الرومانسية السياسية والفلسفية في ألمانيا: كيف مثلت الرّومانسيّة الألمانية ردّا قوميّا على أنوار 1789 الكونيّة؟ – فيليب غرانارولو / ترجمة : محمد عادل امطيمط

الرومانسية السياسية والفلسفية في ألمانيا: كيف مثلت الرّومانسيّة الألمانية ردّا قوميّا على أنوار 1789 الكونيّة؟ – فيليب غرانارولو / ترجمة : محمد عادل امطيمط


المقال هو عبارة عن نص محاضرة ألقاها الأستاذ “فيليب غرانارولو” بمتحف البحار بمدينة تولون Toulon  الفرنسية يوم 29 نوفمبر 2011 في إطار أنشطة فرع الآداب لأكاديمية مقاطعة ” لو فار”Le Var  بفرنسا.


مقدمة:

إن البلد الذي اكتسبت فيه كلمة “رومانسية” دلالتها الأدبية هو ألمانيا، ولقد تحقق ذلك من خلال أشعار “تياك”Tieck الرومانسيةRomantische Dichtungen  (1799-1800 ) ثم في خادمة أرليون La Pucelle d’Orléans   (Die Jungfrau von Orleans) ل”ف. ف. شيلر” Friedrich von Schiller  (1801) التي وُصفت بالتراجيديا الرومانسية Romantische Tragödie . وقد تبنّى “غوته”Goethe  سنة 1830 في محادثاته مع “إكرمان” Eckermann   هذا التعارض الذي كان قد أصبح بديهيا في كامل أوروبا بين “النزعة الكلاسيكية”  و”النزعة الرومانسية”. العبارة الأولى ارتبطت بالصحّة وبالصّرامة، في حين ارتبطت الثانية بالمرض وبالاندثارdégénérescence . وذلك هو التعارض الذي سنجده لاحقٌا في كتابات “نيتشه” خلال الفترة 1870-1880. غير أنه إذا كانت هذه العبارة قد ظهرت وقتئذ بهذا المعنى، فإن الرومانسية الألمانية ليست رغم ذلك أدبية إلاّ بصفة عرضية. فهي بوجه خاص نزعة فلسفية وسياسية، وهو ما نزمع بيانه من خلال عرضنا هذا.

يتعلق الأمر بشكل رئيسي بنزعة معادية لفرنسا، سببها عملية تصدير الثورة والحروب النابوليونية، وكذلك انهيار الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة سنة 1806. ولذلك فإن هذا التيار سيواجه نقطة بنقطة كل المبادئ المستمدة من فلسفة الأنوار الفرنسية والتي ألهمت ثورة 1789 وإعلان حقوق الإنسان والمواطن.

“جاك دروز Jacques Droz “، الذي تستند هذه الدراسة إلى قراءته، يقرّ ذلك بوضوح منذ الصفحات الأولى من كتابه: الرومانسية السياسية في ألمانياLe Romantisme politique en Allemagne :

” لقد كانت الرومانسية قبل كل شيء ردّ فعل ضد إيديولوجية الثورة الفرنسية، ومقاومةً للتحرّر السياسي والاجتماعي الناتج عن أفكار 1789، ثمّ إنّها كانت دفاعا على الأنظمة الملكية والطبقات الحاكمة ضد قوّة الاقتصاد الحديث التي اُعتُبِرَتْ مُدمّرة”([2]).

أما الشاعر “ه. ف. كلايست  Heinrich von Kleist” فإنه قد عبّر سنة 1809 عن رأيه من خلال تعريفه للمشروع الذي تأسست بموجبه مجلة “جرمانيا”Germania  قائلا:

” يجب أن تكون هذه المجلة هي النَّفَسُ الأوّلُ للحرّية الألمانية. إنها تعبّر عن كل ما حُبِسَ في قلوب الألمان الأفذاذ طيلة السنوات الثلاث الأخيرة التي خيّم عليها الصّمت تحت وطأة الفرنسيين.”([3]).

ثمّ إنّ الإحباط نفسه قد ظهر في مقاطعة البافيارBavaria  تحت حكم لويس الأوّل سنة 1815، حيث يمكننا أن نستشف ذلك  من قراءة صحيفة الأدب لمعلّمي الدين الكاثوليكي Literatureitung für katholischi religionsleher :

“علينا أن نأمل، بل وأن نؤمن بأن الثورة الفرنسية ستُقْحِمُ في الحياة السياسية عجينةً من الحبّ والحرّية بفضل ردّ الفعل ضدّها]…. [وذلك هو الشرط الذي يجعل المستقبل قادرا على إنتاج ثورة حقيقية، ويجعلنا نتّجه نحو حكم ثيوقراطي لا حكم سواه يستطيع إصلاح الضرر الذي نشرته الديمقراطية الناتجة عن الثورة الفرنسية”([4]).

ولكي نلتزم حدًّا أدنى من الصّرامة ونفنّد ما ذهب إليه “بول فاليريPaul Valery ” عندما افترض أن هذه الصرامة غائبة تماما من الفكر الرومانسي، سنقوم في تحليلنا هذا بتوخّي المنهج التالي: سنعود في المستوى الأول إلى أصول الرومانسية الألمانية، ثمّ نقوم ببناء رؤية شاملة –لن تكون تامّة بطبيعة الحال – للرومانسية بين 1798 و1830. وبعد ذلك سنُبَيّنُ أنّ حقيقة الرّومانسية الفلسفية الألمانية تتجاوز بكثير هذا الإطار، وأن المرء يمكنه أن يدرج ضمنها مبدعين لم يسبق إدراجهم تحت هذا العنوان: الشاعر “هلدرلينHölderlin ” والمؤلف الموسيقي ” فاغنرJohann-Jakob Wagner ” ثم الفيلسوف “نيتشه Nietzsche ” (في مستوى فلسفته الأولى فقط). وسنختم قولنا هذا ببيان كيف تكون هذه الرومانسية في رأينا أحد المصادر الرئيسية للنزعة القومية الاشتراكية.

 

I – منابع الرومانسية الألمانية: 

لقد برزت محاورها بين 1806 و1830، أي قبل انهيار الإمبراطورية المقدسة بزمن طويل.

  • – “ج. غ. هاردرJohann Gottfried Herder” (1744-1803) وفكرة “روح الشعب”Volkgeist

قام “هاردر”، الذي يمكننا اعتباره أول فيلسوف للتاريخ (قبل “هيغل Hegel ” الذي جعل من هذا البحث موضوعا مركزيا في فلسفته بنحو ثلاثين سنة)، بالتركيز على التصدّي للنزعة الكونية للأنوار الفرنسية، مؤكّدا على الميزة اللاّ-إختزاليةIrréductible  للشعوب التي يمثّل بعضها بالنسبة إلى الآخر كيانا غريبا تماما مثلما تكون الأنواع الحيوانية غريبةً بعضها عن بعض. فقد أكّد “هاردر” على مبدأ القوميات من خلال كتابيه: فلسفة أخرى للتاريخ Une Autre philosophie de l’histoire (سنة 1744 ثم خاصة : أفكار من أجل فلسفة للتاريخ والإنسانيةIdées pour une philosophie de l’histoire de l’humanité  (وهو عمل من أربعة أجزاء تم نشرها في ما بين 1784 و 1791). فهو يَعتبر أن الثقافات تختلف اختلافا عميقا  وأنها متجذّرة في لغاتها الأصلية ذات الأصل الإلهي([5])، ومن ثمة فإن لكلّ شعب روح، بمعنى مبدأ يخصّه ويتحكم في كلّ تجلّياته. ذلك هو “روح الشعب” (العبارة التي سيستعيرها “هيغل” لينزّلها في سياق مختلف جدّا). ثم إننا نقرأ في فلسفة أخرى للتاريخ قوله إن “كلّ أمّة تمتلك سرّ سعادتها في ذاتها”. فلا شكّ في أنّ “هاردر” قد وضع أسس الرومانسية السياسية الألمانية من خلال نزعته الاتنيةethnicisme  ( [6]) ومن خلال رفضه للحداثة وإعلائه من شأن القرون الوسطى.

 

2)-   إ. بوركE. Burke  وكتابه أقوال حول الثورة الفرنسيةConsidérations sur la Révolution française  ، 1790:

 لقد كان كتاب “بورك” هذا، وهو من أفضل الكتب مبيعا في أوروبا آنذاك، موضوعا لتعليقات لم تتوقف في ألمانيا خلال العشرية الأخيرة من القرن الثامن عشر وطيلة النصف الأول من القرن التاسع عشر. ويلخّص “نوفاليس”Novalis  الذي سيأتي ذكره لاحقا في هذا العرض، الموقفَ السائدَ في ألمانيا من كتاب “بورك” في العبارة التالية:         

“لقد كُتِبَتْ عن الثورة كتبًا عديدة معادية للثورة، أما بورك فقد كتب كتابا ثوريّا ضدّ الثّورة”([7]).

 

3)- ج. غ. فيختهJohann Gottlieb Fichte  1762-1814:

رغم أن “فيخته” المعاصر ل”هيغل” و”شيلنغSchelling “، الوجهين الآخرين الكبيرين لما سُمِّيَ بالمثالية الألمانية Deutscher Idealismus، لم يُصَنّف على أنه رومانسيّ ( حيث يقتصر هذا التصنيف على “شلينغ” وحده من بين المثاليين الألمان الثلاث)، إلاّ أنه ساهم بقوة من خلال خطابه إلى الأمة الألمانيةDiscours à la Nation allemande  سنة 1808، في وضع أسس الرومانسية السياسية الألمانية. وبعد “نوفاليس” الذي صرخ سنة 1800 قائلا ” إن ألمانيا تتفوق على سائر الدول الأوروبية بخطاها الواثقة –رغم بطئها – “، نجد أن “فيخته” قد وصف اللغة الجرمانية بأنها لغة الأصلUrsprache  أو اللغة الأصلية”، وأعلن أن الشعب الألماني هو “الشعب في حدّ ذاته”Le peuple tout court, das volk schlechtwe، وبعبارة أخرى: إنه الشعب المختارLe peuple élu . وبذلك يكون قد جذّر ” فكرة ال volkstun (هوية الشعب، أو الحقيقة الاتنية l’éthnicité ) والحقيقة الجرمانية (Germanité) Deutschheit ، تلك التي ورثها عن أسلافه (الذين من بينهم “هاردر”).

إنّ الإقرار المطلق للأنا القوميExclusivisme du moi national ، وللمميّزات الأصيلة للشعب، ثم تمجيد التاريخ، هي المحاور الكبرى للخطاب إلى الأمة الألمانية، محاورٌ لن تتوقف عن تغذية النزعة الرومانسية السياسية التي ستنشط خلال العقود اللاحقة. يقول “فيخته”:

” إن الأمة التي تحمل إلى اليوم اسم الأمّة الألمانية (أي التي هي “الشعب في حد ذاته”Le peuple tout court )، لم تتوقف إلى الآن عن البرهنة عن حركية خلاّقة ومُجدّدة في شتى المجالات. ولقد حانت ساعة قيام فلسفة شمولية، فلسفة يتخللها التفكير في كل جوانبها، كي توفّر لهذه الأمّة المرآةَ العاكسة التي تدرك من خلالها نفسها إدراكا جليّا…”([8]).

 

II– الرومانسية السياسية بالمعنى الحصري للكلمة:

1)- صعوبة الضبط الزمني:

تمتد المرحلة الكبرى للرومانسية الألمانية من 1798 إلى 1830تقريبا، إلا أنه من الصعب في الحقيقة تحديد تاريخ دقيق يضبط بداية أو نهاية هذه المرحلة. ويرى البعض أنها تكتمل بظهور كتاب فلسفة الحياةLa Philosophie de la vie  ل”فريديريك شليغل”Friedrich Schlegel  سنة 1827، الذي يقدّم مذهب إعادة الوحدة السياسية La Restauration politique ويمجد الدولة المسيحية. ولكن “جاك دروز” يمدّ هذا التاريخ إلى ثلاثة سنوات أخرى قائلا: “لقد أضحت الرومانسية مختصرة في موقف الدفاع عن النفس نتيجة تقدّم الحضارة الصناعية وصعود الليبرالية: إن كتب “جوزيف فون إشندورفJoseph Von Eichendorff ” حوالي 1830هي ما يختتم هذا المسار”([9]).

ولكنّ ذلك لا يصدق إلاّ على الرومانسية السياسية بالمعنى الحصري للعبارة. فالرومانسية المرتبطة بمحاولات الارستقراطية التشبث بهيمنتها على المجتمع، ستتعرض إلى العرقلة بسبب صعود البرجوازية الليبرالية وتطلّعها إلى الحداثة. لذلك فإنّ نظريات من قبيل تلك التي أقامها “شليغل” او “آدم مولر”Adam Müller (1779-1829) ستسقط في النسيان، ورغم ذلك فإنّ بعض المحاور ستتمكن من الصّمود مثلما سنرى في القسم الثالث.

 

2)-  حركة رجعية بالمعنى الايتيمولوجي للعبارة: 

ستقوم الرومانسية التي استلهمت أفكارها من أطروحات “بورك”، بالتصدّي بقوة لكل المبادئ التي قدّستها ثورة 1789 الفرنسية.

 

  • حركة معادية للفردانيةAnti-individualiste :

صحيح أننا نجد في الرومانسية الألمانية ( على غرار ما يوجد في كل نزعة رومانسية) ضربًا من التقديس للأنا. غير أنه علينا رغم ذلك أخذ الأمر بحذر. فهذه حركة شديدة العداء للفردانية في المعنى السياسي للكلمة. إنها ترفض رفضا قاطعا تلك الفردانية التي ألهمت (و”ماركس” مُحقٌّ في ذلك) كل بنود “إعلان حقوق الإنسان والمواطن”Déclaration des droits de l’homme et du citoyen  الذي كان في البداية يُسمّى “إعلان حقوق الفرد والمواطن”Déclaration des droits de l’individu et du citoyen.

 وفي هذا السياق يُعبّر “نوفاليس” بلباقة عن رفض الفردانية البرجوازية عندما يقول:  “إن فِكْرَنَا حوارٌ، وإنّ حساسيّتنا تَعاطُفٌ”([10]). وفي أسلوب أكثر بلاغة، يقرّ الشاعر “ماتياس كلاوديوس”Mathias Claudius  في رسول واندسبكMessager de Wandsbeck :

“إن من لا يجد حرجا في تقريظ الحرّية وحقوق المواطن، مهما كانت نواياه، إنّما يدمّر تلك الصّلات التي نُسِجَتْ بصعوبة وإتقان بين المواطنين. إنه بذلك يُخْرِجُ من أعماق الفرد ادعاءات عبثية وتسلطية، ويقوم بمَحْوِ مشاعر الحب النبيل والإيمان والثقة، ثمّ إنه يجعل من كل واحد منّا كائنا جافّا ومتعنّتا لا يزرع الفرح في نفسه ولا لدى الآخرين. إنه بذلك ينتزع من قريبه أثمن شيء في هذه الدنيا، ألا وهو العزاء الذي يكفله الدين لأولئك الذين هم – أو هكذا يعتقدون أنهم – مضطهدون من قبل أسيادهم”([11]).

وفي نهاية هذه المرحلة يعبّر “كليمانس برنتانو” Clemens Brentano (وهو عضو متميز في مدرسة هالدلبرغHeildelberg ) في كتابه صور ومحادثات من باريس Bilder und Gespräche aus Paris (1827) عن انطباعات سيكون لها صدًى في رأيي في صفحات شهيرة سيكتبها “أ. دو توكفيلA. de Tocqueville ” بعد بضعة سنوات في عن الديمقراطية في أمريكا De la Démocratie en Amérique(1835-1840)، قائلا: 

الروح الليبرالي لعصرنا الحالي: نرى سيّارات وفرسانًا ومترجّلين يمرّ بعضهم بجوار بعض في حيرة وعجلة من أمرهم . يستخدم جميعهم الطريق نفسه، ورغم ذلك يبدو كل واحد منهم وكأنه قد اختطّ لنفسه طريقا خاصا به، فلا أحد يعرف الآخر ولا أحد يُلقي التحية على الآخر، إذ ينكفئ كل منهم على مشاكله الخاصة فقط […].هذه الحركية تدلّ في نظري على تفشّي الأنانية. لقد اتضح لي أن هناك ميل لدى ساكن المدينة الضخمة، الذي تتقاذفه أمواج الجموع التي لا تتوقف حركتها، إلى أن لا يتبع سوى ما تمليه عليه أهواؤه ومصلحته الخاصة”([12]).

 

ب)- حركة معادية للّائكيّة Anti-laïque :

في سنة 1798، قطع “نوفاليس” نهائيا، حيث كان دوره حاسما، مع الفكر اللائكي المفضّل بالنسبة إلى فكر الأنوار. كان ذلك في الإيمان والحب ([13])  Foi et amour، وبصفة خاصة، في ذلك المقال الذي كان له تأثيره على الرومانسية الألمانية وهو: “المسيحية أو أوروبا” Die Christenheit order Europa” ( الذي كتبه قبل وفاته المُبكّرة بسنة، أي سنة 1800، ولكنه لم ينشر إلاّ سنة 1826) ([14] ). ثمّ قام خَلَفُهُ بتعميق أفكاره عبر توجيهها لخدمة القيم الأشدّ محافظة. لقد كانت تلك هي الحال في النمسا منذ نداءات “ك. ف. متارنيخ KLEMENS VON METTERNICH  (1773-1859) ”  إلى مقاومة القومية الألمانية التي اُعتُبِرَتْ مسيحيّتَهَا ضعيفةً، وصولا إلى اللحظات الأخيرة للرومانسية الفييناويّةViennoise  التي ساهمت في بروز فلسفة لإعادة البناءUne philosophie de la restauration. وغالبا ما اكتست هذه النداءات من أجل إعادة بناء إمبراطورية مسيحية دلالة واضحة معادية للسامية مثلما تؤكد ذلك نصوص الناقد ورجل السياسة “آدم مولرAdam Müller”  خاصة في بعض مقالات  المجلة السياسية Staatsanzeigen ([15]) التي كانت لسان حال (حركة) إعادة البناء الكاثوليكي. نجد ذلك مثلا في هذا النص الذي يعود إلى 1819:

 “انه من السهل البرهنة على أن اليهود لا يجب أن يتمتعوا بالحقوق المدنية، ليس فقط في دولة مسيحية بل وفي كل الدول. فلا يجب أن يكون لهم مكان في الدولة، ليس لكونها مسيحية بل لأن اليهود هم اليهود […]. فهم يكونون مسيحيين أو يهود بحسب الامتياز الذي يحصلون عليه، ولكنهم غير ملزمين بأي شيء ولا بأن يكون وطنيين في البلد الذي يحتضنهم برحابة، إنهم لا يلتزمون إزاءه بأية خدمة ولا أية تضحية”([16]).

 وفي سياق الرؤية نفسها يدعو أغلب الرومانسيين الألمان إلى العودة إلى الحكم الثيوقراطي([17]) ويرفضون فكرة المدرسة الشعبيةL’école communale  . ذلك هو موقف “آدم مولر”: ” لا يجب أن يكون المدرس سوى خادم للراهب، فأن نسعى إلى جعله شخصا مستقلا معناه أننا ننتزعه من خضوعٍ يستمدّ مشروعيته من الطبيعة، أي أن نجعل منه سببا لإشاعة الضرر. إنّ استبعاد التعليم الديني من المدرسة، أو بعبارة أدق، استبعاد تدريس إيمان ايجابي (بنّاء)، معناه أننا نجرّد الدين من مُكَوِّنِهِ المُخَلِّصِ وأنّنا لا نُبقي فيه إلاّ على ما هو ضارٌّ ولا فائدة منه. ليس هناك أكثر ضررا إذن من تلك المدارس الشعبية”([18]).

 

ج)- حركة معادية للتقدمAnti-progressiste :

أشاع “شليغل” عبر المحاضرات الفلسفية Conférences philosophiques ([19]) خلال الفترة الممتدة بين 1804 و 1806 ذلك التعلّق بالقرون الوسطى الذي كان “هاردر” قد بدأه، وهو تعلّق لن يضعف البتة خلال ما يقرب من نصف قرن. ويحدد “جاك دروز” أسباب ذلك كما يلي:

” لقد  أصبح محور إعادة بناء الوحدة الأوروبية تحت راية البابوية والإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة، بفضل النشاط المثمر للإخوة “شليغل”، وهما من كبار المعجبين بالعالم الوسيط، أحد المحاور المفضّلة للرومانسية”([20]).

 

د)- حركة معادية للنخبوية Anti-élitiste :

كانت فرنسا الثورية تتبجح بنخبوية جمهورية حلّت محلّ الامتيازات الظالمة  للنظام القديم. في هذا الزمن المرتبك الذي لا ينفك عن التعامل مع مفهوم العدالة دون وضوح، كان هناك نزوع إلى تناسي كون البرجوازية الثورية الفرنسية هي الأخرى تزدري الثقافة الشعبية. ولكن في مواجهة هذا الازدراء سيقوم شعراء ألمان من قبيل “ك. برنتانو” Clemens Brentano  و”أ. ف. أرنيم” Achim von Arnim (وهم الأعضاء الأكثر تألّقا في مدرسة هايلدلبرغ) بنحت مفهوم “الشعر الشعبي”، الذي هو شعر متجذّر في اللغة والعرق.

ومرة أخرى كان “فيخته” قد استبقهما من خلال إعلانه في الخطاب إلى الأمة الألمانية أن “أحد أقوى الوسائل للرفع من شأن الخصوصية الألمانية هو كتابة تاريخ ملتهب Histoire enflammée  لِأَلْمَانِ هذه المرحلة، إذ سيكون ذلك ملهبا لحماس الجمهور، لأنه سيكون مثل الإنجيل  أو مدونة الأناشيدRecueil des cantiques  ، وسيغدو هو الكتاب المقدس الوطني والشعبي إلى أن يحين اليوم الذي ننجز فيه أثرا عظيما يستحقّ الذكر”([21]).

 

ه)- حركة معادية للرأسمالية Anti-capitaliste :

ترفض الرومانسية بشدة فكرة الاستقلال الاجتماعي للمؤثرات الاقتصادية التي هي أساس الايدولوجيا الليبرالية التي يحبذها الثوريون الفرنسيون. ولقد كان “آدم مولر” سبّاقا إلى التحذير من استفحال الرأسمالية وتحويل العمال إلى بروليتاريا. و مرة أخرى نجده يفضل القرون الوسطى على الحداثة قائلا:

“لا فرق بين أن يتم استعبادي دفعة واحدة أوأن يقع الحد من وسائل عيشي إلى أن استسلم للعبودية، أي بين أن أبيع نفسي دفعة واحدة أو كل يوم بالتقسيط. فبدلا من أن يتمّ تحويل جسدي إلى عبد وان أتحمّل عبء بقائي، يتم استلاب الجانب الأساسي من كياني، أعني قوتي الفيزيائية، في حين يترك لباقي جسمي، بشكل مثير للسخرية، تمام الحرّية والمسؤولية عن مصيره”([22]).

وفي ميونيخMunich ، بعد مرور بضعة سنوات، وعلى طريقة “فريدريك انجلزFriedrich Engels” الذراع اليمنى ل”كارل ماركس”، كان “فرانس فون بادرFranz Von Baader” الذي يمثل احد الكتاب الرئيسيين في مجلة “إيوس “Eos، مقتنعا بعد إقامته المطولة في لندن ببؤس العمال في المجتمع الرأسمالي. لقد وضع “بادر” أسس المذهب الاجتماعي والاقتصادي للكنيسة. فهو يقيم العلاقة بأسلوب متميز بين البؤس العمالي والتقدم التقني قبل ظهور تحاليل “ماركس” بزمن طويل، مقتنعا بأن “العبودية اقل قسوة واقلّ لا-إنسانيّة”([23]) :

“إن الابتكارات التقنية والميكانيكية الأكثر تطورا تساهم إذن في التقليص من حسن ظروف العيش وليس في تحسينها، وهي تساهم في مزيد من تردّي أوضاع القسم الأكبر من الأمّة”([24]).

 

و)- حركة معادية للنزعة التعاقديةAnti-contractualiste :

إنّ المرء، مثلما أقر ذلك بكثير من النباهة جوزيف “لو ماترJoseph Le Maitres “([25])  في فرنسا، لا يقرّر بإرادته أن يكون منتميا إلى جماعة، ولكنه ينتمي إليها بموجب العوامل اللاواعية المتمثلة في اللغة الموروثة عن الأسلاف وفي العادات والمعتقدات الدينية. وبذلك سيبقى رفض النزعة التعاقدية عنصرا ثابتا داخل الرومانسية الألمانية.

 

3)- الثوابت السياسية للرومانسية الألمانية:

اذا كانت الرّومانسية الألمانية رجعية (ومعادية لفرنسا في المقام الأول)، فان ذلك لا يعني عدم التزامها بثوابت محددة:

فمهما كان التنوع الداخلي للرومانسية، فإنها ترتكز على ثوابت كبرى سنقوم بإحصائها بإيجاز، وإن كنّا قد ذكرنا بعضها في القسم السابق من هذه الدراسة، فالرفض والإثبات مترابطان بطبيعة الحال.

 

أ)- الدور الرئيسي للدولة:

أقرّ “نوفاليس” في إحدى ملاحظاته إنّ” إحدى النقائص البارزة لدولنا تكمن في كون الدولة لا تتجلّى من خلالها إلا في صورة ضعيفة”([26]). قد تبدو هذه الملاحظة للوهلة الأولى منسجمة مع الفلسفة السياسية الهيغلية. ولكن إذا كان “هيغل” قد أقرّ هذا الحكم في ما يتعلق بأغلب الأمم الأوروبية ، فإنه لم يكن ليقبل بتطبيقه على بروسيا في زمنه التي بلغت فيها الدولة في رأيه صورة عظيمة (بل وإلهية). ثم إنه من جهة أخرى، وبصفة خاصّة،  لم يكن ليوافق على الصلة المتينة التي أقامها “نوفاليس” بين الجمهورية والنظام الملكي. فبالنسبة إلى الرومانسيين الألمان، يمثل المجتمع جسما يحتاج إلى روح، والحال أنه لا يمكن لهذه الروح أن تكون سوى روح الملك الذي يرمز إلى الوحدة الاجتماعية ويجسدها.

تنبأ “نوفاليس” بأن “يوما ما سيأتي، وهو ليس بالبعيد، يقتنع فيه الجميع بأنه لا يمكن لأي ملك  Roi أن يوجد دون جمهورية ولا لأية جمهورية أن توجد دون ملك، وأن كلاهما متعلّق بالآخر تعلّق الروح بالجسد”([27]).

 

ب)- السمة العضوية للمجتمع: 

ثمة تصور عضويOrganique  للمجتمع يجمع كل الرومانسيين الألمان دون استثناء. و يرى أغلب هؤلاء في المجتمع الوسيط التعبير الأكثر اكتمالا عن هذه الحقيقة العضوية، بل إن البعض منهم سيذهب إلى حد تمجيد نظام الكاست Castes  الهندي([28]). ويقول “جاك دروز” عن ذلك  إنّ ” الفرد يذلك يجد نفسه مُندمجا في نظام معقّد من التراتبيّات والامتيازات والواجبات المتبادلة. فالرومانسيون الألمان يشعرون بحنين دفين إلى المجتمع الإقطاعي والى قواعد الخدمات والامتيازات الدقيقة، وإلى علاقات التبعية التي يتضمنها هذا النظام من شخص إلى آخر”([29]).

ومرة أخرى نستطيع القول إن “فيخته” قد فسح لهم الطريق إلى ذلك خاصة في أسس الحق الطبيعي Grundlege des Natunechts (1796-1797):

” لا يمكن لأي جزء من كائن طبيعي أن يكون ما هو إلا في ارتباطه بالكل. من المستحيل أن يكون ما هو(Ce qu’il est) خارج هذا الكل. بل إن هذا الجزء، خارج كل ارتباط عضوي، سيكون بمثابة لاشيء مطلقا. ذلك أنه في غياب هذا التناسب في الفعل بين القوى العضوية التي تصنع توازنها المتبادل، لن يتسنى لأية صورة أن تبقى. وسيسود صراع أبدي بين الوجودÊtre  واللاّوجودNon-Être  . نجد بين الفرد المنعزل والمواطن النسبة نفسها التي بين المادة الخام والمادة العضوية organisée[…]. ففي الجسم المنتظم، يكون كل جزء في خدمة الكلّ دون توقف، وبحفاظه على الكل، يحافظ على وجوده هو نفسه.  وينطبق ذلك تماما على العلاقة بين المواطن والدولة”([30]).

ثمّ نجد هذه الأطروحة بالعبارات نفسها تقريبا لدى “يوهان جاكوب فاغنر ” و”آدم مولر” و”جوزيف غورّاس Joseph Görres”([31]). ويرى هذا الأخير أن جذور الرؤية العضوية توجد في النموذج الهندو- أوروبي الذي ساهم باحث القرن العشرين الكبير “جورج دومزيلGeorges Dumézil ” في نشره: يتعلّق الأمر بصورة مجتمع ثلاثي التركيب يقدّم “غورّاس” صيغته الدقيقة كالتالي:

“يجب أن يرتكز دستور المنظوماتLa Constitution par ordre (ständische Verfassung)  على دعامات ثلاث: منظومة التعليم ( Leherstand )، والمنظومة العسكرية (Weherstand  )، ومنظومة التغذية ( Nährstand  ). وهي المنظومات نفسها التي نجدها في دستور الرايخReich  القديم تحت مسمّيات أمراء الإكليروسPrinces ecclésiastiques ، وأمراء الدنياPrinces laïques  ( بما في ذلك فرسان الامبراطورية) والمدن الامبراطوريةVilles impériales “([32]).

ويبقى نص “ف. شليغل” المذكور ، فلسفة الحياةPhilosophie des Lebens (1827) ،  والذي يرى فيه البعض خاتمة المطاف للرومانسية الألمانية، مرتبطا بنفس الصورة:

“يظلّ كلّ دستور متقن الصياغة، حتى وان كان دستورا جمهوريا، مرتكزا على نظام الفئاتCorporations  والتقسيم العضوي إلى طبقات بدلا من المساواة والنظام الرقمي للاقتراع الذي يمثّل باستمرار عنصر اضطراب  ومصدرا للفوضى طال الزمن أو قصر”([33]).

 

ج)- ضرورة الوحدة الاتنيةLa nécessité d’une unité ethnique :

اجتهد حقوقيو ما سمّي  ” مدرسة القانون التاريخي”L’école du droit historique  في  صلب مدرسة هالدلبرغ من أجل البرهنة على أنه ما من مؤسسة يمكن فرضها باستمرار على أمة ما. ففي مقابل كل نزعة كونية، أراد هؤلاء الحقوقيون أن يبينوا كون المبادئ الحقوقية والدستورية التي تتحكم في حياة شعب ما ليست ناجعة ولا صالحة إلا إذا نبعت من ماضي ذلك الشعب. فلا شيء يكون قادرا على تأسيس جماعة سوى القرابة الاتنية la parenté ethnique (« Volkstum », « Volkheit »)   المدعومة بلغة مشتركة ترسّخت فيها رؤية العالم وقيم الأسلاف على مرّ قرون. وما كان يبدو ثقافيا لدى “هاردر” في القرن الثامن عشر، غالبا ما يعبّر عن نفسه في نظر اغلب الرومانسيين الألمان في عبارات الاتنية  بل وحتى العرق.   ويصوغ مؤرخ ييناIéna  “هنريش لودنHeinrich Luden  ” هذه الفكرة بالطريقة التالية: “إن كل تمظرهات الرّوح، مثلما تترجم نفسها لدى شعب ما، تتميّز بالأصالة: فلا يمكنها أن تكرر نفسها لدى أي شعب آخر”([34]).

وفي مثل هذه الظروف، لن نستغرب أبدا من الانزلاقات المعتادة التي تقود من إثبات الهوية المتفردة لشعب ما إلى التعصب. لقد عبر “جوزيف غورّس” عن ذلك بفصاحة  في أسطر كتبها سنة 1816: ” إن كل ما هو غريب ، كل ما اقتحم حياة شعب ما دون اقتناع عميق، يصبح بالنسبة إليه سببا لمرض يجب عليه أن يستأصله إذا أراد أن يظل معافى. وفي المقابل فإن ما هو جوهري أو خاص بالنسبة إليه يجب عليه تغذيته وصَقْلُهُ  باستمرار. ذلك انه لا يجب النظر إلى طاقة كامنة على أنها ميتة مثلما هي الحال في النسيج العضلي الذي يكسوه الشحم لدى المصابٍ بالبدانة” ([35]).

 

III – الرومانسية الفلسفية السياسية في معناها الشاسع:

غير أنه لا يمكننا الوقوف على معنى الرومانسية الألمانية بالاقتصار على ذلك المعنى الضيق الذي حدّده لها أغلب المختصين. إذا أعطينا لكلمة سياسة  دلالتها الأكثر اتساعا، وإذا أعطينا الصراع الألماني الفرنسي الناتج عن الحروب الثورية والغزوات النابليونية كل أبعاده، فإننا سنرى الأشياء في صورة أخرى.

لقد بدت فرنسا الثورية للفلاسفة الألمان بمثابة نموذجٍ وبمثابة مصدر للإحباط  في الوقت نفسه. نموذج رأى فيه “كانط” خلال حياته إثباتا لتحليلاته الفلسفية المتعلقة بالحرية، وهو نموذج احتفى به طلبته الثلاث الذين سيكتسبون شهرة كبيرة بعد زمن قصير وهم “هيغل” و”شيلينغ” و”هلدرلين” عندما غرسوا “شجرة الحرية” تكريما لثوّار 1789 في مكان غير بعيد عن جامعة توبنغنTübingen  حيث كان ثلاثتهم يدرسون. ولكنه كان مصدرًا للإحباط بسبب الرعب والفظاعة، ثم خاصة بسبب كون الكبرياء الألماني لا يتحمل ان تحجب فرنسا ألمانيا إلى هذا الحد على مسرح التاريخ.

إن الثوريين بحاجة إلى نموذج دائما، أي إلى أن ينتسبوا إلى تراث ما بعينه. ففي الوقت الذي اختار فيه الفرنسيون الاحتفاء بالنموذج الرّوماني القديم (وهو ما يفسّر اختيارهم لتلك البذلات الثورية المستوحاة من روما القديمة أو اختيارهم لذلك المعجم السياسي)، بقي للألمان أن يختاروا استحضار النموذج الإغريقي. ذلك هو ما قاموا به طيلة القرن التاسع عشر. وبهذا الوجه، تتجلّى لنا رومانسية ألمانية أكثر اتساعا من تلك التي كنا قد وصفناها. وفي هذا المعنى الجديد يصبح من المشروع تماما اعتبار الفيلسوف “فيخته” ( الذي اعتبرناه إلى حد الآن مجرد صورة جنينية للرومانسية الألمانية) وكذلك الشاعر “هلدرلين” ثم – في النصف الثاني من ذلك القرن-  المؤلف الموسيقي “فاغنار” و”الفيلسوف الشاب نيتشه”، بمثابة محطات كبرى للرومانسية الألمانية.

 

1)- “يوهان غوتلوب فيخته”:

يجب علينا في الواقع أن نعود قليلا إلى “فيخته”. يمثل هذا الفيلسوف دون شك المنعرج الذي قاد من النزعة الكونية الألمانية خلال القرن 18، التي يمثل غوته وجهها الأبرز، إلى النزعة القومية، ثم بعد ذلك إلى النزعة الجرمانية الشموليةPangermanisme  التي نتجت عنها. كان في البداية منبهرا بالثورة الفرنسية ومدافعا شرسا عن اليعقوبيين، ثم بدأ منذ السنوات الأولى للقرن 19  يعتبر أن فرنسا قد أزيحت عن مهمتها الطلائعية . ويلخص “ج. إ. سبانليJ. E. Spenlé ” بشكل جيّد هذا التمشّي ذو الأثر الكبير، في عمله الصغير الرائع : الفكر الألماني من “م. لوثر” إلى” ف. نيتشه”   La Pensée allemande de Luther à Nietzsche([36] ) :

“عندما رأى (أي فيخته”) أن الثورة قد اُخْتُطِفَتْ من قِبَلِ  المُغْتَصِبِ، أي “نابليونNapoléon “، انتقل من التصوف اليعقوبي إلى التعصّب الجرماني الشمولي. لقد بدت له فرنسا وإنّها قد أُزيحت عن دورها الطليعي […] ” وفي سنة 1813 كتب: ” إن انتصار الثورة لا يمكن تحقيقه في العالم إلاّ بفضل الألمان الذين كانوا ينضجون منذ آلاف السنين من أجل هذه المهمة. لا يوجد بين بني البشر عنصرٌ آخر يمكنه أن يحفز هذا التطور.”

ذلك هو ما يجعل من مثال “فيخته” مثيرا للاستغراب: فقد بدأ يعقوبيا حيث تراءى له أن اليعقوبية والنزعة الجرمانية الشمولية متكافئتان تماما، وحيث أن خطاباته إلى الأمة الألمانية تحدد الممرّ الذي يسمح بالانتقال من هذا المذهب الأوّل إلى المذهب الثاني. غير أن نزعته اليعقوبية كانت منذ البداية ذات طابع جرماني شموليّ([37]).

اذا قبلنا بتعريف النزعة الرومانسية السياسية الألمانية على أنها الحركة التي تجسّد فيها طيلة القرن ال19 حُلْمُ شعب بأكمله في التحكم في مصير الإنسانية، فانه لا يمكننا أن نزيح “فيخته” من هذه الحركة بأي شكل من الأشكال، حيث يمثل بالنسبة إليها تمهيدا أساسيا.

 

  • “هلدرلين” (1770- 1843):

إن “هلدرلين” الذي يعتبر عادة بمثابة أكبر شعراء اللغة الألمانية، والذي أصيب بالجنون منذ سنة 1806، والذي كان يكتب بشكل عرضي طيلة السنوات الست والثلاثين الأخيرة من حياته، هو مرحلة أخيرة في مسار الرومانسية الألمانية.

فبعد أن تحمّس هو الآخر للثورة الفرنسية ، ثار ضد الرعب وضد الغزوات النابوليونية . وتعبّر مُدوّناته الشعرية الرئيسية ([38]) عن تقديس كبير لليونان القديمة. إنه يُعبّر من خلال احتفائه بالطبيعة والآلهة والعناصر، ومن خلال استحضاره في أشعاره لرؤية للعالم قريبة من الفلاسفة ما قبل السقراطيين، عن انتظاره لما يسميه الهيسبيرياHespérie  (اليونان الكبرى)، بمعنى يونان جديدة تستعيد (مَجْدَ) الحضارة القديمة بوضع حدٍّ للأفول الذي جسّدته اّلفيّتان من هيمنة الديانة التوحيدية التي اقتربت من نهايتها حسب نظره. وبطبيعة الحال، ستظهر هذه اليونان الجديدة التي ستحقق شوطا جديدا من التطور، في ألمانيا وليس في أي مكان آخر من الأرض.

 

  • “ريتشارد فاغنر” 1813 -1883

إن “فاغنر” المعجب ب”هلدرلين” والصديق ل “غوبينوGobineau ” صاحب الكتاب الشهير رسالة في عدم المساواة بين الأعراق البشرية Essai sur l’inégalité des races humaines (1853-1855) ، مقتنع بانحطاط أوروبا الناتج في نظره عن سببين: الأول غذائي ( ف”فاغنر” نباتي متعصّب يرى أن ابتلاع اللحم يفسد الدم البشري) والآخر اتنيEthnique  يتعلّق باختلاط دماء الأعراق النبيلة بالدم غير النقي للأعراق المنحطّة.

وسيصبح مهرجان بيروث Bayreuth  على مرّ السنين المناسبة الأكثر نشاطا للدعاية العنصرية التي ستغمر ألمانيا بُعَيْدَ الحرب العالمية الأولى. يضاف الى ذلك حالة الإحباط الناتجة عن معاهدة فرساي التي خلقت روحا انتقامية ستتجسد فيها لاحقا الأفكار العنصرية النابعة من عالم بيروث المصغّر نفسه.

 

  • “نيتشه” الشاب:

سيصبح الشاب “نيتشه”، الذي تمّ تعيينه أستاذا للفيلولوجيا في جامعة بالBâle  وهو لم يبلغ بعد سن الخامسة والعشرين، صديقا مقرّبا من عائلة “فاغنر” التي تقيم في مكان غير بعيد عن بال على ضفاف بحيرة تريبشن Tribschen. وفي جوّ من الانبهار ب”فاغنر” والتعلق بزوجته الشابة “كوزيما Cosima  ” (التي تكبر نيتشه بسبع سنوات فقط في الوقت الذي كان فيه “فاغنر” مُشرفا على الستين)، في هذا الجوّ نشر “نيتشه” سنة 1872 كتابه الأول ولادة التراجيدياLa Naissance de la Tragédie، الذي يعطي الانطباع أنّه هو الآخر ينتمي إلى تيار الرومانسية الألمانية، وأنه بدوره مقتنع بالرسالة التاريخية لألمانيا التي أنجزت للتوّ وحدتها تحت راية “بسمارك ” Bismark .

    سيخصص “نيتشه” جانبا كبيرا من حياته الفكرية للتنصّل من هذا الوهم الشبابي المحدود. بل إن آخر سنة من حياته العاقلة (أي قبل جنونه) ستشهد مضاعفة لافتة للجهد من أجل البرهنة على مدى ابتعاده عن كل أوهام النزعة الجرمانية الشموليّة. ولقد خصّص عملين من بين أعماله الخمس لهذه القضية: مسألة “فاغنر” Le cas Wagner و”نيتشه” ضد فاغنر ، واللذين نُشِرا معًا سنة 1888.

ومن سوء الحظ أن الموت سارع إلى اختطافه. وبالرغم من كل الجهود التي قام بها، فإنّ أخته “إليزابيت Elisabeth”، المدافعة الشرسة عن “فاغنر” والمتزوجة من الضابط البروسي “فورستر Förster ” المتعصّب للنزعة الجرمانية الشموليّة والذي سترافقه إلى اليوراغواي Uruguay لإقامة مستوطنة “للعِرْقِ النَّقِيِّRace pure”([39]) ،  ستسارع، وقد بدأ نيتشه رحلته نحو الجنون، إلى نشر  إرادة القوةLa Volonté de puissance  ([40])، وستبث في أوساط الفاغنريين فكرة انه فيلسوف النزعة الجرمانية الشموليّة، ثمّ ستقوم بإهداء عكاز “نيتشه” إلى “هتلر” الذي سيحضر شخصيّا مراسم تأبينها سنة 1935.

هذا هو الوجه الذي يجعل مفكّرًا معاديًا لألمانيا ومناهضًا لكلّ أشكال العنصرية المعادية للساميّة (وفق تعبيره هو)، يظهر إلى حد اليوم في نظر من يجهله، ولسبب رئيسي هو خطأ “إليزابيت”، في صورة الفيلسوف الذي مثّلت أفكاره مرتكزا للنزعة الاشتراكية القومية.

 

خلاصة: الرومانسية الألمانية منبعًا للنازية:

انه لأمر أساسي أن نعطي للرومانسية الألمانية أبعادها الحقيقية. ففي غياب ذلك، ستبقى الإثارة التي أحدثها هتلر لدى قطاع كبير من المثقفين، غير مفهومة إلى الأبد.

فكون الديماغوجيا الهتلرية تمكنت من إغراء شعب مُهَانٍ بسبب معاهدة فرساي Traité de Versailles، شعب حطّمته أزمة 1929 وأنهكته البطالة، هو أمر لا يصعب على المرء فهمه. ولكن أن تتمكن النزعة القومية الاشتراكية من إغراء رهط من المثقفين الألمان، الذين من بينهم مفكر بحجم “هايدغارHeidegger  “[41]) على سبيل الذكر لا الحصر، هو أمر يبقى بمثابة اللغز العميق ما لم نتذكّر أن ألمانيا كانت لأكثر من قرن تتطلّع إلى السيطرة على مصيرها التاريخي، وما لم ندرك أنّها من “فيخته” إلى “هتلر”، مرورا بكل الرومانسيين الألمان المذكورين، ب”هلدرلين” و”فاغنر” والشاب “نيتشه”، قد تخيّلت أنه بوسعها أن تكون اليونان الجديد، وأن نهضة (كبرى) ستنطلق على أرضها من شأنها أن تجعل من إيطاليي الكواتروشنتو   Quattrocento بمثابة صورٍ شاحبةٍ.

لقد حدثتكم في هذا العرض عن “الشعب في حد ذاته” وعن “الشعب المختار” و”هوية الشعب” وعن “إعادة بناء الوحدة الأوروبية” و”بعث الحماس في الشعوب”، وعن الحاجة إلى دولة تكون كليّة القدرة، ثم عن نموذج اجتماعي عضوي وعن النقاء العرقي والتعصّب ومعاداة السامية (لا أذكر هنا سوى بعض المفاهيم التي توقّفنا عندها تِبَاعًا).

يكفي Hن يقوم داعية إيديولوجي مثل “روزمبرغ Rosenberg ” في كتابه أسطورة القرن العشرين le mythe du XXe siècle  ([42])  بتجميع كل عناصر الأسطورة Mythèmes  التي روّجت لها الرّومانسية الألمانية، ثمّ يكفي أن يقوم ديماغوجي عبقري مثل “هتلر” بتجميع المحاور الموروثة عن قرن بأكمله من الخيال الرومانسي في أسلوب مفهوم لدى العدد الأكبر من الناس، يكفي ذلك كي تفرض تلك الايدولوجية نفسها على شعب بأكمله وكي تُثير (لأسباب مختلفة) حماس الجُموعِ والنُّخبِ على حدّ السواء.

لقد نتجت عن الرومانسية الألمانية تلك الفكرة الخطيرة جدّا والقائلة بان السياسة “عضويّة” بِمَعْنَيَيْنِ:

في معنى “الأرغانون” Organon (أي “الأداة” باليونانية)، – وفي معنى “الإرغون” “ergon”  (أي “الأثر” “l’œuvre”   ). ما من تفسير آخر للنازية يمكن أن يكون أكثر جدية. ويلخص “فيليب لاكو-لابارث Philippe Lacoue-Labarthe ” بإتقان ما كنا قد قدّمناه هنا بإيجاز في عمل له بعنوان خيال السياسيla fiction du politique :” إن قولنا النزعة القومية الاشتراكيةNational-socialisme  هو كقولنا النزعة القومية الاستيتيقيةNational-esthétisme ” ([43]). لقد كان الألمان جاهزون للأمر عند بداية القرن العشرين، بعد أن شحذهم ما يُناهز القرن من الأحلام الرومانسية كي يؤدّوا  أدوارَ فِلْمٍ له من العظمة بقدر ما هو مأساويّ، بقيادة مُخرج عبقريّ بقدر ما هو فاسد، هو “أدولف هتلر”([44]).

المصدر

 


)[1]) العنوان الفرعي من إضافة المترجم.

)[2]) Jacques Droz, Le romantisme politique en Allemagne,Paris, Armand Colin, Collection « U », 1963, p. 34.

)[3])  Cité par Jacques Droz, Le romantisme politique enAllemagne, op. cit. p. 139.

)[4])  Litteraturzeitung fûr katholische Religions lehrer, tome XI,1815, cité par Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p. 179.

[5]  )  لقد خصص “هاردر” للغة أحد كتبه الأولى سنة  1771Traité de l’origine du langage

)[6])   أنا ألجأ هنا الى نحت ملائم فرض نفسه منذ عدة سنوات: Cf. l’ouvrage collectif Ethnicisme et politique, Paris, Éditions L’Harmattan, 2005.

)[7])  Cité par Jacques Droz, Le romantisme politique en Allemagne, op. cit. p. 61.

)[8])  Fichte, Discours à la nation allemande, cité par Jacques Droz, Le romantisme politique en Allemagne, op. cit. p. 123.

)[9] ) Jacques Droz, Le romantisme politique en Allemagne, op.cit. p. 33.

)[10])  Cité par Jacques Droz, Le romantisme politique en Allemagne, op. cit. p. 13.

)[11])  Matthias Claudius, Sämtliche Werke, cité par Jacques Droz, Le romantisme politique en Allemagne, op. cit. p. 46-47.

)[12](  Clemens Brentano, Bilderund Gesprächeaus Paris, citépar Jacques Droz, Le romantisme politique en Allemagne,op. cit. p. 196.

)[13]) Les Fragments (collection bilingue), trad. Armel Guerne, Paris, Aubier Éditions Montaigne, 1973. Les Fragments (1795-oct. 1800) comprennent cinq groupes : Grains de pollen(1798), Foi et amour (1798), un 3° choix (1797-1798) avec Fragments logologiques et Poétismes, le Brouillon général (juin 1798-été 1799), un dernier groupe (été 1799-octobre 1800) (المترجم) 

 [14] ) مقال ل”نوفاليس”. والأدق انه كتب سنة 1799. يقول في مطلعه:”Les temps ont existé, pleins de splendeurs et de magnificence, où l’Europe était une terre chrétienne, où n’étaient habitées que par une Chrétienté ces contrées façonnées à l’image de l’homme, alors qu’un puissant intérêt commun liait entre elles les provinces les plus éloignées de ce vaste royaume spirituel (المترجم)

[15])  مجلة سياسية اشتغلت بين 1782 و1793 وتوقفت بسبب امتناع ادارتها عن مواصلة النشر في ظروف المنع.(المترجم)

)[16])  Adam Müller, Über Landständeund Volksvertretung, in Revue Staatsanzeigen, 1818, citée par Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p. 164.

[17]  )”ذلك هو الشرط الوحيد” مثلما يرد في صحيفة الأدب لمعلّمي الدين الكاثوليكي سنة 1815، “أن يكون المستقبل قادرا على ولادة ثورة مضادّة حقيقية وان نصل إلى بناء ثيوقراطيةThéocratie ، تكون قادرة دون سواها على إصلاح الأضرار الناتجة عن الديمقراطية التي نشرتها الثورة الفرنسية في العالم بأكمله”  (cité par Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p. 179)

)[18])  J.B. von Pfeilschifter, Über die Restauration desöfffentlichen Unterrichtsund der Erziehung, 1825, cité par Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p. 180.

[19] هي محاضرات ألقاها “شليغل” في كولونيا وصدرت سنة 1836 تحت عنوان:  Friedrich Schlegel’s Philosophische Vorlesungen aus den Jahren, 1804-1806.  (المترجم)

)[20])  Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op.cit. p. 22.

)[21])  Fichte, Discours à la nation allemande, cité par Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p. 126.

)[22])  Adam Müller, Von der Notwendigkeiteiner theologischen Grundlage der gesamten Staatwissenschaftenund der Staatwirtschaftins besondere, 1821, cité par Jacques Droz, Le romantisme politique en Allemagne, op. cit. p. 167.

)[23])  Franz von Baader, 1835, cité par Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p. 184.

)[24])  Ibidem, p. 185.

)[25])  . وعلى سبيل المثال يقول “جوزيف لو ماتر” “إن تجمّعًا ما من أفراد البشر لا يمكنه أن يشكّل أمّة. فعمل من هذا القبيل سيكون بمثابة جنون منقطع النظير” Joseph Le Maistres (Œuvres complètes, I, Vitte, Lyon, 1884, p. 230)

)[26]) Novalis, cité par Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p.16

[27] ) Novalis, cité par Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p. 22

 كلامٌ لا يحيل إلى التصور الهيغلي للدولة بقدر ما يحيل إلى ما سيحدث في ألمانيا نفسها بعد وفاة “نوفاليس” بما يناهز القرن ونصف القرن من الزمن، عندما ستقوم في ألمانيا دولة الرايخ الثالث التي سينصهر فيها الشعب في شخص الفوهررFührer  في صورة نظام شموليTotalitaire  قام في جوهره على التعبئة الشاملةMobilisation totale  في مواجهة العالم الخارجي. (المترجم)

)[28])   تلك هي الحال في ما يتعلق ب “شليغل” مثلا الذي يفترض ان بلاد الهند قد استطاعت أن تعمّر وأن تحافظ على هويتها بفضل منظومة الكاست (الفئة) رغم الغزوات التي لم تتوقف.” Cf. Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p.175

)[29]) Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p. 20-21

)[30]) Fichte, Grundlege des Naturechts, cité par Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p.54

بإمكان القارئ أن يعود إلى الترجمة الفرنسية:

Fondement du droit naturel selon les principes de la Doctrine de la science (1796-1797, Grundlage des Naturrechts), trad. Alain Renaut, Paris, PUF, 1984. Application de la Doctrine de la science au droit. (المترجم)

[31] ) “يوهان-جاكوب فاغنر” Johann-Jacob Wagner(1775-1841) هو تلميذ “شيلينغ” الذي وضع أفكارا قريبة من أفكار “آدم مولر”. وينتمي “آدم مولر” (1779-1829) إلى تيار إعادة البناء الكاثوليكيLa Restauration Catholique  الذي طبع السنوات الأخيرة للرومانسية الألمانية في المعنى الضيّق للعبارة. أما “جوزيف غورس” (1776-1848) فقد ساهم بنشاط من خلال مجلته Le Mercure Rhénan في تطوّر الفكرة القومية الألمانية.

)[32]) Joseph Görres, cité par Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p.152.

)[33]) Friederich Schlegel, Philosophie des Lebens (1827), cité par Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p.172.

)[34]) Heinrich Luden, cité par Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p.113.

)[35]) Joseph Görres, 1810, cité par Jacques Droz, Le Romantisme politique en Allemagne, op. cit. p.16

)[36]) J. E. Spenlé, La Pensée allemande de Luther à Nietzsche, Paris, Armand Colin, Collection « U », 1969.

)[37]) J. E. Spenlé, La Pensée allemande de Luther à Nietzsche, op. cit., p. 75.

 ([38] )خصص “مارتن هايدغار” مقالات عدة ل”هلدرلين” من بينها ” الإنسان يقيم في الشاعرL’Homme habite dans le poete” ، تمت ترجمتها الى الفرنسية في: 

Essais et Conférences, Gallimard, Paris, 1958, p. 224-245, et Approche de Hölderlin, tr. Fr., Paris, Gallimard, 1962.

[39]  ) هناك كتاب خصص من قبل “بان ماسانتير”Ben Macintyre  لهذه التجربة التي تكشف عن كل تخيلات القومية الاشتراكية: Elisabeth Nietzsche ou la folie aryenne, Robert, Laffont, Paris, 1973.

 ([40] ) – يمكن ان نعود في ما يتعلق بهذا الشأن  إلى العمل الحاسم ل “مازينو مونتيناري:( Correspondances avec Giorgio Colli de la monumentale edition critique  des Œuvres Complètes de Nietzsche), « La volonté de puissance » n’existe pas, édition de l’Eclat, 1996.

 ([41]) يمكننا أن نقرأ في هذا الشأن المحاضرتين الهامتين  ل « مارسال كوشMarcel Couche  “اللتين جمعتا تحت عنوان: Heidegger par gros temps  ونشرتا سنة 2004 في حوليات التائه Les cahiers de l’ égaré  وقد شرفني “مارسال كوش” بان طلب منّي كتابة تقديم لهذا الكتاب. )

 

([42] ) يشكل أسطورة القرن العشرين ل “ألفرد روزمبرع” بعد كفاحيMein Kampf  ل”هتلر”، إنجيل القومية الاشتراكية الثاني. وقد ترجم إلى الفرنسية ونشر في: Editions Deterna, Coulommiers, 1999

([43]) Philippe Lacoue-Labarthe, La Fiction du politique, Christian Bourgeois, Paris, 1988, p. 112.

[44])   أنا أشير هنا مثلما هو واضح إلى فِلْم “هانس يورغن سيبابرغHans Jürgen Sybeberg  ” الذي كان له تأثير بالغ على العقول، وهو بعنوان: “هتلر، فلم ألماني”، سنة 1977 . يمكن قراءة الصفحات المعمّقة التي خصصها له ” فيليب لاكو-لابارث” في:La Fiction du politique, op. cit. p. 94-101.

error: