1. وصف الفلسفة والتواصل

يُعدّ كتاب: “الفلسفة والتواصل: قضايا وإشكالات في مبحثي الحقيقة والحرية” للفيلسوف المغربي أحمد بوعود، الصادر سنة 2023 عن مطبعة الحمامة بتطوان، والمنشور من طرف مكتبة سلمى الثقافية، مؤلفاً فلسفياً يقع في 107 صفحة، ويندرج ضمن المحاولات الفكرية المعاصرة التي تسعى إلى مساءلة القضايا الفلسفية الكبرى في ضوء التحولات التي عرفها الفكر الإنساني، خاصة مع بروز سؤال التواصل باعتباره أحد المفاهيم المركزية في الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وعلاقته بمبحثي الحقيقة والحرية.

الكاتبأحمد بوعود
مراجعةعبد الكريم الشريعة

الدكتور أحمد بوعود هو فيلسوف بحق بالنظر لكونه نسج مشروعاً فلسفياً إنسانياً رصيناً، تجلى ذلك في مجمل المؤلفات التي ألفها، والتي بلغ عددها أربعة عشر مؤلفاً؛ مؤلفات يحرص فيها كل الحرص على العناية والدقة العلمية حتى تخرج في أبهى حلتها للقارئ، فعلى سبيل المثال استغرق منه تأليف كتاب الفلسفة والتواصل هذا؛ ثمان سنوات، وقد أشار إلى ذلك في مقدمة الكتاب، وهو ما يعكس عمق الاشتغال الفلسفي، وطول النفس التأليفي، وجدية الرهان الإنساني والمعرفي الذي يؤطر المشروع الفلسفي للرجل.

ينطلق المؤلف من رؤية فلسفية تعتبر أن الفلسفة، منذ نشأتها، ظلت مرتبطة بأسئلة كبرى تتعلق بالمعرفة والسلوك الإنساني، وأن هذه الأسئلة لم تعد اليوم قابلة للفهم خارج أفق العلاقة بالآخر. ولأجل لذلك، يسعى الكتاب إلى إبراز أن التواصل ليس مجرد أداة لغوية أو وسيلة اجتماعية، بل هو بنية فلسفية تتأسس داخلها أسئلة الحقيقة والحرية والقيم الإنسانية.

ويظهر من خلال البناء العام للكتاب أن المؤلف يراهن على تقريب الفلسفة من القارئ، دون التفريط في عمقها المفهومي، إذ يزاوج بين العرض النظري والتحليل المفاهيمي والتوجيه البيداغوجي، مما يجعل العمل موجهاً إلى القارئ العام، كما يجعله مادة معرفية مهمة للمهتمين بالفلسفة خاصة وبالفكر الإنساني عامة.

2. أطروحة كتاب الفلسفة والتواصل

تقوم أطروحة الكتاب على فكرة محورية مفادها أن التواصل يمثل الأفق الذي تتقاطع داخله قضايا الحقيقة والحرية باعتبارهما مجالين أساسيين في التفكير الفلسفي. فالفلسفة، حسب تصور المؤلف، تطرح سؤالين جوهريين لازما مسار التفكير الإنساني، وهما:  كيف نعرف؟ وكيف نتصرف؟ ويكشف هذان السؤالان عن الطبيعة العلائقية للوجود الإنساني، حيث لا يمكن للإنسان أن يبني معرفته أو يحدد أفعاله بمعزل عن الآخرين.

ويرى المؤلف أن الحقيقة لا يمكن أن تُختزل في معطى موضوعي جاهز أو في يقين فردي مغلق، بل هي نتاج عملية تواصلية قائمة على الحوار والتفاعل والتأويل. كما يؤكد أن الحرية لا تتحقق بوصفها استقلالاً مطلقاً للذات، وإنما باعتبارها ممارسة أخلاقية مشروطة بحضور الآخر، وبالاعتراف به كشريك في الفعل والمعنى.

ومن خلال هذا الربط بين الحقيقة والحرية والتواصل، يسعى المؤلف إلى إبراز أن القيم الفلسفية الكبرى لا تتحقق إلا داخل فضاء إنساني قائم على الحوار والعقلانية والاعتراف المتبادل، مما يجعل الفلسفة ممارسة إنسانية تسهم في بناء المعنى وتأسيس العيش المشترك.

3. منهجية الفلسفة والتواصل

يعتمد المؤلف في معالجة موضوعه على منهجية تحليلية تأويلية ذات طابع حجاجي وتربوي في الآن نفسه. وتقوم هذه المنهجية على تحليل المفاهيم الفلسفية المرتبطة بالحقيقة والحرية والتواصل، مع محاولة الكشف عن أبعادها المعرفية والأخلاقية والتربوية.

كما يستند الكتاب إلى عرض نصوص فلسفية مختارة، يُوظفها المؤلف كآلية لفتح أفق النقاش والتفكير النقدي، وهو ما يمنح العمل طابعاً حوارياً ينسجم مع أطروحته المركزية حول التواصل. ويظهر البعد البيداغوجي في الكتاب من خلال حرص المؤلف على تبسيط المفاهيم وتوضيح المصطلحات الفلسفية، محددا الشروط الإجرائية للمتواصل التربوي في إيصال الحقيقة بعيدا عن الدوغمائية والاختزالية والأحادية.

وتكشف هذه المنهجية عن وعي المؤلف بأهمية الجمع بين البعد العلمي للمعرفة والبعد التواصلي للفلسفة، حيث يسعى إلى تقديم خطاب فلسفي قادر على مخاطبة القارئ وإشراكه في عملية التفكير المقترن بخاصية الشك النقد والتساؤل، بدل الاقتصار على العرض النظري المجرد  في بناء الحقيقة.

4. ملخص الكتاب

يفتتح المؤلف كتابه بمقدمة تمثل تأطيراً نظرياً عام للكتاب، حيث يحلينا في بدايتها إلى الغاية من نشأة الفلسفة ومميزاتها عن التفكير الأسطوري،  محددا الأسئلة التي طرحتها الفلسفة واهتم المفكرون بمعالجتها، من بينها حدد المؤلف سؤالان أطر ما جاء في متن الكتاب، هما: كيف نعرف؟ وكيف نتصرف؟

  • السؤال الأول:  يرتبط بمجال المعرفة، وفيه يكون الإنسان أمام معرفة صادرة عن غير، مطلوب منه أن يستوعبها يفهمها ويتعامل معها.
  • السؤال الثاني: يرتبط بمجال الأخلاق، حيث يجد الإنسان نفسه مصدرا لفعل يتعداه إلى الآخرين.

كلا السؤالين:

“يفتحان الباب لخروج الإنسان من فرديته إلى أفق نسج خيوط العلاقة والتواصل مع غيره…في الحالتين نجد أنفسنا أمام ما يسمى في الفكر المعاصر بالتواصل”[1].

يلي المقدمة مدخل تعريفي بمجال الدراسة الذي هو بطبيعة الحال مجال الفلسفة، من أجل بيان المقاربة التي يقارب بها المؤلف التواصل؛ وهي مقاربة فلسفية. موضحاً في هذا المدخل بداية التحول الذهني الذي أحدثته الفلسفة إبّان ظهورها في بلاد اليونان، مستعينا بما أنجزه”المفكر والمؤرخ الفرنسي جان بيير فرنان (1914-2007) الذي اهتم بدراسة الفكر والأساطير اليونانية القديمة ” حول ميلاد الفلسفة. إضافة إلى ذلك استعان بالألماني: (إمانويل كانط) في تحديده للغاية من الفلسفة؛ من حيث كونها:”العلم بالغايات الأخيرة للعقل الإنساني”[2]. ثم يحدد مجالات الفلسفة الكبرى (الإبستيمولوجيا والمنطق والفلسفة التحليلية – الميتافيزيقا – الأخلاق: الفلسفة الأخلاقية، الفلسفة العملية) والتي كلها ترتبط بقضية الحرية وسؤال التواصل، مختتماً المدخل بخصائص التفكير الفلسفي، والتي أجملها في أربعة خصائص: 1- النقد 2- العقلانية 3- النسقية 4- الانفتاح والتسامح.

ينتقل المؤلف بعد ذلك في كتابه إلى الباب الأول الذي يعالج فيه موضوع الحقيقة وسؤال التواصل، حيث يناقش المؤلف طبيعة المعرفة الفلسفية، مبرزاً أن الحقيقة لا تنفصل عن شروط إنتاجها وتداولها داخل الفضاء الحواري. إذ يفتتح هذا الباب بنص للألماني (مارتن هايدجر) حول ماهية الحقيقة؟. والغرض منه بيان التساؤلات التي يثيرها مفهوم الحقيقة، فهذه الأخيرة يختلف الناس في تحدديها، وتتعدد معاييرها. كما أن حديثه عن الحقيقة استدعى منه الحديث عن الدوغمائية التي في نظره تنصّب نفسها خصما للنقدية كما تصورها (إيمانويل كانط)، وعن النسبية التي يقاربها من عدة مستويات، فعلى المستوى المعرفي مثلاً، تعني عند المؤلف: “نظرية تنص على أن معايير الحكم نسبية، وتختلف باختلاف الأفراد وبيئتيهم، كما تعني نسبية المعرفة”[3]، وعن النفعية التي تربط الحقائق بالمصلحة والمنفعة.

يثير المؤلف وهو يتطرق لمسألة المعرفة عدة قضايا مهمة ومتشابكة في ما بينها تمثل مسارات ناظمة يتوجب الوعي بها في تحديد الحقيقة وفي بناء المعرفة، إذ في نظره لا وجود لفهم بدون فروض وأحكام مسبقة كما عبر عن ذلك (جورج هانز غادامير)، وهو ما يسميه المؤلف بالمنظورية، والحقيقة يمكن أن تفسر باعتماد مبدأ واحد أو مبدأين، لكنه يركز على الحقيقة في بعدها التعددي، الذي يقضي وجود زوايا نظر مختلفة تغني المعرفة، معيدا في المنحى ذاته طرح النقاش بين الاسميين والواقعيين حول كيفية بناء المعرفة، موضحاً ما طرحه بأمثلة من الإتجاه البنائي والسوسيوبنائي في كيفية بناء التعلمات لدى المتعلم.   أما الديالكتيك عنده يمكن اختزاله على أنه تقنية معرفية، سواء تعلق الأمر بالديالكتيك عند أفلاطون أو عند هيجل رغم ما يمكن أن يكون من تمايز بينهما.

في كتبه هذا يخصص المؤلف قسماً للتواصل التربوي، يوضح فيه دور الفلسفة في ترسيخ ثقافة الحوار داخل المجال التعليمي؛ تواصل تربوي يبنى بين ثلاثة أطراف متناغمة ومنسجمة: (المعلم، المتعلم، المتعلم)، مبيناً أهمية اللغة في نقل الحقيقة، ومؤكداً على الاستثمار الأمثل لها، لأن أي استعمال خاطئ للغة يمكن أن يؤدي إلى حجب الحقيقة، ناهيك عن الأحكام المسبقة، والتعميم الفاسد الذي من شأنه أن يضر بعملية التواصل وبالتالي يضر بالحقيقة.

 في الباب الأخير الموسوم بالحرية وسؤال التواصل يفتتحه المؤلف بنص حول الفلسفة الشخصانية للفيلسوف المغربي (محمد عزيز الحبابي) بغرض عرض التساؤلات التي يثيرها مبحث الحرية خاصة عندما ترتبط الحرية بمجال التصرف، حيث يقارن المؤلف في هذا الموضوع بين الماهوية والوجودية، فالأولى تؤكد على وجود “ماهية خاصة بكل كيان أو كائن أو شيء”[4]، بمعنى أن الماهوية تفترض أن جوهر الكيان يسبق وجوده، أما الثانية؛ أي الوجودية تعتبر أن الوجود يسبق الماهية. وكما يستحضر المقاربة العدمية في تناوله للحرية، حيث تشكك في الحقائق لحد النفي. أما الأخلاقية والمآلاتية، فيأتي بهما من أجل أن يبين من خلال الأولى أنها معايير للحكم في مجال المعرفة، والثانية تنظر إلى ما يترتب عن الأفعال من منافع أو أضرار، منبها إلى ما يمكن أن تقود إليه الحرية عندما ترتبط بالمنفعة والمتعة، حيث تختزل مجموع الأفعال الإنسانية في البحث عن السعادة.

في خاتمة كل باب من أبواب هذا الكتاب يدرج المؤلف نصوص للمناقشة والتوسع، تهدف إلى الدفع بالقارئ على التفكير النقدي والدخول في حوار فلسفي في القضايا والإشكالات التي تثيرها هذه النصوص في ارتباطها بموضوع الكتاب الأساس، قلّما نصادف مثل هذه النماذج من التأليف وبناء التصور العام للكتاب، وهذا يجسّد عملياً الرهان الذي يدافع عنه الكتاب، والمتمثل في جعل الحقيقة ثمرة للنقاش والتفاعل والتواصل، لا نتيجة لامتلاك فردي أو يقين مغلق.

5. خاتمة

يعيد كتاب الفلسفة والتواصل الاعتبار للفلسفة باعتبارها ممارسة تواصلية تسهم في بناء المعرفة وترسيخ القيم الأخلاقية والإنسانية. ومن خلال ربطه بين مبحثي الحقيقة والحرية، يبرز المؤلف أن الفلسفة ليست مجرد تأمل نظري، بل هي نشاط إنساني يهدف إلى تعزيز قيم التواصل والحوار والنقاش والفهم في بناء المعرفة.

ويكتسب الكتاب أهميته من قدرته على الجمع بين البعد الفلسفي والبعد البيداغوجي، مما يجعله إضافة نوعية إلى الفكر الفلسفي المعاصر، خاصة في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى ترسيخ قيم التواصل والاعتراف المتبادل داخل المجتمعات الإنسانية، كما يفتح العمل أفق التفكير في الفلسفة باعتبارها مجالاً لتكوين الإنسان القادر على الحوار والنقد والمشاركة في بناء المعنى المشترك حول الذات والعالم.


[1]– أحمد بوعود، الفلسفة والتواصل قضايا وإشكالات في مبحثي الحقيقة والحرية، مطبعة الحمامة – تطوان، الناشر: مكتبة سلمى الثقافية، الطبعة الأولى:2023، ص:4

[2]– المرجع نفسه، ص:9

[3]– المرجع نفسه، ص:21.

[4]– المرجع نفسه، ص:64.


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك