الفارابي والتقليد المنطقي / ترجمة: نورالدين علوش المغرب

الفارابي والتقليد المنطقي / ترجمة: نورالدين علوش المغرب


مقدمة: مع الاعتراف بأهمية الفارابي في تاريخ الفلسفة الإسلامية, إلا أن مكانته الاعتبارية بدأت تحظى بتقدير مؤخرا  مع توالي الدراسات والتحقيقات لكتبه .كرس حياته للمنطق أكثر من أي مبحث فلسفي أخر أو علمي؛ وعن جدارة استحق أن يكون أول منطقي في تاريخ الفلسفة العربية.بدأت أعماله المنطقية الموجودة تلفت انتباه الباحثين, للأسف اهتمام الباحثين ينصب كثيرا على كتبه السياسية والدينية مقابل اهتمام ضعيف بكتبه المنطقية.

في هذه الورقة سأحاول تقديم ربما نقاش فريد للفارابي في موضوع تاريخ الدراسات المنطقية, هذا النقاش له أهمية خاصة لأنه  يسلط الضوء على كيف رأى الفارابي استمرارية التقليد المنطقي, بدئا من أثينا أرسطو إلى بغداد أيام زمانه.النص الذي سأهتم به هو من أوائل النصوص التي طبعت بالعربية. في دراسته البيبليوغرافية الصادرة عام 1869  طبع المستشرق النمساوي موريتس اشتينشنيدر  النص , لمقتطفين أساسيين لكتابا الفارابي  المنطقية التي استقاها من كتاب ابن أبي اصيبعة , أولى المقتطفات هي قسم من  إحصاء العلوم :المعروف في العصر الوسيط اللاتيني  بالعلوم.  حيث طبع لأول مرة في فيبنا عام 1546 ,والطبعة الأخيرة ظهرت مع الأستاذ الو نسو.

لكن سأهتم بالجزء الثاني من تلك المقتطفات. نصنا الذي سأبدأ به هو مقتطف من رسالة الفارابي حول ظهور الفلسفة وهو الجز الوحيد المتبقي إلى حدود علمنا .

ترجم الجزء الأول من هذا النص إلى الألمانية ,من طرف مايرهوف  في دراسته اللطيفة حول انتقال الفلسفة اليونانية والعلم من الإسكندرية إلى بغداد.مع ذلك هذا النقاش إلى حد ما متداخل مع مايرهوف ,فاهتمامنا مختلف عن مشكلة مايرهوف كيف وصلت الفلسفة اليونانية إلى العرب.

عوض ذلك فهدفنا هو تمحيص لنقاش الفارابي, بغية الحصول على المعلومات المتعلقة بتاريخ الدراسات المنطقية داخل الإسلام نفسه. سيقدم القسمين من هذه الورقة  ترجمة لنقاش الفارابي,  متبوعة بدراسة حول المواد الأساسية التي تتيحها لمؤرخ منطقي.

مقتطف من رسالة الفارابي حول ظهور الفلسفة

قال الفارابي في بداية رسالته “ظهور الفلسفة”: إن أمر الفلسفة اشتهر في أيام ملوك اليونانيين وبعد وفاة أرسطو في الإسكندرية إلى أخر أيام المرأة ( كليوباترا).

  و اشتهرت الفلسفة في اليونان بعد وفاة أرسطو طاليس.. وقد بقي التعليم على حاله آنذاك في اليونان إلى ملك ثلاثة عشر ملكا، وتوالى في مدة ملكهم من معلمي الفلسفة اثنا عشر معلما، أحدهم المعروف “بأندرونيقوس”… وكان آخر هؤلاء الملوك امرأة… فغلبها أغسطس الروماني وقتلها واستحوذ على الملك…
ثم فتش في خزائن الكتب، فوجد فيها نسخا لكتب أرسطو طاليس نسخت في أيامه وأيام تاوفرسطس.. ووجد الفلاسفة قد ألفوا كتبا في نفس الاتجاه الذي سار فيه أرسطو فأمر أن تنسخ تلك الكتب التي كانت نسخت في أيام أرسطو وتلاميذه… وأن يكون التعليم منها، وكلف أندرونيقوس بالإشراف على ذلك… كما أمره أن يحمل معه نسخا إلى روما ونسخا يبقيها بالإسكندرية… ثم أشار عليه أن يستخلف أستاذا يقوم مقامه بالإسكندرية ويذهب هو إلى روما مع أغسطس…
فصار التعليم إذا في موضعين: روما… والإسكندرية. إلى أن جاءت النصرانية… فبطل التعليم في روما وبقي بالإسكندرية – هذا وبعد ذلك اجتمعت الأساقفة وتشاوروا فيما يترك من هذا التعليم وما يبطل… فقرروا دراسة كتب المنطق إلى آخر الأشكال الوجودية… وبحذف ما بعده لأنهم رأوا في ذلك ضررا بالنصرانية… وأن فيما أطلقوا تعليمه ما يستعان به على نصرة دينهم– فبقي الظاهر من التعليم هذا المقدار، والباقي مستورا، إلى أن كان الإسلام بعده بمدة طويلة فانتقل التعليم من الإسكندرية إلى أنطاكية… وبقي بها زمنا طويلا إلى أن بقي أستاذ واحد – فتعلم منه رجلان وخرجا ومعهما الكتب فكان أحدهما من أهل “حران والآخر من أهل “مرو”..
فأما الذي من “حران” فتعلم منه إسرائيل الأسقف… وقويري.
وأما الذي من أهل “مرو” فتعلم منه رجلان أحدهما إبراهيم المروزي والآخر يوحنا ابن حيلان.. ثم ساروا إلى بغداد فتشاغل إبراهيم بالدين وأخذ قويري في التعليم. أما يوحنا بن حيلان فإنه اشتغل أيضا بدينه.. كما تدارس إبراهيم المروزي مع متى  ابن يونان. وكانت الدراسة في ذلك الوقت إلى آخر الأشكال الوجودية..
وقد تعلم الفارابي من يوحنا بن حيلان إلى آخر كتاب البرهان…
وكان يسمى ما بعد الأشكال الوجودية الجزء الذي لا يقرأ… إلى أن صار الأمر إلى المربين المسلمين فقرئ من الأشكال الوجودية إلى حيث قدر للإنسان أن يقرأ. وقد قرأ الفارابي إلى آخر كتاب البرهان. هذا ودرس الفارابي علم المن

تقريرفارابي بشأن تاريخ المنطق

يقسم الفارابي التطور التاريخي للدراسات المنطقية إلى خمس مراحل :

  • المرحلة اليونانية المبكرة( أرسطو وخلفه).

  • مرحلة المدرسة الإسكندرية قبل تعرضها للاضطهاد من قبل أغسطس.

3-المرحلة الرومانية إلى غاية ظهور النصرانية.

4-المرحلة المسيحية إلى غاية ظهور الإسلام.

5-المرحلة الإسلامية.

المعلومات التي يقدمها الفارابي بشان المرحلة الأولى والثالثة, يغلب عليها طابع الأسطورة , لا يسع المرء إلا أن يتساءل عن مصادره حول ما قام به أغسطس من نقل الدراسات الفلسفية من الإسكندرية إلى روما تحت إشراف اندرونيقوس .

من جهة أخرى هناك سبب الاعتقاد في صحة ما اخبر به عن المرحلة الرابعة والخامسة.  بالإضافة إلى ما يقدمه لنا مايرهوف من أدلة في دراسته.

ونحن نعرف أيضا من الدراسات المهمة لجوتهلف برجشتريسر كيف أن المدرسة المنطقية العربية كانت مرتبطة بالمدرسة  الفلسفية والطبية الهيلينية للاسكندرسة, وكيف بقيت تعاليم مدرسة إسكندرية حية في الوسط السرياني حيث تربى ونشأ أساتذة الفارابي.هناك اهتمام خاص يدفعنا إلى دراسة الفارابي الشخصية المنطقية المسلمة وخاصة أساتذته.نحن قادرون على دعم استشهادا ته من مصادر أخرى,مع النتيجة التالية فيما يتعلق بجينيالوجيا العلاقة بين الأستاذ والطالب.كل أساتذة الفارابي معروفون ولدينا معلومات عنهم.لدينا ثقة في أصول منطقية فلسفية لمدرسة بغداد التي أدانها بشدة ابن سينا في وقت ولاحق.

المظهر الأبرز في دراسة الفارابي ,كيف انتقل المنطق إلى الإسلام هو سكوته التام عن دور حنين ابن إسحاق وأصدقائه في نقل المنطق والترجمة.

أظن إن الأمر يمكن شرحه بمصطلحات أناني متمركزة حول أساتذته السابقين من اجل حصول على السلطة العلمية في الإسلام الوسيط.

بل أكثر الفارابي لا يؤمن بمنطق الكتب والوثائق, بل بالتقليد الشفوي لاختصاص المنطق .انطلاقا من هذه الملاحظة ,أن المنطق هو تقليد شفوي يعتمد على الأستاذ والتلميذ ؛ويعتبر نفسه امتداد للمناطقة الذين تعلم على أيديهم وتحت إشرافهم.من الممكن أن يجيب الفارابي على سؤال كيف انتقل المنطق اليوناني إلى العرب؟بطريقة صحيحة بل فهمه كما يجب.

بلا شك أن الجانب المهم في دراسة الفارابي, هو إلقائه الضوء على دراسة منطق الفارابي عند المناطقة المسيحيين؛ خاصة عند النساطرة الذين نقلوا المنطق اليوناني من الإسكندرية إلى بغداد في القرن التاسع .

منذ فترة طويلة تم الاعتراف, بان طلبة المنطق المسيحيين في مناطق السريان والعرب الأوائل يتوقفون عند الكتب الثمانية للمنطق أرسطو( ايساغوجي فورفوريوس المقولات ,العبارة ,التحليلات الأولى ,التحليلات الثانية, الجدل, السفسطائية, الخطابة ) عند وسط التحليلات الأولى بعد القسم السابع للكتاب الأول. نتيجة لهذا العداء ضد أجزاء أخرى للارغانون  ’ عانت بقية  الأجزاء  من تأخر كبير في نقلها.

هكذا مع ذلك, فالترجمة السريانية لأصول المنطق بدأت مند 600 م د. التحليلات الأولى, أما التحليلات الثانية فلم تترجم إلا سنة 850 ( حنين ابن إسحاق).

مع ذلك لم تبدأ الترجمة العربية للاورغانون إلا حوالي 820 .مع التحليلات الأولى ,أما الثانية فلم تترجم إلا حولي 900 من طرف متى بن بشر.

هذه الوقائع كانت معروفة لكن أصبحت أكثر وضوحا مع المعلومات التي قدمها الفارابي, يبدو أن المسيحيين الشرقيين خاصة النساطرة رفضوا ابستيمولوجية  التحليلات الثانية .

حيث هنا, قدم أرسطو مفهوم  طبيعة المعرفة العلمية ؛مستندا في البناء على مصطلحات استدلالية استنتاجية  عن مقدمات ضرورية.

فهذا الرأي لا يترك مجالا للوحي أو أي مصدر ديني  أخر داخل المعرفة العلمية .التي هي الطريقة الوحيدة العلمية وفقا لأرسطو. هذا يؤدي إلى أن الرفض أللاهوتي للمنطق الأرسطي له مبرر ابستيمولوجي في  التحليلات الثانية؛ لان البناء الاستنتاجي للحقائق  قائم على مقدمات ضرورية ؛مما اثر على تقدم الدراسات المنطقية .وهذا ما أدى بالفلاسفة المسيحيين في الإسكندرية ومن تبعهم من السريان الى الابتعاد عن  كتاب التحليلات الثانية  .

 كتب أخرى  تم التخلي عنها الجزء الكامل من التحليلات الأولى( بعد القسم السابع الكتاب الأول) المكرس  لتطوير آليات الطرق القياس وخاصة نظرية الاستدلال ألبرهاني.

تقرير الفارابي يلقي الضوء على حالة معرفية قليلة ,ومهمة لتأثير الاعتبارات اللاهوتية على تاريخ الدراسات المنطقية  ومن ثم تاريخ المنطق نفسه .


Nicholas rescher.  journal of the history of ideas vol 24 n 1  jan mar 1963

error: