المؤتلف والمختلف بين السببية البشرية وغير البشرية – آن روبول / ترجمة: صابر الحباشة، تحرير: تركي طوهري

المؤتلف والمختلف بين السببية البشرية وغير البشرية – آن روبول / ترجمة: صابر الحباشة، تحرير: تركي طوهري


مقدمة (السببية البشرية)

  إنَّ اضطلاع السببية بدور مركزيٍّ في المعرفة البشرية وغير البشرية ليس أمرا محل نقاش. ولكن ما يمكن أن يناقش بالأحرى هو هل أنَّ “السبب” يدل على الشيء ذاته في المعرفة البشرية وغير البشرية؟ أو بعبارات فلسفية أكثر، إسنادُ اعتقادٍ سببيٍّ مشترك –نحو “نزول المطر سيسبِّب عدم خروجي في النزهة مع الأم”– إلى الكلب ماكس وإلى البنت هند ذات الأحد عشر عاما، هل يكون ذا معنى؟ إن نظرةً سطحية تقوم على سلوك متماثل مع الفارق تجعلنا نظن أن الأمر صحيح: هند تقرأ كتاباً وماكس نائمٌ على الأريكة، وكلاهما يلقي نظرة سوداوية نحو زجاج النافذة الذي غمرته الأمطار. إن السؤال في مستوىً أعمق يتمثل في معرفة ما إذا كان الاعتقاد السببي عند هند يعني أكثر من مجرد ارتباط بين المطر وغياب النزهة، وإذا كان الأمر كذلك هل يمكن أن ننسب هذه السمة الإضافية إلى اعتقاد ماكس السببي بشكل مشروع؟ إذ يمكن أن يكون لهند تفسير ذهني يقتضي اعتقادها أنَّ المطر يبلِّلني، وأنا لا أريد أن أتبلل، وهو ما يجعلني أختار البقاء داخل البيت. هذا التفسير كما يمكن أن نرى ليس شيئا يمكن أن ننسبه إلى ماكس بشكل معقول، فهل يمكن لنا أن نقول بالضبط ما هو الفرق بين الاعتقاد السببي المنسوب إلى هند وذاك المنسوب إلى ماكس؟ يبدو لي أن الفرق يقوم على كون هند لها تفسير للترابط، في حين أن ماكس ذو ترابط خالٍ من التفسير. بل إن ماكس ليس معنيا بأن يُكوِّن أيَّ تفسير، بل لا يمكن له أن يُعنى بذلك أصلا، أما هند فلن ترضى وما ينبغي لها أن ترضى عن ارتباطٍ يخلو من التفسير. ورغم أن اعتبار الاختلاف بين المعرفة السببية البشرية وغير البشرية قائمٌ على وجود التفسير في الأولى وغياب التفسير في الثانية، هو اعتبارٌ يمكن أن يكون مغامرة، فإنه الموقف الذي أقول به في هذا السياق، بل أذهب أبعد من ذلك وأقول إن الترابط يتم أساسا بين كيانات ملاحَظة، في حين أنَّ التفسير غالبا ما يذهب إلى ما وراء ما هو ملاحظ كما هو الحال في حالة التفسير الذي تقدمه هند لعدم اصطحاب أمها إياها في نزهةٍ تحت المطر.

 

وكما لاحظ هيوم (1975,74 Hume) “تبدو جميع الأحداث مستقلة، إنها تبدو مقترنة ولكنها ليست مترابطة البتة”؛ يستنتج هيوم من هذه الملاحظة الأساسية حول إدراكية الترابط والخاصية غيرالمدرَكة للرابط السببي “عدمَ وجود ذلك الرابط السببي”، ولكنني لا أهتم هنا بهذا الإثبات الميتافيزيقي[2].

 

  • هل البشر حيوانات ترابطية؟

  لقد أثبتُّ أعلاه أن المعرفة السببية عند البشر ليست وليست فقط ترابطية، ويمكن أن يُفهم -وقد فُهم- هذا الإثبات بطريقة مختلفة؛ إذ يميِّز بريماك (Premack 1995) بادئ ذي بدء بين المعرفة السببية الاعتباطية (CCA) الناتجة عن التعلم الترابطي –والتابعة للتجاور والتكرار– والمعرفة السببية الطبيعية (CCN) الشديدة الاختصاص في الميدان قَبْليًّا والمستقلة عن التجاور والتكرار. وثمة طريقة أخرى لمباشرة هذا التمييز تتمثل في القول إنَّ المعرفة السببية الاعتباطية (CCA) تتأسس على الاستقراء، في حين أن المعرفة السببية الطبيعية (CCN) يمكن أن تفيد أساسا في الاستنتاج. وتتصل المعرفة السببية الطبيعية عند البشر بعلم النفس الساذج والفيزياء الساذجة والبيولوجيا الساذجة، ويصعب إن لم يكن مستحيلا أن ننسبها إلى حيوانات غير بشرية؛ فمن جهةِ كونها لا تتأسس على التعلم الترابطي، فإنها تُعلِّل إثباتي بشكل محقق. ومع ذلك فإن المعرفة السببية الطبيعية ليست موضوعي هنا، وسأركز فقط على  المعرفة السببية الاعتباطية وفيما يتصل بها، وتوجد لها إمكانيتان:

 

  • تركز المعرفة السببية الاعتباطية (CCA) فقط على التعلم الترابطي عند الحيوانات البشرية وغير البشرية.

  • لا تكتفي المعرفة السببية الاعتباطية (CCA) بأن تركز على التعلم الترابطي عند الحيوانات البشرية وغير البشرية.

 

وهذا يطرح مشكلة أخرى لها علاقة بالسبب الذي يجعل الترابط غير كافٍ بالنسبة إلى المعرفة السببية الاعتباطية (CCA) عند البشر. وفي النهاية إذا كان الترابط ملائما للحيوانات غير البشرية، لماذا ليس كافيا للبشر؟ كما يوجد سؤال آخر واضح يتعلق بتعريف التفسير؟

أرى أن الجواب على هذين السؤالين يمر عبر كون البشر هو الجنس الوحيد المتكلِّم. وسأخصص ما بقي من هذه الورقة لمراجعة مختصرة لأعمال تجريبية تحاول بيان أن الترابط ليس العامل الوحيد للمعرفة السببية الاعتباطية (CCA) البشرية، وسنحاول النظر في بعض الافتراضات التي أعترف بطابعها النظري حول دور اللغة في الاختلاف بين المعرفة السببية الاعتباطية (CCA) البشرية وغير البشرية.

 

   وكي نبدأ بنقطة مركزية في الأدبيات الفلسفية المعاصرة حول السببية[3]، نقول إنه توجد صلة قوية بين التفكير الافتراضي (contrefactuelles) والتفكير السببي، فحسب تيارٍ فلسفيٍّ رائج نجد أن التلفظ بـ “س تتسبب في طـ” يوافق التلفظ بالافتراضين “إذا حدث س فإنَّ ط سيحدث” و”إذا لم يحدث س فإنَّ طـ لن يحدث”[4]. ومع ذلك ورغم أنه من المعقول أن التفكير الافتراضي بشريٌّ بشكل خاص، فإن تعليل الصلة بين التفكير الافتراضي والتفكير السببي في رؤيته للمعرفة السببية البشرية بأنها أكثر من الترابط؛ ليس تعليلا واضحا. والواقع أن التفكير الافتراضي يهتم عموما بالأحداث المترابطة أكثر من التفسير، إنه يمثل غالبا فكرة الرابط الضروريِّ الذي يمكن أن يكُون النقطة الأولى للاختلاف بين الحيوانات البشرية وغير البشرية، ولكنه (أي التفكير الافتراضي) ليس تفسيرا في حد ذاته. فلْنعُد إذن إلى السؤال الأوليّ: ما هو التفسير؟

 

   لقد حان الوقت لإدخال تفريق اقترحه فالدمان (Waldmann 2000,2001) بين تعلُّمٍ تنبُّؤيّ (prédictif)  وتعلُّم تشخيصيّ (diagnostique): فالأول يمر من السبب إلى النتيجة، أما الثاني فيمر من النتيجة إلى السبب. ومن بين خصائص التفسير أن له اتجاها نحو التعلم التشخيصي، مع أن فالدمان يذهب أبعد من هذا التفريق البسيط، قائلا بأن منوالا ترابُطيًّا صرفا لا يمكن أن يهتم بمجموع التعلم السببي الاستقرائي –التنبؤي والتشخيصي في الوقت ذاته– لأنه (أي المنوال الترابطي الصرف) لا يبالي أصلا باللاتناسق السببي القائم لا على أسباب ونتائج[5]، بل على مؤشرات وحصائل[6]، ويمكن أن تكون المؤشرات والحصائل إما أسبابا أو نتائج على السواء. وقد بيَّن فالدمان أنه حسب انتماء مهمة ما إما إلى التعلم التنبؤي أو إلى التعلم التشخيصي، فإنَّ بعض النتائج المعروفة للتعلم الترابطي (مثل الاعتراض[7]، والحجْب[8]) لا تعمل بطريقة متطابقة. بعبارة أخرى يلعب الاتجاه السببيُّ دورا في التعلم السببي، على النقيض مما تتنبَّأ به المناويل الترابطية.

 

وقد ذهب مجموعة من الباحثين[9] أبعد من ذلك إذ دافعوا عن رؤيةٍ أكثر تجريدا للمعرفة السببية ترتكز على منوال شبكة باييزية (bayésien)[10]، وبيَّنوا أن البشر يعتمدون على مقولات سببية مجردة (مثل الأسباب والنتائج المتعددة والسلسلة السببية) لتعلُّم العلاقات السببية .

   وهذه هي العلامة الأولى على كون المعرفة السببية الاعتباطية لا تعتمد فقط على الترابط. ومع ذلك فإن المنوال الباييزي الذي اقترحه فالدمان وزملاؤه يعتمد بشكل قويٍّ دائما على التغير المشترك للأسباب والنتائج، وينجم عن ذلك سؤال عن معرفة ما إذا كان التغير المشترك هو حقًّا العامل المركزي للتعلم السببي البشري؟ وقد فحص دنيس وأهن (Dennis & Ahn 2001) أثر الترتيب في الحكم على العلاقات السببية ، بعرضهما على الأشخاص المختبَرِين معطياتٍ متطابقة من حيث التغير المشترك، ولكنها مرتبة ترتيبا آخَر. لقد وضحا التأثير القوي للأسبقية، وهو ما يعني أن التغيُّر المشترك ليس العامل الوحيد للتعلم السببي، وأن نظام مراجعة العقائد يمكن أن يكون عاملا آخر. ويمكننا أن نجد تعليلا غير مباشر لهذا الافتراض في العمل التجريبي لـلوفيبوند (Lovibond 2003) –وقد استعمل نموذجا بسيطا للخوف الإشراطيِّ عند البشر– إذ بيَّن أن المناويل الترابطية يمكن أن يعاد تأويلها بشكل مفيد بوصفها تُشكِّل تعلُّما قضويًّا واستدلاليًّا؛ بما أن الخوف الإشراطي عند البشر يعمل بشكل مختلف مع مثيرات مادية أو مع تعليمات لسانية. وقد أنجز أهن وزملاؤه (Ahn 1995) تجارب مفيدة أخرى حول الأثر الحاسم للمعلومة في التغير المشترك بالنسبة إلى الأثر الحاسم للمعلومة في الآلية في الإسناد السببي. لقد تصوروا سلسلة من المهامِّ يمكن للأشخاص المُختبَرِين –لكي يعطوا تفسيرا سببيا– أن يطرحوا أسئلة إما عن التغير المشترك (مَن، ماذا) أو عن الآلية (كيف)، وقد وجد الباحثون تفضيلا للمعلومة المتعلقة بالآليات السببية على المعلومة المتعلقة بالتغير المشترك في جميع مهامِّهم، ولاحَظوا أن التفسير يُفهم بسهولة أكبر بوصفه قائما على الآلية (أي على قوانين عامة) أكثر من كونه قائما على التغير المشترك. والواقع أن التفسيرات المرتكزة على الآلية تتميز بكونها تفسيريةٌ حقيقةً لأنها توليديةٌ تسمح بشكل مجردٍ بالتنبؤ بوضعيات جديدة. وقد تعلق إغلمان وهولكمب (Eagleman & Holcombe 2002) بهذه الرؤية للأشياء بشكل غير مباشر في مناقشتهما مقال هاغار وغيره (Haggard 2002) المتعلِّق بالأحكام الزمنية الذاتية حول انطلاق الحصيلة من العمل بحسب اعتبار القائم بالعمل نتيجة أحد أعماله أو لا. ويُحكَم على الآجال بأنها أقصر في الحالة الأولى. والتفسير الذي يقترحه إغلمان وهولكمب هو أنَّ “أحداثا تُعرف بوصفها في علاقةٍ سببية، لها حظ أوفر في أن تكون قريبة زمانا ومكانا من أحداث لا رابط بينها” (ص235)، وهو ما قد يعلِّل أنه يمكننا استنتاج الترابط ثم التجاور الزمني للآلية السببية .

 

  إجمالا فإن الحيوانات البشرية وغير البشرية يرتكز كلاهما على الترابط مع المعرفة السببية الاعتباطية (CCA)، غير أن البشر لا يتوقفون عند هذا الحد،  بل يستعملون أيضا مناويل سببية مجردة وتفسيرات عامة. أخيرًا يمكننا أن نضع تعريفا غير شكليٍّ للتفسير: إنَّ التفسير يتمسك بآليةٍ عامة تسمح بتعالق نتيجة معيَّنة مع سبب معيَّن (تكون عناصرهما مترابطة).

 

  • هل اللغة هي العلَّة التي من أجلها ليس البشر مجرد حيوانات ترابطية؟

السؤال الأول الذي يُطرح يمكن أن يكون متعلِّقا بمعرفة ما إذا كان البشر هم الحيوانات الوحيدة التي لا ترضى بالترابط فقط. قطعًا فإن كلبي ماكس لا يتجاوز الترابط، ولكنَّ حيوانات ذات تكوين أكثر تعقيدا معرفيًّا (نحو الشامبانزي) ألا يمكنها أن تذهب أبعد وتستعمل كما يفعل ذلك البشر وإن بشكل أكثر محدودية على الأرجح، مناويلَ سببية مجردة وتبحث عن تفسيرات عامة قد تكون قائمةً على آليات غير مرئية؟ وإذا لم تكن الشامبانزي تفعل ذلك في حين أننا نقوم بذلك بوضوح، فكيف نفسر هذا التفاوت بيننا وبينها؟

 

   إن مسألة معرفة ما إذا كان الشامبانزي تبحث عن تفسيرات، قد فحصها بوفنيلي ودنفي ليلي (Povinelli et Dunphy- Lelii 2001) في تجربتين مبتكَرتين وذلك بمقارنة أطفال في سنِّ الروضة (من 2 إلى 6 سنوات) وشامبانزي (بين 9 و10 من العمر في التجربة الأولى)، وكانت المهمة في الحالتين وضع قوالب واقفة في شاحنة مسطحة لنقل السلع  مكسوَّةً برِفد غير منتظم، ولكن توجد ثقوب تقع في مساحة منتظمة، في كلتا التجربتين كان ثمة قالَب مغشوش: في التجربة الأولى هذا القالب لم يكن بالإمكان جعْله واقفا لأن حافاته مستديرة، وفي التجربة الثانية كانت القوالب العادية والقالب المغشوش متطابقين بصريا على شكل حرف L ولكن الثقل كان موضوعا إما على الجانب الطويل أو على الجانب القصير، بما يسمح بتوقيف القالب على جانبه الطويل أو يجعل ذلك مستحيلا على التوالي، وكانت النتائج مثيرة للاهتمام: ففي التجربة الثانية حيث كان الفرق بين القوالب العادية والقوالب المغشوشة غير ظاهر للعيان، حاول 61% من الأطفال أن يفحصوا القالب المغشوش لمحاولة فهم لِمَ لم يقدروا على وضعه في الوضعية المطلوبة، على النقيض من ذلك لم يفعل ذلك أيُّ شامبانزي. وهذا ما يقود إلى افتراض عدم إمكانية الملاحظة (انظر فونك وبوفنيللي، تحت الطبع، ص5cf. Vonk & Povinelli, sous presse, 5.) إذ بمقتضاه فإنَّ “إحدى الاختلافات المهمة بين البشر وغيرهم من الأجناس أنَّ عقولنا تُكوِّن مفاهيم تحيل على كيانات أو على مسارات غير ملاحَظة وتُفكِّر انطلاقا من هذه القاعدة”. ويتابع فونك وبوفنيللي مقترِحَيْن “أنَّ [العمق التجريدي] الكامن، والذي يجعل التفكير في ما هو غير ملاحَظٍ ممكنا، قد تطور على الأرجح بالتوازي مع اللغة الطبيعية” (المرجع نفسه، الصفحة نفسها).

 

   ويبدو أن هذا الافتراض يمكن أن تنقضه سلسلة من التجارب التي أجرتها فارلي وفريقها (انظر سيغال وغيره2001، فارلي وسيغال2000، فارلي وغيرها 2001cf. Siegal et al.2001, Varley & Siegal 2000, Varley et al. 2001) حيث بيَّنت أن مرضى الحُبسة الذين لا يقدرون على إجراء القواعد النحوية، يمكنهم أن ينجحوا في مهامِّ التفكير و السببية ونظرية الفكر (ومهام ToMتقتضي أصلا ما لا يمكن ملاحظته)، وهكذا فإن لغةً إجرائية ليست ضرورية لإنجاح مثل تلك المهام. قد يبدو هذا مناقضا لافتراض فونك وبوفنيللي حول وجود رابط بين القدرة على مَفْهَمَة ما لا يمكن ملاحظته واللغة. والحال أنَّ فارلي (Verley 1998,45) هي نفسها لاحظت أنَّ مرضاها كانت لهم قدرات لغوية عادية إلى حدود وسط عمر الكهولة واستنتجت أنَّ “هذه النتائج لا علاقة لها مع دور اللغة في تطور الفكر، وقد تكون اللغة ضرورية لتصوير المعرفة المركزية لبعض أصناف النشاط المعرفي”. وقد يكون محيِّرا أكثر كونُ الأطفال في سنِّ ما قبل تعلم اللغة يُفترض أنهم قادرون على التفكير الدقيق ضمن المعرفة السببية الطبيعية (CCN). ورغم أنَّ هذا يجب أن يُميَّز بدقة؛ فإنَّ اختبار الاعتقاد الخاطئ لم يُجْرَ قبل بداية تطور اللغة (انظر للمناقشة روبول cf. Reboul 2004)، ويمكن تفسير ما يحققه الرضَّع في اختبارات الفيزياء الساذجة[11] كما يقترح ذلك بوفنيللي (Povinelli 2000) بقدراتهم الأكثر أساسيةً من تلك التي تمسكوا بها عموما. ولْنفترض كما يؤكد ذلك بعض الباحثين أنَّ المعرفة السببية الطبيعية (CCN) تتطور بمرور الزمن (وهو ما لا يتناقض مع افتراض العوامل الفطرية)، في هذه الحالة فإن التناقض الظاهر بين افتراض عدم إمكانية الملاحظة وارتباطه باللغة من جهة، وبالفكر المجرد السابق لاكتساب اللغة  (pré-linguistique) أو المصاب صاحبه بالحُبسة (aphasique) يضمحل.

 

   ما يبقى غامضا هو طريقة ارتباط اللغة بمَفْهَمَة غير الممكن ملاحظته هذه، والتي يرى فونك وبوفنيللي أنها خاصةٌ بالجنس البشري. ولمحاولة توضيح هذا الرابط فلْنعد إلى ما يقال عامةً عن تطور اللغة، جمهور العلماء يرى أنها تطورت بالتواصل، بقطع النظر عن تشومسكي الذي لا يقول بتطور اللغة –بل يقول إنها انبثقت بكل بساطة– فقد هاجم هذه النظرة التواصلية في كثير من أبحاثه، لن أشير إلا إلى آخرها (Chomsky 2005) ذكر تشومسكي في بداية مقاله عددا من علماء البيولوجيا البارزين (جاكوب ومونو ولوريا Jacob, Monod, Luria ) الذين يشكُّون في أنَّ التواصل أمكن له أن يمارس ضغطا انتقائيًّا كافيا لإنتاج اللغة. وبوصفي مختصةٌ في الفلسفة واللسانيات، ألتزم بهذه الرؤية للأشياء ما دمت مقتنعة بأنَّ للغة أثرا معرفيًّا مهمًّا. ومع ذلك ومن هذا المنظور من المفيد أن نتساءل عما نقصده بـ “اللغة” عموما. منوال شهير لتطور اللغة هو ذاك الذي اقترحه جاكندوف (Jackendoff 1994) إذ يرى فيه سلسلة من المراحل: تواصلٌ حيواني –لغةٌ طرازية– نحوٌ كلِّي تشومسكي (UG)؛ ويختلف التواصل الحيواني عن اللغة الطرازية بما يحمله من عدد محدود من المفردات وبعدم قدرته على الانتقال (القدرة على الإحالة على أشياء غائبة أو غير موجودة)، أما اللغة الطرازية فلها معجم مفتوح وتسمح بملفوظات ذات كلمتين ولكنها لا تحتوي لا على مفردات وظيفية (إنْ – أنّ – الـ – حيث – إلخ…) ولا علم صرف تركيبيٍّ وهو ما يميزها (أي اللغة الطرازية) عن النحو الكلِّي (UG). وتختلف رؤية تشومسكي عن هذه الرؤية بشكل مفيد: فالنحو الكلي (UG) –وقد أصبح الآن مُختزَلا في عدد محدود من العمليات– قد انبثق بوصفه وظيفةً للتعقد، وقد انطلق هذا الانبثاق من ضرورةِ ربط مفاهيم معزولة وإن كانت كثيرةً بشكل توليدي (لا نهائي “افتراضا”) دون أن تستوجب أيَّ مسارٍ تطوُّري بالمعنى الشديد الملائِم لذلك. ونلاحظ أنَّ هذا الافتراض الذي أطلقه تشومسكي تساندها بعض المناويل الرياضية التي طورها نوّاك وزملاؤه (Nowak 2001). إذا كانت رؤية تشومسكي صحيحة، فإن المرحلة الكبرى تتمثل في ارتفاع عدد المفاهيم التي يمكن أن تكون بالفعل مرحلة تطورية حاسمة[12]. وبعبارة أخرى وإن سلَّمنا جدلا بأن افتراض اللغة الطرازية صحيح، فإن المرحلة الكبرى يمكن أن تكون المرور من الأنظمة المغلقة التي يتسم بها التواصل الحيواني، إلى الأنظمة المفتوحة التي تتسم بها المعرفة البشرية بغياب الحدود المعجمية أو المفهومية. وغالبا ما لاحظنا أن التنقل لا يوجد في أنظمة التواصل غير البشرية، ويمكننا حتى أن نبرهن على أنه غير موجود بشكل واضح عند من يمكن أن يُسمَّوا متكلِّمين أوائل (انظر مناقشة لهذا الموضوع: أندرسنcf. Anderson 2004)، وهذا بدقة –فيما يبدو لي– ما يسمح بالمرور من نظام مغلق إلى نظام مفتوح بشكل موثوق، وهو ما يسمح كما سنسجل ذلك بتطوير مفاهيم ما هوغير ملاحَظ، والتي نجد أنها متضمَّنة بقوة في المعرفة السببية الطبيعية (CCN). أخيرا كي ننهي، نسجل أنَّ التفسيرات الكامنة في المعرفة السببية الاعتباطية (CCA) تَستخدم في الغالب المعرفة السببية الطبيعية (CCN).

 

 

  • خلاصة

لقد حاولتُ أن أبيِّن أن المعرفة السببية ورغم وجود جزء مشترك بين الحيوانات البشرية وغير البشرية بموجب الأساس الترابطي للمعرفة السببية الاعتباطية (CCA)، لا يمكن أن تُختزل مع ذلك في مجرد مسار ترابطي عند البشر، لأنها تقتضي حاجةً إلى التفسير لا توجد عند الحيوانات غير البشرية. يُفسّر هذا الاختلاف العظيم بين المعرفة السببية البشرية وغير البشرية، باعتماد افتراض عدم إمكانية الملاحظة. وقد حاولتُ في القسم الأخير من المقال أن أُجمِل تحليل الطريقة والأسباب التي من أجلها تتصل القدرة البشرية على المَفْهَمَة بشكل حميم بالقدرة البشرية على اللغة.

 


قائمة المراجع: 

Ahn, W-K., Kalish, C.W., Medin, D.L. & Gelman, S.A. (1995), “The role of covariation versus mechanism information in causal attribution”, in Cognition 54, 299-352.

Anderson, S.R. (2004), Doctor Dolittle’s delusion: animals and the uniqueness of human language, New Haven/London, Yale University Press.

Chomsky, N. (2005), “Three factors in language design”, in Linguistic Inquiry 36/1, 1-22.

Dennis, M.J. & Ahn, W-K. (2001), “Primacy in causal strength judgments: the effect of initial evidence for generative versus inhibitory relationships”, in Memory & Cognition 29/1, 152-164.

Eagleman, D.M. & Holcombe, A.O. (2002), “Causality and the perception of time”, in TICS 6/8, 323-325.

Haggard, P., Clark, S. & Kalogeras, J. (2002), “Voluntary action and conscious awareness”, in Nature Neuroscience 5/4, 382-385.

Hagmayer, Y. & Waldmann, M.R. (2004), “Seeing the unobservable — inferring the probability and impact of hidden causes”, in Proceedings of the 26th animal conference of the Cognitive Science Society, Mahwah, NJ, Erlbaum.

Hume, D. (1975), Enquiries concerning human understanding and concerning the principles of morals, Oxford, Oxford University.

Jackendoff, R. (1994), Patterns in the mind: language and human nature, New York, Basic Books.

Lovibond, P.F. (2003), “Causal beliefs and conditioned responses: retrospective revaluation induced by experience and by instruction”, in Journal of experimental psychology: Learning, memory & Cognition 29/1, 97-106.

Maynard Smith, J. & Szathmary, E. (1999), The origins of life: from the birth of life to the origins of language, Oxford, Oxford University Press.

Nowak, M.A. (2001), “Evolution of universal grammar”, in Science 291, 114-118.

Pennington, G.L. & Roese, N.J. (2003), “Regulatory focus and temporal distance”, in Journal of experimental social psychology 39, 563-576.

Povinelli, D. (2000), Folk Physics for apes, Oxford, Oxford University Press.

Povinelli, D.J. & Dunphy-Lelii, S. (2001), “Do chimpanzees seek explanations? Preliminary comparative investigations”, in Canadian journal of experimental psychology 52/2, 93-101.

Premack, D. (1995), “Cause/induced motion: intention/spontaneous motion”, in Changeux, J.P. & Chavaillon, J. (eds), The Origins of the human brain, Oxford, Clarendon.

Reboul, A. (2004), “Evolution of language from theory of mind or coevolution of language from theory of mind?”, Webconference Issues in the coevolution of language and theory of mind, available at URL: http://www.interdisciplines.org/coevolution/papers/1.

Rescorla, R.A. & Wagner, A.R. (1972), “A theory of Pavlovian conditioning: variations in the effectiveness of reinforcement and non-reinforcement”, in Black, A.H. & Prokasy, W.F. (eds), Classical conditioning II. Current research and theory, New York, Appleton-Century-Crofts.

Roese, N.J. & Olson, J.M. (1996), “Counterfactuals, causal attributions, and the hindsight bias: a conceptual integration”, in Journal of Experimental Social Psychology 32, 197-227.

Roese, N.J. & Olson, J.M. (2003), “Counterfactual thinking”, in Nadel, L., Chalmers, D., Culicover, P., French, B. & Goldstone, R. (eds): Encyclopedia of cognitive science, New York, Macmillan.

Roese, N.J. (1994), “The functional basis of counterfactual thinking”, in Journal of personality and social psychology 66/5, 805-818.

Siegal, M., Varley, R.A. & Want, S. (2001), “Mind over grammar: reasoning in aphasia and development”, in TICS 5, 296-301.

Varley, R.A. & Siegal, M. (2000), “Evidence for cognition without grammar from causal reasoning and ‘theory of mind’ in an agrammatic aphasic patient”, in Current biology 10/12, 723-726.

Varley, R.A. (1998), “Aphasic language, aphasic thought: propositional thought in an apropositional aphasic”, in Carruthers, P. & Boucher, J. (eds), Language and thought: interdisciplinary themes, Cambridge, Cambridge University Press.

Varley, R.A., Siegal, M. & Want, S. (2001), “Severe impairment in grammar does not preclude theory of mind”, in Neurocase 7, 489-493.

Vonk, J. & Povinelli, D. (sous presse), “Similarity and difference in the conceptual systems of primates: the unobservability hypothesis”, in Zentall, T. & Wasserman, E. (eds), Comparative cognition, available at URL: http://www.cognitiveevolutiongroup.org/site100-01/1001369/docs/preliminary_similarity.pdf.

Waldmann, M.R. (2000), “Competition among causes but not effects in predictive and diagnostic learning”, in Journal of experimental psychology: Learning, memory and cognition 26/1, 53-76.

Waldmann, M.R. (2001), “Predictive versus diagnostic causal learning: evidence from an overshadowing paradigm”, in Psychonomic Bulletin & Review 8, 600-608.

Waldmann, M.R. & Hagmayer, Y. (1998), “How categories shape causality”, in Hahn, M. & Stenoss, S.C. (eds), Proceedings of the 21rst annual conference of the Cognitive Science Society, Mahwah, NJ, Erlbaum.

Waldmann, M.R. & Martignon, L. (1999), “A Bayesian network model of causal learning”, in Gernsbasher, M.A. & Derry, S.J. (eds), Proceeding of the 20th annual conference of the Cognitive Science Society, Mahwah, NJ, Erlbaum.

 

الهوامش

[1] مصدر مقالة (السببية البشرية): Anne Reboul, Similarités et différences entre la causalité humaine et non humaine.

http://www.interdisciplines.org/causality/papers/1

[2]   يرى هيوم أنّ السببية التي لا توجد في الواقع، إن هي إلاّ إسقاط للفكر البشريّ على الواقع. انظر بيار جاكوب، فصل القانون (في الإبستيمولوجيا)، الموسوعة الكونية الفرنسية Pierre Jacob, loi(épistimologie), in Encyclopaedia Universalis). [المترجم]

[3] تمّ اختبارها تجريبيا الآن،( انظر روز 1994، وروز وأولسن1996، 2003، وبنينغتن وروز 2003cf. Roese1994, Roese & Olson1996,2003, Pennington & Roese2003                                                                                                     

[4] Pierre Jacob, loi(épistimologie), in Encyclopaedia Universalis.

[5]  أسباب ونتائج = causes et effets

[6]  مؤشرات وحصائل = indices et résultats

[7] blocking

[8] overshadowing

[9] Waldmann & Hagmayer1998, Waldmann & Maartignon1999, Hagmayer & Wadmann 2004.

[10]  عثرت على هذه الكلمة في فصل المنهج (méthode)  في الموسوعة الكونية الفرنسية (E.U) وقد ألّفه جون لارغوه (Jean Largeault)، يقول: ” لاحظ بريستلي (Priestley) دور الافتراض وأدخل خطاطة باييزية للتقاربية نحو الصحيح عبر التخمينات المتتالية: تخمين، تجربة، تحسين التخمين”. [المترجم]

[11]  الفيزياء الساذجة: أي المرتبطة بالأعمال البيولوجية وبالجسم في بيئته. هذه الفيزياء التي يمكن أن نصفها بالذاتية، مستقلة تماما عن كل مشكل للحقيقة، كما يُطرح في مستوى المنطق والإبستيمولوجيا. عن فصل الإدراك(perception)  في الموسوعة الكونية الفرنسية (E.U) ألّفه جورج ثيناس (Georges Thinès).[المترجم]

[12] Anderson(2004) et Maynard Smith & Szathmary 1999.

error: