الصداقة عند جيل دولوز: كيف تكون الصداقة مفتاحا لتفتح الحياة أمامنا؟ – علاء عمر النجار


مقدمة: الصداقة عند جيل دولوز

يطمح هذه المقال القصير إلى تقديم عناصر مكثفة وموجزة، من تصور فيلسوف الاختلاف الفرنسي الشهير جيل دولوزGilles Deleuze (1995-1925) للصداقة، استنادا لنص الحوار الذي أجرته معه تلميذته الأمريكية وصديقته كلير بارنيت على مدى 8 ساعات، خلال عامي 1988و1989، ووافق دولوز على تسجيله، شرط عرضه بعد رحيله[1].

هذا الحوار، كما هو معلوم، اتبع حروف الأبجدية في تقصي موضوعاته، تحدث من خلالها دولوز عن مختلف القضايا، واختار لحرف F موضوعة الصداقة، في مكان الحديث عن الوفاء Fedelite. ولأن حديث الصداقة عند جيل دولوز كان جوابا على أسئلة محاورته، وبالاعتماد فقط على الذاكرة وما يجود به الخاطر، بما يتخلل ذلك من استطرادات وتقطعات الكلام؛ فقد عملنا على عرض كلامه في نقط محددة، حرصنا على كونها متسلسلة منطقيا وتشكل خيطا واحدا يرسم معالم قول متفرد في الصداقة. مع الإشارة في الهامش إلى بعض ما بدا لنا مهما قوله في علاقته بالفكرة التي يشرحها الفيلسوف.

 

الصداقة عند جيل دولوز لغز ينتمي لمجال الحدس

 الصداقة عند جيل دولوز هي أولا مسألة إدراك [حسي] Affaire de Perception. ماذا يعني هذا؟ يعني أن يكون للصديقين لغة مشتركة أو ما قبل- لغة مشتركة[2]. إنها شيء ينتمي لمجال الحدس. الصداقة بهذا المعنى لغز، لأنها تنتج عن أساس غير محدد قبليا.

والحقيقة أن هذا تحديد غريب، لأن الصداقة تتقدم هنا كاختلاف لا كماهية أخلاقية محددة قبلا. وفعلا، فالرجل بهذا التعريف يقطع الطريق أمام الخطابات الكلاسيكية عن الصداقة التي تكرر كليشيهات أخلاقية عنها، من قبيل أنها فضيلة –كما نجد لدى أرسطو- يتحقق بها كمال الفرد داخل المجتمع؛ وبالتالي لا نكون أمام قيمة معيارية، بقدر ما نكون أمام شيء غامض وملغز لا يمكن فهمه خارج كيفية إدراك معينة.

لكن ما الذي نفيده من كون الصداقة لغزا؟ وكيف يمكن فك خيوط هذا اللغز؟

الفرضية التي يصدر عنها دولوز لفك خيوط هذا اللغز، تتقدم بموجبها الصداقة كنمط من الإدراك Perception لسحر خاص يتجلى في إيماءات وعبارات شخص ما، قبل حتى أن يكون لها معنى. هذه الإشارات ترسم مجالا وسطا يجعل الصداقة ممكنة. الصداقة بهذا المعنى تولد عن تلاقيات حسنة[3].

وإذا كانت الصداقة تتولد عن تلاقيات حسنة تتمثل في تلقي علامات يصدرها شخص ما، تتولد عنها مساحة مشتركة خاصة بالطرفين، فإنها طراز خاص من الفكاهة، يقول دولوز[4]. هكذا تصير الصداقة – على سبيل المثال- هي أن يقضي المرء ساعات مع شخص دون أن يقول كلمة.. ومع ذلك هناك تيار موصل بين الشخصين مدرك حدسيا ومعاش وجوديا، هو الذي يجعل، بشكل بعدي، هذا الذي يُرى كعلاقة تعوزها الكلمات، يبدو فكاهيا. شرط فهم الفكاهة هنا بالمعنى الأصيل Irony؛ أي كمفارقة بين قوة العلاقة وندرة التعبير عنها كلاميا.

 

الصداقة والفلسفة

لكن ما تقدم لا يحل  لغز الصداقة هذا، فهناك جانب آخر يتطرق له دولوز، وهو كون الصداقة وثيقة الصلة بالفلسفة، تاريخيا وإيتيقيا. فمن هو الفيلسوف؟ يجيب دولوز “إن الفيلسوف هو ذاك الذي يقدم نفسه بوصفه صديقا للحكمة وليس مالكا لها”[5]. إن صداقة الحكمة هذه اختراع اغريقي أساسا، يكشف عن فكرة التنافسية بين الرجال الأحرار في كل المجالات. من فكرة الندية والتنافس تنشأ الصداقة كما فهمها الإغريق. حسب دولوز، يرتبط سؤال الفلسفة بلغز الصداقة بشكل صميم ومثير للاهتمام. والعلة في ذلك أن الفلسفة هي أساسا صداقة، وذلك على جهتين: من جهة المسافة التي تسمح بتحقق الرغبة بينها وبين الحكمة، ومن جهة ظاهرة المنافسين الذين يشتركون في طلب الحكمة. بعبارة اخرى: لم يمارس الإغريق التفلسف إلا لأنهم عرفوا ظاهرة الصداقة.

يمثل دولوز لكل هذا بنموذج عملي هو علاقته بصديقه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكوMichel Foucault  ((1926-1984. يقول: “كان فوكو شخصا ملغزا جدا بالنسبة لي”[6]، ثم يشرع في محاولة شرح كيف كان يدركه. في هذه النقطة، يتبين لنا بوضوح وبشكل عملي، الصداقة عند جيل دولوز وكيف يفهمها: إنها كيفية إدراك Perception لشخص ما، بما يعنيه الإدراك من فك لشفرة العلامات التي تصدره عنه، كما سبق أن تقدم. هذا ما يجعل دولوز يتابع كلامه عن فوكو قائلا:

” لم تكن ثمة حاجة للكلام معه.. كنا نتحدث فقط عن أشياء تجعلنا نضحك.. امتلاك صديق هو تقريبا قول، أو بالأحرى عدم قول، ما يجعلنا نضحك في كل هذه الكوارث”[7].

هنا يتبين أن الصداقة مصدر عزاء، والصديق هو الشاهد في عالم لا شاهد فيه، على تجربة وجود عابرة. 

الصـداقة تجربة وجودية

ينهي دولوز حديثه بنقطة مثيرة، يعود فيها إلى عنصر السحر الذي فسر به الصداقة، فيقول أن سحر الناس يتبدى من خلال جنونهم، ويقصد به ذلك الجانب غير المتوازن الذي لا يعرف الناس أين يتجه. في حقيقة الأمر، “إنك اذا لم تلتقط الجذر الصغير أو البذرة الصغيرة للجنون في شخص ما، فلن تستطيع أن تحبه”[8]. هكذا لا يمكن للصداقة أن تفهم إلا على أنها خروج عن املاءات القول الأخلاقوي -ضدا على بداهات الحس المشترك- ، وتحقيق لفضاء محايث خاص تحركه كيفيات دقيقة في الإدراك. إن الصداقة مفهومة على هذا النحو، كما يعلمنا دولوز، هي تجربة وجودية وكيفية إدراك لا تقال ولا تقاس، بل تعاش وتحدس.

هذا أهم ما قاله دولوز في حواره عن الصداقة..لنقم الآن بجمع ما قاله: الصداقة مسألة إدراك حسي Affaire de Perception. ليست إذن مقولة أخلاقية، بل تجربة حية متدفقة في إدراكاتنا للأغيار كعوالم ممكنة تشاركنا تجربة الوجود. من الذي يستحق أن يكون صديقا بهذا المعنى؟ هو من يتموقع ضمن نفس الإدراك الحسي الذي تصدر عنه، لكن هذا لا يعني الاتفاق النظري، بل تجربة نتحقق فيها من امتلاك حدس مشترك بالعالم يجعلنا لا نحتاج التعبير شفاهة عنها..إنها تمرين على التفرد، يحافظ فيه كل واحد على تفرده، من خلال إدراك الآخر له كما هو. إنها مسألة إدراك لعناصر متفرد في الشخص. هذا هو ما يعنيه أن يكون المرء صديقا.

لقد عمل دولوز إذن، بكلمات قليلة، على محاولة ترصد الصداقة كما تعاش ..فانتهى – كما نفهم من حديثه- إلى أن أصالتها في كونها تجربة اختلاف وتعدد بدون سعي لرد ذلك الاختلاف لوحدات نظرية يتم بها تفسير هذا اللقاء بين الأصدقاء. إن الصداقة إذن تجربة نجرب فيها أن نحيا تفردنا ونزكي بها قدرتنا على الانفعال والفعل، خارج التصنيفات الأخلاقية التي تسمم الحياة أحيانا كثيرة..إنها بهذا المعنى شيء أقرب للمعجزة، لكنها تظل ممكنة التحقق ما دام الأمر مرتبطا بإدراك حسي للآخرين.. بعبارة اخرى، الصداقة تشترط التصالح مع الحياة، والانفتاح عليها في تعددها الباذخ.. إنها شكل خاص من فن الإنصات، الذي سبق وأن تحدث عن دولوز باعتباره شرط تلقي العلامات الصادرة عن الأشياء..وما الصداقة في النهاية سوى نمط إدراك خاص لهذه العلامات.

 

 


الهوامش (الصداقة عند جيل دولوز):

[1]– كلير بارنيت-جيل دولوز، “ألف باء دولوز”، ترجمة: أحمد حسان، 2018، ص:7 كما يمكن العودة لهذا الرابط لمشاهدة اللقاء باللغة الفرنسية: 

[2]– المصدر نفسه، ص: 64.

يبدو دولوز هنا سبينوزيا حتى النخاع (وهذا ما ذكره في اللقاء بنفسه) أنظر بصدد هذه النقطة كتابه عن سبينوزا: “سبينوزا فلسفة عملية”.

[3]– الفصل الثالث’رسائل حول مسألة الشر’ والفصل الرابع، مفهوم ’الحسن والقبيح’ ص67 وما بعدها، ترجمة عادل حدجامي، 2015.

[4]– حوار كلير بارنت وجيل دولوز، ص 65

[5]– نفسه، ص 65 .

 قد سبق لفرانسوا ليوتار أن انتبه بدوره لهذا الربط بين الرغبة والفلسفة كطلب للحكمة. أنظر مؤلفه: “لماذا نتفلسف”؟ المحاضرة 1’لماذا نرغب’؟ ترجمة يوسف السهيلي، 2017.

[6]– نفسه، ص: 68

[7]– نفسه.

[8]– نفسه.