ويقدم الضبط نفسه باعتباره ممارسة حكومية موجهة نحو الدفاع عن «مصلحة المجتمع»: أي الأمن الاعتيادي وغير الاعتيادي للدولة ومواطنيها. وهو أيضًا مؤسسة يعتمد فيها كل من السلطة والمعرفة على بعضهما. وهو أمر يتم تداوله سرًا وهو ما أغفله رجالي بشكل غريب.

ومعظم التعذيب الحديث المرتبط بالضبط من خلال الشرطة عادة ما يكون سريًا، ويعود هذا في جزء منه إلى أن إيقاع الألم الجسدي بأحد السجناء يعتبر «غير متحضر» وبالتالي غير قانوني. وقد يكون سريًا لأن العاملين في نظام الشرطة يدعون أنهم لا يرغبون في الإفصاح عما عرفوه من السجناء (المعرضين للتعذيب)، إذا كانوا قد علموا بأي شيء ذي قيمة. وفي كل الأحوال، فإن فعالية بعض أشكال المعرفة الانضباطية يتم تعزيزها من خلال السرية. إن الطبيعة السرية للمعرفة المستقاة من خلال الشرطة ترتبط إذًا بتشكك النقاد خارج الشرطة إذا ما كان، وغالبًا ما يكون، هناك أمر غير قانوني تقوم به السلطات البيروقراطية للحصول عليها («فالتعذيب لا يمكن التسامح معه في المجتمعات المتحضرة»)، وكذلك تشككهم أيضًا في الطريقة والتوقيت والمكان الذي تختاره السلطة للتصرف مع الأخذ في الاعتبار امتلاكها معلومات سرية («فينبغي لكل مجتمع أن يحمي نفسه من المؤامرات الإرهابية والإجرامية»).

ويدعي النقاد في في بعض الأحيان أن «انتزاع المعلومات» ليس هو الهدف الحقيقي للتعذيب بل تبرير له. بيد أني أذهب إلى القول إنه لا يوجد ما يمكن أن يكون «الهدف الحقيقي من التعذيب». فغالبًا ما تتنوع وتختلط الدوافع (الواعية وغير الواعية) لأي شخص يمارس تصرفات تعذيب محددة. والفكرة هي أن الممارسات المحددة للتعذيب يجب فهمها بدافع الفاعل سواء كانت دائرية أم قائمة على الاعتقاد العاطفي (أو الزائف) بأن النفسيات الغريبة هي وحدها القادرة على القسوة البالغة.

وأطروحتي هنا هي أن «التعذيب» كما هو مستخدم في القانون الآن هو شكل من القسوة التي لا توافق عليها المجتمعات الليبرالية. وهذا هو السبب الرئيس الذي يجعل السلطات الحديثة عادة ما تولد خطاب إنكار أو التنصل من أن «تعذيبًا» قد وقع داخل نطاق مسؤوليتها بالقول («إنه تصرف غير مسموح به قام به موظفون غير منضبطين»)، أو الادعاء بأن ما يبدو «تعذيبًا» لا تستحق اللوم لكونها («ضغطًا معقولًا»). ويمثل هذا الخطاب عنصرًا مهمًا في الثقافة العامة لليبرالية الحديثة، كما أنه يخلق جوًا من السرية حول الموضوع وبالتالي جوًا من «الانكشاف» عندما تنكشف حوادث التعذيب لـ «العامة». أما في المجتمعات ما قبل الحديثة، تلك التي يطلق عليها فوكو المجتمعات الكلاسيكية، فقد كان التعذيث يمارس بلا اعتذارية وفي العلن. وبالتالي لم يكن موضوعًا للانكشاف بل العرض. ومن وجهة نظر هذه الإشكالية، أرى أن دوافع من يقوم بهذه الممارسات المسرحية ليست ذات صلة حتى لو كان من الممكن تحديدها. وما يهم هو أن الخطاب العام حول إيقاع الألم بالسجين في الحالتين (المجتمعين الحديث وما قبل الحديث) مختلف للغاية. فخطاب الإنكار، وهو وجه العملة الآخر لخطاب الاتهام (بالتعذيب) هو وثيق الصلة بالحكومات الحديثة أو تلك الآخدة في التحديث، كما أنه مرتبط بالحساسية الليبرالية تجاه الألم.

وينزلق تعريف رجالي للتعذيب بكونه «عنفًا دمويًا تتبناه السلطات العامة» ما بين ممارسات التعذيب الشرعية الكلاسيكية من ناحية، وذلك النوع «السري» من ناحية أخرى بسبب «الطبيعة غير المتحضرة» لنظام الشرطة في بلدان آخذة في التحديث مثل إيران. ومن سوء الحظ أن أطروحة رجالي لا تعالج هذا الاختلاف. وهو يؤكد بإسهاب أن التعذيب الحديث جزء لا يتجزأ مما يطلق عليه فوكو المجتمع الانضباطي. وبالتالي فهذا التعذيب، إن لم يكن متطابقًا مع الضبط، فهو قريب للغاية منه.

يحتوي كتاب رجالي على نظرات قيمة متعلقة بالقسوة التي مورست بحق الناس في سياق عملية التحديث، غير أني لا أملك المساحة الكافية لتناولها. أما هنا فأذكر اعتراضين قدمهما بعض القراء على أطروحة رجالي. والاعتراض الأول هو أن مثاله الأساسي (إيران في القرن العشرين) يقع تحت ما قد يصنّفه القرّاء على أنه نموذج «آخذ في التحديث» لا مجتمع «كامل الحداثة». وقد يقول هؤلاء أيضًا إن التحولات التي شهدتها إيران في الفترة التي يغطبها كتاب رجالي لا تمثل تحديثًا صحيحًا بمعنى كونه تحسنًا أخلاقيًا لكنه دليل صادم على التعذيب الواضح في ذلك البلد ولا يثبت أن التعذيب لصيق بالحداثة؛ ولكن ما يظهره هذا هو أن التعذيب قد يحدث. كما ذهب سكوت في (مجتمع حديث.) وكان يمكن لفكرة رجالي أن تكون أقوى لو تناول مجتمعًا حديثًا مثل ألمانيا النازية، بدلًا من مجتمع ما زال في طريقه لأن يكون حديثًا. وعلى الرغم من أن ألمانيا النازية كانت دولة غير ليبرالية، فمن المؤكد أنها لم تقل حداثة عن غيرها.

أما الاعتراض الثاني فهو: أن رجالي لا يشرح السبب الذي يجعل من التعذيب، على العكس من الضبط، على يد الدولة «الحديثة» يتطلب خطاب إنكار. وبالتأكيد، فإن الإجابة المختصرة على هذا السؤال، أن هناك الآن حساسية جديدة تتعلق بالألم الجسدي. وعلى الرغم من أن هذا الألم دائمًا يحدث في زماننا هذا، فإن الضمير الحديث يعتبر إنزال الألم «بدون سبب جيد» (مثل إجراء عملية جراحية أو ذبح الحيوانات من أجل لحومها) أمرًا لا يمكن التسامح معه، وبالتالي موضوعًا للإدانة الأخلاقية. وهذا التوجه في ما يتعلق بالألم هو ما يساعدنا على تعريف الفكرة الحديثة عن القسوة.

إن الضمير الحديث هو أيضًا ضمير علماني، وهو توصيف يتضمن الدين ذا الصبغة الأخلاقية Moralized religion. (بالنسبة لكانط، فإن «الدين الخالص» ليس إلا أخلاقًا قائمة على الضمير، ولا علاقة له بالعقائد المغلقة للدين التاريخي)[4]. وبالتبعية، تجد المسيحية، التي تضرب جذورها التقليدية إلى عقيدة المسيح و«آلامه» من الصعب إيجاد معنى للمعاناة اليوم. وقد أخذ بعض اللاهوتيين في القول إن هذا الألم كليًا وجوهريًا أمر سلبي. ويكتب أحد اللاهوتيين الكاثوليك المحدثين أن «التحدي العلماني، على الرغم من أنه يفصل العديد من جوانب الحياة عن مجال الدين، إلا أنه يجلب معه توازنًا أكثر تماسكًا وتفسيرية؛ فالظواهر الطبيعية على الرغم كونها عسيرة الفهم في بعض الأحيان، إلا أن لها أسباب وجذور في العمليات التي يمكن ويجب إدراكها. وبالتالي، من واجب الإنسان أن يشتبك مع التحليل الإدراكي لمعنى المعاناة، حتى يكون قادرًا على مواجهتها وهزيمتها.. لقد أعلن المسيح من خلال أعماله، حتى قبل كلماته، عن خيرية الحياة والصحة باعتبارها صورة الخلاصة، عنده الألم حالة سلبية»[5].

من البين أن كاتب هذه الأسطر كان يفكر في المرض، ولكن لأن الألم من الممكن أن يكون عاقبة للنوايا الإنسانية، فمن الضرورة أن يمحى هذا الألم من عالم التفاعل الإنساني، بل حتى من التهذيب الديني ومن ممارسة الاستشهاد. فقد ولى زمن المكانة المشرفة والفعالة للاستشهاد. وينبغي للمسيحي العلماني أن يتنكر للألم وأن يختار الفعل (الإيجابي). فالألم ليس مجرد حالة سلبية بل خزي بالمعنى الحرفي.

إلغاء التعذيب

لماذا أصبح إلحاق الألم الجسدي الآن موضع خزي؟ جزء معروف للغاية من الإجابة على هذا هو الرواية التقدمية، وتتمثل في: أنه مند قرنين أدرك منتقدو التعذيب مثل (سيزاري) بيكاريا Beccaria وفولتير مدى لا إنسانيته، وكذلك عدم جدواه في التأكد من الحقيقة في المحاكمات. ومن ثم رأى هؤلاء وأوضحوا ما أخفق سابقوهم (لأسباب مجهولة) في إدراكه. وقد صدمت حجتهم القوية ضد التعذيب القضائي حكام عصر التنوير إلى أن ألغوا العمل به. وقد ظهر الحديث عن قسوة التعذيب غير القابلة للتسامح معها على نحو أكثر وضوحًا، لأن الألم الذي كان يتم إيقاعه من خلال التعذيب القضائي قد تم إعلانه «بلا مسوغ». إن الألم الذي كان يلحق بالسجناء لدفعهم نحو الاعتراف كان غير أخلاقي، خاصة لأنه غير كفء كليًا في تحديد كونهم مذنبين أم أبرياء[6]. (لم يدن إصلاحيو التنوير بالضرورة العقاب الجسدي على هذا النحو، إذ إنه تضمن اعتبارات غير تلك الأداتية البسيطة، خاصة أفكار العدالة. ومع ذلك، وفي النهاية، كان من شأن تطور أفكار العدالة الحديثة المساهمة في العداء المتزايد للعقاب الذي كان يوقع مباشرة على الجسد.) ولكن، لماذا لم تتم إدانة الألم غير المسوغ من قبل النقاد سابقًا؟ ما الذي منع الناس من رؤية الحقيقة قبل عصر التنوير؟

في دراسته الثاقبة المعنونة بــ «التعذيب وقانون الإثبات Torture and the law of Proof»، قدم جون لانغبين John Langbein تفسيرًا جزئيًا. فأوضح أن التعذيب كان قد منع عندما تراجعت قوة قانون الإثبات الكنسي الروماني، الذي كان يتطلب إما الاعتراف أو شهادة اثنين من الشهود العيان، في القرن السابع عشر. وقد أمن اللجوء المتزايد للقرائن العرضية الاعترافات الأكثر سهولة وسرعة. لذلك، كان إبطال التعذيب القضائي في الحقيقة إنهاء لإجراءات طويلة وثقيلة أصبحت تعتبر الآن زائدة عن الحاجة بشكل أو بآخر. ويشير لانغبين إلى أن الحقيقة الأخلاقية حول التعذيب القضائي كانت مرتبطة بالتأسيس المسبق لمفهوم جديد حول الحقيقة القانونية[7].

عندما كان التعذيب موضوع مناظرة قوية في القرن الثامن عشر، توصل جيرمي بنتام إلى أن استنتاج مفاده أن ألم التعذيب الذي كان يطبق لأسباب أداتية كان أسهل في تبريره من المعاناة التي كانت تلحق تحت مسمى العقاب. كذلك يؤكد في سياق التبرير أن، على سبيل المثال، المحاكم التي كانت تلجأ إلى السجن في قضايا مثل الازدراء ربما وجدت أن تطبيق الألم الجسدي، أو حتى مجرد التهديد باستخدامه، كان سيضمن الطاعة بطريقة «أقل عقابية» من السجن: يقول بنتام «قد يرزح المرء في السجن ثلاثين أو ستين يومًا حتى يجيب عن سؤال كان من الممكن أن يجيب عنه لو وضع على المخلعة، ثم جلد مرة واحدة. حتى إن أحدهم يرتعد خوفًا لو عرف أنه سيوضع على المخلعة، فيجيب عن السؤال فورًا، والأمر مثل حال الرجل يقضي شهرًا يعاني من آلام أسنانه وكان من الممكن أن يتخلص منها بتحمل ألم لحظي»[8].

ما ينبغي عدم ملاحظته هنا هو رفض بنتام الواضح التفريق بين الخضوع الطوعي وغير الطوعي للألم. والفكرة الأكثر أهمية هنا هي أن خبرة الألم الذاتية يمكن أن تقارن موضوعيًا. وهي الفكرة الأكثر ضرورية للفهم الحديث لــ «المعاملات القاسية والوحشية والحاطة بالكرامة» في سياق عابر للثقافات، على الرغم من أن الليبراليين اليوم قد يرفضون بقوة رؤية بنتام المتعلقة بالتفضيل المؤقت للتعذيب على السجن. ولربما كانت فكرة القابلية للمقارنة في المعاناة هي بالضبط ما تجعل البقاء لسنوات في السجن (بما في ذلك الحبس الانفرادي) عقابًا «إنسانيًا» والجلد «غير إنساني»، على الرغم من أن «خبرة» السجن والجلد مختلفتان جدًا من حيث النوع.

ويلاحظ فوكو في كتابه «المراقبة والمعاقبة» أن السجن في القرن التاسع عشر كان يقارن على نحو تفضيلي بأشكال أخرى من العقاب الجسدي، وذلك لأنه كان يعتبر الأكثر مساواتية[9]. وقد كان هذا نتيجة للمذهب الفلسفي القائل بأن الحرية كانت هي الحالة الإنسانية الطبيعية. وسوغ المصلحون الجنائيون هذا بالقول بأنه ما دامت الحرية قد زرعت بالتساوي في كل فرد، فإن حرمان الأفراد من حريتهم لابد وأن يكون وسيلة يتأثرون بها بالتساوي، بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي أو تكوينهم الجسماني. وإذا كانت الغرامات أسهل في دفعها بالنسبة إلى الأغنياء، فإن الألم الجسماني قد يكون أسهل لمن هم أصلب. ولا يوجد شكل من العقوبات يتوافق بالضبط مع جوهر إنسانيتنا كما يتوافق الحبس. لقد اعتبر أن فكرة الإيقاف القانوني قد ساهمت بالتساوي في اعتبار أن العقاب الجسدي بلا مسوغ، ولهذا السبب، وعلى الرغم من أن الليبراليين المحدثين لابد وأن يعتبروا بنتام مخطئًا في الاستنتاج الذي توصل إليه حول التعذيب، فلا بد من أن يعتبروه محقًا في تأييده للمقارنة الكمية لكل الأنواع المتفرقة من المعاناة. وليس من العسير رؤية الطريقة التي أصبحت بها الحسابات النفعية للذة والألم قد أصبحت مركزية في الحكم العابر للثقافات في الفكر والتطبيق الحديثين. فبإجراء عملية اختزال، سهلت فكرة الحساب النفعي الحكم المقارن لما كان قد سيبقى خصائص غير قابلة للمقارنة[10].

أنسنة العالم

يقال إن العملية التاريخية لبناء مجتمع علماني إنساني قد هدفت إلى محو مظاهر القسوة. لذا، غالبًا ما ادعي أن الحكم الأوروبي في البلدان المستعمرة، وعلى الرغم من أنه لم يكن ديمقراطيًا، قد أدى تحسنات في السلوك، أي هجر الممارسات التي تهين الإنسان.

وكانت الأدوات الرئيسية في هذه التحولات هي الممارسات القانونية والإدارية والتعليمية. وتمثلت إحدى التصنيفات المركزية المستخدمة في تلك الممارسات في الفئة الحديثة من القانون العرفي. فيكتب جيمس ريد Jamed Read «من بين جميع التقييدات على تطبيق القوانين العرفية خلال الحقبة الاستعمارية، ربما كان اختبار النفور من «العدالة والأخلاق» هو الأكثر شيوعًا: وذلك لأن القوانين العرفية لم تكد تكون منفرة من قبل الفهم التقليدي لعدالة وأخلاق الجماعة التي كانت ما زالت تقبل بها، وبالتالي كان من الواضح أن عدالة وأخلاق القوة الاستعمارية من شأنها أن تقدم ميعارًا يمكن تطبيقه»، ويشير ريد إلى أن عبارة «النفور من العدالة والأخلاق» ليس لها معنى قانوني محدد، وأن التشريعات المبكرة في المستعمرات استعملت في بعض الأحيان تعبيرات من قبيل «ليس معارضًا للأخلاق الطبيعية والإنسانية» كي تقوم بنفس العمل الثوري[11].

بيد أن التقدم الاجتماعي والأخلاقي في هذه البلدان كان غير متكافئ. فعلى الرغم من أن الأوروبيين قد حاولوا قمع الممارسات والأنماط القاسية من المعاناة التي كانت مسلّمًا بها في العالم غير الأوروبي من خلال جعل ممارسيها مذنبين قانونيًا، وهو القمع الذي لم يكن ناجعًا في كل الأحوال. واليوم تقع مهمة النضال من أجل محو المعاناة على عاتق الأمم المتحدة، أو هكذا يقال.

ومع هذا، أود أن أقترح أنه في محاولاتهم لتجريم الأعراف التي اعتبرها الحكام الأوروبيون قاسية، فلم يكن اهتمامهم بمعاناة السكان المحليين هو ما هيمن على تفكيرهم، بل الرغبة في فرض ما اعتبروه معايير متحضرة للعدالة والإنسانية على ذوات الأهالي، أي الرغبة في خلق ذوات إنسانية جديدة[12]. وبالتالي لم يكن الكرب الذي فرض على تلك الذوات تحت تهديد المعاقبة بهجر الممارسات التقليدية، والتي تعتبر الآن «نفورًا من العدالة والأخلاق» أو «معارضة للأخلاق الطبيعبة والإنسانية، أو حتى في بعض الأحيان «رجعية وطفولية»، أن تقوم بدور حاسم في خطاب المصلحين الاستعماريين. بل على النقيض، كما قال اللورد كرومر بالإشارة إلى المأساة التي وقعت على الفلاحين المصريين بسبب إصلاحات الحكم البريطاني القانونية: «للأسف، ينبغي أن يكون للحضارة ضحايا»[13]، وفي عملية تعلم «الإنسانية الكاملة»، كان ينظر لبعض أشكال المعاناة على أنها انتهاك للإنسانية وكان يسعى لمحوها. وكان يتم تمييز هذا عن المعاناة التي كانت تعتبر «ضرورية» لعملية تحقق الإنسانية، وهي الألم الذي كان معادلًا لغايته، وليس ألمًا «بلا غاية».

كانت المعاناة «غير الإنسانية»، التي غالبًا ما ارتبطت بالسلوك البربري، حالة لا تطاق أخلاقيًا بالنسبة لأي شخص مسؤول، وأما هؤلاء الذين يفرضونها (وهم بدورهم غير إنسانيين لتسببهم في إيقاع الألم)، فينبغي أن يكفوا عنها، وإذا كان الأمر ضروريًا، فيجب أن يعاقبوا. وقد كان هذا على أية حال خطاب الإصلاح الاستعماري. أما ما مسألة ما شعر به وفكر فيه وقام به الإداريون الأفراد فعليًا فقد كانت أمرًا آخر (إن لم يكن غير ذي صلة). وقد وطن العديد من الإداريين ذوي الخبرة أنفسهم محليًا على التسامح مع العديد من الممارسات «غير المتحضرة» لأسباب متعلقة بالنفعية، بيد أنهم جميعًا وبلا شك على وعي بالخطاب التقدمي السائد والمتجذر في المجتمعات «المتحضرة».

وهناك مثال جيد حول هذا الخطاب في الهند البريطانية في أواخر القرن التاسع عشر في ورقة غير منشورة كتبها نيكولاس ديركس Nicholas Dirks. ويحتوى سرده للتحقيق الذي أجرته السلطات الاستعمارية حول طقوس «التأرجح بالخطاف (Hook~Swinging)[14]على حكم رزين للمسؤول البريطاني: «من غير الضروري في رأيي، وفي نهاية القرن التاسع عشر، ومع اعتبار مستوى الحضارة الذي وصلت إليه الهند، أن ننعم النظر في الدوافع التي تحرك اللاعبين أنفسهم الذين يشاركون في في التأرجح بالخطاطيف والمشي عبر النيران وما إلى ذلك من مظاهر البربرية. فمن وجهة نظرهم الأخلاقية، قد تكون دوافعهم جيدة وربما سيئة، وقد ينخرطون في تعذيب للذات إرضاءً لنذور تعبدية قطعوها بحماس على أنفسهم بكل إخلاص ولأسباب غير مبالية؛ وربما ينخرطون في شكل من الدوافع الدنيئة بغرض التعظيم الشخصي، سواء كان ذلك للصدقات التي قد يتلقونها أو للتميز الشخصي والنجاح الذي قد يصيبونه بين ظهرانيهم؛ إلا أن المسألة تتمثل في ما إذا كان الرأي العام في هذا البلد ليس معارضًا لــ «لأفعال الخارجية» التي يقوم بها اللاعبون، باعتبارهم في الحقيقة باغضين لتعاليم الإنسانية ومهينين لأنفسهم ولكل من يشاهد أداءهم. وأنا من أنصار من يقولون إن صوت الهند يجب أن يسمع بكل احترام، وليس فقط صوت المدرسة المتقدمة التي تلقت شيئًا من مزايا التعليم الغربي وتشربوا الأفكار غير الشرقية، ولكن أيضًا صوت من تنبع آراؤهم في الحياة والسلوك والملكية من الفلسفات الآسيوية. ومن شأن هذا أن يؤدي إلى إعلان أن الوقت قد حان بالنسبة للحكومة أن تقوم من أجل مصالح شعبها بإلغاء كافة مظاهر تعذيب الذات الحاطة بالكرامة»[15].

أما حقيقة أن اللاعبين أنفسهم قد أعلنوا أنهم لم يشعروا بأي ألم فهي أمر غير ذي صلة، وكذلك كانت أيضًا الاعتراضات القائلة بأن هذه الممارسات تمثل عقيدة دينية. فلم تكن مثل هذه التبريرات مقبولة. لقد كانت الإهانة التي أوقعها العرض على مفهوم محدد لأن نكون بشرًا وهو ما اختزل أنماط السلوك المختلفة نوعيًا إلى معيار واحد. وتمثلت مهمة الحكومة في تحقيق هذا المعيار هنا والآن، بدلًا من ترك تطبيقه للآلهة في الآخرة.

وقد تم التأكد من الإهانة الأخلاقية لهذا السلوك من خلال الاستماع إلى «بعض» الأصوات المستعمرة فقط. واشتملت هذه الأصوات على آراء الهنود المستعمَرين. غير أن الأكثر دلالة، هو الحصول على تأكيد من قبل هؤلاء الذين قبلوا بتأويلات غربية لفلسفتهم الآسيوية[16]. ومن وجهة نظر التقدم الأخلاقي، فبالطبع لم يلق بال لأصوات الذين اتخدوا موقفًا «رجعيًا».

من الواضح إذًا أنه في قضية التقدم العلماني، كانت هناك معاناة ومعاناة. وأعتقد أن الشائق هنا ليس أن بعض أشكال المعاناة كانت تؤخذ بجدية أكثر من غيرها ولكن أن المعاناة «غير الإنسانية» على النقيض من المعاناة «الضرورية» أو «الحتمية» اعتبرت في جوهرها «بلا مسوغ»، ومن ثم، تعرض مرتكبيها للعقاب القانوني. لقد استمر الألم الحركة نحو التحول نحو أن نكون «بشرًا كاملين»، ومن جهة أخرى، كان الألم ضروريًا، بمعنى أنه كانت هناك أسباب اجتماعية وأخلاقية لاجتراحه. وهذا الرؤية جزء من اهتمام عصر ما بعد التنوير ببناء الوسائل الأنجع لإصلاح المذنبين وحماية مصالح المجتمع من خلال العقوبات القضائية[17].

وفي الوقت الذي أصبحت فيه فكرة التقدم مهيمنة باطراد على شؤون أوروبا والعالم، أصبح هناك شعور متزايد بالحاجة إلى قياس المعاناة والاستجابة لها على قدر أعظم من الإتقان.

تمثيل «التعذيب» والتصرف بقسوة متعمدة

لا يعتبر الألم دائمًا أمرًا لا يطاق في المجتمعات الأوروبية والأميركية الحديثة. فإيقاع المعاناة الجسدية في الحرب والرياضة والتجارب العلمية وعقوبة الموت، وكذلك في نطاق المتعة الجنسية، يمارس بنشاط ومسموح به قانونيًا. كما أن إلحاق الألم على الحيوانات هو جزء طبيعي من هذه المجتمعات، على الرغم من وجود قوانين تمنع الألم «غير الضروري» أو «غير المبرر» وتجرمه باعتباره نوعًا من «القسوة»[18]. وقد خلق هذا تنافضات عبرت عن نفسها في النقاشات العامة. وعندما يوصف الألم المتعدي باعتباره «قاسيًا وغير إنساني»، فغالبًا ما يشار إليه باعتباره «تعذيبًا». والتعذيب مدان من قبل الرأي العام وممنوع بموجب القانون الدولي.

وبالتالي ليس مدهشًا أن العديد من الحكومات الليبرالية الديمقراطية[19] التي وظفت التعذيب تحاول أن تقوم به سرًا. وفي بعض الأحيان، كانت تهتم بإعادة تعريف التوصيف القانوني للمعاملة التي ينتج عنها الألم في محاولة لتجنب وصمة «التعذيب». وبالتالي، نجد أن «التعذيب ممنوع بموجب القانون الإسرائيلي. وتقول السلطات الإسرائيلية إن التعذيب ليس مصرحًا به أو مقبولًا في الإراضي المحتلة، لكنها تعترف أن هذه الانتهاكات تقع وأن الدولة تحقق فيها. وفي العام 1987، أدانت لجنة لنداو القضائية تحديدًا «التعذيب»، لكنها سمحت باستخدام نوع من «الضغوطات النفسية والجسدية المعتدلة» حتى يتم الحصول على الاعترافات والمعلومات. أما ملحق التقرير الذي حددت فيه اللجنة أشكال الضغط المسموح به فلم يعلن عنه مطلقًا»[20].

ومن نافلة القول إن حكومات المنطقة الأخرى مثل (مصر وتركيا وإيران) تقبل بالتعذيب، وعلى العكس من إسرائيل، التي تمارس التعذيب فقط على غير مواطنيها، فهذه الحكومات تستخدم التعذيب بحرية ضد مواطنيها. بيد أن الملمح المميز للحالة الإسرائيلية هو الاهتمام المدقق الذي توليه دولة ديمقراطية ليبرالية لوضع معايير لقدر الألم المسموح به قانونيًا. فهناك اهتمام واضح بأن «الإفراط» في الألم لا ينبغي السماح به. (ولا ترتبط فكرة «الإفراط» هنا بالخبرة الذاتية، وعدم القدرة على تحمل الألم، ولكن بالوسائل الموضوعية، أي بما هو ضروري لضمان الغايات المرغوبة.) ويفترض هذا أن «الضغط الجسدي والنفسي المعتدل» ضروري وكافي في الوقت نفسه للحصول على اعترافات. وبعيدا عن كمية الضغوط، فإن أي ضغط يتحول إلى حالة الإفراط (عدم التسويغ) وبالتالي من المفترض أن يصبح «تعذيبًا»[21]. ونادرًا ما تحافظ أية دولة أخرى في الشرق الأوسط على هذه الشكليات، أو أن تكون حداثية في تصورها للتعذيب.

إن استخدام التعذيب في الدول الليبرالية الديمقراطية هو جزء من محاولاتها السيطرة على السكان من غير المواطنين. وفي مثل هذه الحالات، لا يمكن أن يعزى التعذيب إلى «الرغبات البدائية»، كما يذهب سكوت، ولا إلى تقنيات ضبط المواطنين الحكومية، كما جادل رجالي. بل يمكن فهمه باعتباره وسيلة مستخدمة استراتيجيًا للحفاظ على مصالح الدولة/القومية؛ مثلها مثل الحرب.

ولم تعد صفة التعذيب قاصرة فقط على تطبيقات الألم الجسدي؛ فهي الآن تشتمل على الإكراه النفسي الذين يستخدم فيه تشتيت الانتباه والعزل وغسيل الدماغ. وفي الحقيقة، فإن التعذيب في يومنا هذا لا يقوم بالإشارة فقط إلى السلوك الممنوع فعليًا من خلال القانون، ولكن أيضًا السلوك الذي يرغب منعه بالتوافق مع المفاهيم المتغيرة للمعاملة «اللاإنسانية» (مثل الإعدام في العلن أو جلد المجرمين واستغلال الأطفال، وكذلك القيام بتجارب على الحيوانات والمزارع الحيوانية وصيد الثعالب).

أما التوصيف النظري الأوسع للتعذيب والقسوة فيمكن أن يطبق على الكرب والمعاناة النفسية التي يمر بها الناس في المجتمعات المجبرة على ترك اعتقاداتها والتصرف بــ «إنسانية» (بالمعنى الذي يفهم الأوروبيون والأميركيون). بيد أن هناك تناقضًا غريبًا في هذا ويتمثل في أن النسبية العلمانية هي التي تمنع تطبيق هذا الوصف. إذ إن مثل هذا الكرب ينظر إليه باعتباره نتيجة للاستثمار العاطفي في حقيقة الاعتقادات التي تقود السلوك. أما الموقف «التشككي» فعلى النقيض من هذا، يعتقد أن مثل هذا الإيمان العاطفي «غير متحضر»، ومصدر دائم للخطر على الآخرين وألم للذات. فلا ينبغي ألا يكون للاعتقادات أية صلة مباشرة بالطريقة التي يحيا بها الإنسان، أو أن يكون الإيمان بها خفيفًا فيسهل تغييرها. وإذا لم يتحقق هذا، فلا يمكن للعلمانية كترتيب سياسي أن تعمل بأفضل حال.

ربما يميل المرء للاعتقاد بأنه على الأقل في المجتمعات الآخذة في الأنسنة، فإن أغلب أشكال الألم الواقع على الناس سينظر إليها باعتبارها غير مقبولة أخلاقيًا. ومع ذلك وفي بعض الحالات، يصبح السلوك المسبب للألم والذي كان صادمًا في وقت ما غير صادم. وحتى لو استمر في إثارة الصدمات، فلن يكون بالطريقة التي كان عليها في الماضي. ومثال على هذا وضع أعداد ضخمة من الناس في السجن لارتكابهم أنواعًا أكثر وأكثر من الانتهاكات. ومثال آخر هو إلحاق أشكال جديد من المعاناة في المعارك.

لقد ذهبت (إلين) سكاري إلى أن الحرب هي «القرين الأوضح للتعذيب»[22] قد يكون هذا صحيحًا، ولكن الدال هنا هو أن المفهوم العام لــ «العقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة» لا تنطبق على السلوك «الاعتيادي» للحرب، على الرغم من أن الحرب الحديثة ذات التقنيات المتقدمة تتضمن أشكالًا من المعاناة في العدد والنوع ليس لها من مثيل. ومن الصحيح أن معاهدة جنيف تسعى إلى تنظيم السلوك في الحرب[23]. ولكن للمفارقة، فإن هذا أدى إلى تقنين معظم أنواع المعاناة التي تمارس في الحرب الحديثة من قبل المقاتلين وغير المقاتلين على السواء.

كتب المؤرخ العسكري جون كيغان John Keegan حول العديد من ممارسات «القسوة المتعمدة» الجديدة عبر العقدين الماضيين عندما وصف بعض الأسحلة المستخدمة في حروب القرن العشرين قائلًا «لم تكن الأسلحة يومًا ما عطوفًا على اللحم البشري، غير أن المبدأ الموجه لتصميمها لم يكن عادةً تعظيم الألم والضرر الذي قد تلحقه. فقبل اختراع المتفجرات، قيدت حدود القوة العضلية من مدى ضررها، ولكن حتى بعد ذلك ولبعض الوقت، ساهمت النواهي الأخلاقية، المدفوعة بالشعور بعدم عدالة تركيب الأدوات الكيميائية والميكانيكة إلى قوة الإنسان العضلية لأجل أذى أخيه الإنسان، في تقييد بربرية تصميم الأسلحة. وقد تم تقنين هذه النواهي، ضد استخدام الغاز السام والرصاصات المتفجرة، وأصبح لها قوة دولية من خلال معاهدة لاهاي في العام 1899؛ بيد أن شيوع أسلحة «تدمير الأشياء» بدلًا من أسلحة «قتل الإنسان»، مثل المدفعية الثقيلة، والتي تؤدي من خلال آثارها الجانبية إلى إلحاق معاناة وتشوهات هائلة، أبطل مثل هذه القيود. ونتيجة لهذا، ذهبت هذه القيود أدراج الرياح، وأصبحت الآن مجرد آثار مرغوبة للأسلحة القاتلة للإنسان التي تحدث جروحًا هائلة ومروعة بقدر الإمكان. على سبيل المثال، يمتلئ لغم كلايمور بقطع من المكعبات المعدنية..، وتمتلئ القنابل العنقودية بشظايا معدنية مسننة. وفي الحالتين تمزق القذيفة وتحطم على نحو هائل أكثر مما تقوم به القنابل ذات الجسم الأملس. وصممت القذائف من طراز هيت وهيش HEAT & Hesh التـي تطلقها المدافع المضادة للدبابات كي تمطر الجزء الداخلي للمركبات المدرعة بسيل من الشظايا المعدنية أو من المعدن المنصهر، وبالتالي تعطيل المركبة من خلال تعجيز طاقمها. أما النابالم، المكروه لأسباب أخلاقية حتى من قبل العسكريين صعبي المراس، فيحتوي على مكون يزيد من التصاق البنزين المحترق بسطح الجلد. وإذًا أصبح على الجراحين العسكريين، الذين نجحوا في القرن الماضي للغاية في إفاقة الجنود المصابين المغشي عليهم وإصلاح الجروح البليغة، أن يواجهوا تحدي التعامل مع الفاعلين ناكئي الجروح الذين يتحدون مهاراتهم الطبية عمدًا»[24]. (وبالمصادفة، قيل عن رصاص «الدوم دوم Dum Dum» أو الرصاص الفطري المتفجر، الذي تم اختراغه في الهند البريطانية في العام 1897 إنه «وحشي للغاية، إذ إنه يفتح ثقوبًا هائلة في اللحم لدرجة أن الأوروبيين اعتقدوا أنه من القسوة أن يستخدموه ضد بعضهم البعض، فاستعملوه فقط ضد الآسيويين والأفريقيين»[25].

وقد نضيف إلى هذا أن تصنيع وامتلاك ونشر أسلحة الدمار الشامل (الكيميائية والبيولوجية والنووية) يجب أن ينظر إليه كنماذج على جاهزية الحكومات المعلنة على إيقاع الموت القاسي على السكان المدنيين حتى لو لم تستخدم هذه الأسلحة فعليًا. وباختصار، فإن تكنولوجيا التدمير القاسية هي جزء لا يتجزأ من الحرب في العصر الحديث، والحرب بدورها تمثل دورًا ضروريًا لأمن وقوة الدولة الحديثة، وعليهما تعتمد رفاهية وهوية المواطنين. في الحرب، لا تطلب الدولة من مواطنيها فقط أن يقتلوا ويقطعوا أوصال الآخرين، بل أيضًا أن يعانوا هم أنفسهم من الألم القاسي والموت[26]. إن الحياة الإنسانية مقدسة، ولكن في سياقات محددة تعرفها الدولة.

إذًا، كيف لأنماط القسوة «المحسوبة» في المعارك الحديثة أن تتلاءم مع الحساسية الحديثة تجاه الألم؟ يحدث هذا بالضبط من خلال التعامل مع الألم باعتباره جوهرًا «قابلًا للحساب». وكما في حالة التعذيب، فيمكن أن تكون هناك محاولة لقياس المعاناة الجسدية التي تقع في الحرب بالتوافق مع تناسب الوسائل مع الغايات. وتدعم معاهدة جينف هذا المبدأ؛ الذي يقول إن الدمار الإنساني يجب ألا يفوق المزايا الاستراتيجية المكتسبة. ويجب أن يستعمل فقط العقاب «الضروري» على غير المحاربين. ولكن مع الأخذ في الاعتبار هدف الانتصار النهائي، فإن «الضرورة العسكرية» يمكن أن تمتد بلا نهاية. وأي إجراء يقصد به المساهمة في هذه الغاية، بغض النظر عن حجم المعاناة التي يسببها، يمكن تبريره بالاندراج تحت «الضرورة العسكرية». ويوضع معيار قبول مثل هذه الحالات من خلال الرأي العام، كما أنه يختلف باتجاه استجابة الرأي العام للظروف الطارئة (مثل هوية العدو وكيفية سير الحرب).

وأود أن أؤكد أني هنا لا أصدر أحكامًا أخلاقية؛ فاهتمامي ببساطة يتمثل في تحديد المفارقات التي تكتنف الفكر والممارسة الحديثة والمتعلقة بإيقاع الألم المتعمد في الصراع بين الدول وداخلها على السواء. وإذا كنت قد ركزت على القسوة التي ترضى عنها الدولة، فهذا لا يعني أني أفترض أن الدولة وحدها هي مصدرها الوحيد، ولكن لأن خطابنا الأخلاقي حول المعاملات أو العقوبات غير الإنسانية والوحشية والحاطة بالكرامة ترتبط إلى حد بعيد بالمفاهيم الأخلاقية والتدخلات السياسية.

وقد حاولت في المفاهيم التي ناقشتها حتى الآن، أن أذهب إلى عدم استقرار مفهوم المعاناة الجسدية هو في وقت واحد وفي الوقت نفسه هو مصدر التناقضات الأيديولوجية والاستراتيجيات القائمة لتجنبها. أما الآن، فأجذب الانتباه إلى مجال العلاقات ما بين الأشخاص التي تعرفها الدولة باعتبارها «علاقات خاصة». وهنا نواجه تناقضًا له جذور عميقة، وتناقضًا آخر لا يمكن حله ببساطة من خلال، ولنقل، إعادة تعريف مفهوم التعذيب باعتباره «ضغطًا معتدلًا» أو من خلال منع القسوة المفرطة في المواجهات العسكرية.

إخضاع الذات لــ «المعاناة القاسية والحاطة بالكرامة»

إذًا، وفيما تمت توسعة وصف «التعذيب» في الآونة الأخيرة ليشمل حالات من المعاناة المقنعة وهي بالأساس وكليًا نفسية، فإنه أيضًا تم تضييقه كي يستبعد حالات من إيقاع الألم الجسدي المحسوب. ويؤدي هذا إلى تناقضات. ولكن هناك نوعًا آخر من التناقضات، والذي يمثل خصيصة مميزة للحياة العلمانية الحديثة.

دائمًا ما اعتقد أن هناك مواقف لا يمكن القيام بفصل فيها بين خبرة الألم وخبرة اللذة. وتمثل السادومازوخية أمرًا مزعجًا بالنسبة للكثيرين، إذ إنهم يواجهون أزاءها معاناة غير مؤلمة ببساطة. فهي ألم وليست ألمًا في الوقت نفسه. وموضوعها هو «الإفراط». ولم يفلح قرنان من النقد الموجه ضد الحسابات النفعية للذة في مقابل الألم في تقويض الرؤية القائلة بأن هاتين الخبرتين متعارضتان معًا، وبشكل ما يمكن قياسهما. ويبقى أنه في صبغ المعاناة بالإثارة الجنسية ترتبط الخبرتان بقوة. في ما يسعى البعض جاهدًا للحصول على معاناة كهذه.

وفيما يلي نبذة مأخوذة من «كتيب» سادومازوخي تم نشره مؤخرًا في نيويورك: «لأني أعتبر أن أية محاولة لتعريف السادومازوخية بعبارة واحدة دقيقة ليس إلا مرانًا عبثيًا أو شكلًا من المازوخية فسأمتنع عن إغواء إضافة نسخة جديدة إلى الكومة المأفونة من القمامة اللفظية الفاشلة وغير الملائمة. بدلًا من هذا، دعوني أقترح قائمة قصيرة من الخصائص التي أجدها حاضرة في كل المشاهدات التي قد أصنفها على أنها سادو مازوخية:

علاقة الهيمنة والخضوع.

منح واستقبال الألم الذي يستمتع بها الطرفان.

خيال و/أو دور يلعبه طرف على الآخر أو يلعبانه معًا.

امتهان واعٍ من كل طرف تجاه الآخر (إهانة).

تضمين لبعض أشكال الولع الجنـسي «الفيتيش».

تمثيل واحد أو أكثر من التفاعلات المطقسنة (مثل الربط أو الجلد أو ما إلى ذلك)»[27].

فلتلاحظ أن هذا النص لا يتحدث عن «تمثيل» الألم، ولكن عن ألم يتم تجريبه واجتراحه، وفيه يكون الطرفان معًا، الإيجابي والسلبي، فاعلين. لذلك يبقى السؤال، هو لماذا لم ترفض السادورمازوخية من قبل المحدثين الذين يدينون الألم باعتباره خبرة سلبية؟

طبقًا لبعض المفسرين، تتمثل إحدى الإجابات في أنه ليس كل شخص «يختلط عليه التمييز بين السادية غير المقيدة والثقافة الاجتماعية الفرعية الخاصة بالفيتشية الجنسية المتوافق عليها. والقول بأنه في السادية المازوخية المتوافق عليها، يمتلك «المهيمن» سلطة لا يمتلكها العبد الخاضع هو خلط للمسرح بالواقع»[28].

بيد أن الهدف من سؤالي ليس رفضًا للتمييز بين «السادية غير المقيدة» و«ثقافة الفيتشية الجنسية الفرعية». بل هو السؤال حول ما الذي يحدث عندما يحتضن تشكل الذات الفردية الاختلاف بين «الألم» و«اللذة» داخل كلٍ جمالي. يقال لنا في بعض الأحيان إن تهجين الصفات، بما في ذلك تلك التي تنظم خبرتنا الحسية، هو نمط يمكن من خلاله أن تحطم السلطات المستقرة باسم الحرية. ولكن من الممكن أيضًا أن يكون صبغ الألم بالإثارة الجنسية مجرد أحد السبل التي تحاول فيها الذات المعاصرة أن تحمي أساسها المراوغ.

أبرز مقالة نشرته جريدة لندنية مؤخرًا الوصف التالي لعرض قام به فنان أميركي في معهد الفنون المعاصرة: «بوجهه الذي يعلوه قناع من التركيز، سمح رون آثاي Ron Athey بأن تدق في رأسه أبرة طولها 6 إنشات فوق حاجبه مباشرة. لك أن تشاهده وقد ثبتت الإبرة وكأنها ثعبان يتلوى تحت جلده، وكأنها مياه اندفعت في خرطوم فارغ. إن خيطًا من الدماء يسيل على وجهه من حيث تقابل صلب الإبرة مع فروة رأسه. إن هذا ليس إلا أول شوكة معدنية في تاج الشوك الذي يكلل رأس آثاي، وهو تكوين لإجلال قوة الأيقونات المسيحية، وتغزل بالإبر من مدمن مخدرات سابق، وتحدٍ من رجل مثلي للإصابة بمرض الإيدز.

ومع الوقت ينتهي «الفصل المسرحي» السوداوي، وقد تغطى آثاي بالإبر، وتكلل رأسه بالأسلاك والدماء النازفة، في ما يبدو وكأنه محاكاة ساخرة لصلب المسيح. أه، ولكن أليست المحاكاة الساخرة Parody كما يعرفها القاموس هي بمثابة «تقليد ضعيف جدًا لأصل ما لدرجة أنه يبدو وكأنه سخرية من ذلك الأصل»؟ أم أنها، كما سيزعم مؤيدو آثاي، استكشاف لطبيعة الشهادة، كما تتضح لجماعات المثليين في عصر انتشار الإيدز؟»[29].

الملاحظ في هذه الفقرات الافتتاحية أن كاتبة النص وجدت نفسها وقد وضعت اللفظة المسرحية المعتادة وهي «فصل» بين علامتي تنصيص، وهو ما لم تقم به مع الكلمة اللاهوتية المألوفة «شهادة». لقد افترض أن القارئ سيفهم أن هذا إجلال «حقيقي» لقوة الأيقونات (المسيحية)، بيد أن كل هذا «يظهر» وكأنه شكل من المسرح، أي «تقليد»[30]. ومن الخطأ النظر إليه كوهم.

أؤكد أنني لست في معرض دحض هذا التفسير، بل توضيح إدراك الكاتبة أنه في سياق تشكل الذات الحديثة، فإن التوتر الذي يفصل بين «الحقيقي» و«المسرحي» يمكن أن ينهار. لقد أضحى من الضروري التأكيد من وقت لآخر على أن أي أداء هو «مجرد» عرض مسرحي، أو أن أي أداء آخر ليس «في الحقيقة» مسرحيًا، خاصة وأن الثقافة الحديثة أصبح فيها التفريق بين الحقيقي وتمثيله أكثر مؤسسية. ومع ذلك، فما أقصده هنا هو أن «الفارق» بين «الحقيقي» و«المحاكي» مثل الفارق بين «اللذة» و«الألم»، والمتمثل في كونه متاحًا لتشكيل الذات المعاصرة. وبالتالي فإن رابطة التوتر بين «الحقيقي» و«الادعاء» أصبحت هي نفسها موضعًا جماليًا في ما أصبح وضوح التمييز بين الرضا والإكراه أكثر إشكالية.

بالطبع تختلف السادومازوخية كما تم تعريفها في النص المقتبس سابقًا عن الأداء في معهد الفنون المعاصرة. ومنبع هذا الاختلاف هو أنه في عرض معهد الفنون هناك فصل بين المؤديين والمشاهدين. فليست هناك خبرة تجمع الطرفين معًا في منح واستقبال الألم. حيث نجد فقط تمثيلًا أحادي الجانب (هل هو عرض؟) لصورة محرضة عن المعاناة، يسبقها بناء مؤلم لهذه الصورة على المسرح. وعلاوة على هذا، فليس القصد من هذا التمثيل إنتاج متعة خاصة. فلا يمكننا أن نعرف إذا ما كان مشاهدو آثاي يستجيبون بالأساس لأيقونة آلام المسيح الأخيرة أم للبناء المؤلم للأيقونة على المسرح، أم للاثنين معًا. كما أننا لا نستطيع أن نخبر عن الفرق الذي قد يحدثه هذا بالنسبة لأولئك الذين سيفضلون منع هذا العرض إذا ما علموا أن آثاي يعاني من قصور في جهازه العصـبي على النحو الذي يجعله لا يشعر بأي ألم. أو لنقل، على نحو أكثر تعبيرًا، إن آثاي مثل أي فنان مبدع متدين قد أتقن اختبار الألم «على نحو إيجابي».

ولنفكر في مسلمي الشيعة الذين يجلدون أنفسهم حدادًا على ذكرى استشهاد الحسين حفيد النبي محمد سنويًا في شهر محرم. إن هذا المثال على إيقاع الألم بالذات حقيقي «و» درامي (وليس مسرحيًا) في الوقت نفسه. كما أن له قليل الصلة بــ «اللذة» على العكس من عرض آثاي. وهو يختلف عن الأخير في كونه ممارسة جماعية لطقس المعاناة والخلاص الديني. وليس هذا الطقس فعلًا علمانيًا يستعير مجازًا دينيًا من أجل الإعلان عن التحيز السياسي. كما أنه ليس قائمًا على الحق في تشكيل الذات واستقلال الخيار الفردي. إلا أن كلا المثالين يصطدما مع الحساسية الحديثة التي تنفر من الانخراط الواعي والإيجابي في المعاناة. لأنه، وبطرق مختلفة، بالنسبة للمتنسكين كما بالنسبة للسادومازوخيين، ليس الألم مجرد وسيلة يمكن قياسها وأن يعلن أنها مفرطة أو بلا مسوغ من حيث علاقتها بالغاية. فالألم ليس فعلًا محسوبًا لكنه انخراط شغوف.

من أولى محاولات التنظير لــ «الإفراط» باعتباره عنصرًا في التكوين العلماني للذاتية الحديثة هو مفهوم إدموند بيرك عن «الجليل Sublime». جادل بيرك في كتابه «بحث فلسفي في أصل وأفكار السامي والجميل» (1757)، أن الألم واللذة ليس متعارضين بل هما خبرتان إيجابيتان مختلفتان، ويجب أن تميز اللذة عن «البهجة Delight»، يقول بيرك إن الألم دائمًا هو أقوى ويثير فينا عواطف أعظم، وربما يجذبنا نحوه. ويزعم أننا ننجذب تجاه رؤية المصائب ببهجة: «لا يوجد مشهد نتحرق لرؤيته مثل مشاهد المصائب غير المألوفة والمفجعة؛ لذلك، وسواء كانت الفاجعة تقع أمام أعيننا أو كانت قد وقعت قديمًا في التاريخ، فهي دائمًا ما تلمسنا بشيء من البهجة. إلا أن هذه البهجة ليست صافية بل دائمًا ما تختلط بعدم الارتياح»[31]. هنا تتميز البهجة عن اللذة الإيجابية، إذ إنها ترتبط بالألم والغضب. أما القوة التي تثير ذلك المزيج من اللذة والهلع فهي ما يطلق عليه بيرك «الجليل»، وهو قوة لا يمكن تعريفها (تحديدها) بوضوح. ومن ثم، فإن الفراغ والظلام والصمت اللامتناهي كلها أمور مروعة، وتجليات لغموض عظيم وبالتالي رعب عظيم. إن القوة الجليلة دائمًا ما تكون أمبريالية؛ فهي تفرض نفسها علينا ولا نفع يرجي منها[32]. وعلى الرغم أن بيرك لا يصرح بهذا، فإننا يمكن أن نراه في أن الخضوع لخبرة «الهلع والبهجة» تفتح السبيل نحو فهم حداثي لــ «المقدس» وكذلك لجماليات الإفراط. إن دلالات هذا الجمالي على تشكيل الذات العلمانية، سواء كانت الفردية أم القومية، مثيرة للفضول ــ خاصة في ظل ثقافة تعلي مجالات القانون والأخلاق فيها من القياس والحساب.

تساعدنا هذه الإشارات المرجعية إلى الألم الذي يتم احتماله بإرادة حرة في المجتمع الحديث على طرح بعض التساؤلات على المستوى العابر للثقافات.

من المثير في المعايير التي وضعها تعريف السادرمازوخية في النص الـذي اقتبسته أعلاه أنها تأتي متعارضة مع المادة الخامسة من «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» والناصّة على أنه «لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة». ولم تحدد هذه القاعدة بالقول «ما لم تكن الأطراف المعنية أشخاصًا بالغين وراضين». وفي بالطريقة ذاتها، وللسبب نفسه الذي لن يرضى به شخص ما لبيع نفسه كعبد، حتى لو لفترة محدودة. وكذلك حتى لو وجد الطرفان المعنيان علاقة العبودية مثيرة جنسيًا.

ولذلك وللسبب نفسه، تعارض الكنائس المعتنقة للفكر الليبرالي أن يجلد الرهبان بأمر من روؤساء الأديرة على الأخطاء المستحقة للعقاب، حتى لو كان للكفارات خاتمة طقوسية وطبيعة درامية. حتى لو تناول الرهبان نذور الطاعة الرهبانية طواعية. وينبع هذا الموقف من الرفض الحديث للألم الجسدي في العموم ومن المعاناة «العبثية» على وجه الخصوص. ولكن من الأكثر دقة أن نعبر عن هذا بالقول: ليس العداء الحداثي ببساطة هو تجاه الألم، بل هو تجاه الألم الذي لا يتوافق مع تصور محدد لأن نكون بشرًا، «وبالتالي ذلك الألم الممارس في إفراط» والإفراط هو مفهوم قياسي. ويقوم أحد الجوانب المهمة للسلوك الحداثي تجاه الألم في الحساب الذي يحدد الأفعال (الحسابات) الرشيدة. بيد أن هناك جانبًا آخر له علاقة بالسعي الجمالي نحو الإفراط.

ومن نافل القول إني لم أذكر كلمة واحدة ضد السادومازوخية. فأنا لا أدين الممارسات «الجنسية» الخطرة[33]. كما أني لست معنيًا بالاحتفاء بالإمكانات الاجتماعية «الانعتاقية»[34]، ويبدو لي أن مثل هذه المواقف المتضادة تفترض أن «السادومازوخية» لها جوهر وكل منهما يعكس صورة الآخر. بيد أن ما يقيمه ويحكمه ويختبره الخطاب القانوني والأخلاقي باعتباره سادومازوخية ليس مما ينصب عليه تحليلي. وكما هو الحالي في مجال الممارسات الجنسية «غير الطبيعية والخارقة للعادة» بشكل عام، فإن سلطة الدولة، بالطبع، متورطة مباشرة، وبفاعلية، في المساهمة في تعريف ما هي الحالة الطبيعية. ومع ذلك، فإن اهتمامي هنا هو ببنية النقاش العام حول إعلاء قيمة خبرات الألم في ثقافة علمانية تنظر إليه سلبيًا. إن هذا الجدال محتد لأنه من ناحية يعارض الحداثيون الألم الجسدي باعتباره «حاطًا بالكرامة»، في ما يلتزمون من ناحية أخرى بحق كل فرد في السعي وراء لذة جسدية غير محدودة «بخصوصية»، طالما أن هذا يتوافق مع المبدأ القانوني المتعلق بوجود أشخاص بالغين وراضين وأن هذه الممارسة لن تؤدي إلى الوفاة أو الجروح البليغة. ومن أحد السبل التي يحاول بها الحداثيون حل هذا التناقض هو من خلال تعريف الألم في علاقته بمبدأ الاستقلال الفردي، وهو المبدأ الضروري لفكرة الاختيار الحر. ومع ذلك، فإذا كان من غير الممكن توظيف مفهوم «المعاملة القاسية والوحشية والحاطة بالكرامة» بدون الرجوع إلى مبدأ الحرية الفردية، فإن هذا المفهوم يتحول إلى حالة نسبية.

لقد أصبح هذا أكثر وضوحًا في المجال العابر للثقافات. إذ إن الأمر لن يتعلق فقط ببساطة بمحو مظاهر محددة للقسوة بل بفرض خطاب علماني كلي حول «معنـى أن نكون بشرًا»، وتقع في القلب منه أفكاره حول الفردانية والانفكاك من الإيمان العاطفي. ومن ثم، في ما يعمل مبدأ البالغين المتراضين في الوطن في نطاق القانون من خلال استدعاء فكرة الاختيار الحر القائمة على الاستقلال الفردي، فإن وجود البالغين المتراضين بالخارج غالبًا ما سينظر كإشارة على «وعي زائف»، أي التزام متعصب باعتقادات بالية على نحو يستدعي التصحيح القسري لها.

إلا أن الفرد المتشكك، الذي دائمًا ما يتشكك في اعتقاده/ ها كما في اعتقادات الآخرين، يمكن وحده أن يكون متحررًا من سطوة الإيمان المتعصب. وسيدفع التشكك المستمر عدم الاستقرار إلى مستوى آخر: هو مستوى العلماني والذات المستقلة.

(في هذا السياق، من الجدير بالذكر أن الدراسة المسيحية الرفيعة التي قام بها جيرمي شنفيند Jeremy Schneewind حول الفلسفة الأخلاقية الحديثة المبكرة والتي تحمل عنوان اختراع الاستقلالية[35] لا تحتوي فعليًا على ذكر للقسوة، إلا في بعض الفقرات العابرة حول (الماركيز) دو صاد. وفي الكتابات التي ناقشها شنفيند، هناك العديد من الأطروحات حول العقاب الإلهي في نظام من الجزاءات، ذلك المشكل من الخوف من العقاب والأمل في الجزاء باعتبارهما الدوافع نحو طاعة القانون الطبيعي للإله. بهذا المعنى، فإن إلحاق معاناة الألم هي جزء من خطاب شبه قانوني للأخلاق، ويقوم على مماثلة للقانون و«للمسؤولية» باعتبارها جوهر الأخلاق. بالطبع لم يكن دو صاد معنيًا في بناء مثل هذه النظرية للأخلاق، إذ انصب اهتمامه على إزعاج الأعراف المتحضرة من خلال السعي الذي لا يكل عن الرغبة والرفض الكلي لفكرة «المسؤولية». فبالنسبة إليه، كان اختبار اللذة الممزوجة بالألم العنيف تعبير عن طبيعة لا مبالية تكذب المزاعم الدينية حول الحقيقة)[36].

في الفصل المقبل، أقوم باستكشاف أوسع للذات المستقلة تسعى حقوق الإنسان إلى تخليصه. ومن خلال القيام بهذا، أنتقل إلى الحديث عن العلمانية باعتبارها مذهبًا سياسيًا.


[1]       The History of Torture Throughout the Ages. London: T. Werner Laurie, 1940.

[2]       D. M. Rcjali, Torture and Modernity: Self, Society. and State in Modern Iran, Boulder, CO: Westview, 1994.

[3]      وكذلك: Page DuBois, Torture and Truth, New York: Routledge, 1991, pp. 57- 153

[4]       Immanuel Kant, Religion within the Limits of Reason Alone, New York: Harper and Row, 1960.

[5]       A. Autiero, «The Interpretation of Pain: The Point of View of Catholic Theology», in Pain, ed. J. Brihaye, F. Loew, H. W. Pia, Vienna/New York: Springer Verlag, 1987, p. 124.

       هناك مفارقة غريبة ظهرت بشكل عرضي في استدعاء تعبير مجازي عن العنف العسكري («لمواجهتها وهزيمتها») لوصف عمل الشفاء الرحيم. ولكن بالطبع هناك الكثير من مثل هذه المفارقات في التاريخ المسيحي.

[6]      يستنكر بيكاريا «التعذيب الهمجي عديم الفائدة، بالإضافة إلى الإسراف في القسوة غير المبررة، من أجل جرائم إما أن تكون وهمية، أو غير مثبتة»:

        (On Crimes and Punishments, ed. and trans. D. Young, Indianapolis: Hackett, 1986, p. 4, italics added)

ويعلّق فولتير بسخرية مميزة أن «On a dit souvent que Ia question (i.e., torture) etait un moyen de sauver un coupable robuste, et de perdre un innocenr trap faible». (Oeuvres completes de Voltaire, new edition, vol. 26, Paris,1818, p. 314).

[7]       J. H. Langbein, Torture and the Law of Proof: Europe and England in the Ancien Regime, Chicago: University of Chicago Press, 1977.

[8]      انظر:

The two fragments first published as «Bentham on Torture» in Bentham and Legal Theory, ed. M. H. James, Belfast, 1973, p. 45.

[9]      انظر:  M. Foucault, Discipline and Punish, New York: Vintage Books, 1979, p. 232

[10]    وصف لورين داستون Lorraine Daston في:

(Classical Probability in the Enlightenment, rinceton: Princeton University Press, 1988).

       كيف كافح علماء الرياضيات التنويريون على مدى قرنين من أجل إنتاج نموذج يستطيع أن يقدم مقياسًا أخلاقيًا لــ «الرجل العاقل» في ظروف عدم اليقين. وبالرغم من أن نظرية الاحتمالات الحديثة قد انفصلت بالكامل عن هذا المشروع الأخلاقي منذ عام 1840 تقريبًا، إﻻ أن فكرة وجود مقياس استمرت على قوتها في خطاب الرفاهة الليبرالي.

[11]    انظر: «Customary Law under Colonial Rule», in H. F. Morris and J. S. Read, eds., Indirect Rule and the Search for Justice, Oxford: Clarendon Press, 1972, p. 175.

[12]    يصف اللورد ملنر، وكيل وزارة المالية إبان الاحتلال البريطاني لمصر الذي بدأ في عام 1882، مهمة بريطانيا الاستعمارية في هذا البلد كما يلي؛ «هذا إذن، وليس أقل من هذا، كان المقصود به «استعادة النظام». وهو ما يعني إصلاح الإدارة المصرية من الجذور والفروع. غير أنه كان يعني أكثر من ذلك. فما الفائدة التي ترتجى من تعديل النظام، إذا كان سيقوم عليه موظفون من النوع القديم، وتحركه نفس الروح القديم؟ «الرجال ﻻ الإجراءات» هي كلمة السر في أي مكان، ولكن أي بلد أكثر قابلية لتنطبق عليه كلمة السر هذه أكثر من مصر. ولذلك، فإن مهمتنا تتضمن شيئًا أكثر من المبادئ والمناهج الجديدة، فإنها بالأساس تقوم على تطوير رجال جدد. إنها تتضمن تعليم الشعب ليعرف، وبالتبعية، لينتظر حكومة منظمة وصادقة» (England in Egypt, London: Edward Arnold, 1899, p. 23)، هنا يعلن ملنر أن الحكومة تحتاج لخلق رعية (بكل معانيها)، وكذلك حكام تم تعليمها استنادًا إلى معايير جديدة للسلوك الإنساني والعدالة السياسية. وأن هذا قد يتضمن تطبيق بعض القوة والمعاناة. وأنا أؤكد أن وجهة نظري ليست أن القادة الاستعماريين أمثال ملنر افتقدوا الدوافع «الإنسانية»، ولكن أنهم كانوا يسترشدون بمفهوم معين عن «الإنسانية».

[13]      «The Government of Subject Races» Political and Literary Essays, 1908 – 1913, London: Macmillan, 1913, p. 44.

[14]    يتضمن طقس التأرجح بالخطاف احتفالًًا يقوم فيه الكاهن بالتأرجح على عارضة خشبية مبنية لهذا الغرض على عربة، معلق عليها باثنين من الخطافات الفولاذية المغروسة في ظهره. انظر:

  1. D. Kosambe, «Living Prehistory in India» Scientific American, vol. 216, no. 2 1967.

[15]      N. Dirks, «The Policing ofTradition: Colonialism and Anthropology in Southern India», unpublished manuscript. pp. 9 – 10.

[16]    في ما يتعلق بالحظر البريطاني الأشهر لـ «ساتي» Sati (القربان الذاتي الذي تقدمه الأرملة الهندية في جنازة ومحرقة زوجها) عام 1829، ﻻحظت ﻻتا ماني Lata Mani أنه بدلًا من المجادلة حول حظر الساتي كتصرف وحشي وهمجي، كما قد ينتظر المرء من «مجدد» حقيقي، فإن المسؤولين المؤيدين لهذا القرار، بذلوا جهودًا كبيرة لتوضيح أن مثل هذه الخطوة متوافقة تمامًا مع مبدأ الارتقاء بالتقاليد المحلية. تمثلت استراتيجيتهم في الإشارة إلى أن المصداقية الدينية للساتي هي محل شك، وإلى حقيقة أنهم، لسبب أو لآخر، يعتقدون أن هذه الممارسة المعاصرة خالفت المعنى الأصلي لها، وبالتبعية خالفت الدلالة الدينية الحقيقية»

(L. Mani, «The Production of an Official Discourse on Sati in Early Nineteenth Century Bengal», in F. Barker et al., eds., Europe and Its Others, Colchester: University of Essex, 1985, vol. 1, p. 107) .

وهكذا، فقد أجبرت الهندوسية الجديدة على إصدار الحكم بأن ساتي هو فعل وحشي وهمجي.

[17]    في حين أن النظرية الإصلاحية قدمت العقاب للجناة كما لو كان في مصلحتهم، فإن النظرية النفعية نظرت إلى العقاب كما لو كان فعلًا محايدًا فرضته الضرورة الاجتماعية. في رفض نظرية القصاص، سعي الإصلاحيون، في الواقع، إلى إخراج الغضب من العقاب. وكما كان مشروعًا للسجين، فالعقوبة لم تعد، وبكلمات بنتهام، عمل انتقامي غاضب، ولكنها محاسبة، تضبطها اعتبارات؛ الصالح الاجتماعي، واحتياجات الجناة» (M. Ignatieff, A Just Measure of Pain, Penguin Books, 1989, p. 75) وبالرغم من ذلك، فإن هذا التقرير لم يشر إلى أن النزعة الانتقامية يمكن أن تسكن في الغضب المحسوب.

[18]    يوضح جيرولد تننباوم Jerrold Tannenbaum أنه من الصعوبة بمكان تعريف القسوة تجاه الحيوان في القانون. ومع ذلك، فإن يحدد عددًا من المعايير العامة التي غالبًا ما تستخدم لتحديد ما إذا كان إلحاق الأذى الذي تم كان «غير ضروري» أو «غير مبرر» في القضية المطروحة. (1) شدة الألم ومدته، (2) الشرعية المفترضة (من قبل المجتمع ككل) لنوعية النشاطات التي تتضمن الحيوانات، (3) إمكانية تفادي الألم بالنظر إلى النشاط أو الهدف، (4) دوافع المدعى عليه، (5) القيمة المفترضة أو الوضع الأخلاقي (من قبل المجتمع ككل) للحيوان أو الفصيل. (انظر:

Jerrold Tannenbaum, «Animals and the Law: Cruelty, Property, Rights … Or How the Law Makes Up in Common Sense What It May Lack in Metaphysics». Social Research, vol. 62, no. 3, 1995).

[19]    على سبيل المثال، فرنسا في الجزائر، الوﻻيات المتحدة في فيتنام، إسرائيل في غزة والضفة الغربية، بريطانيا في عدن، وقبرص، وأيرلندا الشمالية.

[20]      U.S. Department of State, Country Rports on Human Rights Practices for I993, p. 1204.

[21]    هذا بالتحديد هو ما تجادل به بنتهام عن عقلانية التعذيب بالمقارنة بالعقاب:

«the purpose to which Tourture is applied is such that whenever that purpose is actually attained it may plainly be seen to be attained, and as soon as ever it is seen to be attained it may immediately be made to cease. With punishment it is necessarily otherwise. Of punishment, in order to make sure of applying as much as is necessary you must commonly run a risque of applying considerably more. of Torture there need never be a grain more applied than what is necessary» (Bentham, p. 45).

[22]      Scarry, p. 61.

[23]    وبالرغم من ذلك، ﻻ يجب أن ننسى أن حروب العصور الوسطى كانت لها قواعدها (انظر على سبيل المثال: P. Contamine, War in the Middle Ages, Oxford: Blackwell, 1984) وبمعنى واحد، فإن التنظيم الأخلاقي للسلوك في الحرب، كان أكثر صرامة في العصور الوسطى المبكرة؛ فالقتل والتشويه، حتى في المعركة، كان يعتبران خطيئة تطالب الكنيسة بكفارة لها. (انظر:

  1. H. Russell, The Just War in the Middle Ages, Cambridge, 1975).

[24]      J. Keegan, The Face of Battle, Harmondsworth, UK: Penguin Books, 1978, pp. 329 – 330.

[25]      Daniel Headrick, «The Tools of Imperialism: Technology and the Expansion of European Colonial Empires in the Nineteenth Century», journal of Modern History, vol. 51, 1979, p. 256.

[26]    المفارقة هنا في أن المواطن الحديث هو فرد حر، ومع ذلك فإنه مجبر على التخلي عن أحد الخيارات المهمة التي قد يختارها الإنسان الحر، والتي قد تؤثر على حياته أو مماته. فالدولة الحديثة يمكن أن ترسل مواطنيها إلى الحرب ليلقوا موتًا غير مرغوب فيه، كما يمكن أن تمنعهم من أن ينهوا حياتهم بإرادتهم الخاصة وفي سلام.

[27]      Larry Townsend, The Leatherman’s Handbook II, New York: Carlyle Communications Ltd., 1989, p. 15.

[28]      A. McClintock, «Maid to Order: Commercial Fetishism and Gender Power», Social Text, no. 37, winter 1993, p. 87.

[29]      Claire Armistead, «Piercing Thoughts» Guardian Weekly, July 17, 1994, p. 26

[30]    Cf. McClintock, op. cit., p. 106: S/M هو أكثر الأشكال طقوسية، والذي يتشارك مع المسيحية في الأيقونية المسرحية للعقاب والتكفير: طقوس الغسل، والعبودية، والجلد، وثقب الجسد، والتعذيب الرمزي. لكن لماذا الرمزية فقط؟ في المسيحية التقليدية ﻻ شك أن العقاب، والتكفير والمعاناة كانت حقيقية جدًا.

[31]      Part One, Section XIV.

[32]    كلما كانت القوة مفيدة أو موظفة فقط من أجل مصلحتنا، أو لدواعي سرورنا، فإنها ﻻ تكون أبدًا سامية. حيث إنه ليس هناك شيء من الممكن أن يعمل لصالحنا بانسجام إﻻ إذا تصرف وفقًا لإرادتنا، ولكن لكي يعمل وفقًا لإرادتنا، لا بد أن يكون خاضعًا لنا، وعليه فلا يمكن أن يكون سببًا لمفهوم كبير آمر.

(Part two, Section V).

[33]    انظر على سبيل المثال:

Robin R. Linden, eds. Against Sadomasochism: A Radical Feminist Analysis (East Palo Alto, CA: Frog in the Well, 1982.

[34]    يدعم مقال آن ماكلينتوك بأسلوب رائق النقد الاجتماعي الحاد المعبر عنه بالسادومازوخية، بيد أن الدلالات التحررية لهذه الممارسات قد تراجعت مع ختام المقال: انظر:

Angela Carter, The Sadeian Woman (london: Virago, 1979).

       وعلى الرغم من أن هذه الكتابات تقدم لنا كما هو متوقع حلًّا لعديد من الألغاز السياسية الراديكالية حول القصص المتعلقة بالسادومازوخية، إلا أنها قد تشير أيضًا إلى أن السادومازوخية باعتبارها أسلوبًا للحصول على النشوة الجنسية هي في الحقيقة نتاج لعلاقات مشوهة اجتماعيًا وتعبير عن القمع الجنسي.

[35]      The invention of Autonomy: A history of Early Moral Philosophy (Cambridge University Press, 1998).

[36]    انظر: Octavia Paz, An Erotic Beyond: Sade, Harcourt Brace, 1998