لم يكن الحجر الصحي إجراءً وُلد مع جائحة كورونا، ولم تكن شهادات الخلو من المرض، أو الرقابة على المسافرين، أو عزل القادمين من المناطق الموبوءة أفكارًا حديثة كما قد يبدو لنا اليوم. فمنذ أكثر من قرن، كانت مدن بلاد الشام وموانئ البحر الأحمر وطرق الحج تعرف أشكالًا مبكرة من التنظيم الصحي؛ تُفحص السفن، ويُعزل القادمون، وتُطهَّر الثياب والأمتعة، ولا يُسمح للمسافر بمتابعة طريقه قبل الاطمئنان إلى سلامته.

لكن الحجر الصحي لم يكن مسألة طبية فحسب. فمنذ بداياته الحديثة، ارتبط بأسئلة تتجاوز المرض ذاته: من يملك حق الحركة؟ ومن يملك سلطة إيقافها؟ ومن يتحمل كلفة العزل؟ وهل كانت الإجراءات الصحية تُتخذ دائمًا لحماية الإنسان، أم أنها كانت، في بعض الأحيان، وسيلة لتنظيم البشر ومراقبتهم وحماية المصالح الاقتصادية والسياسية؟

تكشف العودة إلى تاريخ الأوبئة في بلاد الشام والدولة العثمانية أن هذه الأسئلة ليست جديدة. فالحجر الصحي كان منذ القرن التاسع عشر نقطة التقاء بين الخوف والمعرفة والسلطة، وبين الحاجة إلى حماية المجتمع والرغبة في السيطرة على حركة الأفراد والبضائع عبر الحدود.

الكاتبسلام الزعبي

1. عندما أصبحت الحركة طريقًا للوباء

في القرن التاسع عشر، كانت الطرق التي تحمل التجارة والحجاج والجنود هي نفسها التي حملت الأمراض. لم تكن الكوليرا تعرف الحدود السياسية، وكان وصول سفينة موبوءة إلى ميناء واحد قادرًا على نقل العدوى إلى مناطق بعيدة خلال فترة قصيرة.

ومع انتشار السفن البخارية وافتتاح قناة السويس سنة 1869، تقلص زمن الرحلات واتسعت حركة السفر والتجارة. غير أن هذا التقدم حمل معه مفارقة جديدة: أصبح الإنسان قادرًا على الوصول إلى وجهته قبل أن تظهر عليه أعراض المرض.

وهكذا لم تعد سرعة الاتصال بين المناطق مسألة اقتصادية أو تجارية فقط، بل أصبحت قضية صحية أيضًا. فكلما تقلصت المسافات، أصبح انتشار الوباء أسرع وأصعب احتواءً.

ومن هنا بدأت السلطات تنظر إلى حركة البشر بعين مختلفة. فالمسافر لم يعد مجرد تاجر أو حاج أو جندي يعبر الحدود، بل أصبح احتمالًا وبائيًا يجب فحصه ومراقبته.

2. الحج والكوليرا: حين تحولت الشعيرة إلى قضية دولية

كانت مواسم الحج من أكثر الأحداث التي استرعت انتباه السلطات الصحية في القرن التاسع عشر. ففي مكان واحد يجتمع القادمون من مناطق متعددة، ثم يعودون إلى بلدانهم عبر البحر والبر، حاملين معهم ما اكتسبوه خلال الرحلة.

وقد مثّل وباء الكوليرا الذي ظهر في موسم حج عام 1865 حدثًا فارقًا في تاريخ الصحة الدولية؛ إذ أودى بحياة أعداد كبيرة من الحجاج، ثم انتقلت العدوى مع العائدين إلى مصر وموانئ البحر المتوسط ومناطق أخرى.

لكن المشكلة لم تكن في الحج بوصفه شعيرة دينية، بل في الظروف التي أحاطت بالسفر والإقامة آنذاك: ازدحام السفن، وضعف المياه النظيفة، وقصور شبكات الصرف، وغياب وسائل العلاج الفعالة.

دفعت هذه التجربة الدولة العثمانية والقوى الدولية إلى إعادة النظر في العلاقة بين حركة السكان وانتقال المرض. وفي العام التالي، عُقد المؤتمر الصحي الدولي في إسطنبول لمناقشة طرق انتشار الكوليرا والإجراءات اللازمة للحد منها.

غير أن هذه المؤتمرات لم تكن طبية خالصة. فقد تداخلت فيها اعتبارات التجارة والسيادة والنفوذ، وسعت الدول الأوروبية إلى حماية موانئها وسكانها، من دون أن يؤدي ذلك إلى تعطيل حركة التجارة التي كانت تمثل أساسًا مهمًا لقوتها الاقتصادية.

وهنا بدأ الحجر الصحي يكتسب معنى يتجاوز الطب؛ إذ أصبح مجالًا تتقاطع فيه المعرفة الصحية مع المصالح السياسية.

3. المحاجر الصحية: بوابات للوقاية والمراقبة

أنشأت الدولة العثمانية خلال القرن التاسع عشر شبكة من المحاجر الصحية في الموانئ والممرات المهمة. وكان القادمون من المناطق التي ظهر فيها الوباء يخضعون للعزل مدة محددة، بينما تُفحص السفن وتُطهَّر مرافقها وتُعقَّم ثياب الركاب وأمتعتهم.

ومن أبرز المحطات المرتبطة بالحج محجر جزيرة كمران عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، ومحجر أبي سعد القريب من جدة. وكانت السفن تُصنَّف بحسب حالتها إلى سليمة أو مشتبه بها أو موبوءة، ولكل حالة إجراءات مختلفة.

فقد تسمح السلطات للسفينة السليمة بمتابعة طريقها بعد الفحص، بينما يُعزل ركاب السفينة المشتبه بها، وتخضع السفينة الموبوءة لإجراءات أكثر صرامة.

وتكشف التعليمات الصحية العثمانية الصادرة في مطلع القرن العشرين عن مستوى متقدم من التنظيم؛ إذ لم تقتصر الإجراءات على عزل المرضى، بل شملت تنظيف السفن وتعقيم الثياب وتوفير المياه ومراقبة الحالة الصحية للركاب.

كما استُخدمت «البراتيكا»، وهي شهادة صحية تمنح السفينة أو المسافر حق متابعة الرحلة بعد التحقق من سلامته.

بهذا المعنى، لم تكن المحاجر الصحية مجرد أماكن لعزل المرضى. لقد كانت بوابات صحية تحدد من يستطيع المرور ومن يجب أن ينتظر. وكانت الشهادة الصحية، بصورة مبكرة، وثيقة تمنح صاحبها حق الحركة.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: فالوثيقة التي تُصدر باسم الصحة قد تكون في الوقت نفسه أداة للحماية وأداة للمنع.

4. بلاد الشام عند تقاطع الطرق

احتلت بلاد الشام موقعًا مهمًا في هذه الخريطة الصحية. فقد كانت ملتقى للطرق القادمة من الأناضول والعراق ومصر والبحر المتوسط، ومنها انطلق طريق الحج الشامي من دمشق نحو الحجاز.

ومع دخول السكك الحديدية، ولا سيما خط حديد الحجاز، أصبحت الرحلات أسرع وأكثر انتظامًا، لكن سرعة الحركة جعلت مراقبة المسافرين أكثر إلحاحًا.

كان التقدم التقني يحمل، إذن، وجهين متلازمين. فمن جهة، سهّل انتقال الناس والبضائع وربط المناطق ببعضها بعضًا. ومن جهة أخرى، سهّل انتقال الأمراض.

وهي مفارقة لم تتوقف عند السفن البخارية والقطارات. فقد تكررت لاحقًا مع الطائرات، ثم ظهرت بصورة أوضح خلال جائحة كورونا، حين اكتشف العالم أن شدة اتصاله يمكن أن تتحول بسرعة إلى وسيلة لانتشار الخطر.

إن تاريخ الوباء يكشف أن التكنولوجيا لا تلغي المخاطر بالضرورة، بل قد تعيد تشكيلها. وكل توسع في حرية الحركة يطرح، في المقابل، سؤالًا جديدًا عن حدود هذه الحرية عندما تصبح صحة المجتمع مهددة.

5. الخوف من المرض… والخوف من الحجر

لم يكن الحجر الصحي إجراءً محايدًا أو سهلًا بالنسبة إلى الناس. فالمسافر قد يجد نفسه محتجزًا أيامًا بعيدًا عن مدينته، والتاجر قد يخسر جزءًا من بضاعته، والحاج قد يخشى أن تؤدي إجراءات العزل إلى تأخره عن أداء المناسك.

كما أن المحاجر الصحية لم تكن دائمًا مجهزة بالصورة المثالية، ولذلك ارتبط الحجر في ذاكرة بعض المسافرين بالخوف والمشقة، لا بالحماية وحدها.

وكان تطبيق هذه الإجراءات يكشف أيضًا عن تفاوت بين الناس. فمن يملك المال أو النفوذ قد يجد طريقًا لتخفيف القيود أو تجاوزها، بينما يتحمل الفقراء العبء الأكبر للانتظار والعزل والخسارة.

ومن هنا يصبح السؤال الصحي سؤالًا اجتماعيًا أيضًا: هل تُطبق القيود على الجميع بالدرجة نفسها؟ ومن يستطيع حماية مصالحه عندما تتوقف حركة الحياة؟

كما أثارت مشاركة القوى الأوروبية في إدارة مسائل الصحة والحجر في المنطقة سؤالًا آخر يتعلق بالسيادة. هل كانت هذه الإجراءات تهدف إلى حماية السكان المحليين فعلًا، أم إلى حماية أوروبا وموانئها وتجارتها من الأمراض القادمة من الشرق؟

وليس من السهل تقديم إجابة واحدة. فقد أسهم الحجر بلا شك في الحد من انتقال العدوى، لكنه ارتبط أيضًا بالمراقبة وتنظيم الحركة ومصالح الدول.

لذلك لا يمكن قراءة تاريخه بوصفه قصة تقدم طبي خالص، كما لا يمكن اختزاله في مؤامرة سياسية. إنه تاريخ أكثر تعقيدًا، تداخلت فيه المعرفة والخوف والمصلحة والسلطة.

6. من يملك حق الحركة؟

ربما تكون هذه هي المسألة الأعمق التي يثيرها تاريخ الحجر الصحي.

فالوباء لا يضع المجتمع أمام سؤال طبي فقط: كيف نعالج المرض؟ بل يضعه أمام سؤال سياسي وأخلاقي: ما الذي يمكن أن نطلبه من الفرد من أجل حماية الجماعة؟

إلى أي حد يمكن تقييد حرية الإنسان؟ ومن يقرر أن هذا التقييد ضروري؟ وكيف يمكن منع تحول الإجراء الاستثنائي إلى سلطة دائمة؟

لقد واجهت المجتمعات هذه الأسئلة قبل زمن طويل من جائحة كورونا. وكان الجواب في القرن التاسع عشر يتمثل في العزل والمحاجر الصحية والفحص والشهادات ومراقبة الطرق. أما اليوم فقد تغيرت الأدوات، لكن جوهر السؤال لم يتغير كثيرًا.

لقد سبقت المحاجر القديمة مستشفيات العزل الحديثة، وسبقت «البراتيكا» شهادات التطعيم والوثائق الصحية الرقمية. وبين الماضي والحاضر، لا يبدو الاختلاف في وجود القيود الصحية نفسها، بل في الوسائل التي تُطبق بها وفي المعرفة التي تستند إليها.

7. ذاكرة تستحق الاستعادة

تكشف تجربة بلاد الشام والدولة العثمانية أن المجتمعات لم تكن تقف عاجزة أمام الأوبئة، حتى في زمن لم يعرف المختبرات الحديثة أو المضادات الحيوية. فقد طورت السلطات والأطباء أدواتهم وفق المعرفة المتاحة: العزل، والتعقيم، ومراقبة الطرق، وتوثيق الحالات، وإصدار الشهادات الصحية.

لكن الدرس الأهم الذي يقدمه هذا التاريخ لا يتعلق بالإجراءات وحدها.

فالوباء لا يُواجه بالطب فقط، بل يحتاج أيضًا إلى إدارة عادلة، ومعلومة دقيقة، وثقة متبادلة بين الناس والسلطات. فالإجراء الصحي، مهما كانت ضرورته، يصبح أكثر صعوبة عندما يشعر الناس بأنه يُفرض عليهم بصورة غير عادلة، أو عندما يُستخدم بطريقة تميز بين فئة وأخرى.

ولهذا فإن العودة إلى تاريخ الأوبئة ليست بحثًا في صفحات مظلمة انتهت، بل محاولة لفهم حاضرنا من خلال الأسئلة التي تركها الماضي.

كيف نوازن بين حرية الحركة وحماية المجتمع؟ ومن يتحمل كلفة العزل؟ وكيف نمنع تحوّل الإجراء الصحي إلى وسيلة للتمييز أو السيطرة؟

ربما تغيرت أسماء الأمراض، وتطورت وسائل العلاج، وأصبحت الحدود أكثر تعقيدًا، لكن هذه الأسئلة ما تزال ترافق الإنسان كلما وجد نفسه أمام وباء جديد.

ففي النهاية، لا يكشف الوباء حدود الطب وحده، بل يكشف أيضًا طبيعة المجتمع: مقدار ثقته بمؤسساته، وحدود التضامن بين أفراده، والطريقة التي يوازن بها بين الخوف والحرية، وبين حماية الجماعة وحقوق الإنسان.

وهذا، ربما، هو الدرس الأهم الذي يمكن أن تمنحنا إياه المحاجر الصحية القديمة في بلاد الشام.

المراجع

  • Sylvia Chiffoleau, “Pilgrims to Mecca, Germs and the International Community”، ومدرج في قاعدة PubMed التابعة للمكتبة الوطنية الأمريكية للطب.
  • الحج إلى مكة والأوبئة والحماية الصحية في القرنين التاسع عشر والعشرين.
  • الأوبئة في التاريخ العثماني، جامعة ولاية أوهايو.
  • مشروع رسم خرائط الحج العثماني المتأخر، جامعة نورث إيسترن.

اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك