الذهنية والزمن وتحولات المعنى الديني: مراجعة أنثروبولوجية – جعفر نجم نصر

الذهنية والزمن وتحولات المعنى الديني: مراجعة أنثروبولوجية – جعفر نجم نصر


       أن التحولات الثقافية التي شهدتها الإنسانية تكاد لا تعد ولا تحصى ، إذ هي عبرت بمجموعها عن تحولات مجتمعية هائلة، وأسهمت في إنتاج وتوليد هذا المعطى العملي أو ذاك في حياة الإنسان السابقة أو المعاصرة؛ وفي الحقيقة أن الذي يساعدنا على رصد هذه التحولات برؤية موضوعية تغطي معالم حياة الإنسان بكل تجلياتها، هو المعالجة الانثروبولوجية التي ترصد كافة هذه التحولات، وتعيّن بدايات تشكلها ومراحل صيرورتها بطريقة متأنية تتوخى فهم الإنسان بكل أبعاده الكيميائية/ الذاتية أو الفيزيائية/ البيئية.

       وتأسيساً على ذلك أن عملية فهم الصلات والتداخلات بين الذهنية أو العقلية الجمعية والزمن، ما هي إلا عملية إعادة قراءة ومراجعة في الأصول أو الجذور التي صاغت مواقف أو رؤى الإنسان اتجاه الزمن، تلك المواقف والرؤى التي نسجتها البيئة الاجتماعية وسائر مقوماتها الثقافية، والتي لا يمكن إدراكها وفهمها وبالتالي تحليلها من دون الاستعانة بموجهات انثروبولوجية تبين لنا معالم الصلات العلّيّة بين الذهنية ورؤية العالم من جهة، ومفهوم الزمن وكيفية تشكيله والنظر إليه من جهة أخرى، فضلاً عن آلية التعامل معه لدى الإنسان المعاصر الذي هو في حقيقة الأمر محل اهتمام بحثنا هذا.

 

رؤية في البدايات والصلات/ قاعدة التشكل:

       أن عملية البحث والاستقصاء لأصول أو جذور مفهوم الزمن، ما هي إلا عملية شمولية، تستهدف بالضرورة الكشف عن مجمل ما أنجزه الإنسان أو أنتجه ثقافياً عبر صيرورته الوجودية، والذي حاكى من خلاله الطبيعة وما بعد الطبيعة (الميتافيزيقيا)، ثم أتجه نحو ذاته ليقيم معالم تجربته بالاشتراك مع جماعته، بعبارة أخرى اتجه نحو توليد السياقات الثقافية/ الجمعية، تلك السياقات المعبرة عن روح الجماعة الكلية وذلك بوصفها الأرث الثقافي والتوارث السلوكي، فضلاً عن كونها الموجهات الثقافية لسائر شؤونه الحياتية، أنها الإجابات عن التساؤلات، والمعالم المدلة على الجماعة وذهنيتها الخاصة العاكسة لذلك كله.

       فـ الذهنية هي التجسيد الفعلي لأصول الثقافة الإنسانية وتحولاتها المتعددة، أنها القناة الإنسانية التي تحول المدركات والتجارب إلى مواقف، والتي تتحول هي الأخرى إلى رؤى فعلية للعالم بكل تجلياته.

       ولأجل التبصر بشكل معمق في تلك البدايات المسؤولة عن توليد سائر المقولات الفكرية/ الإنسانية، والتي على رأسها مقولة الزمن وصيغته المفاهيمية، سنحاول البحث في قاعدة تشكل ذلك عبر توضيح بعض المفاهيم ومدلولاتها وصلاتها وأبعادها حتى نتمكن من فهم الوعاء الثقافي لمجمل التحولات؛ التي هي عبارة عن تحولات ضمن سياقات (الأس الثقافي) الذي هو ((الذهنية ، رؤية العالم، سائر المقولات الفكرية (الزمن على وجه الخصوص هنا) وعلى النحو الآتي:

       يرى المؤرخ الفرنسي المعروف جاك لوغوف أن مفهوم الذهنية جاء من صفة “Mental” التي ترتبط بالروح “Sprit”، وكلمة mens اللاتينية. لكن النعت اللاتيني “mentalis” الذي تجهله اللاتينية الكلاسيكية ينتمي إلى قاموس المدرسية الوسطية. وتشير القرون الخمسة التي تفصل بين كلمتي “mental” (أواسط ق14) و mentalite (أواسط القرن 19) إلى استجابة الاسم لحاجيات أخرى وظرفية مغايرة. وفي اللغة الفرنسية لا تنحدر “mentaite” بصورة طبيعية من “mental” لأن أصل الكلمة إنجليزي. فقد استخرج الإنجليز منذ القرن 17 “mentality” من “mental”. إنها وليدة الفلسفة الإنجليزية لهذا القرن([1]).

       ويعرفها الباحث الفرنسي أولرش ماولف بكونها: أشكال الفكر المقولبة التي تكون كـ (الأولي التاريخي، مستثناة من الفكر نفسه) وكذلك بوصفها (توجهات ذات صبغة إحساسية) إنها لديه: (الرحم الذي يحدد الإحساس فلا تصله إلا بمسالك (قبلية) قابلة للعلم والتسمية. فالذهنيات تفرض على أصحابها استعدادات معرفية وخلقية وعاطفية) ([2]).

       فـ الذهنية يمكن لنا وصفها بأنها: مجموعة المواقف والسلوكيات الثقافية الظاهرة أو المستترة ضمن سياقات اللاوعي الجمعي، والتي تعبر بمجموعها عن الجوانب المعنوية لتجربة الإنسان والجماعة ضمن بيئاتها الاجتماعية، والمتجسدة في معتقدات وعمليات دينية وثقافية تعبران عن الموروث الثقافي كما في الفولكلور وسائر الأنشطة الثقافية الأخرى، فضلاً عن مجموعة التصورات الأخرى، فضلاً عن مجموعة التصورات العقلية إزاء بعض القضايا الوجودية/ الإنسانية والبيئية والكونية المتعددة.

       ولكن ما هي مصادر أو منابع هذه الذهنية ؟ ومن المسؤول عن صياغتها وتشكيلها؟ وكيف تنتج مقولاتها بخصوص الوجود الإنساني بشتى مناحيه؟ وما موقع مقولة الزمان في هذه الذهنية ؟ وكيف صاغها الإنسان؟ وبالتالي كيف نظم حياته وفقاً لفهمه لها؟

       إن من يجيب عن بعض هذه التساؤلات بصفة أولية هو أميل دوركهايم عبر كتابه ذائع الصيت “الأشكال البدائية للحياة الدينية” وذلك من خلال متابعته للمعتقدات الدينية لسكان استراليا الأصليين محاولاً تفسيرها عبر الوقوف على أصولها ومنابعها الأولية. وتشكل نظرية المقولات أحدى المحطات الرئيسة في هذا الكتاب.

       إن نقطة انطلاق دوركهايم هي كنتيّة، بدليل ما قاله من أن كنت كان على حق عندما تصدى للفلاسفة التجريبيين بقوله: أنه يستحيل استخلاص مفاهيم الزمان والمكان والسببية من التجربة، لأن التجربة لا تقدم لنا إلا (إحساسات) في الوقت الذي تنشئ مفاهيم الزمان والمكان أو السببية بين الإحساسات علاقات يتعذر استخراجها من الأحاسيس عينها. لكن كنت لم يقل الكثير بإعلانه أن الزمان والمكان هنا (شكلان قبليان). إنهما، كما يشير دوركهايم، مجرد هباء لا طائل منه([3]).

       ولا يحتفظ دوركهايم من تحليل كنت لا بفكرة (الإحساس) ولا بفرضية الأشكال القبلية، ولكنه يتبنّى ملاحظة جوهرية لكنت مفادها أن بعض المقولات تفرض نفسها علينا بحيث لا يسعنا التخلص منها. أكثر من ذلك، أنها تفرض نفسها علينا مباشرة، وليس بطريقة البرهان غير المباشر، لذا يمكن وصفها بـ (الضرورية) ، هنا يفهم دوركهايم كلمة (ضروري) بالمعنى الشائع المتواتر لدى كنت: (يقال عن أحدى الأفكار أنها ضرورية عندما يكون لديها من القوة الباطنة ما يخوّلها أن تفرض نفسها على الفكر من دون حاجة إلى الاقتران بأي برهان، وعليه، يكون في هذه الأفكار شيء ما يرغم العقل وينتزع موافقتنا من دون إخضاعها لأي فحص مُسبق) ([4]).

       إن مرتكز هذه المراجعات بالنسبة لدوركهايم هو المجتمع لأنه المسؤول عن صياغة هذه المقولات الذهنية التي تتحكم بحياة الجماعة، ذلك لأن المجتمع بالنسبة لديه هو المعين الذي يطبع سائر المقولات بطابعه الجمعي الخاص ويلونها حسبما يشاء بمعنى أن يلبسها اللبوس الاعتقادي أياً كان.

       وإذا كانت مقولات الفكر تلك ما هي إلا تصورات جمعية، تعكس الطبيعة العامة للمجتمع، بمعنى أنها مقولات ذهنية تعكس المقولات الاجتماعية لاسيما الدينية منها بوجهاً خاص على اعتبار أن الدين كان مرتكز التجارب الإنسانية الأولية بنحواً خاص، فأن هذا الأمر لا يعني أنه رد على الطرح الماركسي الذي يحيل سائر المقولات الذهنية إلى العمليات الاقتصادية فحسب، وبهذا المجال نرى حرص دوركهايم في نهاية كتابه أنف الذكر على نفي أي صلة لنظريته بالنظرية المادية التاريخية([5]).

       أما بخصوص مقولة الزمان لدى دوركهايم فيمكن إعادة تحليلها على النحو الآتي:

أن التجربة الحسيّة تكشف لنا وجود تعاقبات متواترة، فالنهار يعقب الليل والليل يعقب النهار، والتعب يعقب الجهد….الخ، لكن من التعاقبات ما يتصف بدرجة تعقيد إضافية، مثل: أن النباتات اليوم تكون أكبر منها بالأمس، وهذا التغير الطارئ على حجم النباتات يؤكد ارتباطها بتعاقب الأيام، وربما، أيضاً بدرجات الحرارة. باختصار، أن الأنشطة العادية ترتكز على عدد غير محدد من الأحكام التي تستخدم هذه التعاقبات، وبما أن من شأن ًE أن تعقب َE و َE أن تعقب E وهكذا دواليك، على نحو غير محدد، فمن الممكن أن نشير إلى هذا التعاقب بتعابير رمزية ونطلق عليها أسم (الزمان)([6]).

       ولأن المقولات تعبر عن علاقات قائمة بين الأشياء فهي تفرض نفسها علينا، وتبدو لنا (شاملة) (بما أنها تفرض نفسها على الجميع)- وضرورية. هذه النظرية الدوركهايمية تتيح فهم الواقع الذي كان كنت على حق عندما أنطلق منه، متحاشيه، في الوقت نفسه، أن تعطيه أصلاً شفهياً محضاً. وبتعبيراً آخر، إن (المقولات) في نظر دوركهايم، تمثل بنى عامة جداً (تقوم بين الأشياء) وتكشفها لنا احتياجات العمل الاجتماعي. ولما كانت تتعلق بالواقع، فقد تعذر الإجماع على صفتها الواقعية. لذا كانت تفرض نفسها على نحو ضروري وشامل، وعلى حد تعبيره: “إنها تحكم تفاصيل حياتنا العقلية، فإن لم يتفق البشر يوماً على هذه الأفكار الأساسية، ولم يكن لديهم تصور متجانس لمفاهيم الزمان والمكان والعلية والعدد…. الخ، استحال أن يحصل أي أتفاق بين العقول، وبالتالي، أن تقوم أي حياة مشتركة”([7]).

       أن الحياة المشتركة التي تنتجها تلك المقولات الأنف ذكرها ما هي إلا تعبير فعلي وواقعي عن الذهنية الجمعية واللاوعي الجمعي لأنها بطبيعة الحال ستولد لنا مجموعة من المواقف والاتجاهات الثقافية العامة اتجاه الكثير من القضايا الوجودية والبيئية والكونية، بمعنى آخر أنها تعبير فعلي عن مجمل الحياة الاجتماعية المشتركة لأنها تمتلك صفتي الإجماع والعمومية في آن واحد أو بتعبير دوركهايم أنه يمتلك صفة الشمولية؛ ولقد ميز بين شمولية مفهوماً ما وبين عموميته قائلاً: “ينبغي عدم الخلط ما بين شمول هذا المفهوم وعموميته، إذ هما شيئان مختلفان كل الاختلاف. إننا نسمي شمولاً، تلك الخاصة التي تخول هذا المفهوم الاتصال بأذهان كثيرين، بل بجميع الأذهان مبدئياً، لكن قابلية هذا الاتصال مستقلة تماماً عن درجة اتساعه، وعليه، فإن مفهوماً لا ينطبق إلا على موضوع واحد ولا يجاوز، بالتالي، الحد الأدنى من الاتساع، يمكنه أن يكون شاملاً، بمعنى أن يكون هو نفسه لكل المدارك والعقول،……..”([8]).

       ولا يكون مفهوم الزمان هنا بطبيعة الحال يمتلك تلك الخاصية من دون ذهنية جمعية مشتركة لجميع الأفراد بمعنى أنهم ينظرون إلى إيقاعات الزمن الطبيعية التي أشار إليه دوركهايم بالطريقة ذاتها، لأن هذه النظرية ستمنح المفهوم شموليته المجتمعية وستمتلك الإلزام والإجبار عبر إخضاع الجميع لها.

       وفي الحقيقة أن الفكر الديني بالنسبة لدوركهايم كان يمثل المرتكز الأصلي الذي نبعت منه كافة المقولات ومن ضمنها مقولة الزمان. فلقد لفت الانتباه إلى الدور الأساسي الذي لعبته هذه المفاهيم التي نشأت في ظل الفكر الديني من قولبة الذهن الإنساني. فالأفكار التي أغنى بها الدين الفكر الإنساني هي مفاهيم وميزة المفهوم أنه خلاصة تصورات جماعية وتجربة وأحكام.،….، لذا فالمفهوم هو خلاصة علم جماعي معين([9]).

       ولما كان الدين هو المسؤول عن صياغة الذهنية الجماعية حول مفهوم الزمان، وذلك بعد أن فسرت الزمن الإيكولوجي الناجم عن فعاليات الطبيعة استناداً إلى التغيرات الدينية البسيطة والمعقدة منها، فلهذا نجد أن أولى الخبرات الفعلية والمباشرة حول الزمان قد تم تبلورها وصياغتها في الذهنية الجماعية استناداً إلى معتقداتها الدينية. والحق أن الدين نفسه استجابة للغز الزمان الأساسي: افتقار الإنسان إلى الأمن حين يحيا في الحاضر، واعياً بأبعاد الماضي والحاضر السحيقة للكون التي لا يملك سلطاناً مباشراً عليها، والمملوء بالخوف من الموت والفناء الظاهري. والحل الذي تقدمه معظم الأديان هو التأكيد على نمط للوجود يتصف بالخلود والتعالي والأبدية، بغير بداية ولا نهاية، مبرئاً من الأخطار، ومنزهاً عن التغير الذي لا معنى له.،…….،. ويتم التغلب على خطر الانحلال في فكرة دورات الزمان التي لا نهاية لها، حيث لا يضيع أي شيء أو يتبدد أبداً، وإنما يتشكل كل شيء ويولد من جديد([10]).

       ولقد انعكست هذه الذهنية الأولى والتي هي عبارة عن ذهنية دينية بامتياز، انعكست على رؤية العالم “World View” بالنسبة لأغلب أفراد الجماعة. ومصطلح رؤية العالم هو ترجمة للمصطلح الألماني “wetanschauung” ويقوم المفهوم في أساسه على دراسة مجموعة الأفكار والتي يعتنقها أحد أفراد المجتمع عن ذاته هو وعن الآخرين وعن العالم الذي يعيش فيه، مما يعني تحديد هذه الأفكار داخل الثقافة ذاتها وليس من خارجها كما هو الشأن في الدراسات الاثنوجرافية والانثروبولوجية التقليدية. والعادة أن يشار إلى ذلك الفرد في دراسات رؤى العالم بكلمة (الشخص) أو الذات self وعلى ذلك فأن استخدام المفهوم يقتضي إبراز الذات في مواجهة الكون أسره وبكل مشتملاته ومكوناته. وبتعبير آخر فأن مفهوم رؤية العالم هي الطريقة التي ينظر بها شخص ما أو شعب ما إلى الكون ككل والتي يرون من خلالها هذا الكون([11]).

       ويرجع الفضل لروبرت ردفيلد “Ropert Redfield” في بلورة تصور أو مفهوم ((رؤية العالم)) وتحديد معناه وخصائصه، وهو يضع الإطار النظري العام لمكونات أو عناصر رؤى العالم وهي:

1- الذات “self” وهي تعتبر محور رؤى العالم التي من خلالها يمكن ملاحظة العالم أو الكون.

2- غير الذات ويشمل هذا العنصر:

أ- سائر البشر أو الآخرين من الناس.

ب- غير البشر، ويشمل ذلك الطبيعة والله.

3- المكان.

4- الزمان([12]).

       وفي الحقيقة أن رؤية العالم ما هو إلا مجموعة أفكار قد انبثقت أو تولدت عن طريق الذهنية ، إذ هي ليس بمعزل عن جملة المواقف أو التصورات التي صاغتها الجماعة عن نفسها أو عن الآخر، فضلاً عن جملة الأفكار التي ولدتها عن العالم الظاهري (الطبيعة) والعالم المستتر (الغيب) وما يتخللهما من تصورات عن المكان والزمان، فرؤية العالم هي عبارة عن الممارسة الذهنية العملية لتلك المواقف والتصورات والاعتقادات الجماعية, أنها التجسيد الفعلي للآليات التعامل مع الوجود برمته.

       ولما كانت الذهنية الحاكمة لمواقف الجماعة في القدم هي ذهنية دينية [وهذا أصبح أمراً بديهياً لاسيما في سياقات الحديث عن طبيعة المعارف الإنسانية الأولى]، فأن رؤية العالم ستكون بمنظار ديني بالضرورة، وهذا ما ينعكس حول تصورات الإنسان حول الزمن.

       وقبل التحقق من مصداقية انعكاس هذا الأمر على طبيعة الحصيلة المتوقعة لمفهوم الزمن لدى الإنسان وآلية النظر إليه يجب أن نتوقف بعض الوقت في الدلالات المفاهيمية والاصطلاحية للزمن وعلى النحو الآتي:

أولاً: مدلولات مفهوم الزمن/ ملامح عامة:

       لقد أدرك الإنسان واعتماداً على ذهنية جماعته التي ينتمي إليها أنه لا وجود إلا بالزمان، أو قل أن الوجود والزمان مترادفان بالنسبة له، لأن الوجود هو الحياة، والحياة هي التغيير، والتغيير هو الحركة، والحركة هي الزمان، فلا وجود –إذا- إلا بالزمان، لهذا فأن كل وجود يتصور خارج الزمان هو وجود وهمي وذلك لأن الذهنية ترفض ذلك الأمر ولا تقره نهائياً لأنه لا توجد له أصول أو جذور ثقافية / إنسانية تدعم ذلك، أما الزمان الديني فهو بنظرهم امتداد فعلي للزمان القائم وذلك لأن ثقافتهم ترى أن المقدس بكل تجلياته حاضر في زمانهم وهو الذي يجري عمليات التغيير على مستوى الإنسان (جسده/ عمره) أو مستوى الطبيعة (دورات الكواكب, التغيرات البيئية.. إلخ).

       ولقد أحس الإنسان هذه الحقيقة من خلال ملاحظاته للمتغيرات حوله في السماء بشمسها وقمرها ونجومها، وفي الأرض بزروعها وحيواناتها وطيورها، بل في حياته نفسها من ميلاد ومعاش وموت، وقد فطن إلى أن هذه المتغيرات ناتجة عن حركتين: (حركة كونية تقود إلى نواميس طبيعية أستطاع أن يعلم حقيقتها، وحركة إنسانية تقود إلى تصورات وتجارب إنسانية توصل إليها ووصفها بنفسه، ومن هاتين الحركتين تولدت لدينا صورتان للزمان، صورة يشترك فيها جميع البشر وهي زمان الحركة الكونية، وصورة يختلف فيها كل البشر وهي زمان الحركة الإنسانية) ([13]).

       وفي الحقيقة أن الزمان هو المقياس الذي ابتدعه الإنسان في تصور كمي هندسي ينظم حياته؛ ونلاحظ أن من خصائص هذا الزمان الكمي أو الموضوعي أنه من نتاج ظواهر الطبيعة، أي أنه ليس نابعاً من خبرات ذاتية للإنسان، ومن ثم فأن قياس الوقت وتحديده يتم وفقاً لدورتين: كونية “Cosmic cycle” وإنسانية “Human cycle”([14]).

       غير أن فكرتي الزمان والتاريخ ليستا أصيلتين في فطرة الإنسان. فالأطفال الرضع حديثو الولادة يعيشون في الحاضر وحده: إذ الماضي منسي والمستقبل لا سبيل إلى تصوره. وقد أوضح جان بياجي “Jean Piaget” عالم النفس المعروف- كيف أن الوعي بالتزامن والتعاقب هو استجابات يتعلمها الطفل في طفولته. كما أن الأفكار عن الزمان ليست عالمية أو موحدة. فلكل من اللغات المختلفة والحضارات المتباينة طرائقها المتمايزة تماماً في تصوير الزمان. مثال ذلك لغة هنود أمريكا قبائل الهوبي “Hopi” (المسالمين) التي تفتقر افتقاراً واضحاً إلى الصيغ الزمنية المتمايزة للدلالة على الماضي والحاضر والمستقبل، ولهذا يعيشون في حاضر لغوي دائم. والزمان بالنسبة لهم هو: (ما يحدث عندما تنضج الذرة أو تكبر الماشية) ([15]).

       ولكن الإنسان بشكل عام يخبر الزمان ويدركه إدراكاً واضحاً من خلال عاملين هما: التتابع أو التسلسل “sequence” الذي يلاحظه من خلال التغيرات المحسوسة فيما حوله. والديمومة أو الاستغراق “puration” التي تقتضيها هذه التغيرات([16]).

       وبالتالي فهو ينظم سائر شؤونه الحياتية استناداً إلى هذه الإيقاعات الزمانية التي يرصدها ببصره بوضوح كبير عبر الزمان الطبيعي/ الكوني الذي يكشف فيه تأثيره المباشر على سائر شؤونه وعلى رأسها الشأن المعاشي/ (الاقتصادي) وكما كشفتها قبائل الهوبي الأنف ذكرهم/ على سبيل المثال لا الحصر.

       لكن هذا التنظيم للزمن يعتمد بالدرجة الأولى على طبيعته الذهنية القائمة لدى هذا المجتمع أو ذاك وبحسب أن كانت مجتمعات متقدمة أو ريفية أو تقليدية، فعلى حد تعبير أحد الباحثين: كانت سائر الحضارات الأخرى تقريباً في التاريخ- شأنها في ذلك شأن (العالم الثالث) الحالي- عبارة عن مجتمعات قبلية أو قروية صغيرة مندمجة متواجهة، معنية في المقام الأول- بالصراع من أجل الظفر برزقها من الطبيعة. ولم تكن الصناعة الثقيلة أو التكنولوجيا المتقدمة أو الممكنة هي التي تتحكم في مسيرة هذه الحضارات التقليدية. وإنما كان الميزان والإيقاع والمقياس لحياتها ميزاناً إنسانياً (وهو بمعاييرنا بطيء جداً). في مثل هذه الحضارات (وإن أضحت محدودة للغاية في عصرنا هذا) تتحدد معاني الزمان أساساً حسب حاجات الإنسان([17]).

       هذه الحاجات التي تحددها الذهنية والتي تحكم بقبضتها عليها وبحسب طبيعة هذا المجتمع، والأمر اللافت للاهتمام في ذلك كله هو عنصر الثقافة التي يتولي عملية صياغة التغيرات التي تطرأ على الزمن الذي يعيشه الإنسان عبر ألفاظ ورموز تختلف من مجتمع إلى آخر وحسب ثقافته الموجودة، ولعل خير مثال لذلك هو مراجعات الانثروبولوجست كليفورد غيرتز لأعمال ألفرد شوتز “Alfred Schutz” الفيلسوف وعالم الاجتماع الذي حاول أن يكشف الهيكلية ذات المعنى لما كان يعتبره (الحقيقة الأسمى) في التجربة الإنسانية: عالم الحياة اليومية كما يواجهه الناس ويتصرفون فيه ويعيشون من خلاله.

       فلقد فكك غيرتز المصطلح الذي وضعه شوتز والذي هو (زملاء في الإنسانية) إلى مكوناته (سلف) و(معاصرون) و (مصاحبون) و(خلف) – وذلك في إطار تطبيقه لذلك الأمر برمته ضمن سياقات دراسته لمجتمع “بالي” في معرض دراسته للعلاقات القائمة بين مفهومات الهوية، الشخصية ومفهومات النظام الزمني ومفهومات أساليب السلوك([18]).

       ويمكن لنا توضيح هذه المكونات الأربعة على النحو الآتي:

أولاً: إن المصاحبين هم الأفراد الذين يتقابلون في مرحلة ما في خلال حياتهم اليومية. وهكذا فهم يتشاركون، وإن على نحو وجيز أو سطحي، الحياة في مجتمع زمني ومكاني على السواء، فكل واحد منهم (منخرط في حياة الآخر) بالحد الأدنى على الأقل، فهم ((يكبرون في السن معاً)) مؤقتاً على الأقل، ويتفاعلون مباشرة وبشكل شخصي على مستوى الأنا والذات، وبهذا يكون العاشقان مثلاً داخلين في صنف المصاحبين ما دم الحب بينهما، وكذلك الزوجان حتى يفترقا والصديقان حتى يختلفا([19]).

       أن هذه المجموعة في حقيقة الأمر لها مشتركات ذهنية كثيرة مادام أنها تتشاطر المكان والزمان على حداً سواء، مما يجعله تمتلك موجهات ذهنية متقاربة بشكل أو بآخر وتكون بالتالي هي المسؤولة عن زمنٍ ذهني واحد يعزر عملية التواصل فيما بينهما ما دام أن المكان يوحد هذه الموجهات الأنف ذكرها.

ثانياً: المعاصرون هم الذين يتشاطرون المجتمع من حيث الزمن ولكن ليس من حيث المكان: فهم يعيشون (بدرجة قد تقل أو تكثر) في الفترة التاريخية ذاتها، وليس لديهم علاقات اجتماعية قوية واحدهم بالآخر، إلا أنهم – على الأقل في المسار الطبيعي للحياة والأشياء- لا يتلاقون. وهكذا فأن الرابط بينهم ليس هو التفاعل الاجتماعي المباشر بل هو مجموعة معمّمة من الافتراضات المصوغة صياغة رمزية (أي ثقافية) حول أنماط السلوك النموذجية لدى أحدهما الآخر([20]).

       أن هذه المجموعة يعيشون في محيط زماني واحد ولكن محيط مكاني مختلف، مما يعني أنهم يتلقون موجهات ذهنية مشتركة وأن اختلفت أماكنهم ولكنهم لديهم قواعد تفاعل اجتماعي مشتركة لأنهم يشعرون بوطأة الصياغات الثقافية للزمان الذي يتعاصرون فيه والذي يدركون موجهاته ومساراته الذهنية بشكل واضح أياً كان هذا المجتمع تقليدياً أو متقدماً.

ثالثاً: أما السلف والخلف فهم أشخاص لا يتشاطرون حتى المجتمع الزماني، ولذلك، بحسب هذا التعريف، ليس هناك تفاعل بينهم، وبهذا فأنهم يؤلفون طبقة منفردة مستقلة من المصاحبين والمعاصرين، الذين يمتازون بهذا التفاعل. ولكن، من وجهة نظر أي فاعل خاص، ليس لهم المغزى ذاته أو الدلالة ذاتها، فالسلف، بما أنهم قد عاشوا  وأمضوا حياتهم في فترة سابقة، يمكن أن نعرفهم، أو بعبارة أدق، نعرف عنهم، ويمكن أن يكون لأفعالهم تأثير على حياة من جاؤوا بعدهم (أي خلفهم)، إلا أن العكس، بحسب طبيعة هذه الحالة، غير ممكن. أما الخلف، فلا يمكن معرفتهم ولا حتى معرفة شيء عنهم لأنهم، بكونهم لم يولدوا بعد، يملكون حيزاً زمانياً في مستقبل لم يأت أوانه، ومع أن حياتهم قد تتأثر بمنجزات من جاؤوا قبلهم (أي سلفهم)، فأن العكس في هذه الحالة غير ممكن أيضاً([21]).

       إن مجموعتي السلف والخلف حسبما نعتقد تمثل جوهر المفارقة الزمانية الحاصلة بين الذهنيات المتصارعة والتي تنعكس بوضوح أعمق من خلال المجتمعات التقليدية التي يحاول “الخلف” فيها كسر ذهنية الزمن الماضي “زمن السلف” عبر عمليات التغير الاجتماعي والتحديث، والذين يتقابلون أو يتواجهون فيما بينهم (رغم انعدام شرطي الزمان والمكان) عبر نقطة زمانية- مفصلية يمكن أن نسميها (الزمن المتخلخل) الذي يحدث فيه عملية صناعة اشتراطات ثقافية- رمزية تحاول الإطاحة بالرموز الثقافية السابقة (السلف) لكي تؤسس لزمن جديد تتدفق فيه ذهنية يصوغها (الخلف) وبما يتقاطع كلياً وجوهرياً مع زمان السلف وذهنيته التي تعكس تجربته الحياتية آنذاك.

       ويمكن لنا القول وفقاً لما تقدم بأن التحول الحاصل في مفهوم الزمن من مرحلة زمانية إلى أخرى ما هو إلا نتاج تلك الذهنيات المتصارعة بين ((ذهنية السلف) و (ذهنية الخلف).

ثانياً: الزمان برؤية اصطلاحية:

       يرى آندريه لالاند أن الزمان “Temps” في الفرنسي يمكن أن يميل إلى ثلاث دلالات: أ- بوصفه: حقبة تمتد من حدث سابق إلى حدث لاحق، ب- بوصفه: تغير متواصل (وعموماً يعتبر كأنه متصل) بعد يغدو الحاضر ماضياً. بمعنى آخر: أنه يجري تصور الزمان كأنه نوع من قاطرة متحركة تجر الأحداث تحت نظر مشاهد يواجه الحاضر دائماً. هكذا يحكى عن (مجرى الزمان) عن (مسير الزمان) الخ. ج- بوصفه: بيئة لا محدودة، مماثلة للمكان الذي يمكن أن تجري فيه الأحداث حيث يسجل كل منها تاريخاً، لكنه قد يكون هو بذاته معطى بكامله، للفكر، وبلا تجزئة سواء أكان موجوداً بذاته، أم لم يكن موجوداً إلا بالفكر، وفي الحقيقة أن كل من ينظر في هذا الطرح سيفهم جيداً أن الزمان لا يمكنه أن يكون سوى شيء مثالي: وأن تماثل الزمان والمكان سوف يجعلنا نرى حقاً أن أحدهما مثالي مثل الآخر([22]).

       ولم تستطع الانثروبولوجيا أن تخرج عن تلك المماثلة القائمة بين الزمان “Time” والمكان “Space”، فهم لا يستطيعون أن يقفوا على الأطر الاصطلاحية للزمان من دون أن يعرجوا إلى المكان، ولعل مرجع ذلك بالنسبة لديهم هو أن عمليات التمثيل الجماعي لمقولات الفكر التي عبر عنها دوركهايم متداخلة فيما بينها بشكل كبير لاسيما مقولتي الزمان والمكان وذلك على اعتبار أن الهوية المميزة للزمان لا يمكن إدراكها إلا عن طريق المكان وما يسند ذلك هو التصورات الدينية حول الكون لدى معظم الديانات([23]).

       ولعل الرؤية الاصطلاحية الأنف ذكرها بالنسبة لـ: لالاند تدعم تلك التصورات الانثروبولوجية حول مصطلح الزمان. وذلك لأن الحدث وتسلسله يحتاج إلى إطار مكاني يجري فيه تحولاته أياً كانت طبيعة هذا المجتمع من الوجهة الاقتصادية والسياسية أو الذهنية / الثقافية؛ وذلك على اعتبار أن إيقاع الزمان ودوراته ما هي إلا ممارسات (حدثية) (تعاقبية) تجري على جغرافيا واضحة المعالم, والتي هي بالأصل مسؤولة عن إنتاج الذهنية المسؤولة عن إدراك الزمان بشكلٍ عام.

       ولا يخرج عن هذا الإطار إلا بشيء بسيط معجم أكسفورد الإنجليزي الذي يحدد ثلاث مناطق؛ يشير إليها مصطلح “Time” الإنكليزي ألا وهي: (1) امتداد محدود أو فضاء وجود متواصل، بوصفه الفاصل بين حدثين أو فعلين متعاقبين، أو فترة يتواصل خلالها فعل أو ظرف أو حالة؛ جزء متناه من الزمان (بمعناه اللامتناهي) [أي بالمعنى الثالث]؛ (2) الزمان هو: أن تعامل نقطة من الزمان، أو فضاء من الزمان دون إحالة إلى دوامها (3) دوام مستمر لانهائي ينظر إليه بوصف ما يحدث فيه تعاقب الأحداث([24]).

       وكون أي من هذه المصطلحات المفاتيح التعريفية هنا أما أن تفترض مسبقاً الدوام الزمني (متواصل)، (متعاقب) ،(فترة) ، (دوام) أو تخصص الزمان (امتداد) ، (فضاء) ، (فاصل) ، (نقطة) يوضح مقدار الصعوبة في الإلمام بالزمان من حيث هو مفهم في ذاته. وقد يفكر به الفهم الاعتيادي للزمان بوصفه تيار الأحداث التي مرت بمراقب ساكن، أو بوصفه الخلفية التي تقع عليها الأحداث، أو بوصفه نقطة تتحرك عبر وسط مستقر، غير أن هذه (الأحداث) وهذه النقطة تختفي حالما نحاول الإمساك بها([25]).

       ويصوغ نوربرت إلياس الزمان على أنه رمز يوضح تسلسل الأحداث بالرجوع إلى بعض الأحداث الأخرى، وأنه أداة بشرية تسمح بمقارنة الأحداث بطريقة غير مباشرة عندما يستحيل القيام بذلك بطريقة مباشرة. ونظراً إلى أن (المواقف) والتسلسلات التي لها أماكن تتعاقب في صورة تدفق لا ينتهي للأحداث لا يمكن صفها جنباً إلى جنب، فإن أي تسلسل ثان للأنماط المتكرر وقوعها يكون مطلوباً حتى يكون نقاطاً استرشادية. وهكذا فإن الزمان يشير إلى “ربط مواقف أو جوانب داخل سلسلتين أو كثأأكثر من سلاسل الأحداث المتحركة دوماً”. كما أن أدوات الزمان في حد ذاتها لا تقوم ببناء الأحداث، وهي ليست سوى ما يشبه عمل خريطة لأنهار والبحار([26]).

       وتأسيساً على تلك المعالجات الاصطلاحية الأنف ذكرها نصل إلى فكرة محورية مؤداها: أن الزمان باللغة الاصطلاحية ما هو إلا حدثٌ ما تتجلى فيه عمليات التعاقب من ناحية نقطة مفصلية ما ترتبط بشأنٍ اجتماعي ما لجماعة والذي يغدو بمثابة حجر الزاوية الرئيس في ذهنيتهم الاجتماعية عندما ينظرون إلى الأشياء والموجودات والأنشطة الإنسانية حولهم؛ وهذا الحدث يعبر بالضرورة عن روح المجموع بمعنى أنه حراك اجتماعي ما إزاء لحظة وجودية ترتبط بجانب معين من جوانب حياتهم الاجتماعية ولربما اقترن بحادثة فلكية ما أو ارتكزت على معطى ديني مما يمنح بعض حوادثهم قداسة معينة تنتج لنا زمناً مقدساً فيما بعد، وبالتالي سيكون محوراً لحياتهم يتكرر عبر حياتهم العامة.

       بعبارة أخرى أنه لما كان المقدس هو المالك لهذا الزمن بحسب ذهنيتهم، فأن كل التحولات في مجرياته العامة ستكون معتمدة على اللحظة الزمانية الأولى لانبثاق المقدس وتجليه للعالم عبر العالم، بمعنى أنها عودة أبدية، متكررة، تُحيل دائماً لهذه اللحظة الزمانية لانكشاف المقدس للإنسان أو اكتشافه، وبالتالي ستكون هذه اللحظة المرجعية الرئيسة ليس في التعامل مع الزمن وحيثياته المتنوعة فحسب، بل ستكون هي المرجعية التي تُبتنى عليها الذهنية بشكل أو بآخر مما يضفي على شعورهم أو إدراكهم للزمن بعداً تقديسياً هائلاً يجعلهم يعودون إليه دائماً، مما يجعل تصوراتهم ورؤاهم حول العالم تصورات ورؤى دائرية لأنها تستلهم من تلك اللحظة الزمانية المعنى الفعلي لدورهم ومكانتهم المرسومة أو المخطط لها في هذا الزمن مما يمنحهم الطمأنينة الكاملة على أن شؤون حياتهم برمتها مخطط لها مسبقاً بناء على هذا المقدس الماسك بعجلة الزمن ودورانه أو تحولاته المخيفة بالنسبة لهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رؤية في الأطر الثقافية/ سلسلة التحولات

       أن مراجعة المتغيرات المجتمعية المتنوعة التي أسهمت في توليد أو انبجاس الذهنية الخاصة بالمجتمعات الغربية، يستدعي الوقوف عند أبرز التحولات الفكرية والاجتماعية التكنولوجية التي وجهتها نحو تصوراتها الحديثة حول مفهوم الزمن بدل التصورات التقليدية التي كانت في الأعم الأغلب تستند على مرجعية أو ركيزة دينية بحتة، والتي كانت بطبيعة الحال تتماهى مع الزمن الإيكولوجي/ الطبيعي الذي كان يحكم بقبضته التعاقبية على جوهر حياة الإنسان والتي كانت بطبيعة الحال هنا تعتمد اعتماداً كلياً على الزراعة.

       في الحقيقة أن تحولات الذهنية الأوروبية آنذاك لم يكن يمكن رصدها إلا عبر تداعيات وآثار عصر الأنوار الذي بدأ منذ أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، وكانت الفكرة الجوهرية المسيطرة على أذهان المفكرين آنذاك هي فكرة التقدم التي لم يكن يشهد عليها تحول قراءة الوجود من قراءة لاهوتية إلى قراءة وضعية/ إنسانية/ رياضية فحسب، بل الذي دعم ذلك كله هو التطورات التقنية الحاصلة في عدة مجالات على رأسها الطباعة وبعض الآت الصناعية ومروراً بالاكتشافات الجغرافية المذهلة وأنتهاء بالثورة الصناعية الفائقة التطور.

فلقد تميزت قرون النهضة تلك بمزايا كثيرة- انتهى أثرها على الإنسان الغربي إلى توليد ذهنية مفادها: أن قصة العلوم والفنون هي حقاً قصة التقدم. وما كان (جديداً) يمكن أن ينظر إليه الآن- لأول مرة- لا بوصفه شيئاً مخلاً أو منحولاً، وإنما على أنه شيء أصيل، متقدم، يستشرف المستقبل. وهذه التطورات غيرت فهم الإنسان لمكانه الحاضر في الزمان إذ أصبح الحاضر في علاقته بالماضي ينظر إليه- تدريجياً- على أنه الذروة التي بلغتها سلسلة طويلة من مراحل التطور. وبالتطور في هذا الاتجاه، قام المؤرخون الفلاسفة من أصحاب النظريات في القرنين الثامن عشر والتاسع من أمثال جون ميللر وكوندرسيه هردر، وسان سيمون، وأوكست كونت بتطوير رؤى متفائلة جازمة عن تطور العقل البشري والمجتمع([27]).

       إن أحدى المسائل المفصلية في فلسفة التقدم تلك والتي وجهتها ذهنية الإنسان بطريقة معكوسة عن السابق اتجاه مفهوم الزمن تتمثل في أن القيم الدينية قد انحسرت وتخلت عن تدخلها في التفسيرات العلمية بمعنى المعادلة تحولت من رؤية (الله) كقوة تتحرك خارج وخلف المخلوق، إلى أن “الله” أصبح مقصوراً على العمل من خلال الأسباب الطبيعية ومتجاوباً مع القوانين المطروحة للدراسة الإنسانية (حسب تصورات المفكر كيث توماس Keith Thomas)([28]).

       وهذا الفهم أدى إلى إنتاج تصور مفاده أن مفهوم الزمن لدى الإنسان لا يستند على رؤية دينية بقدر استناده على حركية الإنسان وتقدمه في سائر مجالات الحياة، بمعنى آخر أن الثبوتية والسكونية التي كان الدين يقول بامتلاكه لها من لحظة الوجود والتحكم بمصيره، أصبح الإنسان هو الذي يمتلك تلك اللحظة الوجودية للزمن من خلال استمراريته في ثوراته العلمية وتقدمه من خلالها.

       فهذه الثورات العلمية المتتابعة تسهم إسهاماً كبيراً ليس في تشكيل ذهنية جديدة فحسب، بل هي تذهب إلى أبعد من ذلك أنها تحدث تغييرات حسب تعبير توماس كون “Thomas Kuhn” في النظرة إلى العالم، أنها رؤية العالم بمنظار جديد، هذه النظرية التي أسسها العلماء المشتغلون على براديغم “Paradigm”([29]) جديد يتبنون بحسب رأي كون أدوات جديدة وينظرون في أمكنة جديدة. وربما يكون الأكثر أهمية من ذلك أن العلماء يرون خلال الثورات أشياء جديدة ومختلفة عندما ينظرون، وبأدواتهم المألوفة في أمكنة كانوا قد نظروا إليها من قبل([30]).

       ولقد ناقش المفكر ولترستيس تأثيرات هذه الثورات العلمية على الدين، وبين كيف أن النظرة السابقة أو لنَقُلْ الذهنية السابقة كيف جعلت من المقدس ركيزة أساسية في تفسير سائر شؤون الطبيعة، إذ نجده يعبر عن عصر العلم وتداعياته على الرؤية الدينية للعالم قائلاً: أنه عصر لم يعد فيه أمل للإيمان بالتدخلات الإلهية في عمل الطبيعة. أن الدين الحي يقتضي، على الأقل، الشعور بوجود إله لا يزال يعمل داخلياً في قلوب الناس عندما يصلون مثلاً. ولقد قيل: أن الله لم يعد يتدخل الآن في عمل العالم الخارجي الفيزيقي. لكنه لا يزال يتدخل في الأعمال السيكولوجية للعالم الداخلي لعقول الناس. وإذ لم يعد يرسل طعاماً مادياً عن طريق الغربان، فهو يرسل لنا غذاءً روحياً عن طريق المقدسات وبواسطة النعمة الأهلية([31]).

       إن الله بالنسبة له يشبه صانع الساعة الذي صنع الساعة ذات مرة وملأها، ثم تركها تعمل وفق آلية داخلية. ولا يختلف الله عن الآلة البشرية إلا في أنه خلق الحركة الدائمة للآلة التي تعمل بنفسها إلى الأبد دون أي تدخل من جانبه، وهكذا نجد أن الله (على حد قوله) قد: أصبح بعيداً ومنذ مدة طويلة ، منذ بداية خلق الأشياء فلم يعد يؤثر فيها الآن، كما أنه يبعد تماماً عن الأحداث، الفعلية في حياتنا اليومية([32]).

       أن التقدم العلمي الذي أحال الذهنية الدينية إلى ركام من الماضي وأحال الرؤية الدينية للعالم المنبثقة عنها إلى رؤية علمية تقيم وزناً للقوانين العلمية وتفسيراته الموضوعية بدل المعجزات والتصورات الروحانية والتي ظلت قابعة حول أسوار المدن لدى بعض بقايا العالم الزراعي الذي لم تصل إليه عجلة التقدم العملاقة.

       ولقد رأى كثير من العلماء والمفكرين في العلم مفتاحاً لهذا التقدم وراح الكثير منهم يردد ما قاله الفيلسوف فرنسيس بيكون من أن العلم يضمن التقدم العظيم الثابت للبشرية: (لقد أطال العمر؛ وخفف الألم؛ وقضى على الأمراض… أنه فلسفة لا تعرف الراحة أبداً، ولم تصل إلى مبتغاها أبداً، ولن تبلغ الكمال أبداً… وقانونه هو التقدم) ([33]).

       ورأى آخرون أن السر يكمن في التقدم الاقتصادي، وبالتالي فكل الاقتصاد- هكذا توقع ماركس- أصبح مقصوراً على (اقتصاد الوقت) والزمان يقل بقدر ما يخضع للحساب الاقتصادي([34]) وبالتالي أصبحت الحاجة إلى الساعة شيء لا غنى عنه ليس لمالك الإنتاج بل للعامل. فلقد أحدثت الساعة ثورة في إحساس الإنسان بالزمان. فقد توارى الحساب الذاتي للزمان، أعني الحكم على الزمان بما ينجزه الإنسان من عمل، وبالشعور بالتعب، وبوصفه (أطول) و(أقصر) لتحل مكانه دقات الساعة الموضوعية التي لا ترحم، المطردة، الموحدة التي تسير في خط واحد([35]).

       أن أهمية استعمال الساعة في حياة الإنسان تتطلب التوقف ليس لأهمية بعدها الاقتصادي فحسب وأثره على الذهنية اتجاه قيمة الوقت ليقيس به قيمة جهده المبذول (العامل) وأجره المدفوع (المنتج)، بل أن المسألة تتعدى ذلك كله لكي تؤسس معطى جديد في تلك الذهنية التي آمنت بالتقدم المستمر، هذا المعطى يستمد كينونته من البعد الثقافي إذ أصبح الحاضر هو مدار حياتها اليومية وبالتالي فالقيم الثقافية والصياغات أو القواعد الثقافية تستمد وجودها وحقيقتها مما هو قائم في المشهد الزماني- الاجتماعي الذي يحيا فيه الإنسان، وبالتالي فالماضي بالنسبة لديه هنا لا يدل إلا على أنظمة ثقافية واقتصادية لا تستحق ذلك الاعتبار والتقييم, وذلك لأن عينيه مشدودتان نحو الحاضر بكل ممارسته ونحو المستقبل بكل توقعاته وأمنياته, فمفهوم الزمان بالنسبة لديه هنا أصبح يتغذى على ماهية الإنسان بحد ذاته وبملكاته ورغباته والآمة اليومية، أي أن الزمان هنا هو زمان إنساني/ واقعي بامتياز ولا حضور للبعد الغيبي فيه إلا بزمن تعبد بعبارة أخرى أن الذهنية المهيمنة هنا هي ذهنية المعاش الملموس أياً كان بعده الإنساني لا ذهنية الغائب/ المتخيل، مما يعني أن مفهوم الزمان لدى هذا الإنسان هو ما يدرك شعورياً في ساعات العمل أو الاستمتاع أو نحو ذلك من الأنشطة الإنسانية أي أنه مفهوم الزمان الحي بحياة الإنسان ذاته ممارسةً وخبرةً لا غير.

       وبشكل عام فأن الوعي بالزمان تغير تغيراً حاسماً خلال تطور الثقافات الإنسانية. فلقد غدت الخبرة اليومية بالزمان تقل شيئاً فشيئاً عن أن تكون مجرد خبرة بالإيقاعات البيولوجية الطبيعية وأخذت تنمو أكثر فأكثر إلى التكيف مع التنظيم المركب، العقلاني للعمل الآلي، ومع المدنية، والساعة([36]).

       ولكن هذا الأمر قاد إلى صراعات كبرى ين المالكين والمستخدمين، إذ أصبح الزمان هو وحدة قياس العملية الإنتاجية برمتها، ذلك لأن هذه اللحظات الزمانية هي عناصر الربح، فالسيطرة على زمن الآخرين هي التي تعطي الرأسماليين القدرة الأولية على امتلاك الربح لحسابهم، والصراعات بين أصحاب قوة العمل وأصحاب رأس المال على استخدام الزمن وشدة العمل كانت باستمرار مرضاً مستوطناً. وتعود هذه الصراعات كما يتفق على ذلك بعض الباحثين إلى العصور الوسطى على الأقل([37]).

       ويسجل ماركس أن الصراع على طول نهار العمل نشأ في إنكلترا أثناء عهد أليزابيث الأولى عندما شرعت الدولة زيادة في طول نهار العمل العادي للعمال الذين تركوا أراضيهم للتو بفعل المصادر العنيفة لأراضيهم وباتوا بالتالي عرضة لأن يكونوا غير مستقرين، بلا عمل، وبلا سكن، وكان سجن العاطلين عن العمل مع المجانين (الذي يضيء عليه ماركس كثيراً مخصصاً له كتاباً كاملاً) بعضاً من وسائل عدة لجلب العمال إلى بيت الطاعة([38]).

       ولكن هذه الضغوطات الكثيرة أدت إلى ردود أفعال من جانب العمال صاغوا من خلالها سياستهم إزاء هذا التصارع على الزمن والذي بدأ كأنه سياسة رأسمالية جديدة لا غنى عنها لأصحاب رؤوس الأموال ولهذا كشف ماركس هذه الردود عبر قوله: (تعلم الجيل الأول من عمال المصانع من أسيادهم أهمية الزمن، أما الجيل الثاني فقد شكل لجان زمن العمل القصير أو حركة الساعات العشر، والجيل الثالث أضرب في سبيل الزمن الإضافي أو الزمن ونصف. لقد قبل هؤلاء مقولات أرباب عملهم وتعلموا الرد عليها بطرائقهم الخاصة. لقد حفظوا الدرس جيداً، الوقت يعني المال)[39]).

       على الرغم من وسائل الممانعة والعمليات التنظيمية العمالية التي تحاول درء مخاطر مظاهر الاستلاب والاغتراب الجديدة التي يعيشها العامل بعد إشكالية فائض القيمة التي تذهب برمتها للرأسمالي، إلا أن العمال في نهاية الأمر لم يستطيعوا أن يقضوا على الجشع الإنساني الكامن في “لعبة الزمن” التي نجح أرباب العمال وكبار الرأسماليين من تطويعها لصالحهم في نهاية الأمر، إلا أن الأمر الذي يستحق الانتباه إليه في هذه الأجواء هو الذهنية المشتركة بين العامل ورب العمل حول مفهوم الزمن الذي غدا أحد أعمدة العملية الإنتاجية الرئيسة.

       ومادام أن الثورة الصناعية قد أخذت مدياتها ووتيرتها المتسارعة فأصبح لزاماً أمام جميع أفراد وفئات المجتمع وبضمنهم بطبيعة الحال العمال وأربابهم أصبح لزاماً عليهم التسليم بمبدأ التقدم الذي يفضي بالضرورة إلى فكرة أساسية حول مفهوم الزمان المتحول لديهم وهو مفهوم الزمان الذي يمكن تشبيهه (بخط مستقيم) (الزمان الخطي).

       إذ أن ذلك الزمان ينساب متساوقاً في اتجاه واحد بحيث يصبح (المستقبل) (حاضراً) ثم (ماضياً) ، وإن كانت هذه الفكرة حديثة قياساً بالمدنيات أو الحضارات الأولى التي كان لديها ضرب من المفهوم الحدسي عن (الزمان الدوري) “Cyelictirao” حيث يتقدم تاريخ الكون في سلاسل متكررة من الدورات. ولقد كانت الظواهر الدورية المنتظمة في الطبيعة أكثر وضوحاً للأجيال الأولى من البشرية من أجيالنا التي تعيش في عالم من صنع الإنسان هو عالم المدنية التكنولوجية المتحضرة([40]).

       وفي الحقيقة أن التقدم الصناعي/ التكنولوجي الهائل عزز فكرة “الزمان الخطي” على حساب “الزمان الدوري” الذي لا يعتمد على التعاقب الحاصل في عالم الطبيعة من قبيل حركة الأفلاك ومظاهر الوجود العامة فحسب، بل يتجاوز ذلك ليلغي بعدين عفى عليهما الزمن بالنسبة للإنسان الغربي آنذاك ألا وهما الموروث الديني الذي يرى في التاريخ البشري تجلي للتاريخ الغيبي من خلال دورة التصارع المحتومة بين قوى الشر وقوى الخير أو صراع الظلام والنور والذي يستولي أحدهما على حركة الزمان الإنساني ويعقبه الآخر وهكذا؛ أما الأمر الآخر هو الموروث الثقافي الذي يرى في توارث القيم الاجتماعية جيلاً بعد جيل ما هو إلا دورة زمانية/ تعاقبية لحركة الأجيال على أساس أن هذا التوارث أمر حتمي لاسيما وأن الزمن الماضي بكل نتاجاته الثقافية هو العنصر الجوهري في هذا الموروث، وهذا الأمر في حقيقة الأمر يتنافى كلياً مع فلسفة التقدم التي اجترحها عصر الأنوار والتي قامت وتقوم أساساً على الزمان الخطي (زمن يعقب زمن).

       وعلى الرغم من أهمية الزمن الخطي المعبر خير تعبير عن التحولات الثقافية الهائلة بشتى مضامينها إلا أن التطورات التقنية والتكنولوجية المتواصلة جعلت تعبير الزمان الخطي/ التعاقبي/ المرحلي/ الإنساني غير كافياً للتعبير عن مجمل هذه التحولات، ولهذا نجد أن أطروحات المفكر الأمريكي المعاصر ديفيد هارفي “David Harrey”, حاولت استيعاب هذه التحولات عبر نحته مفهوم: الانضغاط الزماني المكاني “Time- Space Compression”.

       إذ حاول هارفي أن يبحث في العدة الإدراكية للتواصل مع منجز الحداثة، والأحكام التي اطلقت على التحول الحداثي برمته من خلال مفردتي الزمان والمكان، اللتين تبدوان أساسيتين في الوجود البشري. لكن الزمان يبدو مفضلاً على المكان في فضاء النظرية الاجتماعية، لأنها تجعل للمكان صفة خاصية عرضية وليست جوهرية في الفعل الإنساني([41]).

       ولعل الفكرة الجوهرية التي يحاول هارفي التأكيد المستمر عليها هي أن الصيغ الجديدة لتراكم رأس المال هي التي ولدت مفهوم “انضغاط الزمان والمكان” وهو يعني أن إمكانية ملاحظة تاريخ الرأسمالية يعطينا انطباعاً عن مجموعة من السمات التي أبرزها القفزات المتسارعة في التقاط العالم، وذلك عبر التغلب على حواجز المكان التي كانت تحدد على نحو ما صورة العالم عندنا. وهو يرى إن الزمن الذي نحتاجه إلى عبور المكان وطريقة تقديم ذلك عموماً إلى أنفسنا، هما مؤشران مفيدان على نوع الظاهرة موضع البحث([42]).

       إذ هو يرى: إن خبرة الزمان والمكان كانت تتحول من وقت إلى آخر. نرى مثالاً قوياً لهذا النوع من التحول الجذري منذ حوالي السبعينيات بشكل خاص: تأثير وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية والطيران النفاث لنقل البضائع وتوسيع الطرق، والنقل عبر المحيطات والسكك الحديدة، وتطوير أسواق البضائع المؤجلة الدفع، والمصارف الإلكترونية، ونظم الإنتاج المؤتمنة. وقد دخلنا أخيراً طوراً قوياً لما أدعوه (ضغط الزمان والمكان): فجأة يعطي شعوراً بأن العالم أصغر، وتصبح آفاق الزمن التي بإمكاننا أن نفكر عندها بشأن العمل الاجتماعي أشد قصراً”([43]).

       إن مفهوم الانضغاط الزماني- المكاني هو تعبير عن سرعة الحياة وتحولاتها الهائلة، أنه إشارة إلى الثقافة العالمية الجديدة التي ينتجه عصر رأسمال العابر- القارات الذي حول تلك الثقافة إلى مركبات هلامية/ لا ملامح ثابتة لها على الرغم من أننا بدأنا نسلم بعالميتها أو بالأحرى كونيتها أو كوزموبوليتانيتها “Cosmopolitanism”.

       ولقد رصد هارفي مجموعة هائلة من تداعيات أو آثار هذا الانضغاط الحاصل في الزمان والمكان في التجربة لما بعد الحداثية؛ إذ يرى أن عملية تسريع زمن عائد الربح في الإنتاج عبر تقنيات السيطرة الإلكترونية الجديدة، ووحدات الإنتاج الصغيرة وسواها، أسهمت جميعها في تخفيض أزمنة عوائد الربح في قطاعات إنتاج كثيرة؛ ولقد استتبع ذلك تسريعاً موازياً في التبادل والاستهلاك. وعليه فقد نشأت أنظمة متطورة من الاتصال والمعلوماتية، مترافقة مع عقلنة تقنيات التوزيع([44]).

وعلى الرغم من كل هذه التداعيات الأنف ذكرها وغيرها الكثير، إلا أن هارفي يرى أن التفكير في الطريقة التي تشكل بها التجارب المتغيرة للزمان والمكان والمال قاعدة مادية متميزة سمحت بصعود أنظمة متميزة للتعبير عن القيمة وتفسيرها، وفتحت في الآن نفسه باباً أمكن من خلاله للسياسات الذاتوية الجديدة أن تؤكد مرة أخرى قوتها. ولهذا فهو يذهب نحو الثقافة قائلاً: وإذا نظرنا إلى الثقافة باعتبارها مركباً من الإشارات والدلالات (بما فيها اللغة) التي تربط الرموز الموصلة للقيم والمعاني الاجتماعية، فيمكن إذ ذاك البدء بمهمة إماطة اللثام عن تعقيداتها في واقع اليوم من خلال اكتشاف حقيقة أن المال والسلع يشكلان في هذه المرحلة الحامل الأساسي للرموز الثقافية، ولأن المال والسلع يرتبطان كلياً بدورة رأس المال، فالنتيجة هي أن الأشكال الثقافية باتت متجذرة بقوة في عملية الدورة اليومية لرأس المال. وعليه فأن ما يتوجب البدء به هو هذه التجربة اليومية للمال والسلع تحديداً([45]).

       أن جوهر التجديد في معالجات هارفي تتجلى في مسألة أن الحامل الأساسي للرموز الثقافية هما المال والسلع وهذا يعني أن الرأسمالية المتجددة كسرت معالم الثقافة الرتيبة التي كانت لها حوامل تقليدية – متعارف عليها (الطقوس، الأيديولوجيا، الفن، …الخ)، وبالتالي أن التحولات الثقافية تبدأ وتنتهي عند العمليات الاقتصادية التي لا تتقيد بحدودها المحلية أو الإقليمية، بل تتجاوز ذلك كله نحو الكوننة.

       ولعل قراءتنا الانثروبولوجية لهذه المسألة تتمثل في إشكالية الإزاحة التي يقيمها الحامل الأساسي للثقافة الأنف ذكره, وذلك عبر إقامة معالم جديدة ليست لمفهوم الزمن فحسب، بل لكل الممارسات المتصلة به والتي غدت تحصر الإنسان في قوالب –ثقافية مادية- صرفة وبالتالي أحالت الرموز الثقافية المحلية إلى مواريث لا قنوات تواصلية- مادية لها لكونها لا تمتلك الفضاء المعلوماتي والتقني العالمي القائم، مما جعل عملية التعاطي مع الزمن هنا تتم في أجواء الحياة اليومية المعبأة بقوة الماضي وذهنيته الموجهة نحو الزمن المحكوم بمفهومات الهوية، الشخصية ومفهومات النظام الزمني ومفهومات أساليب السلوك والذي عبر عنه خير تعبير كليفورد غيرتز عندما نوهنا فيما أنف ذكره حول تفكيك مصطلح (زملاء في الإنسانية) إلى مكوناته (سلف) و(معاصرون) و (مصاحبون) و (خلف) ؛ وذلك الحال الزمني الجديد في ظل الحامل الأساسي (المال والسلع) أصبح ممكن أن نقول عنه (زملاء في الرأسمالية) وعملياته الضاغطة للزمن والمهيمنة عليه كلياً.

  فالرأسمالية اكدت بذلك النحو وبالمطلق على الزمن الخطي الذي لايلتفت لسائر الماضويات(القيمية) الحياتية المتنوعة،اذ يغذ السير نحو أفق مجهول للغاية، وهذا المآل يعني امرين خطيرين هما:أولاهما:عدم وجود مرجعية ثقافية /دينية مركزية ،يلتفت اليها في سيره الخطي هذا،وثانيهما:ان  القيمة المركزية /المهيمنة غدت  البحث عن الربح الدائم ،والتوجه الاستهلاكي.وبهذا النحو فالفردانية والنزعة المادية(للتملك) اصبحا الهدف الحياتي/الزمني الاسمى.

  قبالة ذلك تقف المجتمعات التقليدية وزمنها الدائري،ومنظومتها القيمية العالية والجوهرانية (الاخلاقية) في دائرة صراعية بين ذهنيتين، بين ذهنية جيل يعيش على ما فاض به عليه العالم (الغربي) من رأسمالية متوحشة  ويسير وهو يتأبط القيم الغربية بلا وازع اخلاقي (رقيب) ، وذهنية جيل يعيش في منظومة/دينية/ماضوية، تكرر الماضي بلا تجديد للفكر الديني او تحديث الشريعة او تقديم نموذج حضاري بديل على ان لايتجاوز المركزية الاخلاقية (القرآنية)؛ وهذا ما عملت عليه بعض الشخصيات ،التي تعرضت للمحاربة وبعضها للتكفير في ظل هيمنة سدنة (الزمن الدائري) الا وهم الفقهاء.


المصادر والهوامش

([1]) جاك لوغوف، العقليات/ تاريح مبهم، ترجمة محمد حميدة، على الرابط الالكتروني:

www.Nadyelifiker.com

([2]) كريستوف فولف، علم الأناسة/ التاريخ والثقافة والفلسفة، ترجمة: أبو يعرف المرزوقي، كلمة للطباعة والنشر، أبو ظبي، الأمارات العربية المتحدة، ط1، 2002، ص112.

([3]) ريمون بودون، أبحاث في النظرية العامة في العقلانية/ العمل الاجتماعي والحس المشترك، ترجمة: د. جورج سليمان، المنظمة العربية للترجمة، نشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2010، ص219-220.

([4]) المصدر السابق نفسه، ص220.

([5]) ينظر: المصدر السابق نفسه، ص221.

([6]) المصدر السابق نفسه، ص223.

([7]) المصدر السابق نفسه، ص224-225.

([8]) المصدر السابق نفسه، ص222.

([9]) د. فردريك معتوق، تطور علم اجتماع المعرفة من خلال تسعة مؤلفات أساسية، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1982، ص57.

[10] جون جرانت (محررا), فكرة الزمان عبر التاريخ, ت: فؤاد كامل, سلسلة عالم المعرفة, الكويت, عدد(159) مارس, 1992, ص12 .

([11]) السيد حافظ الاسود،تصوررؤية العالم في الدراسات الانثروبولوجية،دراسة في كتاب(رؤى العالم:دليل عمل ميداني)بأشراف:د.احمد ابوزيد،المركز القومي للبحوث الاجتمالعية والجنائية،برنامج بحوث تقويم السياسات الاجتماعية،القاهرة،1993،ص8.

([12]) المصدر السابق نفسه،ص9.

([13]) David L. sills, International Encyclopedia of social scinces, volume: 16, coprright cromell collier and macmilian, Inc, London, 1972, p. 31.

([14]) Ibid, p. 30.

([15]) جون ترانت، المصدر السابق نفسه، ص6.

([16]) Ibid, p. 25.

([17]) جون ترانت، المصدر السابق نفسه، ص7-9.

([18]) ينظر: غليفورد غيرتز، تأويل الثقافات، ترجمة: د. محمد بدوي، المنظمة العربية للترجمة، نشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2009، ص682.

([19]) المصدر السابق نفسه، ص683.

([20]) المصدر السابق نفسه، ص683-684.

([21]) المصدر السابق نفسه، ص684-685.

([22]) أندريه لالاند، الموسوعة الفلسفية، المجلد الثالث، ترجمة: خليل أحمد خليل، عويدات للنشر والتوزيع، بيروت، 2008، ص1433-1434.

([23]) Alan Barnard and Jonathan Spencer, The Routiedge Encyclopedia of social and cultural Anthropology, second edition, New York, 2010, pp. 689-690.

([24]) توني بينت وآخرون، مفاتيح اصطلاحية جديدة/ معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع، ت: سعيد الغانمي، المنظمة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2010، ص371.

([25]) المصدر السابق نفسه، ص371-372.

([26]) جون سكوت (محرراً)، علم الاجتماع/ المفاهيم الأساسية، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2009، ص240.

([27]) ينظر: جون جرانت (محرراً)، فكرة الزمان عبر التاريخ، مصدر سابق، ص22-23.

([28]) ينظر: دوريندا اوترام، التنوير، ت: د. ماجد موريس إبراهيم، دار الفارابي للنشر، بيروت، ط1، 2008، ص125.

([29]) براديغم: عنى البراديغم عند كون: ((مجموعة القوانين، والتقنيات، والأدوات المرتبطة بنظرية علمية والمسترشدة بها، والتي بها يمارس الباحثون عملهم ويديرون نشاطاتهم. وحالما تتأسس تتخذ أسم العلم العادي)). لتفاصيل أكثر ينظر: توماس. كون، بنية الثورات العلمية، ت: د. حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2007، ص340-341.

([30]) ينظر: توماس كون، المصدر السابق نفسه، ص205.

([31]) ولترستيس، الدين والعقل الحديث، ت: إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت، ط3، 2009، ص118.

([32]) ينظر: المصدر السابق نفسه، ص118-119.

([33]) جون جرانت، المصدر السابق نفسه، ص24.

([34]) كريستوف فولف، علم الأناسة، مصدر سابق، ص186.

([35]) جون جرانت، المصدر السابق نفسه، ص39.

([36]) جون جرانت، المصدر السابق نفسه، ص45.

([37]) ديفيد هارفي، حالة ما بعد الحداثة/ بحث في أصول التغير الثقافي، ت: د. محمد شيا، المنظمة العربية للترجمة، توزيع: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2005، ص270.

([38]) المصدر السابق نفسه.

([39]) المصدر السابق نفسه، ص271.

([40]) ينظر: جون جرانت، المصدر السابق نفسه، ص159.

([41]) ينظر: ديفيد هارفي، حالة ما بعد الحداثة، مصدر سابق، ص245.

([42]) المصدر السابق نفسه، ص281.

([43]) ج. تيمونز روبيرتس، أيمي هايت، من الحداثة إلى العولمة/ رؤى ووجهات نظر في قضية التطور والتغير الاجتماعي، ت: سمر الشيشكلي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ع (310)، ديسمبر، 2004، ص171-172.

([44]) ينظر: ديفيد هارفي، المصدر السابق نفسه، ص332.

([45]) المصدر السابق نفسه، ص347-348.