نظرية المعرفة عند دوركهايم: البُعد المُهمل – آن وارفيلد راولز

نظرية المعرفة عند دوركهايم: البُعد المُهمل – آن وارفيلد راولز

img_0524 نظرية المعرفة دوركهايم

آن وارفيلد راولز تكتب عن نظرية المعرفة عند دوركهايم

ملف بحثي: الدين والمجتمع ونظرية المعرفة – قراءات معاصرة في أعمال إيميل دوركهايم – ترجمة وتقديم: حسن احجيج


تقديم:

يقوم الصرح المعقد لكلّ النظريات السوسيولوجية للآباء المؤسسين على مساءلة أصل الواقع الاجتماعي ووضعه الأنطولوجي. ومن المفارق أن نلاحظ أنّ السوسيولوجيا، التي نشأت في القرن التاسع عشر في خضم التحولات التي أحدثتها الثورة والعلمنة، كرّست معظم جهودها الأولى لتحليل الظاهرة الدينية. وقد ذهب البعض إلى اعتبار علم الاجتماع الديني هو ما دشن ولادة النظرية السوسيولوجية ذاتها .

في هذا السياق انبثقت سوسيولوجيا إميل دوركهايم (1858-1917) الوفيّة للتقليد الفكري الفرنسي المتساوق مع المذهب الديكارتي. والظاهر أنّ النظرية الاجتماعية الدوركهايمية ترتكز كلها على سؤال الأصول: من أين يأتي المجتمع، هذا الكيان المكون من الأفراد، لكن الذي يتمتع بوجود فريد من نوعه؟ ما هي القوانين الخاصة بالمجتمع؟ كيف أمكن لعدد كبير من البشر الذين يتمتع كل واحد منهم بحياة داخلية خاصة أن يفكروا ويشعروا ويتصرفوا بالطريقة نفسها؟

أشار شرّاح دوركهايم إلى أنّ هذا الأخير أعاد أصل الحياة الاجتماعية إلى اندماج الضمائر الفردية في ضمير جمعي مشترك مزوّد بخاصيتي الخارجية والقدرة على ممارسة الإكراه. ولكي يقوم الإكراه بمهمته الإدماجية، يجب أن يتحين في مؤسسات يقسمها دوركهايم إلى صنفين: المؤسسات الاجتماعية (التربية، الأسرة، الدين، اللغة…)، والمؤسسات المنطقية (مبادئ العقلانية، مقولات الإدراك).

هذه الثنائية بين البنيات الموضوعية والبنيات الذهنية أسالت الكثير من التعليقات والتعليقات المضادة في حقل المعرفة السوسيولوجية إلى اليوم. لكنها كانت أكثر حدة لدى الآباء المؤسسين، ولاسيما في ما أطلق عليه “حرب المناهج” التي دارت رحاها في البداية في ألمانيا بين أنصار المذهب التفسيري وأنصار المذهب التأويلي، والتي انتقلت بعد ذلك إلى بلدان أخرى ولاسيما فرنسا. ويعتبر دوركهايم واحداً من أهم هؤلاء الذين شاركوا في هذا السجال المعرفي الخصب، كما أنّ موقفه النظري، وخصوصاً الأنطولوجي، من “الاجتماعي” ظلّ موضوع خلافات عميقة بين شراحه ومعلقيه في كل بقاع العالم الغربي. فمنهم من اعتبره رائد المذهب الطبيعي في علم الاجتماع، وبالتالي يعطي الأهمية الكبرى للطابع الشيئي للظاهرة الاجتماعية، ومنهم من اعتبر أنّه عالم اجتماع بنائي constructionniste منح الأولوية الأنطولوجية لدور المعرفة في بناء الواقع الاجتماعي، وخصوصاً التمثلات الجماعية.

في الدراسة التي بين أيدينا، تفحص آن وارفيلد راولز Anne Warfield Rawls، عالمة الاجتماع الأمريكية المنتمية للإتنوميتودولوجيا، وجهتي النظر هاتين وتتتبع تحولاتهما في سياق الهيمنة المؤسساتية للباراديجمات السوسيولوجية في الولايات المتحدة بالخصوص. وبعد أن تبين راولز قصورهما، توضح وجهة نظرها الخاصة التي تشدد على أهمية الممارسة الاجتماعية في بناء “المشترك” communauté، وذلك انطلاقاً من تحليلها لكتاب الأشكال الأوليّة للحياة الدينيّة الذي نشره دوركهايم سنة 1912 وحاول فيه بيان أشكال القصور التي تعتري نظريات المذهب التجريبي والمذهب العقلي في تفسير نشأة المعرفية البشرية، معتمداً في ذلك على دراسة الديانات الطوطمية.

وبالفعل، ينطلق دوركهايم في كتابه الأشكال الأوليّة من السؤال التقليدي: كيف يمكن للإدراكات الحسية الفردية للواقع أن تنتج معرفة صادقة لهذا الواقع؟ وفي معرض جوابه على هذا السؤال، يرفض دوركهايم الجوابين التجريبي والقبلي، لأنهما في رأيه يفسّران نشأة المعرفة بعلاقة بين الفرد والواقع المادي، وبالتالي يعجزان عن تقديم أي برهان اختباري لعملية المعرفة. فبالنسبة للمذهب التجريبي، يجب تفسير كيف أنّ مجموعة من الانطباعات الحسية تسمح للأفراد بإدارك موضوع ما بطريقة متطابقة؛ وبالنسبة للمذهب القبلي، ينبغي تفسير كيف يمكن لترسيمات مفاهيمية أن تفرض شكلاً على الواقع وتترك في الوقت نفسه لهذا الواقع خاصيته كموضوع معرفي. ويرى دوركهايم أنّ علم الاجتماع وحده قادر على تجاوز المأزقين لأنه ينطلق من مسلمّة أنّ المعرفة ظاهرة اجتماعية، ولأنه يأخذ بعين الاعتبار مسألة أساسية، وهي أنّ الكائنات البشرية تعيش في جماعات ومزودة بما يساعدها على استشعار تشابه مشاعرها sentiments عندما تنخرط في لحظات الفوران الجماعي، كما هو الحال بالنسبة للطقس الطوطمي.

لقد شكك دوركهايم في إمكانية البرهنة على وجود علاقة سببية بين الضمير الجمعي والضمائر الفردية. واعتقد أنه لمعرفة كيف “يتسرّب” المجتمع إلى العقول الفردية، ينبغي معرفة مصدر القدرة على تشكيل تمثلات متطابقة مع تمثلات الآخرين، أي نشأة الفكر المنطقي. ووجد هذا المصدر في المشاركة الجماعية في الممارسات الطقوسية: إذ يعتقد دوركهايم أنّ الإنجاز الجماعي للطقس الديني، أي أنّ اجتماع مجموعة من الأفراد لممارسة الأصوات والحركات الملموسة جماعياً، يولد مجموعة من المشاعر والانفعالات المشتركة، التي تنبثق عنها بدورها مقولات الفكر les catégories de pensée، أو ما كان يسميها ديفيد هيوم “مبادئ الفهم”، والتي يتمّ بواسطتها بعد ذلك تثبيت أساليب الفعل والتفكير من خلال تحويلها إلى مؤسسات تحظى بالخارجية وبقوة الإكراه.

لا نريد أن نفسد على القارئ متعة اكتشاف مضمون هذه الدراسة الرائدة لآن وارفيلد راولز بمزيد من الشروح، لذلك نكتفي بهذا القدر من التقديم. وقراءة ممتعة.

العنوان الأصلي للنص:
Rawls, Anne Warfield, «Durkheim’s Epistemology: The Neglected Argument», American Journal of Sociology, 1996, 102 (2), pp. 430-482

تُعتبر نظرية المعرفة البُعْدَ الأهمَّ في فكر دوركهايم ، ولكنْ الأكثر عرضةً للإهمال. فقد طوّر دوركهايم هذه الأطروحة حول الأصول الاجتماعية لمقولات الفهم (the categories of the understunding) في أهم فصول كتابه الأشكال الأوليّة للحياة الدينيّة (1912). وترجع هذه الأصول إلى التفاصيل الملموسة لإنجاز الممارسات. لكنّ هذا الاستدلال الخاص بـ نظرية المعرفة تَمَّ للأسف خلطه مع علم اجتماع المعرفة لدى دوركايم: وهذا الخلط هو الذي أدّى إلى تقديم تأويل خاطئ لـ نظرية المعرفة الدوركهايمية، حيث تمّ اعتماد التصور المثالي الذي يعيد أصل مقولات الفكر الأساسية إلى المعتقدات والتمثلات الجماعية. وبذلك أُهْمِلَتْ النظريةُ الدوركهايمية في المعرفة برمّتها. وانطلاقاً من هذا المنظور، فإنّ التأويلات السوسيوبنائية (social constructivism) أو الثقافية، التي تحظى اليوم بشعبية كبيرة والتي تهدف إلى إنقاذ دوركهايم من التأويلات الوظيفية أو الوضعية التي نشرها تالكوت بارسونز على نطاق واسع، تتسم بالقدر نفسه من الخداع الذي يشوب هذه التأويلات الأخيرة. فلا هذه ولا تلك تستطيع أن تمسك بالكيفية التي تتمفصل بها مختلف أبعاد الاستدلال الدوركايمي، أي علم اجتماع المعرفة من جهة، و نظرية المعرفة من جهة أخرى.

كانت نظرية المعرفة ، قبل إيمانويل كانط Kant، تعاني من مشكلة الفصل بين الفكر والواقع الذي خلقته مسلمة الفروق الجوهريّة بينهما، والتي ترى أنّ الفكرَ مُكَوَّنٌ من مفاهيم عامة ومستمرة، وأنّ الواقعَ مُكَوَّنٌ من تدفقات. واجهت نظرية المعرفة منذ كانط مشكلةَ الفصل بين الفكر والواقع الذي أبدعه الفهم البشري: فقد أصبح الواقعُ الطبيعي يُدْرَكُ منذئذ بواسطة مقولات الفكر البشرية وليس بما هو كذلك. ففي كل حالة، يضيف الإدراكُ الحسي والفكرُ البشري للواقع عناصرَ لم تكن توجد فيه من قبل. وبالتالي، تبدو المعرفة البشرية عاجزةً عن أن تقيم مع الواقع علاقةً اختباريةً صادقةً.

طوال القرن العشرين تَمَّ التخلي تدريجياً، باسم إجماع متزايد حول استحالة الاستدلال على الصدق التجريبي (empirical validity) للعلاقة بين المعرفة والواقع، عن هذا التصور الكلاسيكي لموضوع المعرفة الذي يتطلب بالضبط ذلك النوع من الاستدلال، وتَمَّ في مقابل ذلك تبنّي مقاربة سوسيوبنائية للمعرفة تتضمن مبدأ اللاتحديد indeterminacy. فانطلاقاً من وجهة النظر هذه، يُسْتَخْدَمُ التوافقُ الاجتماعي والتعريفاتُ المقبولة اجتماعياً كمقياس لكل تعريف للصدق الاختباري. هذا ما يمكن استنتاجه من خلال التأثير المتزايد للمقاربات ما بعد حديثة والبرجماتية داخل العلوم الإنسانية والاجتماعية.

والحال أنّ هذا التخلي عن المعيار الكلاسيكي للصدق لصالح نظرية للمعرفة كتوافق، التي انتشرت بفضل أعمال وليام جيمس في نهاية القرن التاسع عشر، لا يبدو ضرورياً إلا لسبب وحيد وهو أنه طُرِحَتْ مسألة المعرفة – على يد التجريبيين (empiricists) والقَبْلِيِّين (apriorists) على حد سواء ـ بمصطلحات تنتمي للمذهب الفردي والمذهب الطبيعي: كيف يمكن للإدراكات الحسية الفردية والواقع الطبيعي أن تشكل معرفةً صادقةً بهذا الواقع. (انظر Cuvillier ]1955[ لمناقشة مفصلة حول تطور البرجماتية وتأثيرها في فرنسا خلال تلك الفترة). يرى دوركهايم أنّ ما حال دون حلّ هذه المسألة هي الأهمية المفرطة الممنوحة للفرد وللإدراك الحسي الفردي للقوى الطبيعية. ولذلك سعى إلى استبدال المقاربة الفردانية، الخاصة بالفلسفة التقليدية، بمقاربة متجذرة بقوة في إنجاز الممارسات الاجتماعية.

طوّر دوركهايم أفكاره المتعلقة بأسس المعرفة في ثلاثة نصوص أساساً: الأشكال الأوليّة للحياة الدينيّة (1915 [1912] Durkheim)، في بعض الأشكال البدائيّة للتصنيف (Durkheim & Mauss [1912] 1915)، والبرجماتية وعلم الاجتماع ((Durkheim [1913-1914] 1955. يضع النص المتعلق بالتصنيف البدائي عناصر أصل مقولة التصنيف، لكنه لا يذهب إلى حد تمييز الأصل الاجتماعي للمفهوم (علم اجتماع المعرفة) عن نشأة المفهوم أثناء إنجاز الممارسة (نظرية المعرفة). أمّا الدروس التي قدّمها دوركهايم حول البرجماتية فإنها تدرس بتفصيل المشكلة الكلاسيكية للمعرفة وتقدّم تقييماً نقدياً للحل البرجماتي أو السوسيوبنائي لهذه المشكلة. ومع ذلك، فإنّ هذه الدروس لا تتضمّن نظرية دوركهايم في المعرفة. فهذه الأخيرة لا توجد مفصلة إلا في كتاب الأشكال الأوليّة للحياة الدينيّة الذي ينتقد فيه دوركهايم التيارات الإبستمولوجية الخاصة بالنزعة التجريبية والنزعة القبلية والنزعة البرجماتية (التي كانت كلها تحظى بشعبية كبيرة في نهاية القرن التاسع عشر)، والذي يقترح فيه، خصوصاً في الفصول الوسطى، نظريته السوسيوتجريبية (social empiricism) للمعرفة كَحَلٍّ بديلٍ وحيد.

يرى دوركهايم أنّ تبني مقاربة فردانية للمعرفة، أي الاعتقاد أنّ المعرفة تنطلق من التجربة الفردية، يثير بالضرورة مشكلات يستحيل حلها. ذلك أنّ الأشياء التي يجربها الأفراد تتغير من يوم لآخر ومن لحظة لأخرى. فلا شيء يعيد إنتاج نفسه بصورة متطابقة، كما أنّ مجرى التجربة (في حالة ما إذا كان الأفراد لم يكتسبوا بعد مقولات الفكر العامة) يخضع لعملية تطور دائم وتمايز مستمر (بما أنه في تدفق لا يتوقف). فضلاً عن ذلك، فحتى وإن كان من الممكن الاعتراف بأنّ التجارب الفردية الخاصة صادقة تجريبياً، فإنّ كل محاولة للتعميم انطلاقاً منها تبقى غير صادقة إذا لم يكن ما أُضِيفَ أثناء عملية التعميم هذه خاصيةً أوليّةً للتجارب الخاصة. لكن ما الذي يميّز في هذه الحالة مقولة عامة عن تجربة مواضيع وأحداث خاصة؟ إذا كانت المقولات العامة شيئاً لا يوجد في التجارب الخاصة المأخوذة كُلّ واحدة على حدة، أي إذا كانت شيئاً أضافه العقل إلى مجموع الكيانات الخاصة، فإنّ الأفكار العامة تخلو من كلّ صدق تجريبي.

إنّ محاولات التجربيين حلّ هذه المشكلة بواسطة تحليل منطقي مُفَصَّلٍ للإدراك الفردي وللعلاقة المنطقية بين المواضيع المُدْرَكَةِ قادتهم لاستنتاج أنّ العلاقات المنطقية ليست وحدها ما يضيفها العقل كخصائص، وإنما كل العلاقات، وأنها لا تشكل جزءاً من الموضوع المُدْرَكِ. وعليه، فإنّ محاولة التجريبيين إقامة علاقة مباشرة بين الإدراك وواقع طبيعي مضمر قادتهم إلى النزعة الشكيّة. وقد انتقد دوركهايم Durkheim 1915, p. 27) ) النزعة التجريبية الكلاسيكية لعجزها عن تفسير إمكانية اشتقاق أبسط الأفكار العامة (general ideas) مباشرة من التجربة: “تتحول النزعة التجريبية الكلاسيكية إلى نزعة لاعقلية؛ ربما يجدر نعتها بهذا اللفظ الأخير”. كما يعتقد أنّ النزعة القَبْلِيّة لم تستطع أن تفرض نفسها كبديل عن النزعة التجريبية، مادامت تقبل هي أيضاً المأزق التجريبي وتستخدم استحالة توليد المقولات بطريقة اختبارية للدفاع عن الطابع القبلي لتلك المقولات.

دافع دوركهايم في دروسه حول البرجماتية عن فكرة أنّ “التجريبية الراديكالية” لوليام جيمس نفسها لم تقطع مع المشكلات التي أثارتها التجريبية الكلاسيكية. فعندما استبدل جيمس ثنائية الفكر والواقع بالفعل الفردي المُدْرَك كعلاقة ديناميكية بين الاثنين في سياق منفعي، يكون قد تخلى عن إمكانية الاحتفاظ بمفهومي الحقيقة والمنطق. ستظل منفعةُ فعلِ البرجماتيين منفعةً فرديةً، بحيث لم يتوصل جيمس أبداً إلى أن يفسّر (بدون السقوط ثانية في الواقعية أو المثالية) كيف يمكن للمعتقدات والممارسات المرتبطة بالمنفعة الفردية أن تُعَمِّمَ بطريقة صادقة اختبارياً. هكذا يرفض دوركهايم التجريبية والقبلية، ويعترض على أطروحة جيمس، ويؤكد على أنه طالما لم ينجح في إقامة أساس مفهومي صادق ومقتسم بين الجميع، فإنّ مشكلة تفسير المعرفة الفردية والتواصل التذاوتي (بين الذوات) ستظل بدون حل، وستظل الحقيقة والمعرفة غير محددتين.

تتمركز التجريبية الاجتماعية لدوركايم حول العلاقة الديناميكية القائمة بين أعضاء الجماعة كمشاركين في الطقوس الجماعية من جهة، والعمليات الاجتماعية المنجزة خلال هذه المشاركة من جهة أخرى. فإذا كانت القوى الطبيعية لا تُدْرك إلا ككيانات خاصة، فإنّ دوركهايم بالمقابل يدافع عن فكرة أنّ القوى الاجتماعية تتميز بالديناميكية والاستمرارية. علاوة على ذلك، عندما يدرك بعض الأشخاص المجتمعين لإنجاز ممارسات جماعية القوى الاجتماعية على ذلك النحو، فإنّ هذه الأخيرة تمثل أساساً اختبارياً للمقولات. هذه الطريقة في معالجة الهوّة بين الفكر والواقع تستبدل المقاربة الفردانية، التي كانت تميز التجريبية والقبلية معاً، بنظرية للمعرفة قائمة اجتماعياً. هذه النظرية تنظر إلى العمليات الاجتماعية الملموسة كعمليات طبيعية تتمثل وظيفتها في توفير المقولات الفكرية العامة للأشخاص الذين يشاركون فيها. كان دوركهايم يطمح بذلك إلى تجاوز المآزق الإبستمولوجية التي خلقتها الفردانية وإلى حلّ مسألة المعقولية المتبادلة. هكذا، يكون دوركهايم برفضه الانطلاق من الفرد قد فسّر أصل المفاهيم الأولية الضرورية بالعمليات الاجتماعية الملموسة، وهو شيء لم يسبق لأحد قبله أن حاول القيام به.

لكنّ استبدالَ الفردي بالجماعي تمّ للأسف تأويله تأويلاً خاطئاً كاستبدال للتجريبي بالمثالي. عندما كان دوركايم، وهو يبحث عن طريقٍ وسطٍ بين التجريبية والقبلية، يؤكد على أنه لا يمكن توليد مقولات الفهم الصادقة من داخل الإطار التجريبي، فإنه كان مرغماً على وضع ذاته العارفة خارج العالم التجريبي. وربّما كان مرغماً بسبب ذلك على خلق عالم مثالي من الرموز والأفكار (التمثلات) والمعتقدات، عالمٍ يعتبر أصل (الأشكال) الأساسية للفكر البشري.

إلا أنّ الأمر يتعلق هنا بتأويل خاطئ تماماً لـ نظرية المعرفة التي طوّرها دوركايم. فهذا الأخير لم يكن يريد أن يتموضع بين التجريبية والقبلية عندما أرجع أصل المقولات إلى حالة اجتماعية مثالية توجد خارج الزمان والتاريخ، ولا عندما وضع الذاتَ العارفةَ خارج التجريبية. بل إنه على العكس من ذلك يشير بوضوح تام إلى الأهمية التي يجب إيلاؤها إلى التاريخي والتجريبي. فالطريق الوسط بالنسبة إليه طريق ملموسة، تجريبية واجتماعية، مكوّنة من الممارسات، وليست نسقاً من الرموز والمعتقدات. هذا التشديد على الاجتماعي والملموس أدّى به- حتى قبل طرح مسألة المعرفة- إلى تأمّل الأشخاص الفرديين وهم بين أقرانهم، منخرطين في الإنجاز المشترك للممارسات الاجتماعية، وخصوصاً الطقوس الدينية، وذلك بدل أن يتأملهم وهم في سياق طبيعي فرداني. الشيء الذي مكنه من التمييز بين الانطباعات الحسية الفردية بالقوى الطبيعية التي كانت تشكل مشكلة للنزعة التجريبية من جهة، وبين تجربة القوة الأخلاقية التي كان الأفراد منقادين لخوضها كلما شاركوا في الإنجاز المشترك للممارسات من جهة أخرى. ويؤكد على أنّ إدراكاتِ القوة الأخلاقية التي يُوَّلِدُها الإنجازُ المشتركُ للممارسات تنتمي لنظام تجربة داخلية، انفعالية وفورية، ولا تتطلب بالتالي عمليةَ تجريدٍ انطلاقاً من سلسلة الإدراكات الخاصة؛ وهذه هي النقطة التي تَوَقَّفَ عندها التفسيرُ التجريبي للأفكار العامة. ليست الممارسات ُالاجتماعية، في رأي دوركايم، ممارساتٍ مثاليةً ولا تتكون أساساً من أفكار وتمثلات ومعتقدات. هذه الظواهر الأخيرة كيانات ثانوية فقط. بل إنّ المجتمع يتكوّن أولاً وقبل كل شيء من ممارسات منجزة جماعياً، ومنها تنبثق القوى الاجتماعية الواقعية التي تمثل موضوعَ تجربةٍ متبادلةٍ بين أعضاء الجماعة مجتمعين. وتُنْتِجُ بعضُ هذه القوى الاجتماعية أفكاراً رئيسةً معيشةً من طرف الجميع، وهذه الأفكار هي التي يسميها دوركهايم “مقولات الفهم”. ولم تكن وظيفةُ الدين طوال التاريخ البشري سوى السماح بإنجاز الممارسات الضرورية لتوليد هذه الأفكار الرئيسة.

يعرض كتاب الأشكال الأوليّة للحياة الدينيّة فحصاً تاريخياً ومقارناً دقيقاً جداً للأصل التجريبي لِسِتِّ أفكارٍ أوليّةٍ (مقولات الفهم) حدّدتها النقاشات الفلسفية كأفكار أساسية لصدق المعرفة (الزمان، والمكان، والتصنيف، والقوة، والسببية، والكليّة). لكن للأسف، يُتَرْجَمُ اهتمامُ دوركهايم بالتفاصيل التجريبية للممارسات بمقاطع طويلة حول الطوطمية (totemism)، تمثل جوانبَ مثيرةً للفضول من تفكيره في أسس المعرفة البشرية، لكنها طويلة جداً، وتبدو ظاهرياً أنها متمركزة على الطوطمية بما هي كذلك، لدرجة أنّه غابت دلالتها الإبستمولوجية الخالصة عن ذهن معظم قرائه. في هذه المقاطع مثلاً يفحص دوركهايم المذهب الحيوي (animism)* بهدف البرهنة ضد التفسير القَبْلِي للطوطم. وفي هذه المقاطع أيضاً يناقش دوركهايم أعمال جيمس فرايزر J. Frazer وإدوارد تايلور E. Taylor بهدف معارضة التفسير التجريبي الكلاسيكي. إذ استخدم دوركهايم الطواطم الفردية والجنسية لبيان أنه ليس للطوطم أصل فردي. ولأن دوركهايم أقام نظريته المعرفية على التفاصيل الملموسة لإنجاز الطقوس الطوطمية، فإنّ الأعمال التي تعتبر أنّ لمثل تلك التفاصيل الملموسة أصلاً فردياً تصطدم بموقفه الجمعي. ولذلك كان عليه أن يعللها. ومن هذه الزاوية، لا يسعنا إلا أن نأسف لكون هذه الدراسة المفصلة للطواطم غالباً ما اعتبرت كدراسة للطواطم بما هي كذلك، أو أيضاً كاستكشاف لـ”الأنساق المفهومية” بدلاً من النظر إليها كتحليل معمّق للتفاصيل التجريبية للممارسات في خدمة برهنة تلعب دوراً أساسياً في نظرية المعرفة لدى دوركايم.

كل ذلك أدى بمعظم الباحثين الذين اهتموا من بعيد أو قريب بـ نظرية المعرفة الدوركهايمية إلى قَصْرِ اهتمامهم على الفصلين الأول والأخير من الكتاب اللذين كانا يتضمنان فقط الخطوط العريضة للبرهنة الإبستمولوجية، متجاهلين الدراسة المفصلة الأساسية في الفصول الوسطى. وهذا ما نتج عنه قراءة مغلوطة. فالفصل الأول يقدم بالفعل توضيحاً سابقاً للمشكلة، سبق وأن عرضه دوركهايم سنة 1909 تحت عنوان “علم الاجتماع الديني و نظرية المعرفة “، وهو فصل لا يميز إلا قليلاً قضايا نظرية المعرفة عن قضايا علم اجتماع المعرفة (Lukes 1973, p. 408). وتعرض خاتمة الكتاب صعوبة من النوع نفسه. فهي تعالج علم اجتماع المعرفة بالاعتماد على خلاصات البرهنة الخاصة بـ نظرية المعرفة ، وبالتالي بافتراض أنّ هذه الأخيرة مفهومة سلفاً. إنّ تجاهل العديد من الباحثين للفصول الوسطى جعلهم يستخرجون نظرية المعرفة الدوركهايمية من المقدمة والخاتمة اللتين لم يتم فيهما سوى تقديم ملخص إجمالي غير واضح لها. هذه القراءة أخطأت الدراسة المعمقة التي قام بها دوركهايم في الفصول الوسطى للعلاقة القائمة بين ممارسات نوعية ومقولات نوعية، وأوحت بأنّ دوركهايم ركز اهتمامه على أنساق المعتقدات الرمزية.

وكان من نتائج الإهمال الذي تعرضت له الفصول الوسطى للكتاب عدم الاعتراف أبداً بـ نظرية المعرفة الدوركهايمية بما هي كذلك. بل إنّ أفضل المقاربات التي تناولت أطروحة الأصل الاجتماعي للمقولات لدى دوركايم، كمقاربة دافيد بلور (Bloor 1982) الجديرة بالاحترام، تناولتها كبرهنة تتعلق بعلم اجتماع المعرفة وليس كبرهنة عامة تتعلق بطبيعة العقل وأصل العقل البشري. لكن يتضح بجلاء من خلال قراءة الأشكال الأوليّة أنّ دوركهايم أسّس نظرية للمعرفة بالمعنى الأكثر كلاسيكية للكلمة. أمّا علم اجتماع المعرفة لديه، فيمثل برهنة ثانوية ومختلفة تعتمد أساساً على نظريته في المعرفة. كتب جون ألكوك J. Allcock في مقدمته للطبعة الإنجليزية لدروس دوركهايم حول البرجماتية أنّه “ما يزال من الواجب القيام بتقييم شامل لـ نظرية المعرفة عند دوركايم” (Allcock 1983, p. xi). ويؤكد ألكوك على أنّ مناقشة طبيعة الوقائع الاجتماعية لدى دوركهايم ، وكذلك علم اجتماع المعرفة لديه، كانت هي الانشغال الأساسي للأعمال التي تناولت هذا المؤلَّف وساهمت في استمرار الخلط بينها وبين نظريته في المعرفة. وتولدت عن ذلك صعوبةُ فهمِ التمييز الذي أجراه دوركهايم بين القوة الأخلاقية (أو الاجتماعية) والإدراك التجريبي كأساس لمقولات الفهم، صعوبةٌ قادت الباحثين إلى رفض نظرية المعرفة عند دوركهايم باعتبارها غير مبررة، وإلى التركيز فقط على علم اجتماع المعرفة لديه. فحتى الأعمال التي تطمح إلى التعامل فعلياً مع نظرية المعرفة الدوركهايمية، بالإحالة غالباً إلى ملاحظات ألكوك، تستمرّ في تقديم وصف مثالي للاستدلال الدوركايمي، متجاهلة كليّاً تجذرها التجريبي في الممارسات الملموسة (Goodlove 1989). وفي الوقت نفسه، غالباً ما أُوِّلَتْ نظرية المعرفة الدوركهايمية كما لو أنها التأكيد القاطع على أنّ مقولات الفهم، التي يقول عنها دوركهايم أنها صادقة تجريبياً، تنبثق من التمثلات الاجتماعية أو من أنساق المعتقدات، وهو أمر يستحيل الدفاع عنه. هذا التأويل حَمَلَ على الاعتقاد أنّ دوركهايم كان يجهل الأسئلة الفلسفية المرتبطة بمشكلة المعرفة (Gehlke 1915; Dennes 1924; Parsons [1937] 1968; Lukes 1973; Mestrovic 1993; stone & Farberman 1967; LaCapra 1972). فقد اتُّهِمَ دوركهايم بكونه لم يستطع التعرف على حدود النظرية التجريبية للأفكار العامة، ممّا جعل منه مفكراً وضعياً، كما اتُّهِمَ بكونه أكد على أنّ مقولات الفهم تنتج عن أفكار أخرى، ممّا جعل منه مفكراً مثالياً. صحيح أنّ البرهان المثالي أو السوسيوبنائي الذي بمقتضاه تصدر الأفكار عن أفكار أخرى يشكل جزءاً من علم اجتماع المعرفة الدوركهايمية (التي لا يطالب لها بصدق تجريبي)، لكنه لا ينتمي إلى نظريته في المعرفة. سوء الفهم هذا افترض أنّ دوركهايم يقترح وجهة نظر مثالية باعتقاده أنّ المقولات تكمن في التمثلات الجماعية، بينما في الحقيقة يعتقد أنها ترتكز ارتكازاً مباشراً على التجربة الملموسة لإنجاز الممارسات.

وبالفعل، كان دوركهايم يؤكد على أنّ مقولات الفهم تتسرب إلى عقول الأشخاص الفرديين، بطريقة صادقة تجريبياً، أثناء إنجاز الممارسات. ووصف بالتفصيل العملية التي بواسطتها تُوَّلِدُ الممارساتُ الأفكارَ. يرى دوركهايم أنّ إرجاع أصل هذه المقولات الست إلى إنجاز الممارسات هو ما يمكِّن نظريتَه المعرفية من تجاوز ثنائية الفكر والواقع. ذلك أنّ المقولات تكون مطابقة لواقع القوى الاجتماعية بما أنّ هذه الأخيرة قد انبثقت أثناء إنجاز الممارسات. وبالتالي فإنّ الأطروحة التي يدافع عنها دوركهايم تتعلق بـ نظرية المعرفة بالمعنى الأكثر كلاسيكية للكلمة، إذ أنها تفسّر العلاقة بين الإدراكات الحسية والأفكار والواقع الخارجي بطريقة تُبَيِّنُ أنّ الأفكارَ الأوليةَ والمفاهيمَ يمكنها إقامة علاقةٍ صادقةٍ أو فعليةٍ مع الواقع الخارجي الذي يتكون كله في هذه الحالة من القوى الاجتماعية. وكان دوركهايم ينوي بنظريته خَلْعَ نظريات كانط وهيوم وجيمس وورثتهم، وبالتالي التغيير النهائي للغة النقاش الفلسفي حول صدق المعرفة.
إنّ أحد الأهداف الرئيسة لكتاب الأشكال الأوليّة للحياة الدينيّة هو إقامة البرهان التجريبي على أنّ الإنجاز الجماعي للممارسات الطقوسية (الدينية) يزوِّد الأفراد بمقولات الفهم. يشير ستيفن لوكس (Lukes 1973, pp. 407-408, 459) إلى أنّ العنوان الذي اقترحه دوركهايم في البداية في رسالة بعثها إلى ليون Léon سنة 1908 (“الأشكال الأولية للفكر والممارسة الدينية”) يوحي بأنّ الاهتمام بالدين يرجع إلى انشغال أقدم وأقوى بـ نظرية المعرفة والأخلاق. وبالتالي فإنه لم يمحور أعماله حول الدين إلا لأنه كان مقتنعاً بأنّ الممارسات الدينية ضرورية لتوليد مقولات الفكر الصادقة. وتبنّى في الأشكال الأوليّة أسلوباً في العرض شبيها بأسلوب العرض الذي اعتمده هيوم في كتابه رسالة في الطبيعة البشرية (Hume [1739] 1978) وهذا الأسلوب في العرض يسمح بتقديم استدلال إبستمولوجي وليس بدراسة المعتقدات الدينية. ونعلم أنّ دوركهايم كان مهتماً أساساً بالقوى الأخلاقية وبمقولات الفكر التي تطابقها والتي تُوَلّدُهَا الممارساتُ الدينية حسب اعتقاده. واهتمامه بأنساق الاعتقاد الديني ليس سوى اهتمامٍ ثانوي. فقد كان يعتبر “الاعتقاد” الديني ظاهرة ثانوية تماماً، لا تتمتع بصدق تجريبي، وكان يتناولها انطلاقاً من وجهة نظر علم اجتماع المعرفة، وليس انطلاقاً من وجهة نظرية المعرفة .

الفكرة القائلة إنّ أعمال دوركهايم اللاحقة تسجّل منعطفاً مثالياً، وهي الفكرة التي تمتّعت بقيمة كبرى منذ ظهورها، ستتحوّل إلى عقيدة وحقيقة في الولايات المتحدة بعد أن أكد بارسونز، في كتابه بنية الفعل الاجتماعي، على أنّ دوركهايم أصبح في أواخر مساره الفكري قريباً من المثالية (Parsons 1968, pp. 460-465). وانتشرت هذه العقيدة في أوروبا بسبب الخلط الذي أجراه لوسيان ليفي-برول Lévy-Bruhl وآخرون بين علم اجتماع المعرفة عند دوركهايم ونظريته في المعرفة. فمن جهة، إذا اعْتُبِرَ كتاب الأشكال الأوليّة مؤلفاً ذا طبيعة مثالية (لا يسترشد بـ نظرية المعرفة الدوركهايمية)، فقد تمّ من جهة أخرى تأويلُ تَصَوُّرِهِ للوقائع الاجتماعية في كتابيه قواعد المنهج في علم الاجتماع (Durkheim [1915] 1982) وفي تقسيم العمل الاجتماعي تأويلاً وضعياً (Durkheim [1893] 1933). الشيء الذي أعطى الانطباع بأنّ هناك دوركايمين اثنين: دوركهايم وظيفي ووضعي، ودوركايم آخر مثالي (وظهر مؤخراً دوركهايم مثالي ما بعد حداثي أو براجماتي) (Lévy-Bruhl [1910] 1966; Lévi-Strauss [1958] 1963; Parsons 1968; Stone & Farberman 1967; LaCapra 1972; Lukes 1973; Alexander 1988; Lehmann 1990; Mestrovic 1993).

لنقل مرّة أخرى إنّ الخطأ الأساسي يكمن في عدم التمييز بين نظرية المعرفة وعلم اجتماع المعرفة لدى دوركايم. إنّ نظريته في المعرفة، التي تتضمنها الفصول الوسطى لكتاب الأشكال الأوليّة، تجيب بوضوح عن السؤال التالي: هل يمكن البرهنة على أنّ مقولاتِ الفهم السِّت صادقة تجريبياً؟ وتقدّم تلك الفصول إجابة إيجابية: إنّ صدقها التجريبي يصدر عن كونها مدركة بصورة مباشرة على شكل قوى اجتماعية أو أخلاقية مجرّبة أثناء إنجاز الممارسات الاجتماعية (الدينية).

ومن جهة أخرى، فإنّ علم اجتماع المعرفة الدوركايمي، الذي تتضمنه مقدمة وخاتمة كتاب الأشكال الأوليّة ونهاية دروسه حول البرجماتية، يتمحور من دون إتقان حول البرهنة على أنّ اللغة والثقافة تتكوّنان من كوزمولوجيات من الأفكار* Cosmology تقدّم نفسها كتفسيرات جماعية للقوى الاجتماعية، وعلى أنّ هذه الأفكار تتحوّل إلى قوى مستقلة يمكن دراسة علاقاتها المنطقية. هذه الكوزمولوجيات حسّاسة جداً للتغيرات البنيوية، لكنها تتميز أيضاً بنوع من الجمود الذي يجعل الأفكار المتولدة أَوَّلاً عن تأويل العمليات الاجتماعية تفقد العلاقة- كيفما كانت- التي كانت تقيمها إلى تلك اللحظة مع الممارسات الاجتماعية. إذ تفقد إذن كلّ علاقة ضرورية مع الواقع المضمر وعلم اجتماع المعرفة الدوركايمي هو الذي يعالج منطقَ الأفكارِ المضمرة في مثل هذه الكوزمولوجيات.

ليس هناك تناقض بين هذين الموقفين لأنهما يعالجان مشكلات مختلفة. فـ نظرية المعرفة تطرح سؤال معرفة كيف يطور الأفراد مجتمعين في البداية إطاراً مكوناً من سِتِّ أفكار أولية صادقة تجريبياً، بحيث تكون كلّ واحدة مشتركة كفاية بين الجميع حتى تمكِّن من بناء كوزمولوجيا معينة (Durkheim 1915, p. 30). يدرس علم اجتماع المعرفة العلاقات بين المفاهيم داخل الكوزمولوجيات عندما تنشأ المقولات. وتصادر نظرية المعرفة الدوركهايمية على علاقة مباشرة بين مجموعة محدودة من المقولات وواقع اجتماعي مضمر. ولا يفلت من انعدام التحديد، حسب تلك النظرية، سوى منطقة صغيرة من المعرفة. وفيما يتعلق بالعالم الطبيعي وعالم العلم وأكبر جزء من المفاهيم الاجتماعية، فإنّ نظرية المعرفة لدى دوركهايم لم تلامس كلّ مشكلات انعدام التحديد التي وصفها كلٌ من لودفيغ فتغنشتاين ووليام كوين وطوماس كوهن وبول فييرابند وديفيد بلور وستيف فولر وبرونو لاتور وستيف وولغار (Wittgenstein [1953] 1958; Quine [1966] 1977; Kuhn 1962; Feyerabend 1975; Bloor 1976, 1982, 1983; Fuller 1989; Latour & Woolgar 1979). يدافع دوركهايم بالفعل عن الفكرة القائلة إنّ “ضرورات الفعل وحدها، وخصوصاً الفعل الجماعي، يمكنها ويجب عليها أن تعبّر عن نفسها في شكل مقولات” (Durkheim 1915, p. 412). وكلّ ما يوجد خارج لائحة المقولات الست يسقط في ميدان علم اجتماع المعرفة.

ولتطوير نظريته المعرفية، اهتم دوركهايم بالممارسات الدينية نظراً لأنه كان يعتقد أنّ الطابع الجماعي الذي يميّز تلك الممارسات في المجتمعات “البسيطة” كبير لدرجة تكفي للسماح بتكون مقولات فكرية عامة. إذ يعتقد أنّ المجتمعات البشرية لم تتطور إلا في الأماكن التي أدّى فيها إنجاز الممارسات إلى ظهور مقولات الفهم المشتركة التي سمحت لأعضاء الجماعة الواحدة بالتواصل فيما بينهم (Durkheim 1915, p. 30). هكذا فإنّ استدلاله الدقيق على أصل الدين وكذلك وصفه المفصّل للطوطمية الأسترالية، اللذين اعْتُبِرَا عن خطأ أنهما ينتميان لعلم الاجتماع الثقافي أو علم الاجتماع الديني، يمثلان في الواقع تحليلاً دقيقاً وطليعياً للأصل الاجتماعي لمقولات الفهم.

عكف دوركهايم طوال مساره الفكري على إقامة نظرية معرفية متماسكة وأكثر تعقيداً وجديّة مما كان رائجاً لدى المعلقين. فهذه النظرية بدت واضحة في أعماله الأولى وأعماله المتأخرة على حد سواء، ويتوقّف تماسك تصوره للوقائع الاجتماعية كلياًّ على نظريته في المعرفة، وبدونها كان سيبدو بسهولة تصوراً وضعياً. وكانت النتيجة أطروحة تقيم علاقة مباشرة (وإن كانت محدودة) بين مقولات الفكر المتولدة اجتماعياً والواقع الاجتماعي عموماً، وتفسّر تطور مقولات الفكر دون إثارة مشكلات النزعتين القبلية والتجريبية.

قدّم دوركهايم وصفاً شاملاً للأصل السوسيواختباري لمقولات الفهم الست. إلا أننا لن نفحص في هذا المقال تحليلاته لكلّ واحدة منها. ذلك أنّ استدلالاته التي تهدف إلى بيان الأصول السوسيوتجريبية للقوة والسببية والتصنيف هي أهم الاستدلالات. أمّا الاستدلالات المتعلقة بالقوة، فإنها متضمنة في تلك المتعلقة بالسببية. وبدافع الاختصار، سنقتصر هنا على تلخيص تحليل الأصول السوسيوتجريبية لمفهومي السببية والتصنيف اللذين يمثلان في آخر المطاف أهم المفاهيم على المستوى الإبستمولوجي، ولن نتناول مفهوم القوة إلا في علاقته بالسببية. وفي الأخير، سنناقش الانتقادات وأشكال سوء الفهم التي كانت النظرية المعرفية الدوركهايمية ضحية لها.

مقولة السببية
يُعتبر استدلال دوركهايم على الأصل الاجتماعي لمقولة السببية، المعروض في الفصل الثالث، ذروة كتاب الأشكال الأوليّة: فالسببية هي المفهوم الأساسي الذي يتعين على كلّ نظرية للمعرفة أن تفسره؛ أمّا أجزاء الكتاب السابقة (وخصوصاً الفصول الطويلة حول الطواطم، التي تتحدث عن الأساس الاجتماعي للمقولات الأخرى: المكان، الزمان، التصنيف، القوة)، فإنها تهيّئ الطريق لعرض الأساس السوسيواختباري لمقولة السببية.

فعلى الرغم من الحجم الكبير من الصفحات التي تشغلها المقاربة المفصّلة لمقولة السببية مقارنة بمجموع الكتاب، وعلى الرغم أيضاً من أنّ كثيراً من التحليلات السابقة تقود نحو تلك المقاربة المفصلة وأنّ هذه الأخيرة تفتح المجال لمقاربات أخرى تليها، فإنّ معظم المناقشات التي تناولت كتاب الأشكال الأوليّة تتجاهلها، وفي مقابل ذلك تركّز على مقولات الزمان والمكان والتصنيف. ويرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب: أولاً، إنّ الخطأ الرائج الذي بموجبه يعالج دوركهايم التصنيف والزمان والمكان كأنساق اجتماعية من الأفكار بدلاً من معالجتها كمقولات، يؤدّي بالمعلقين إلى التركيز على تماسك “الأنساق” التي يُفْتَرَضُ أنّ دوركهايم وصفها. وانطلاقاً من هذا المنظور، فإنّ المقولات التي لا يتناولها علم اجتماع المعرفة كـ”أنساق” من المفاهيم لا تُؤْخَذ بعين الاعتبار. ثانياً، ينتج عن ذلك ربط استدلال دوركهايم برؤية سوسيوبنائية وغير حتمية للمعرفة، ممّا يضفي الغموض فوراً على أطروحته الإبستمولوجية التي تحاول البرهنة على الصدق التجريبي لمقولة السببية. ثالثاً وأخيراً، لم يتعوّد علماء اجتماع عموماً على أن يحظى مفهوم السببية بأهمية في نظرية المعرفة ، ولم يألفوا أيضاً القضايا المتعلقة بمسألة المعرفة عموماً.

يرى دوركهايم أنّ القوةَ أوالسببيةَ علاقةٌ بين شيئين أو شخصين، يتمّ التعرف عليها من خلال نتائجها. فمسألة إقامة مفهوم القوة تطابق مسألة إقامة مفهوم السببية. وقد عرض دوركهايم الأساس السوسيوتجريبيي لمفهوم القوة في الفصول السابقة على الفصول التي عرض فيها مفهوم السببية.
هذه الفصول الأخيرة تشمل أيضاً عنصراً إضافياً: الضرورة. وبالفعل، إنّ السببية علاقة ضرورية بين شيئين أو حدثين. ويصف دوركهايم إدراك السببية كإدراك لنوع خاص من القوة الذي يسميه القوة الضرورية أو القوة الفعّالة (Durkheim 1915, pp. 410-411, 488).

يؤكد دوركهايم على أنّه إذا كان للسببية أساس سوسيوتجريبي، فينبغي أن توجد طقوس اجتماعية تظهر فيها القوة الضرورية كسمة مميزة لإنجازها (Durkheim 1915, pp. 408-413). وكما هو الحال بالنسبة لكل المقولات الأخرى، يجب أن تكون القوة الضرورية، في كل الحالات بدون استثناء، متوفرة للإدراك أثناء إنجاز الطقس، ولا ينبغي أن تكون هذه القوة تعميماً مستنتجاً من سلسلة من إدراكات الطقوس الاجتماعية، لأنه في هذه الحالة سيتم الاعتراض على فكرة أنه يمكن أن تصدر مفاهيم عامة صادقة من مجموعة من الانطباعات الحسية المعزولة.

أمّا فيما يخصّ الأصل السوسيوتجريبيي لمفهوم القوة، فإنّ دوركهايم يركز استدلاله على الطقوس الطوطمية الخاصة بالتضحية والقربان نظراً لأنّها تعتبر في رأيه الطقوس التي تتم فيها إعادة إنتاج القوة الأخلاقية (Durkheim 1915, pp. 318-392). هذه الاستدلالات التي تربط بين أنواع مختلفة من الطقوس الطوطمية بالقوة وبالسببية هي استدلالات نوعية. إذ يؤكد دوركهايم أنّ القوة الأخلاقية للجماعة والقوة الأخلاقية للرمز الطوطمي يعاد إنتاجهما معاً بواسطة طقوس التضحية (Durkheim 1915, pp. 381-385). كما أنّ القوة الأخلاقية للآلهة يعاد إنتاجها هي أيضاً في طقوس القربان وبواسطتها، بما أنّ تلك الآلهة هي تمثلات للقوى الاجتماعية وليس لقوى فوق طبيعية (Durkheim 1915, pp. 385-392). يرى دوركهايم أنّ الطقوس المحاكاتية imitative rituals هي ما يضع حيز التنفيذ مبدأ القوة الضرورية، أو السببية، وبالتالي فإنه يضعها في مركز دراسته للسببية (Durkheim 1915, pp. 393-414). فبينما تمكن طقوس التضحية والقربان من اكتساب احترام عميق وحسّ أخلاقي منظور إليهما كقوة، تستدعي الطقوس المحاكاتية وتنتج علاقة مباشرة بين الفعل والنتائج، علاقة تنتج وتعيد إنتاج الجماعة فعلياً، وتوفر لأعضائها مفهوم القوة الضرورية أو مفهوم السببية كخاصية محايثة لما ينجزونه في تلك اللحظة.

يدافع لوكس Lukes (1973، ص. 448) عن فكرة أنّ دوركهايم لم يقدم في كتاب الأشكال الأوليّة أيّ دليل على وجود علاقة سببية بين ممارسات اجتماعية خاصة و”أنساق مفهومية” خاصة. لقد أصبحت المشكلة غامضة لكون لوكس أدخل في المعادلة مفهوم الأنساق المفهومية كعنصر لتأويل تصور دوركهايم المرتبط بعلم اجتماع المعرفة لديه وليس بنظريته في المعرفة. والحال أنّ دوركهايم لم يَسْعَ أبداً إلى أن يدافع، في علم اجتماعه المعرفي، عن الفكرة القائلة إنّ أشكالاً اجتماعية خاصة تخلق أنساقاً مفهومية خاصة. وبالمقابل، فإنّ نظريته المعرفية تتضمن التأكيد الأقوى على وجود علاقة مباشرة بين أنماط خاصة من الممارسات الاجتماعية ومقولات فهم خاصة. ويؤكد دوركهايم على أنّ الطقوس المحاكاتية تمثل أصل مفهوم السببية. إنّ قراءةً صحيحةً تُمَكِّنُ هكذا من إدراك أنّ البراهين التي يدّعي لوكس غيابها من خطاب دوركهايم توجد في الجزء المخصص لدراسة الطواطم.

يؤكد دوركهايم على أنه إذا كان الأفراد يدركون القوة الضرورية بشكل مباشر كجزء من تجربتهم لبعض الطقوس، فذلك نظراً لأنّ القوة الضرورية، باعتبارها علاقة اجتماعية، تمثل خاصيّة لإنجاز تلك الطقوس. هكذا فإنّ تحليله المفصّل (Durkheim 1915, pp. 393-414) للطقوس المحاكاتية يهدف إلى إقامة وجود الطقوس التي يتمثل نجاحها فقط في قدرتها على التحقيق العملي لمبدأ السببية.

لعب مفهوم السببية، كمفهوم أساسي في الفلسفة، دوراً مركزياً في النقاش بين المذهب التجريبي والمذهب القبلي. إذ يتفق فلاسفة المذهبين على فكرة أنّ العلم لا أساس له بدون السببية. فالمعرفة نفسها، التي قال عنها هيوم إنها تتكون من استنتاجات النتائج من الأسباب، ستكون مستحيلة بدون مفهوم السببية. عندما توصّل دوركهايم إلى إثبات أنّ مفهوم السببية منبثق من التجربة المباشرة للاجتماعي، يكون بذلك قد أنجز شيئاً ذا أهمية بالغة، له انعكاسات حقيقية على النقاشات المنهجية والنظرية الحاليّة.

مفهوم السببيّة في نظرية المعرفة الكلاسيكيّة
غالباً ما اعِتُبِرَ دوركهايم كانطياً أو كانطياً جديداً لمجرد ادّعائه أنه سلط الضوء على الأصل الاجتماعي لمقولات الفهم. لم يعالج القَبْلِيُون وحدهم مشكلة المعرفة باستخدام مصطلحات المقولات و/أو الأفكار العامة، بل قام بذلك التجريبيون أيضاً. لكن الفرق بين المعسكرين يتمثل في تفسيرهما لأصل المقولات، وليس في الأهمية التي يوليانها للمقولات في نظرية المعرفة .

يشير دوركهايم بوضوح تام إلى أنه يرى أنّ قَبْلِيَةَ كانط لا تتوفر على أي معيار للصدق، وأنّ استدلالها لا يقدّم “تفسيراً” (Durkheim 1915, p. 27). حيث يعتقد دوركهايم أنّ “الجواب بأنها [فكرة التصنيف[ معطاة لنا قَبْلِيّاً ليس جواباً […]”(Durkheim 1915, p. 172). ويضيف: “[…] هذا الحل الكسول يعني […] موت التحليل […]” (Durkheim 1915, p. 172). فإمّا يتم تفسير وجود المقولات، أو يتمّ على غرار ما فعل هيوم استنتاج أنّ المقولات لا يمكن تفسيرها وأنها بالتالي ليست صادقة. أمّا دوركهايم فإنه يبحث من جهته عن تفسير تجريبي لأصل المقولات، حتى وإن كان يقصد بذلك أصلها في الإنجاز المشترك للممارسات. وبذلك تكون مقاربته السوسيواختبارية قد استجابت لمعيار الصدق التجريبي لدى هيوم، وليس لدى كانط.

مع ذلك، حتى وإن اقترح دوركهايم تحقيق هدف هيوم، فإنه لم يكن ينوي استخدام مقاربةٍ تجريبية مُعَدَّلَةٍ ومعتدلةٍ. فمن جهة، كان يريد أن يستجيب استدلاله لكل معايير هيوم؛ ومن جهة أخرى، كان يعتقد أنّ نقل أسس استدلاله من الفرد إلى الممارسات سيقدّم حلاً جديداً للمشكلة. لكلّ هذا لا يجب اعتبار دوركهايم تجريبياً، وإنما بالأحرى سوسيوتجريبياً. وبالتالي يجب القيام بفحص متأنٍ للمشكلات التي عالجها هيوم إذا أُريدَ تقديرُ دقة أطروحة دوركهايم وتقييم وجاهتها.

كان هيوم يؤكد على أنه يمكن تقسيم كلّ معرفة إلى نمطين: المعرفة الرياضية والمعرفة الأخلاقية/التجريبية (Hume [1777] 1975, p. 25). بالنسبة لهيوم، المعرفة الرياضية مُشْكِلَةٌ تنتمي للعقل الخالص (نظراً لأنّ الأعداد numbers ليست واقعية، وإنما هي بناءات منطقية للعقل)، بينما تتوقف المعرفة التجريبية أو الأخلاقية على مفهومي السبب والنتيجة، والتجاور والتشابه (Hume 1975, p. 26). “إننا نتجاوز بداهة ذاكرتنا وحواسنا بواسطة هذه العلاقة [السبب والنتيجة]… إنّ لجميع استدلالاتنا حول الوقائع الطبيعة نفسها. إننا نقترح فيها دوماً أنّ هناك ارتباطاً بين الواقعة الحالية وما نستنتج منها” (Hume 1975, pp. 26-27).

يعتقد هيوم أنّ تلك الاستدلالات بدون علاقات سببية بين الإدراكات الحسية ستظل ذات طابع خاص وبدون رابط. فمفهوم السببية هو ما يُدخِلُ النظامَ في التجربة المتدفقة. إنّ كل استدلال، أي كل ربط بين حدث حالي وشرط سابق، يستلزم فكرة السببية. فهذه الأخيرة هي التي تمكن الأفراد من استخراج أفكار خاصة من التجربة المتدفقة وربطها بأفكار أخرى. يبدو واضحاً إذن أنّ الأفراد يستخدمون هذا المفهوم. لم يكن الأمر بالنسبة لهيوم يتعلق بمعرفة ما إذا كان هذا المفهوم موجوداً، ما دام الأمر لا يمكن أن يكون على نحو آخر، وإنما بمعرفة مصدره وما إذا كان صادقاً تجريبياً (Hume 1975, p. 27). كان هيوم يؤكد بهذا الصدد أنه يستحيل التوصل إلى معرفة السبب والنتيجة انطلاقاً من تجربة حدث واحد. بل يجب على الأشياء أن تتضمن أسبابها وتكشف عنها، وهو ما ينفيه هيوم: “ليس هناك شيء يكشف، انطلاقاً من الخصائص التي تبدو للحواس، عن الأسباب التي أنتجته ولا عن النتائج التي تتولد عنه” (Hume 1975, p. 27). علاوة على ذلك، يرى هيوم “[…] أنّ كل نتيجة هي حدث مختلف عن السبب. لذلك لا يمكن اكتشافها في السبب…” (Hume 1975, p. 30).

ومن جهة أخرى، فإنّ التعميم الذي يتم انطلاقاً من سلسلة من التجارب الخاصة لا يفعل غير أن يضيف إلى هذه الأخيرة الإحساسات التي تحملها الذاتُ المدرِكة إزاء السلسلة بما هي سلسلة، وهي إحساسات لا تمثل تجربة اختبارية للسبب والنتيجة. “بالفعل، بما أنّ هذه الفكرة تنتج عن عدد من الحالات المتشابهة وليس عن حالة معزولة، يجب أن تنتج عن الظرف الذي يميز حالات عن كل حالة فردية. لكن هذا الارتباط أو الانتقال المألوف للخيال يمثل فقط الظرف الذي تختلف فيه. لكنها تتشابه في كلّ ظرف خاص آخر” (Hume 1975, p. 78).

يؤكد هيوم على أنّ الشيء الوحيد الذي يقوم تراكمُه في سلسلة بإضافته إلى الأحداث المعزولة هو الإحساس الذي يستشعره الأفراد إزاء هذه الأخيرة. فمن الناحية التجريبية، ليست السلسلة شيئاً آخر غير مجموع الأجزاء التي تكونها. ويستنتج هيوم من ذلك أنّ السببية ليست سوى نتيجة للإحساسات التي تؤدي إلى الألفة والعادة. فبالنسبة إليه (Hume 1975, p. 78)، لا توجد أية تجربة صادقة تجريبياً تطابق السببية: “كلّ فكرة منسوخة عن انطباع، عن إحساس يسبقها؛ فإذا لم نستطع العثور على إحساس، يمكن أن نكون على يقين من عدم وجود أية فكرة. إذ لا يوجد في كل الحالات المعزولة لعمل الأجساد والعقول ما ينتج انطباعاً، وبالتالي ما يمكن أن يوحي بفكرة سلطة أو ربط ضروري”.

كما أنّ التكرار لا يستطيع أبداً إنتاج معرفة السببية. فهو لا يستطيع غير إثارة الإحساس أو الاعتقاد بأنّ أشياء متشابهة ستنتج باستمرار. هذا الاعتقاد يصبح مألوفاً وعادياً، بحيث أنّ الإحساس أو الاعتقاد هو بالضبط حسب هيوم ما يشكل أصل مفهوم السببية: “لكن عندما تحدث كثير من الحالات المتشابهة، وعندما يلي الحدث نفسه الشيء نفسه على الدوام، فإننا نبدأ إذن في تصوّر مفهوم السبب والربط. إذ نحسّ بإحساس جديد، بانطباع جديد… وهذا الشعور هو أصل ما نبحث عنه” (Hume 1975, p. 78).

هكذا، فإنّ السببية تصدر عن إحساس، وليس عن تجربة اختبارية. وبالتالي فإنها تفتقد إلى كل صدق تجريبي، ويخطئ الناس عندما يتبعون المألوف والعادة ويسندون صدقاً إلى نقل هذا الإحساس نحو العلاقات الخارجية: “فمثلما نحسّ برابط مألوف بين الأفكار، فإننا ننقل هذا الإحساس إلى الأشياء؛ وذلك بما أنّه لا شيء أكثر اعتياداً من أن نطبق على الأجسام الخارجية كلّ إحساس داخلي، علما أنّ تلك الأجسام هي التي تسبب ذلك الإحساس” (Hume 1975, p. 78n).

يبرهن هيوم بذلك على أنه لا يمكن تفسير السببية على أساس التجربة الفردية للأشياء الطبيعية، بما أنها ليست خاصية حسيّة للأشياء الطبيعية وعلاقاتها التي يجربها الأفراد كحدث معزول. فإذا كان الاستعداد للإيمان بالسببية استعداداً غريزياً، أو إذا كان استنتاجاً مستخلصاً من إدراك سلسلة من الأشياء والأحداث الطبيعية، أو إذا كانت مسألةَ عادةٍ وألفةٍ، إذن فإنها تمثل شيئاً يضيفه العقل للإدراك الحسي. ممّا يعني أنها ليست صادقة تجريبياً.

يهدف المشروع الهيومي إلى البرهنة على أنّ هذا الاستعداد للاعتقاد يفشل، أو على وجه الدقة يهدف إلى بيان أنّ تجريبية قائمة على الفرد لا تستطيع أن تفسّر الأصل التجريبي للمقولات العامة الأساسية. عندما تقبل السوسيوبنائية الحديثة فكرة أنّ معرفة السببية ليست صادقة تجريبياً، فإنها تتبّنى بذلك الخلاصة التي توصل إليها هيوم. ومع ذلك، فإنّ السوسيوبنائيين يدعون تصوراً للتحديد الاجتماعي للأعراف والعادات التي تدخل مزيداً من التماسك بين الأفكار الفردية، وهو ما لم تستطع خلاصة هيوم القيام به. ويمكن التساؤل بهذا الصدد عمّا إذا لم يكن “القبول المشترك” لجون لوك (Locke [1690] 1959) قد سبق وأن ظهر قبل الأطروحة السوسيوبنائية (Rawls 1977).

أطروحة دوركهايم السوسيوتجريبية حول السببية
إذا كان دوركهايم يقبل بأطروحة هيوم التي بموجبها لا يمكن للإدراكات الفردية للأحداث الطبيعية أن تفضي إلى فكرة صادقة للسببية، فإنه لا يقبل بالمقابل استنتاج هيوم الذي بمقتضاه ليس للسببية أصل صادق تجريبياً. فالممارسات الاجتماعية بالنسبة لدوركايم تجريبية، إنها مُدْرَكَةٌ؛ إنها قادرة على أن تكون أصلاً صادقاً تجريبياً لمفهوم السببية. عندما يعلن دوركهايم أنّ مقولة السببية ليست مجرد تعميم قائم على سلسلة من إدراكات الاجتماعي، وأنه يمكن بالأحرى إدراكها فوراً كظاهرة عامة انطلاقاً من حدوثها مرّة واحدة، فإنه يكون في قلب نظرية المعرفة . وعندما يؤكد على أنّ النتائج التجريبية (المدرَكة) للفعل الطقوسي تمثل شيئاً أكثر من مجموع الأجزاء الفردية التي تكونها ( بمعنى أنّ للطقس المشترك دلالة وقوةً اجتماعية أو أخلاقية لا تتوفر عليها الأجزاء التي تكونه منفردة)، فإنه يحسِّن بذلك كثيراً الموقف التجريبي. فبالنسبة لدوركايم، ليست مقولات الفهم والعلاقات الاجتماعية التي تنتجها شيئاً يضيفه العقل إلى سلسلة من الإدراكات الحسيّة للأشياء والأحداث الطبيعية: إنه بالأحرى خصائص محايثة لإنجاز الممارسات الطقوسية، وبالتالي فإنها خصائص تتوفر على الفور لإدراك أولئك الذين ينجزون الممارسات في كل مرّة ينجزونها.

لقد استأنف دوركهايم المشكلة من حيث توقّف فيها هيوم، لكن مع تحويرها تحويراً ملحوظاً. ذلك أنّ دوركايم، حتى وإن كان يقبل فكرة هيوم المتمثلة في استحالة قيام تجريبية فردانية، فإنه يؤكد على أنه يمكن العثور على حلٍ للمشكلة في تجريبية مبرّرة سوسيوتجريبياً. وبالفعل، فقد تجنّب دوركهايم السقوط ضحية الخلاصة الشكية لهيوم عندما استبدل الإدراكات الفردية للظواهر الطبيعية بإنجاز الممارسات الاجتماعية وبإدراكات القوى الأخلاقية التي يولدها هذا الإنجاز الذي يقوم به المساهمون (في الطقس الجماعي). يرى دوركهايم أنّ الممارسات المنجزة جماعياً تكشف عن أسبابها في نتائجها. إلا أنّ دوركهايم يتفق مع هيوم في القول إنه ليس للمقولات تطبيق صادق تجريبياً في العلوم الطبيعية.

يدّعي دوركهايم أنّ مقولة السببية كانت على الدوام متوفرة للإدراك في بعض أنواع المناسبات الاجتماعية، وأنّ استبدال الإدراك الفردي بالمشاركة في إنجاز الممارسات الاجتماعية هو ما يقدّم الحلّ لمأزق هيوم، وهو في الوقت نفسه ما جاء ليحدّد بطريقة متماسكة على مَرِّ السنوات ورغم أشكال سوء الفهم، ما يميّز علم الاجتماع كعلم: فالوَحدَةُ الصغرى للتحليل السوسيولوجي ليست هي الفرد، بل هي مختلف المستويات القائمة سلفاً من التنظيم الاجتماعي والممارسات الاجتماعية الملاحظة تجريبياً.

رابطة السببية والطقوس المحاكاتية
يعتقد دوركهايم أنّ مقولة السببية تجد أصلها في الطقوس المحاكاتية التي يُعاد خلالها إنتاج الجماعة الطوطمية ويتمّ خلالها أيضاً إنجاز قوة الجماعة وتجسيدها واستشعارها. إذ يرى دوركهايم أنّ الطقوس المحاكاتية تقوم على المبدأ المركزي القائل إنّ المتشابه يُنْتِجُ المتشابه. وبعبارة أخرى، عندما يُحَاكَى شيءٌ ما، فإنّ الشيء المُحَاكَى ينقاد إلى إعادة إنتاج ذاته. هكذا فإنّ الفعالية السببية للطقوس المحاكاتية تحمل خاصيّة فريدة: فهذه الطقوس تشكل وتنجز وتعيد إنتاج القوى نفسها التي تمثلها، وبالتالي فإنها تجعل الأشخاص المشاركين فيها يجربون القوة الضرورية. هذه الطقوس هي ما تمثله: فما يشتغل هنا هي علاقة التكافؤ والخلق وليست علاقة التمثيل والتطابق (Durkheim 1915, pp. 393-414).

إحدى المشكلات التي تُطْرَحُ على دوركهايم في برهنته هي كون تأويله الخاص للطقوس المحاكاتية، الضروري لاستدلاله، يبدو مختلفاً جذرياً عن تأويل معاصريه الذي تقوم الطقوس المحاكاتية بمقتضاه على تطبيق خاطئ تماماً لفكرة السببيّة. هكذا يرى دوركهايم (1975، ص. 399) أنّ المنظور التجريبي المتبنّى من قبل جيمس فرايزر وإدوارد تايلور يؤدي إلى اعتبار الطقس إعادة إنتاج واقعية للأنواع الحيوانية التي يمثلها الطوطم (Frazer 1887, 1889, 1910; Taylor [1874] 1973, 1889).

إنّ اتباع وجهة النظر هذه يقود إلى الاعتقاد بأنّ أعضاء الطوطم أخطؤوا، نظراً لأنّ الرمز الطوطمي لا يمكن أن يؤدي إلى إعادة إنتاج الحيوانات البيولوجية. إذا تم الاعتقاد أنّ الطقس لم ينجح في إعادة إنتاج النوع الطوطمي إلا لأنه سبب إعادة إنتاج الحيوان البيولوجي، فإنّ الاعتقاد في الفعاليّة السببيّة للحفل يبدو أنه خطأ شاذ لدرجة يصعب معها فهمه. ويبدو بذلك أنه تمّت المصادقة على أطروحة هيوم القائلة إنّ السببية توجد خلف قدرات العقل البشري، بحيث يتم باسم السببية تطبيق الأفكار المألوفة والمعتادة تطبيقاً فطرياً على العلاقات الطبيعية.

ولبناء موقفه الخاص، أجرى دوركهايم فحصاً عميقاً ومفصّلاً للتأويل التجريبي للطواطم. وقد اعتبرت تلك المناقشة عن خطأ بانوارما من الممارسات الطوطمية وكذلك وصفاً سوسيوبنائياً لمنطق الرموز الطوطمي. ولهذا السبب، لم ينتبه المعلقون إلى أنها في الواقع تمثل أهمّ جزء في نظرية المعرفة الدوركهايمية. يتفق دوركهايم مع التجريبيين على كون الناس قادرين على إقامة علاقات سببية فطرية بين الأفعال (أو بين الأحداث) والنتائج على أساس التعميمات الخاطئة التي يستمدّونها من التجربة. لكنه يعتقد أنّ تفسير هذه المعتقدات بمصطلحات تجريبية يستلزم أكثر من ذلك. إذا اقتصر المرء على مقاربة تجريبية كلاسيكية، فإنّ تلك الطقوس لن تبدو فقط أنها تعكس تطبيقاً سيئاً للمبدأين البدائيين التجاور والتشابه مع الأحداث الطبيعية، كما دافع عن ذلك كلٌ من فرايزر وتايلور، بل إنها أيضاً تُظهِر الشعوبَ البدائيةَ كما لو أنها فاقدةٌ للعقل. يؤكد دوركهايم أنه لا أحد يمكنه الاعتقاد في الفعالية السببية الحرفية لطقوس المحاكاة إن لم يكن يوجد في الطقس شيء أكثر من الإدراك الفطري المتولد عن العرف والعادة والتشابه والتجاور. هذه المعتقدات ينبغي تقويتها من زاوية الفعاليّة السببيّة الواقعيّة للقوى الأخلاقيّة الفاعلة في الطقس ما دام ليست هناك فعالية سببية حرفية فيما يتعلق بالأحداث الطبيعية. ولما كان المشاركون في الطقس لا يدركون جيداً أصل هذه الفعاليّة السببيّة، فإنهم ينقلونها إلى أحداث (أو أنشطة) طبيعية أو فوق طبيعية، مُوَلِّدَةً بذلك معتقدات دينية.

يرى دوركهايم أنه لما لم تكن إعادة إنتاج الأنواع الحيوانية هي الفعاليّة الحقيقية للطقس، وإنما هي إعادة إنتاج الطاقة الأخلاقية للجماعة، فإنّ الاعتقاد يجد تفسيره في الطقس. وهكذا فإنّ للطقس بالفعل فعالية سببية. فبما أنه يعيد إنتاج الوحدة الأخلاقية للجماعة الطوطمية، فإنه يؤدي بالفعل إلى إعادة الإنتاج الأخلاقي للأنواع الطوطمية (Durkheim 1915, p. 400). إنّ ما يجعل الأفراد يشعرون بأنّ الطقس ناجح هو تأثير ذلك على الأفراد أنفسهم وعلى مشاعرهم المتعلقة بسعادتهم وبالوحدة الأخلاقية، وليس أي تأثير سحري مفترض للطقس على الأشياء الطبيعية أو الحيوانات (Durkheim 1915, p. 402). يميّز دوركهايم هنا بوضوح بين السببية كعلاقة بين الأحداث الطبيعية التي يجب استخراجها من سلسلة من الحوادث العارضة من جهة، والسببية كقوة أخلاقية مستشعرة أثناء كلّ عملية إنجاز للممارسة.

يرى دوركهايم أنه يختفي وراء مبدأ التشابه (المبدأ القائل إنّ المتشابه ينتج المتشابه) مبدأُ الخلق أو السببية الذي لم ينجح التجريبيون في رؤيته. ويعتقد أنّ لهذا المبدأ الخفي نتيجتين: 1) إعادة إنتاج الجماعة الأخلاقية؛ 2) إعادة إنتاج الأنواع الطوطمية (Durkheim 1915, pp. 400-401). ويؤكد دوركهايم على كون الطقوس المحاكاتية تؤدي إلى إعادة إنتاج شيء جديد تماماً (Durkheim 1915, p. 399)، شيء لا يمكن بالتالي تفسيره على أساس التشابه والتجاور (وهو ما يمثل التفسير الاختباري التقليدي).

بالنسبة لدوركايم، بما أنّ المنطقَ نفسَه نتيجةٌ للممارسات الاجتماعية، يجب اعتبار مسألة معرفة ما إذا كان للطقس أم لا بالفعل فعاليةٌ سببيةٌ مسألةَ واقعٍ وليس قضيةَ منطق. ويؤكد دوركهايم إذن أنه يجب إجراء فحص تجريبي متأنٍ لإمكانية انبثاق مبدأ السببية في الطقوس المحاكاتية وبواسطتها. فبدلاً من اعتبار المبدأ في صورته العامة والمجردة، يطالب دوركهايم بأن ]”…[ نربطه بمجموع الأفكار والأحاسيس التي تنشأ عنها الطقوس التي يطبق فيها ذلك المبدأ” (Durkheim 1915, p. 400).

ولدعم هذا البرهان، انخرط دوركهايم في مناقشة عميقة للإنجاز الواقعي للطقوس المحاكاتية. يُعْتَقَدُ عموماً أنّ تلك المناقشة، شأنها شان مناقشة الطواطم، تنتمي لعلم اجتماع الدين، الشيء الذي يؤدي إلى إهمال علاقتها بـ نظرية المعرفة . إلا أنّ تلك المناقشة تهدف إلى إقامة أساسٍ لمفهوم السببية والبرهنة على علاقته بإنجاز ممارسات خاصة، وليس إلى دراسة تفاصيل الطقوس المحاكاتية لذاتها.

في الطقوس المحاكاتية، يحاكي أعضاءُ الطوطم الحيواناتِ أو الأشياءَ التي يمثلها الطوطم. إنّ أعضاء الطوطم لا يمثلون الطوطم ويقوونه فقط من خلال الطقس، بل إنهم “يصنعونه” و”يعيدون صنعه” كجماعة أخلاقية. “إنّ الشبانم (مفردها شَبْنَم وهي نعامة أسترالية ذات أجنحة قصيرة) والكناغر (مفردها كنغر)، بما أنها شبانم وكناغر، تتصرف إذن كالحيوانات التي تحمل الاسم نفسه. ويشهد أعضاء الطوطم بتلك الوسيلة على بعضهم البعض أنهم أعضاء ينتمون للجماعة الأخلاقية نفسها، ويعون القرابة التي تربط بينهم. هذه القرابة لا يكتفي الطقس بالتعبير عنها: بل إنه يصنعها ويعيد صنعها” (Durkheim 1915, p. 400).

لَمَّا كانت الفكرة الطوطمية هي التي تربط بينهم وهي ما يحملونها في عقولهم، فمن الطبيعي والضروري أن يكون الطقس مصحوباً بتمثلاتُ الطوطم. لكن يجب ألا يجعلنا ذلك نعتقد أنّ الفكرة القائلة إنّه يمكن لهذه الرموز أن تضمن إعادة الإنتاج تجد أصلها في مجرد تشابه تلك الرموزمع الحيوانات الطوطمية، أو إنّ الرمزية نفسها هي التي تنتج الأفكار السببية، سيكون ذلك تأويلاً مثالياً. فالفكرة القائلة إنّ الطقوسَ الطوطميةَ فعالةٌ سببياً تَنْتُجُ، حسب رأي دوركايم، عن كون الرموز تمثل في الواقع أعضاء الطوطم الذين يتأسّسون ويعيدون إنتاج أنفسهم كجماعة أخلاقية. فهم ينتجون وِحْدَتَهُم الخاصة وهويتهم الخاصة من خلال إنجاز الطقس.

عندما ينجز أعضاءُ الطوطمِ اعتقادَهم في الفعاليّة السببيّة للرمز الطوطمي (كلّ عضو يُظهِر للآخرين الرمز الذي يحمله على جسده ويتصرف كالحيوان الطوطمي أثناء الطقس)، فإنهم لا “يعيدون ترسيخ” الجماعة القرابية فقط، بل إنهم في الواقع “يعيدون صنعها” في الطقس وبواسطته. “يمارس الطقس تأثيراً عميقاً على روح المؤمنين المشاركين فيه. يستخلص هؤلاء منه انطباعاً بالسعادة لا يعرفون جيداً أسبابه، لكن له ما يبرره. إنهم يعون أنّ الحفل يحقق خلاصهم؛ كما أنهم في الواقع يعيدون صنع وجودهم الأخلاقي فيه. كيف يمكن لهذا الحفل ألا يجعلهم يشعرون بأنّ الطقس ناجح، أي أنه كان ما كانوا يتوقعون منه أن يكون، وأنه حقق هدفه؟ ولما كان الهدف الوحيد المتبع عن وعي هو إعادة إنتاج النوع الطوطمي، فيبدو أنّ هذا الأخير تضمنه الوسائل المستخدمة التي تمّت البرهنة على فعاليتها” (Durkheim 1915, p. 402).

ليس شعور المشاركين بنجاح الطقس شعوراً شخصياً، بل إنّ هناك، حسب دوركايم، شعوراً عاماً مقتسماً بين جميع المشاركين، يجد أصله في الإنجاز المشترك للممارسة. ذلك أنّ المشاركين وأعضاء الطوطم يعزّزون بفضل الطقس المشاعرَ الطوطميةَ التي يحملونها إزاء بعضهم بعضاً. إنّ مشاركتهم في الطوطم هي ما يتمّ تقويته. إنّ النوع الطوطمي إذن هو ما يُعاد إنتاجه في داخلهم.

بما أنّ الجماعة لا توجد إلا عندما تكون الطواطم التي تمثلها موضوع إنجاز عملي، ممّا يخلق ويصون الأفكار والمعتقدات المقتسمة، فإنّ الطقوس التي “تصنع” وتقوي شعور الفعالية السببية للطوطم “تصونه” و”تعيد صنع” – تقريباً حرفياً – الجماعة الأخلاقية. وهكذا فإنّ أعضاء الطوطم الذين يشاركون في الطقس يُعادُ بذلك إنتاجُهم كأعضاء في الجماعة الأخلاقية. وما يجعل المشاركين يعتقدون أنّ الطقسَ كان ناجحاً هو الشعور بالسعادة والوحدة الأخلاقية الناتج عن الطقس، وليس هو إعادة الإنتاج البيولوجي للأنواع الطوطمية (Durkheim 1915, p. 402). إنّ العلاقةَ السببيةَ قوةٌ اجتماعيةٌ مدركةٌ إدراكاً مباشراً، وليست استدلالاً متعلقاً بعلاقة الطقس بحدث طبيعي (كإعادة إنتاج النوع، مثلاً).

إذا كان الأفراد ينجزون الطقوس لتحقيق التبادل، فيمكنهم أن يكونوا واعين وعياً فورياً بتلك الظاهرة. إنّ الطقوس من إنتاجهم الخاص. “]… [يبدو أنّ للطقوس تأثيراً على الأشياء، نظراً لأنها تصلح لإعادة صنع الأفراد والجماعات صنعاً أخلاقياً” (Durkheim 1915, p. 414). يكتب دوركهايم أيضاً: “يكمن تَصَوُّرٌ للعلاقةِ السببية بكامله في السلطة الممنوحة للمتشابه لإنتاج شبيهه” (Durkheim 1915, p. 406). هكذا فإنّ العلاقة السببية في الطقوس المحاكاتية تظهر فوراً في نتائجها: هكذا تمّ تجنّب مشكلة استخلاص النتائج من الأسباب التي شكلت حجر عثرة لم تستطع التجريبية تخطيها.

تختلف العلاقة السببية الفاعلة في الطقوس المحاكاتية اختلافاً كبيراً عن العلاقة السببية الفيزيقية/الطبيعية. ويحرص دوركهايم على التمييز بين الاثنين: ليس للحركات الفيزيقية للطقس أيّة فعالية طبيعية، إنّ فعاليتَها فعاليةٌ اجتماعية خالصة (Durkheim 1915, p. 402). إذا كان استدلاله يتوقف على العلاقات القائمة بين الأحداث الطبيعية، أو بين الأحداث الاجتماعية والطبيعية، فإنّ العلاقة السببية كانت تتوقف على الاستنتاج، وستكون بالتالي خاضعة للنقد الذي وجّهه للمذهب التجريبي. لكنّ دوركهايم يؤكد على أنّ الحركات النوعية المنجزة في الطقس ليست لها أهمية خاصة ويمكن تعويضها بحركات أخرى. ففعاليتها السببية لا ترجع إلى خصائص سحرية أو نوعية تجعلها تفعل فعلها في الأشياء أو الحيوانات، وإنما إلى كونها، بما أنها تمثيلات مستخدمة للرمز الطوطمي المشترك للجماعة، تخلق قوى أخلاقية تخلق بدورها مشاعر الوحدة الأخلاقية لدى أعضائها، مُقَوِّيَةً الجماعة ومن ثم الطوطم أيضاً: “ذلك أنّ التبرير الحقيقي للممارسات الدينية لا يوجد في الغايات الظاهرة التي تسعى إلى تحقيقها، وإنما في التأثير الخفي الذي تمارسه على الضمائر، وفي الطريقة التي تؤثّر بها على مستوانا الذهني” (Durkheim 1915, p. 403).

العلاقة السببية التي يتحدث عنها دوركهايم علاقة أخلاقية. فهي حسب رأيه تفعل في حالاتنا “الداخلية”. إنّ تحليله لـ”المشاعر” (feelings) و”الحالات الداخلية” (internal states) كأساس للمعرفة، الذي وصف أحيانا كَعِلْمِ نَفْسٍ سيّئ للحشود، يمثل في الواقع برهاناً مهماً. فمشاعر السعادة والقوة الأخلاقية تعتبر إحدى نتائج الطقوس المحاكاتية التي تفتح الطريق أمام مقولة السببيّة، إذ يتمّ إدراك الفعالية السببية للطقس بصورة مباشرة كشعور بالوحدة الأخلاقية. ويرى دوركهايم أنه نظراً لأنّ هذه المشاعر بدهية على المستوى الداخلي، فإنها متوفرة على نحو فوري ويمكن التعرف عليها بشكل مباشر، وليس على نحو غير مباشر كما هو الحال بالنسبة للأشياء الخارجية. وبالتالي فإنّ معرفة هذه الحالات الداخلية أفضل وأصدق من معرفة حالات الأشياء الخارجية.

تحدّث هيوم (Hume 1975; p. 78) أيضاً عن السببية كما لو أنها شعور داخلي، أي شعور فرد حيال مجموعة من الكيانات الخاصة في سلسلة. ومع ذلك، مثل هذه المشاعر بالنسبة لهيوم فردية بالضرورة. لكنّ دوركهايم يعترف أنّ المشاعر الشخصية والفردية الخالصة لا يتمّ تواصلها (Durkheim 1915, p. 408) ويؤكد على أنّ مشاعر القوة الأخلاقية والسعادة التي تولدها الطقوس الطوطمية تمثل إدراكاً للقوى الأخلاقية العامّة التي يقتسمها أعضاء الجماعة (Rawls 1996b). هذه المشاعر هي نتاج للتعاون مع الآخرين في إنجاز الطقوس الطوطمية: “إنّ القوى الأخلاقية منتوج جماعي، إنها لا تعود إلى شخص محدد” (Durkheim 1915, p. 408).

في الواقع، إنّ السببية خاصّية للممارسة الاجتماعية نفسها. يمكن أن نقول هنا، إذا ما أردنا شرح أطروحة هيوم، إنّ النتيجة تتضمّن السبب وتكشف عنه. لهذا فإنّ كلّ المشاركين في الطقس يستشعرونه- أي يدركونه- وسيحملون جميعهم الفكرة أو المقولة نفسها. هكذا أمكن لدوركايم أن يؤكد في كتاب الانتحار (Durkheim [1897] 1951) أنّ هذه الحالات الداخلية أو “النفسية” تجد أصلها السوسيوتجريبي المشترك في الوقائع الاجتماعية التي تفسّرها وتنتجها. هذه الحالات النفسية تمثل قوى جماعية “تشكل جزءاً من حياتنا الداخلية” (Durkheim 1915, p. 408). وتجدر الإشارة إلى أنّ المشاعر الجماعية التي تطابق المقولات الست – التي يسميها دوركهايم “القوى الأخلاقية”- هي وحدها المشاعر العامّة بهذا المعنى النوعي.

إنّ القوى الأخلاقية المتولدة عن إنجاز الممارسات يتمّ استنباطها كمقولات. إنها تجد أصلها الاجتماعي الخارجي في الطقوس الطوطمية التي تهدف بالأساس إلى توليد هذه المشاعر لكي تكون أساساً مشتركاً للعقل. والدين، حسب دوركايم، هو الذي يقوم بوظيفة إنتاج هذه القاعدة المنطقية للفهم (Durkheim 1915, pp. 465-466). وخلافاً للطريقة التي غالباً ما تمّ بها تأويل نظريته (Nisbet 1974; Parsons 1968)، ليست القوى الأخلاقية صادرة عن “وعي جمعي روحاني”، ولا من روح جماعية تعمل بواسطة نوع من الإكراه. وإنما هي بالأحرى النتيجة العملية للممارسات الاجتماعية الملموسة. ذلك أنّ هدف الطقس هو توليد الشعور بالوحدة الأخلاقية الذي لا يوجد في العقل ولا مضافاً من قبل هذا الأخير. بل إنّ هذا الشعور هو مادة الطقس نفسه، وهو بالتالي خارجي وعام ومقتسم، وليس داخلياً وفردياً.

إنّ الشعور هو الإدراك لفعالية الطقس. فكما أنّ الانطباعات الخاصّة باللون والشكل هي إدراكات للحالة الخارجية للأشياء، فإنّ مشاعر خلق وحدة أخلاقية هي أيضاً إدراكات للحالة الاجتماعية الخارجية للأشياء، والتي هي حالة “واقعية” جداً سواء على مستوى المادة أو النتيجة. علاوة على ذلك، يسند دوركهايم للمشاعر التي تنتج عن الطقوس الاجتماعية صدقاً تجريبياً أكبر ممّا يسنده لإدراكات الأشياء الخارجية، نظراً لأنّ المشاعر إدراكات فورية للقوى الاجتماعية أو الأخلاقية العامة التي تؤثر بصورة داخلية على الأشخاص، بينما تظلّ إدراكات الأشياء الخارجية إدراكات خاصة، وتقتضي دوماً تلك العملية الإشكالية المتمثلة في الاستنتاج إن أرادت أن تصبح إدراكات عامة.

هذه النقطة مهمة في فهم تأكيد دوركهايم على أنّ للمقولات المتولدة اجتماعياً صدقاً تجريبياً أعلى من صدق العلم الطبيعي والمنطق، وهو التأكيد الذي بدا طويلاً للنقاد كتأكيد غير منطقي، غير مبرر وقائم على عِلْمِ نَفْسٍ غامضٍ للوعي الجمعي. لكنّ البرهان متماسك جداً على المستوى المنطقي: بينما لا يمكن إدراك القوى الطبيعية إدراكاً مباشراً، فإنّ القوى الاجتماعية يمكن إدراكها مباشرة، ويمكن بالتالي لإدراكها أن يكون مقتسماً مع شخص آخر بطريقة صادقة. إنّ الإدراك المشترك للقوى الأخلاقية أثناء الممارسات وبواسطتها يُعتبر نوعاً من المعرفة أفضل من الإدراك الفردي للتمظهرات الخاصة للقوى الطبيعية التي ينبغي أن يقوم عليها العلم والفلسفة الطبيعيان.

ذلك هو ما يحتفظ لنظرية دوركهايم في المعرفة بدرجة معينة من النسبية ما دام يمكن للمقولات أن تتنوع إلى حد معين حسب الجماعات، وما دام الاستدلال الدوركايمي لا يقيم الصدق الاختباري إلا للمقولات الست، (من هنا بالضبط مصدر حاجة دوركهايم إلى بناء علم اجتماع للمعرفة). كما يجدر الإشارة إلى أنّ مقولات الفهم، بالنسبة لدوركايم، لم تهدف أبداً إلى ضمان حقيقة مطلقة أو صدق متعال لكلّ الجماعات. فالمقولات لم يتمّ تطويرها لأهداف فلسفية. بل إنّ المقولات والممارسات الاجتماعية التي أنتجتها وُلِدَتْ لإشباع الحاجة الاجتماعية التي يستشعرها أعضاء الجماعة نفسها إلى مقولات فهم مشتركة: ولذلك يؤكد دوركهايم على أنّ التفاهم والتعاون الاجتماعيين سيكونان مستحيلين بدون تلك المقولات المشتركة: “إذا لم يتفق الأفراد في كلّ لحظة على هذه الأفكار الأساسية… سيصبح كل اتفاق بين العقول مستحيلاً، وبالتالي ستستحيل كلّ حياة مشتركة” (Durkheim 1915, p. 30). يوجد هنا استدلال مبكر على المتطلبات التي تفرضها المعقولية على تطوير أشكال من الممارسات الاجتماعية. ليس هناك من سبب يجعل المقولات عاجزة عن إظهار درجة معينة من التنوع تبعاً للأماكن، مستجيبة في الوقت نفسه لتلك الخاصيّة الاجتماعية. فضلاً عن ذلك، بما أنّ المقولات تقوم على التجربة، فإنّ التفاهم بين الجماعات سيكون ممكناً، حتى حيثما تنتج التنوعات.

التصنيف
إنّ التصنيف مفهوم أساسي جداً بالنسبة لنظرية المعرفة، كمفهوم السببية تماماً، وترجع مشكلة الهويّة والاختلاف على الأقل إلى بداية الفكر اليوناني. لكنّ مقاربة دوركهايم التفصيلية للتصنيف، حتى وإن حظيت باهتمام أكبر ممّا حظيت به مقاربة السببية، أُوِّلَتْ بالخصوص كنسخة سوسيوبنائية لأصول منظومات التصنيف الخاصة، بحيث ظلت أهميتها بالنسبة لمسألة الصدق التجريبي للتصنيف كمقولة للفهم عرضة للجهل التام.

من الممكن أن يكون هذا التجاهل قد تفاقم بكون دوركهايم عالج مشكلة التصنيف على ثلاثة مستويات لم يميّز بينها بوضوح. أولاً، أكد أنّ القدرة على إدراك التشابه والاختلاف، بطريقة فطرية وبدون صدق تجريبي، قدرة يقتسمها البشر مع الحيوانات (Durkheim 1915, p. 170). هذا التأكيد يردّد صدى تأكيداته على وجود القدرة نفسها بالنسبة للسببية (Durkheim 1915, p. 401). ثانياً، درس دوركهايم تطور الأنساق الاجتماعية للتصنيف، أو “الكوزمولوجيات” المشكَّلة تبعاً للتقسيمات الموجودة في العلاقات الاجتماعية. ويُعدّ ذلك نقطة أساسية في علم اجتماع المعرفة، وتكون التصنيفات في هذا المستوى غير صادقة تجريبياً. وأخيراً، دافع دوركهايم عن الأطروحة القائلة إنّ نشأة مقولة التصنيف كان مرتبطاً بالإدراك المباشر للقوة الأخلاقية أثناء إنجاز الممارسات التي تخلق العلاقات الثنائية للمقدّس والدنيوي، للطوطم وغير الطوطم. وفي هذا المستوى الأخير يوجد استدلاله المنتمي لنظرية المعرفة والمتعلق بالصدق التجريبي لمقولة التصنيف (Durkheim 1915, pp. 174-175).

تعرّضت معالجة دوركهايم لمقولة التصنيف لسوء فهم رهيب. فغالباً ما أُوِّلَتْ فقط انطلاقاً من المستوى الثاني، أي انطلاقاً من علم اجتماع المعرفة الذي يصف أنساق التصنيف المطابقة لجماعات ثقافية خاصة. هذا التأويل الخاطئ يقود إلى اعتبار مقولة التصنيف كمجموعة من التمثلات الجماعية التي تنشأ بواسطة سلسلة من الإدراكات الحسيّة للأحداث الثقافية. وجهة النظر هذه تنزع إلى إعادة وضع دوركهايم في مواجهة المأزق التجريبي المتمثل في محاولة استخراج أفكار عامة صادقة تجريبياً من سلسلة من الكيانات الخاصة.

إنّ النقد الذي يتردّد بانتظام (Dennes 1924; Schaub 1920) والذي يعتبر استدلالات دوركهايم حول الزمان والمكان والتصنيف أطروحات دائرية circular، يرتكز على سوء الفهم ذاك. إذ نُسِبَ إلى دوركهايم القول إنّ الإدراكات المتكرّرة للتجسيدات الاجتماعية للزمان والمكان ككيانات تؤدي إلى ظهور مقولتي الزمان والمكان بواسطة عملية تجريد. وعندما لا تستطيع سلسلة من الكيانات الخاصة أن تؤدي إلى ظهور فكرة عامة صادقة، يُتَّهَمُ دوركهايم بالسذاجة الفلسفية. كما أشار النقاد أيضاً إلى أنّ إدراك الأفراد للتجسيد في كيانات مشروط بالوجود المسبق لفكرتي المكان والزمان في أذهانهم.

يوضح هذا الاستدلال إلى أيّة درجة يخلط النقاد المستويين الأول والثاني بالمستوى الثالث لدى دوركايم، أي مستوى البرهنة على الصدق التجريبي لمقولات الفهم. إذا كان دوركهايم قد لاحظ أنه يمكن أن يكون للحيوانات إدراك فطري لعلاقات المكان والزمان والاختلاف والتشابه (المستوى الأول)، وأنه يمكن للطابع الدوري periodicity للطقوس الاجتماعية والتقسيمات الاجتماعية أن يتغير بواسطة القدرة الفطرية على تَبَيُّنِ الزمان والمكان والصنف class كتصنيفات قائمة على الأشكال الاجتماعية (المستوى الثاني)، فإنه لم يفعل ذلك ليبرهن على أطروحته في الصدق السوسيوتجريبي لمقولة التصنيف (المستوى الثالث). وإذا قبل (عام 1912) كون الأفراد قادرين على تشكيل أفكار عامة غير صادقة حتى قبل أن تتطور المقولات، فإنّ تلك الأشكال غير الصادقة لا تمثل أساس المقولات. هكذا لا يمكن لمقولة تصنيف صادقة أن تصدر عن أفكار غير صادقة.

يعتقد دوركهايم أنّ مقولة تصنيف صادقة تجريبياً لا يمكنها أن تنشأ إلا عندما تُنْتِجُ الممارساتُ التي تستخدم العلاقات الأخلاقية مشاعرَ القوة الأخلاقية. وبالتالي فإنّ مستوى معقداً من التنظيم الاجتماعي لا يصبح ممكناً إلا بعد نشوء التقسيم الأخلاقي الأول وإنجازه (Durkheim 1915, pp. 174-175).

كان دوركهايم يرفض رفضاً واضحاً الاستدلال الذي بمقتضاه يمكن استخراج الأفكار الصادقة من إدراكات حسية خاصة متراكمة، ويُرْجِعُ هذا الموقفَ إلى التجريبية الكلاسيكية. وبالمقابل، يمكن نظرياً، استخراج كوزمولوجيا بدون صدق تجريبي من تراكم الإدراكات الحسيّة (Durkheim 1915, pp. 171-172).. لكن حسب دوركايم، حتى في هذه الحالة، لكي ينتج مجتمع معقد جداً مثل هذه الكوزمولوجيا يجب أن تتطور مسبقاً مقولات صادقة تجريبياً، وهو ما يعتبره شرطاً لازماً لكلّ تطور اجتماعي معقد. وإذا تبيّنا وجهة نظره، فسيبدو الموقف السوسيوبنائي لانتقاداته موقفاً دائرياً، نظراً لأنه يفترض أنّ المجتمعات المعقدة تشتغل على أساس وقائع متخيّلة مقتسمة. كان دوركهايم من جهته يؤكد أنه لا يمكن للمجتمعات أن تتطور إلا إذا حلت أولاً مشكلة المعقولية المتبادلة من خلال إنتاج مقولات صادقة.
وبما أنّ أعمال دوركهايم في التصنيف أُوِّلَتْ كبناء لأنساق التصنيف، أي كمساهمة في علم اجتماع المعرفة، وليس أولاً كاستدلال على الصدق التجريبي لمقولة التصنيف، فقد انْتُقِدَ كثيراً في الوقت نفسه انعدام دقة المعطيات التي تأسست عليها مقاصده (الدقة تمثل النقطة المركزية لعلم اجتماع المعرفة)، وكونه لم يسع إلى اتخاذ موقف سوسيوبنائي متماسك. وقد كان المستوى الثالث من استدلاله عموماً عرضة للإهمال، ومازال التجاهل يلفّ إلى اليوم التضمينات الإبستمولوجية التي كانت علة وجودها. غالباً لا يُعْتَقَدُ أنّ أطروحة دوركهايم في التصنيف تهدف إلى تفسير أصل المقولة الصادقة تجريبياً: إذ يُنْظَرُ إليها فقط كمجهود مبذول من أجل فحص تطور الاستعمالات الخاصة، في مجتمعات مختلفة، للمفاهيم التي يُطلَقُ عليها اسمٌ غامضٌ هو “التصنيفات”، ممّا يدرج هذه الأطروحة في منظور علم اجتماع الأنساق المفهومية (أو علم اجتماع المعرفة).

من الواضح أنّ دوركهايم يصف بالتفصيل بعض أنساق التصنيف. لكنّ هاجس التفصيل التجريبي، سواء في أعماله السابقة حول التصنيف البدائي (Durkheim & Mauss 1963) أو في الأشكال الأوليّة (1915)، لم يكن يهدف من ورائه إلى تسليط الضوء على مختلف الأنظمة الاجتماعية للتصنيف في ذاتها. بل كان بالأحرى يهدف إلى تقييم إلى أيّ حد يمكن أن تكون تلك الأنساق التصنيفية قد أدّت، أثناء إنجازها وبواسطته، إلى نشأة مقولة التصنيف. إنّ العلاقة القائمة بين مناقشة مختلف أنساق التصنيف تنتمي هنا إلى النظام نفسه الذي تنتمي إليه العلاقة القائمة بين مختلف مناقشات الطواطم ومقولات القوة الفعليّة والسببيّة.

ولمّا لم يكن ممكناً استخراج مقولة صادقة تجريبياً من سلسلة من الإدراكات الحسيّة، فينبغي أن تنشأ مقولة التصنيف انطلاقاً من تقسيم أخلاقي يتجسّد في الممارسات الاجتماعية، ويعاش أثناء حدثٍ مفردٍ كقوة أخلاقية وليس كتقسيم طبيعي مدرك انطلاقاً من سلسلة من الكيانات الخاصة. ويرى دوركهايم أنّ التقسيمَ الأخلاقيَّ الأولَ المنجَزَ يصبح هو التقسيم الاجتماعي الثنائي الأول الذي انطلاقاً منه تصدر كلّ التصنيفات الأخرى.

إنّ الممارسات الطوطمية، حسب دوركايم، تمكن من إنتاج هذا التقسيم الأخلاقي داخل العلاقات البشرية، وذاك بجعله قابلاً للإدراك الفوري من قبل أولئك الذين ينجزون الطقس. وعلى الرغم من أنّ الطواطم شكل من التقسيم الاجتماعي أكثر تعقيداً من التقسيم الأول بين المقدّس والدنيوي، فإنها تعتبر، من بين الممارسات التي ما زالت تمارس، الأقرب إلى ما كانت عليه الصورة الأصلية للتقسيم. هكذا أمكن لمقولة التصنيف وتقسيماتها اللاحقة أن تتطور انطلاقاً من التقسيم الأصلي للعلاقات الاجتماعية إلى حدين: الطوطم واللاطوطم.

الطوطمية والتصنيف
لا يمكن للطواطم أو العشائر clans)) أن تكون أصلاً اجتماعياً لمقولة التصنيف إلا إذا كان لها هي نفسها أصل اجتماعي وليس فردياً. كان دوركهايم يعتقد أنّ منح الطواطم أصلاً فردياً سيجعل نظريته في نشأة مفهوم التصنيف نظرية دائرية، وسيجعلها تواجه من جديد المأزق التجريبي: “إذا كانت ]الطوطمية الفردية] هي الحدث البدائي، سيكون من اللازم القول إنّ الدين ولد في الضمير الفردي، وأنه يستجيب لطموحات فردية، وأنه لم يَكْتَسِ الشكلَ الجماعي إلا على نحو ثانوي” (Durkheim 1915, p. 200). هكذا أثار دوركهايم نقاشاً مطوّلاً حول أصول الطوطمية، وذلك لهدفين مختلفين: أولاً، البرهنة على أنه لا يمكن للتجربة الفردية أبداً أن تكون أصل الطواطم، بحيث أنّ مقاربةً فردانيةً مطبقةً لفهم الطواطم والدين عموماً لا يمكن أن تكون صادقة؛ ثانياً، البرهنة على أنّ مفهوم التصنيف يقوم على الطواطم كإنجاز عملي، وبالتالي فهو صادق تجريبياً (بالمعنى الدقيق الذي يقصده دوركايم)، وليس دائرياً بمعنى التجريبيين. وإذا لم يتمّ إدراك هذين الهدفين، فإنّ الاستدلال الذي صاغه دوركهايم بخصوص الأصل الاجتماعي للطواطم سيبدو من جديد كنسخة سوسيوبنائية للكوزمولوجيا الدينية: إذ لن يُدْرَكَ أنّ الأمر يتعلق فعلاً بالاستدلال على أنه ليس للممارسات أصل فردي، وهو الاستدلال الذي مكّن دوركهايم من القول إنّ المقولات الناشئة عن الممارسات تحظى بصدق تجريبي.

لنتأمّل الهدف الأول: إذا كان دوركهايم قد طوّر علمَ اجتماعٍ لأنساق التصنيف، فذلك كان أولاً لتوضيح كون هذه الأخيرة تصدر عن التجربة الجماعية لا عن التجربة الفردية. وبالفعل، يعتقد دوركهايم أنّ الجماعات الاجتماعية، وهي تطور تنظيمها الداخلي، قسّمت الطبيعة والمجتمع إلى أصناف، تُسمى طواطم، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من ذلك التنظيم. فكلّ شيء، كلّ حيوان، كلّ نبات، كلّ معدن يطابقه طوطم: “إنّ وحدة هذه الأنساق المنطقية الأولى لا تفعل غير إعادة إنتاج وحدة المجتمع” (Durkheim 1915, p. 170). إنّ النظام الديني أو الطوطمي لا يعكس إذن الإدراك الفردي للنظام الطبيعي. بل على العكس من ذلك، إنّ تصنيف الظواهر الطبيعية يقوم على تقسيمات مألوفة في الحياة الاجتماعية المنظمة. “توجد في قبيلة مونت-غامبيي… عشر عشائر؛ لذلك ينقسم العالم إلى عشرة أصناف… هذه الأصناف من الأشياء تمثل مجتمعة تمثلاً تاماً ونسقياً للعالم” (Durkheim 1915, p. 179).

في البداية، إنّ الخلط، في التصنيفات الطوطمية الأولى، بين تقسيمات الأشكال الاجتماعية وتقسيمات الطبيعة هو ما دفع الناس إلى تطبيق فكرة التصنيف على الطبيعة. هكذا مثلاً، فإنّ كلّ العناصر المنتمية للطوطم نفسه (حيوان أو نبات أو معدن) صُنِّفَتْ جميعُها نظراً لأنها مرتبطة بِسَلَفٍ مشترك، وهي فكرة مشتقة بوضوح من العلاقات الاجتماعية وحدها، بما أنه ليس لتلك الفكرة أيّ أساس ممكن في الطبيعة. “تبعاً لكلّ احتمال، لم يكن لنا إذن أبداً أن نفكّر في جميع كائنات الكون في جماعات متجانسة، تُسمى أصنافاً classes، لو لم نكن قد رأينا مثال المجتمعات البشرية، ولو لم نبدأ أن نجعل من الأشياء نفسها أعضاء في مجتمع البشر، وإن لم يتم أولاً المزج بين المجتمعات البشرية والتجمعات المنطقية” (Durkheim 1915, pp. 172-173).

بما أنّ التصنيفات تُعيد إنتاج العلاقات الاجتماعية وتفرضها على الطبيعة، فإنّ مماثلةَ المبدأ الطبيعي مع المبدأ الاجتماعي تعتبر خلطاً. لكنّ لهذا الخلط فائدة: إنّ البناء الاجتماعي للتصنيفات يعتبر وسيلة، مقتسمة إلى درجة معينة، لتفييئ الأشياء في الطبيعة. هكذا يكتب دوركهايم (Durkheim 1915, p. 169): “استطاع البشر تجميع الأشياء نظراً لأنهم كانوا مُجَمَّعِين”.

في غياب التصنيفات القائمة على التقسيمات الاجتماعية، لم يكن للبشر أن يتوصلوا أبداً إلى اعتبار أنه يمكن لعلاقة التشابه الفطري أن تكون دالة بطريقة أو بأخرى. “لم يكن للإنسان حتى أن يفكر في تنظيم معارفه بهذه الطريقة إن لم يكن يعلم مسبقاً ما يعنيه التراتب. والحال أنه لا مشهد الطبيعة الفيزيقية ولا آلية التداعيات الذهنية كان بإمكانهما أن تقدما لنا فكرة التراتب. فالتراتب شيء اجتماعي حصراً. فلا يوجد أفراد فوق وأفراد تحت وأفراد متساوون إلا في المجتمع… إنّ المجتمع هو من منحنا الشبكة التي اشتغل عليها الفكر المنطقي (Durkheim 1915, p. 173).

إنّ إدراكَ التشابهات والاختلافات بين الكيانات الطبيعية قدرةٌ أوليةٌ: فالحيوانات نفسها تدرك الأشياءَ ككائناتٍ من أصناف مختلفة. ومع ذلك، فإنّ التصنيفاتِ الطوطميةَ تُدْخِلُ فكرةَ التراتب الذي يعتبر تنظيماً اجتماعياً أو أخلاقياً تخلو منه الطبيعة. وبالتالي، فإنّ كلّ التصنيفات المتضمنة لمفهوم التراتب لها بالضرورة أصل اجتماعي.

لنتأمّل الآن الهدف الثاني المشار إليه سابقاً: يتقدّم دوركهايم بأطروحة مختلفة عن الأولى، مفادها أنّ مقولةَ التصنيف الناتجةَ عن إنجاز الممارسات صادقة تجريبياً. فمقولة التصنيف نفسها لم تنشأ على أساس التصنيفات العديدة والمتنوعة التي تظهر في كل مجتمع. بل إنها تنشأ على أساس مشاعر القوة الأخلاقية التي يعمل إنتاجُ هذه التقسيمات الاجتماعية في الطقوس الطوطمية وبواسطتها على حملها إلى المشاركين في الطقس. ذلك أنّ إنجازَ أعضاء الجماعة الطوطمية للطقوس الطوطمية يُنْتِجُ بالفعل ”رابطاً داخلياً يربطهم بالجماعة التي يوجدون مُرَتَّبينَ فيها” (Durkheim 1915, p. 174). إنّ ذلك يُعتبر تجربةً أصيلةً لتقسيم ثنائي بين الطوطم واللاطوطم، بين المقدّس والدنيوي: ”إنّ رابطاً من التعاطف الصوفي يُوَحِّدُ هكذا كلَّ فرد بالكائنات (الطوطمية) التي ترتبط به”، حيةً كانت أو غير حية. (Durkheim 1915, p. 174).

إنّ تجربة التقسيم الاجتماعي كقوة أخلاقية تصبح منذئذ أساسَ البناء المنطقي والصادق تجريبياً للتصنيف، مانحةً للعقل طريقةً في التفكير غيرَ مرتبطةٍ بظروف إدراكها: ”إنّ هذا التنظيم الذي بدا لنا منطقياً خالصاً في البداية هو تنظيم أخلاقي في الآن نفسه” (Durkheim 1915, p. 175). إنّ العلاقة الأخلاقية بين الكائنات المنتمية للصنف نفسه هي التي تمثل أساس علاقتها المنطقية: إنّ كائنات الطواطم الواحد متطابقة ”واقعياً” نظراً لأنّ القوة الأخلاقية نفسها تربط بينهم.

بالنسبة لدوركهايم، إنّ التركيزَ على الإدراك الفردي وتطبيقَ مقولة التصنيف على الأشياء والأحداث والقوة الطبيعية – التي ليس لها أية صدق بالنسبة لها – أظهرا وحدهما أنّ مشكلة الصدق التجريبي لا حلَّ لها بالنسبة للفلسفة وعلم الاجتماع معاً. لا يمكن لهذا النوع من التجريبية الفردانية أن تتوصّل إلا إلى تفسير نشأة ما يسمّيه دوركهايم ”الأفكار العامة” في الجسد الفردي، والحال أنّ الصور الجنسية generic ideas و”الرموز المنطقية” (كالتصنيف) ليست شيئاً واحداً. إذ يرى دوركهايم (Durkheim 1915, p. 172) أنّ الحيوانات قادرة على إنتاج تمثلات جنسية generic representations: “إنّ الحيوان قادر على صياغة صور جنسية، بينما يجعل فنُّ التفكير حسب الأصناف classes وحسب الأنواع species الكائنات التي تنتج القوة الأخلاقية وحدها قادرة على تطوير مقولات.

الإدراك الفردي في مقابل المقولات: ثنائية دوركهايم المزعومة
إنّ التمييز الذي أجراه دوركهايم بين قدرةِ الأفراد الأوليّة على أخذ التشابهات والاختلافات بعين الاعتبار، وهي قدرة غير صادقة تجريبياً (المستوى الأول من أطروحته في التصنيف) من جهة، ومن جهة أخرى بين مقولاتِ التفكير الصادقة تجريبياً (المستوى الثالث)، تمّ تأويله من قبل النقاد كتمييز مرتبط بموقف ثنائي. إنّ اتهامه بالثنائية، كتهمة الدائرية، يرتكز على سوء الفهم. تُطْلَقُ كلمةُ ”ثنائية” على مختلف النظريات التي تعالج الهوّة القائمة بين الفكر والواقع، أو بين الروح والجسد. عموماً، هذا النوع من النظرية يقترح أنّ طبيعةَ الروح وطبيعة َالجسد، أو طبيعةَ الروح وطبيعةَ المادة، مختلفتان لدرجة التعارض. في الثنائية الديكارتية مثلاً، لا يمكن للنفس العقلية أن تعرف إلا ما هو عقلي في الكون، وليس ما هو مادي (اللهم إذا كانت العناصرُ الماديّةُ مدركةً كعناصر عقلية خالصة، الشيء الذي يطابق وجهة النظر المثالية). يُسْتَخْدَمُ مصطلحُ ”ثنائية” في علم الاجتماع غالباً للدلالة على الهوّة التي يفترض أنها تفصل الفرد عن المجتمع.

إنّ جزءاً كبيراً من ثنائية دوركهايم المزعومة ناتجٌ عن سوء فهم محاولته التمييز بين القدرة الفطرية للحيوانات على إدراك التجاور والاختلاف والتشابه من جهة، وبين مقولة التصنيف الصادقة تجريبياً من جهة أخرى. ويتزايد سوء الفهم هذا بفعل القراءة الخاطئة غالباً لمقال أقدم لدوركايم (Durkheim [1898] 1953)، يُعبّر فيه عن رفضه لما كان يسميّه ”نزعة الاختزال النفسي” لوليام جيمس. وغالباً ما خلطت تأويلات هذا المقال بين الموقف الخاص لدوركايم والموقف الفرداني الذي كان ينسبه لجيمس (Rawls 1996a).

يعترف دوركهايم بوجود نزعة تجريبية أوليّة في قلب الإدراك الفردي، تجريبية لا تقدم معرفة صادقة، لكن على الأقل لها علاقة بالواقع. “ومع ذلك، فإننا لا ننوي حرمان الضمير الفردي، ولو مختزلاً في قواه فقط، من القدرة على إدراك تشابهات بين الأشياء الخاصّة التي يتمثلها. بل بالعكس، من الواضح أنّ التصنيفات، بما فيها أبسطها وأكثرها بدائية، تفترض تلك المَلَكَة مسبقاً (Durkheim 1915, p. 170).

غالباً ما يُنْظَرُ إلى هذا الاستدلال كحجّة على ثنائية دوركهايم الديكارتية (Lukes 1973). لكن دوركهايم في الواقع يؤكد أنّ الفرد البيولوجي عاجز عن ممارسة عقله، وهي وجهة نظر لا علاقة لها بديكارت. ذلك أنّ النظرية الديكارتية تؤكد أولاً على أنّ المنطق العقلي منطق معطى، وثانياً أنه ذو وظيفة مختلفة تماماً عن تنظيم (أو غياب التنظيم عن) عالم الطبيعة ”القابل للتلف”، والذي يقترب من النور الخالص للعقل، لكن دون أن يصل إليه أبداً. أمّا بالنسبة لدوركهايم، فإنّ الفرد البيولوجي على العكس من ذلك لا يملك سوى قدرة أولية على فرز الإدراكات الحسيّة تبعاً لمبدأ التشابه والتجاور، الشيء الذي لا يبتعد كثيراً عن العادة والعرف لدى هيوم، ولا ينتج بالتأكيد أيّة معرفة صادقة.

لنضف أنّ الاستدلال الذي بموجبه يملك الأشخاص البشريون القدرةَ الفطريةَ على صياغة تمثلات جنسية generic representations ينبغي أن يروق لأولئك الذين يدينون الطابع الدائري لآراء دوركايم، مادام هذا الأخير يعلن بوضوح عن اعتقاده أنّ الأفكار غير الصادقة تجريبياً المتمثلة في الزمان والمكان والصنف والسببية تسبق نشأة مقولات الفكر الصادقة. علاوة على ذلك، فإنّ النقاد أنفسهم الذين يتّهمون دوركهايم بالثنائية والذين يعرفون بالتالي استدلاله بخصوص القدرات الفطرية، يتهمونه أيضاً بالدائرية.

وخلافاً للتأويل المألوف الذي يسند لدوركايم موقفاً ثنائياً وكانطياً جديداً، نجد دوركهايم يدافع عن الموقف الأصيل جداً التالي: قبل المشاركة في الممارسات العملية، لا يكون بحوزة الأشخاص سوى قدرة الحيوانات الأوليّة على صياغة تمثلاث جنسية – وهي قدرة مماثلة للقدرات التي يعترف بها التجريبيون ـ بينما يصبح هؤلاء الأشخاص أنفسهم يتوفرون على مقولات فهم صادقة تجريبياً بعد أن يجرّبوا الإنجاز المشترك للممارسات الطقوسية. هكذا يبدو أنّ استدلال دوركهايم القائل بالأصل التجريبي لمقولات الفكر متعارض مع وجهة النظر الكانطية والديكارتية التي ألصقت بها.

عندما دافع دوركهايم عن فكرة أنّ العلاقات الطبيعية لا يمكنها أن تكون مصدر مقولات الفهم، وأنّ هذا الأصل يتمثل في العلاقات الاجتماعية، فإنه كان يؤكد في الوقت نفسه على أنّ العلاقات الاجتماعية علاقات طبيعية من نوع معين، وأنه كان يعتقد بالتالي أنه ليس هناك تنافر مطلق بين العقل وعالم الطبيعة التجريبي، أو بين الفرد والمجتمع: “لو كانت التجربة غريبة كليّاً على ما هو عقلي لما أمكن للعقل أن يُطَبَّقَ عليها؛ مثلما لو كانت الطبيعة النفسية للفرد لا تتأثر بالحياة الاجتماعية لكان المجتمع مستحيلاً” (Durkheim 1915, pp. 28-29). ذلك لم يمنع دوركهايم من قبول وجود هوّة فاصلة بين العقل والإدراكات الحسيّة للقوى الطبيعية، ومن التأكيد على أنه لا يمكن للمقولات في أي حال من الأحوال أن تصدر من إدراك حسي للأحداث الطبيعية. إلا أنه يؤكد أيضاً على أنّ المقولات ليست عشوائية مقارنة بالنظام الطبيعي، ويرجع ذلك إلى سببين: (1) إنّ النظام الاجتماعي الذي يسمح بتكوين المقولات هو نفسه نظام طبيعي يخضع بما هو كذلك لقوانين الطبيعة. لهذا السبب فإنّ المقولات المتولدة اجتماعياً هي، بمعنى ما، مقولات طبيعية (الشيء الذي لن يكون صحيحاً بالنسبة للكوزمولوجيات التي هي مثالية)؛ (2) حتى وإن كان يقين المعرفة التي أنتجتها الانطباعات الحسيّة يصادف حدوداً معينة، فإنّ تلك الانطباعات تسمح بإجراء فرز للأشياء حسب تشابهها الذي، حتى وإن لم يكن صادقاً تجريبياً، يضع حدوداً لإعادة الخلق الاجتماعي للطبيعة.

ينطلق دوركهايم من المبدأ القائل إنّ مقولات الفهم الناشئة انطلاقاً من العمليات الاجتماعية هي إضافة للقدرة الطبيعية على إدراك التشابه، ولذلك فهو يعتقد أنه ليس هناك سبب يَحْرِمُ الفَرزَ حسب التشابه من نوع من الصدق الاختباري، وإن كان محدوداً، إزاء الظواهر الطبيعية (Durkheim 1915, p. 486). بالتأكيد هذا الصدق لا يساوي صدق الظواهر الاجتماعية، لكنه ليس فاقداً لكل علاقة بالواقع الطبيعي.

يؤكد دوركهايم مثلاً أنه إذا كان تقسيم الأشياء إلى ”أضداد” يوجد في عدد كبير من المجتمعات، فذلك لأنّ درجة عالية من التضاد تؤدي إلى درجة عالية من وضوح الرؤية الطبيعية وإلى ”حدوس” و”مشاعر التلاؤم والتنافر” بالنسبة لتلك التضادات (Durkheim 1915, p. 170). ويضيف دوركهايم أنّ هناك ”نوعاً من حَدْسِ التشابهات والاختلافات التي تحملها الأشياء”، وأنّ ذلك الحدسَ لعب دوراً مهمّاً “في نشأة هذه التصنيفات [للأضداد]” (Durkheim 1915, p. 170). ومع ذلك، فإنّ تقسيم الأشياء الطبيعية حسب تشابهاتها لا يمثل معرفة صادقة. فالتشابه والتجاور يمكنهما فقط أن ينتجا رأياً أو عادةً فكريةً معينة. ولا يمكن للمقولات أن تتطور إلا عندما يجتمع الكائن الاجتماعي مع أمثاله لتفعيل التقسيمات الأخلاقية للجماعة بطريقة مرئية ومتاحة (في المتناول) .

أوَّلَ النقادُ عموماً آراء دوركهايم في الإدراكات الفردية وفي التمييز بين الأنا الاجتماعي والجسد البيولوجي كدليل على كونه وضعياً أو ثنائياً أو واقعياً أو عقلياً ديكارتياً. والحال أنّ ذلك التمييز ليس أكثر ثنائية من تمييز جورج هيربرت ميد G. H. Mead بين ”الأنا الفردي” (I) و”الأنا الاجتماعي” (me)، وهو تمييز يشبه بشكل كبير تمييز دوركايم. فهذا الأخير وهيربيرت ميد يتفقان معاً على أنّ هناك قدرات فطرية ومبدأ فعالاً تسبق تطور الأنا الاجتماعي. ويؤكد دوركهايم على أنّ الكائن الاجتماعي وحده يمتلك مقولات فهم صادقة تجريبياً. أمّا الفرد البيولوجي، فإنه لا يتوفر سوى على قدرات فطرية غير قادرة على أن تكون وحدها إطاراً للمعرفة أو التفاهم المتبادل: “لكنّ شعور التشابه شيء، ومفهوم الجنس genre شيء آخر. إنّ الجنس هو الإطار الخارجي الذي يتكوّن مضمونه من الأشياء المدركة كأشياء متشابهة. بيد أنّ المضمون لا يستطيع وحده أن يكون الإطار الذي يوجد فيه الجنس. إنه مكوّن من صور مبهمة وغامضة ناتجة عن تراكب عددٍ مُحَدَّدٍ من الصور الفردية أو تمازجها الجزئي… وبالعكس، فإنّ الإطارَ شكلٌ محَدَّدٌ، له حدود ثابتة، لكن يمكن تطبيقه على عدد محدّد من الأشياء، المدركة أو غير المدركة، الراهنة أو الممكنة” (Durkheim 1915, pp171-172).

يمكن لباحث واقعي أن يصادر على الصدق الطبيعي للمقولات، بينما سيؤكد الباحث العقلي على أنّ المقولات يمكن إدراكها من قِبَلِ أَيِّ نفْسٍ عقليةٍ فرديةٍ. أمّا دوركهايم، فإنه يرفض هاتين الأطروحتين ويؤكد على أنه لا يمكن لمشاعر التلاؤم والتنافر وحدها أن تؤدي إلى تطور مقولة التصنيف. فهي ليست إلا شعوراً يتعلق بالعلاقات الطبيعية القائمة بين الأفراد، وبالتالي لا يمكنها أن تسبب المقولات التي هي بالتعريف مقولات عامة. ويعتبر الوضعيون والواقعيون هذه المشاعر الأصول الوحيدة الممكنة للمعرفة الصادقة تجريبياً. أمّا دوركهايم فإنه كان بالأحرى ضدّ وضعي وضدّ واقعي، ما دامت القدرات الطبيعية التي يصادر عليها ليس لها أيّ صدق تجريبي ولا يمكنها أن تنتج مقولات الفهم وإنما فقط مشاعر التشابه، كما هو الحال لدى هيوم.

ومن جهة أخرى، حتى وإن كان دوركهايم قد ادّعى نزعةً عقليةً مؤسسةً اجتماعياً، فإنه لم يكن المفكر العقلي الديكارتي الذي تحدث عنه لوكس (Lukes 1973). إنّ المفكر العقلي يدافع عن الفكرة القائلة إنّ معرفة العالم يجب أن تصدر عن بعض مبادئ العقل الأساسية. وبالمقابل، فإنّ دوركهايم يقول إنّ مبادئ العقل يكمن أصلها بكامله في تجربة القوى الأخلاقية الناتجة عن المشاركة في بعض الممارسات، وإنه لا يكون للمعرفة الناتجة على هذا النحو سوى صدق نسبي منذ اللحظة التي تطبّق فيها على العالم الطبيعي.

إنّ التفسير القَبْلي، (الكانطي)، لتطور مقولات الفهم يشترك مع النزعة العقلية في فكرة كون المقولات تخضع لمنطق خالص. أمّا دوركايم، فإنه بخلاف ذلك يؤكد أنّ تنظيم العالم في طواطم، ”الذي أمكن أن يظهر لنا منطقياً خالصاً في البداية، هو تنظيم أخلاقي في الوقت نفسه” (Durkheim 1915, p. 175). علاوة على ذلك، إذا كانت وجهة النظر الكانطية تؤكد على أنّ المقولات فطرية وسابقة على كل فهم، فإنّ دوركهايم يقبل فكرة أنّ القدرات البدائية على إدراك التجاور والتشابه يمكنها مع السلوكات الاجتماعية ضعيفة التطور، أن تكون سابقة على تطور المقولات. إنّ المقولات إذن ضرورات تاريخية-تجريبية، وليست ضرورات منطقية. والمنطق نفسه يصدر عن تطور المقولات؛ وبالتالي فإنّ النقاش حول وضع المقولة الخاصّة بأفكار مختلفة ينبغي أن يكون ذا طبيعة تجريبية وتاريخية. فالطواطم تؤدي إلى تطور مقولة التصنيف باعتبارها إنجازاً عملياً، وليس باعتبارها أنساق تصنيف أولية. إنّ مقولة التصنيف المتولدة عن إنجاز الطقوس الطوطمية هي التي تصبح أساساً للمنطق وليس العكس. وهكذا، إذا كان دوركهايم يساند فكرة أنه ربما كان من الضروري أن يسبق مفهومُ التصنيف المقولاتِ الأخرى، فإنه يحرص على تأكيد ذلك باستدلال تاريخي، وليس باستدلال منطقي. ذلك أنه يعتقد أنّ المنطقَ نفسَه منتوجٌ اجتماعي ولا يمكن استخدامه في الاستدلال في تلك المرحلة (Durkheim 1915, p. 169) .

من الواضح أنّ الأطروحة التي بموجبها ينتج المنطق عن سيرورة اجتماعية (أبسط الطقوس الطوطمية) ليست أطروحة ديكارتية ولا كانطية جديدة، بل إنها أطروحة جديدة تماماً تتعلق بالأصول الاجتماعية للمنطق. فالمقولات، حسب دوركايم، تقوم بوظيفة اجتماعية: إنّ كونَها تتيح انبثاقَ منطقٍ مشتركٍ من شأنه أن يجعل وجود المجتمع نفسه ممكناً. وبعبارة أخرى، إنّ المجتمع في حاجة إلى الإنجاز المشترك للممارسات لكي ينتج مقولات الفهم التي يستحيل بدونها التعاون والتواصل (Durkheim 1915, pp. 30,482, 487). تتمثل الوظيفة الأولى للدين بالضبط في توفير المناسبة للإنجاز المشترك للممارسات الضرورية لإنتاج المقولات (Durkheim 1915, p. 467). فكلّ المجتمعات، حسب دوركايم، تتوفر على المقولات لأنها إن لم تتمكن من إنتاجها، فإنها لن تستطيع أن توجد كمجتمعات. لهذا السبب فإنه حيثما وجدت مجتمعات فإنها تنتج المقولات. “لا يمكن للمجتمع أن يتخلى عن المقولات للإدارة الحرّة للأفراد دون أن يتخلى عن ذاته. فلكي يعيش، لا يحتاج لامتثال أخلاقي كافٍ فقط، بل لا يمكنه أيضاً أن يستغني عن حدٍ أدنى من الامتثال المنطقي” (Durkheim 1915, p. 30).

تُعتبر الكوزمولوجيا الدينية إحدى وسائل تمثيل القوة الأخلاقية، لكنّ الممارسة الدينية هي التي تسمح بخلق تلك القوة. هذا هو التمييز المركزي الذي يقيمه دوركهايم بين علم اجتماع المعرفة ونظرية المعرفة: توجد ممارسات (الوقائع الاجتماعية) التي تخلق المقولات، وتوجد كوزمولوجيات (الأفكار الجماعية) التي تفسّرها وتمثلها. إنّ المقولات صادقة تجريبياً، لكن الكوزمولوجيات ليست كذلك.

إنّ تعيين دوركهايم لأسس العلم والفلسفة في الممارسات الاجتماعية والدينية الأهلية قاده إلى احترام ما أسماه ”العقل البدائي”، وهو ما كان نادراً في عصره. فقد كان يؤكد على أنّ الشعوب ”البدائية” لا تفتقد إلى المنطق: كلّ ما في الأمر أنّ تلك الشعوب لها منطقها الخاص (Durkheim 1915, pp. 15, 166, 203, 219, 361-362, 476, 487). وحده الاعتقادُ في قانون كونيٍّ للعقل والمنطق يمكنه أن يجعل المرء يعتقد أنّ تلك الشعوب ناقصة. إنّ هذا النقصانَ بناءٌ اجتماعي لا يعكس الواقع. لم يَحْذ ليفي- برول حذو دوركايم، ورفض بالتالي التخلي عن فكرة أولوية المنطق، الشيء الذي أدّى به إلى القول إنّ العقل ”البدائي” كانت تنقصه نقط عديدة. إنّ المفهوم النسبي للحقيقة نفسه الذي طوّره البرجماتيون ينسب عدة أشكال من النقصان للديانات البدائية، حيث يحكم عليهم انطلاقاً من مبدأ المنفعة دون أن يأخذ في الاعتبار الأهمية الاجتماعية والإبستولوجية لما تحققه الطقوس البدائية.

كيف أُهْمِلَتْ ورُفِضَتْ نظريةُ دوركهايم المعرفية؟
ما من شك أنّ دوركهايم كان ينوي بكتابه الأشكال الأوليّة تغييرَ وجه الفلسفة تغييراً نهائياً بتقديمه حلاً بديلاً، ذا طبيعة غير فلسفية (سوسيومنطقية)، للمشكلات التي طرحها النقاش الذي كان دائراً بين التجريبيين والقبليين: ”إنّ نظرية المعرفة، التي جددناها على هذا النحو، تبدو أنها تشمل المزايا المتناقضة للنظريتين المتنافستين معاً في الوقت نفسه الذي تطرح عيوبهما. فهي تحتفظ بكلّ المبادئ الأساسية للنزعة القبليّة، لكنها تستلهم الروح الوضعية التي تحاول النزعة التجريبية جاهدةً إشباعَها” (Durkheim 1915, p. 32). صاغ دوركهايم الأمل في أن يصبح العلم السوسيولوجي الجديد مركز المشاريع العلمية والفلسفية معاً. فقد كان يعتقد أنّ علم الاجتماع مدعو لتعويض الفلسفة كمجال مناسب لإدارة النقاش حول أسس المعرفة. من الواضح أنّ الأمور لم تحدث على هذا النحو. وما زال علماء الاجتماع إلى اليوم يرتكزون على نظريات المعرفة القائمة على الفردانية ومازال الفلاسفة ينتقدون الأساس الإبستمولوجي لعلم الاجتماع (Winch 1956 ; Rorty 1979 ; Turner 1994).

لقد تمّ منذ البداية الخلط بين نظرية المعرفة وعلم اجتماع المعرفة عند دوركايم، ممّا أدى إلى رفض الأولى باعتبارها نظرية تافهة. يبين دوركهايم أنّ لنظريته المعرفية طموحات نحو الصدق التجريبي تبدو عبثية تماماً منذ اللحظة التي تطبق فيها على علم اجتماع المعرفة لديه، كما حدث فعلاً. زدْ على ذلك أنه نظراً لأنّ النقاد لم يتوصلوا إلى الإمساك بالدلالة الإبستمولوجية لاستدلاله الطويل حول الطواطم، فقد شعروا أنّ النظرية الدوركهايمية في المعرفة كانت على الإجمال مشتتة وموجزة. هكذا، كتب ألكسندر غولدنفايزر (Goldenweiser 1915, p. 733)، أحد النقاد الأمريكيين الأوائل: “فضلاً عن كون ملاحظات المؤلف في الموضوع ليست معمّقة ولا منظّمة… إنّ محاولته استخراج مجموع المقولات الذهنية من مراحل محدّدة من الحياة الاجتماعية، والتي أمكن أن تكون موضوع مفهمة تدريجية، تتميّز بقدر كبير من السطحية والأحادية لدرجة أنه يصعب معها تصوّر وجهة نظره بشكل جدّي” . كان غولدنفايزر يعتقد أنّ نظرية المعرفة لدى دوركهايم فاشلة نظراً لأنها تفترض مسبقاً وجود نظام اجتماعي ومفهومي معقد من المستبعد أن يوجد في كل المجتمعات. إنّ الحكم المسبق لغولدنفايزر المتمثل في افتقاد الثقافات البدائية للدقة، مصحوباً بتأويله الخاطئ للنظرية الدوركهايمية المتعلقة بالأنظمة المفهومية، أدّى، على غرار الانتقادات المبكرة، إلى الحيلولة دون أن يفهم فكر دوركهايم فهماً صحيحاً.

نشر وليام دينيس Dennes بعد سنوات من ذلك مقالاً نقدياً تمّ الاستشهاد به كثيراً، يدين فيه نظرية دوركهايم كنظرية دائرية وغامضة.

تتميز نظرية دوركهايم الخاصة بأصل المقولات بتصور غامض للعقل. لو تناول دوركهايم العقل بالمعنى الذي يعزوه كانط لنسق القدرات المعرفية للذات، وهو المعنى المعتاد في نظرية المعرفة، لكان من السخف القول إنّ المقولات مشتقة، بأيّ شكل من الأشكال، من التنظيم الاجتماعي، حيث ينبغي أولاً أن تكون مقولة الكم موجودة وأن تكون فاعلة حتى يكون العقل الفردي قادراً على التعرّف على الوحدة، أو الأجزاء أو الكليّة التي تشكلها تقسيمات جماعته الاجتماعية… ومن جهة أخرى، إذا كان دوركهايم يعني بكلمة ”عقل” مجرد تجمّع للتمثلات والأفكار، ربما كانت هناك دلالة للافتراض القائل إنّ الأفكار الأولى المتعلقة بالزمن كانت تتمثل في الطابع الدوري للطقوس الدينية البدائية، والأفكار الأولى للكم، وتقسيم القبيلة، إلخ. لكن ليس لهذا الافتراض سوى أهمية تاريخية خالصة، إذا ما كانت له أهمية. وليست له أية علاقة مباشرة بالدراسة الإبستمولوجية أو النفسية للطبيعة، ولا بوضع مقولات العقل (Dennes 1924, p. 39).

أكد دينيس (Dennes 1924, p. 53) على أنّ نظرية المعرفة لدى دوركهايم لم يكن لها من صدق إلا كنظرية للمضامين، أو كعلم اجتماع المعرفة، وليس كنظرية لشكل العقل. وقد اعتبر أيضاً هذه النظرية فاشلة. هذا التحليل كان له تأثير كبير إذْ وجّه كثيراً قراءة تالكوت بارسونز لدوركايم، وما زال يُسْتَشْهَدُ به بانتظام في الأعمال التي تتناول نظرية المعرفة عند دوركهايم و/أو علم اجتماع المعرفة لديه.

من الصعب وضع إطار للاستدلال العميق الذي طوّره دوركهايم بالاعتماد على التأويل الذي خُصِّصَ له. إنّ إلقاء نظرة على الموجة الأولى من الانتقادات الخاطئة بين سنتي 1910 و1925، يعطي الانطباع بأنه لم يتمّ أبداً إعادة النظر في نظرية المعرفة الدوركهايمية (Rawls 1996a). إذ أنّ هناك إجماعاً على أنّ نظرية المعرفة عند دوركهايم كانت فشلاً ذريعاً. إنّ الرؤيتين اللتين تمّ اجترارهما باستمرار هما الرؤية التي تؤكد أنّ دوركهايم لم ينتبه أبداً إلى أنّ علم اجتماع المعرفة كان في نهاية مساره المهني متعارضاً بشكل فاضح مع الدراسات التجريبية التي كانت رائجة في بدايته (Parsons 1968). والرؤية التي ترى فيه رجلاً مات مبكراً ولم يستطع حلّ هذه المشكلة (Stone & Farberman 1967 ; Hughes [1958] 1977 ; Parsons 1968). ويبدو أنه لم يتمّ في أية لحظة ملاحظة أنّ علم اجتماع المعرفة، مثلما الدراسات التجريبية السابقة، يقوم على نظرية للمعرفة تشمله وتشمل تلك الدراسات. كما أنّ الباحثين يبيّنون غالباً شراسة قوية في التعبير عن إحباطهم أمام ما يعتبرونه تناقضات عمل دوركهايم التي لم تجد حلاً، والتي يعزونها إلى نوع من السذاجة الفلسفية. وهكذا فإنهم يتهمونه في كتبهم ومقالاتهم المتتالية بكونه لم يستجب لما هو متوقع من بحث جيد.

ويعبّر النقاد في الغالب عن الشعور بكونهم لم ينالوا ما كانوا يتوقعون منه، وأنهم كانوا ينتظرون منه أكثر من ذلك. وقد ذهب دومينيك لاكابرا LaCapra إلى حدّ القول إنّ نظرية دوركهايم تشبه ”الجسد المُكتَّل لنوع من فرانكشيتاين غير محتمل” (LaCapra 1972, p. 287). وبالنظر إلى الاعتراف الواسع بأهمية أعمال دوركايم، فإنّ عبارات الإحباط المتعلقة بنظريته في المعرفة تخرج بشكل مثير للانتباه.

وعلى الرغم من كون بارسونز عبَّر علانية عن احترامه لعمل دوركهايم عندما دافع عنه ضدّ عدة قراءات بارزة سيئة، وعندما بنى وظيفيته الاجتماعية انطلاقاً من تأويله الخاص لهذا المؤلف، فإنه عبّر عن سخطه وعن نوع من الارتباك أمام نظرية المعرفة لدى دوركايم: “إنّ نظريته في المعرفة تُدْخِلُ أسسَ العقل البشري نفسَها في الدائرة النسبية، جاعلة من النسبية السابقة نفسها نسبية، بما أنّ نسبية الأنماط الاجتماعية هي نتاج لنسق من المقولات التي لا تحظى بالصدق إلا بالنسبة لنمط اجتماعي مخصوص. ويمكن تسمية هذا المذهب بـ”أحادية تصورية اجتماعية” (Solipsism Social) إنها تتضمن كلّ النتائج الشكية المعروفة جيداً في حالة الأحادية التطورية الفردية. وباختصار، إنها استدلال بالعبث (Parsons 1968, p. 447). إنّ انتقادات بارسونز التي اتّهمت نظرية المعرفة لدى دوركهايم بكونها دائرية وأحادية التصور، وهي انتقادات مستلهمة نفسها من دينيس وشارل إلميرت جيلكه (Dennes 1924 ; Gehlke 1915)، كان لها تأثير كبير جداً.

ومن جهته، يعكس لاكابرا الاتجاه العام بفشله في التمييز بين علم اجتماع المعرفة لدى دوركهايم ونظريته في المعرفة، وبين المقولات والتمثلات الجماعية. إذ يؤكد أنّ “التمثلات الجماعية”، كما يستخدمها دوركايم، تبدو كأنها تغطي كلّ شيء، من السلوك اللفظي المشترك القائم على المعتقدات المتجذرة بعمق إلى بعض الأفكار النظرية الدقيقة إلى هذا الحدّ أو ذاك، مروراً ببعض ”الإيديولوجيات المبنية” (LaCapra 1972, pp. 265-266). هكذا يستنتج: “للأسف، عندما وَثِقَ دوركهايم بشيء يتميز بهذا القدر من انعدام الفعالية؛ أي الميتافيزيقا الاجتماعية، فإنه أفسد في آن واحد ذكاءه الكبير والكثافة الروحية الأصيلة التي كانت تحركه. فقد كنا نأمل منه القيام بمحاولة أكثر إقناعاً لبناء تركيبة بين العناصر غير المنظمة للتجربة الحديثة والأشكال الرمزية الفاقدة القيمة الموروثة (LaCapra 1972, p. 281).

ومن المألوف أيضاً الحكم على نظرية المعرفة على أساس نصوص لا علاقة لها بها. هكذا ركّز النقاد الأوائل، أمثال جيلكه (Gehlke 1915) وإدوارد شاوب (Schaub 1920) ودينيس (Dennes 1924)، على مقال نشر قبل الأشكال الأوليّة بأربع عشرة سنة، وهو ”التمثلات الفردية والتمثلات الجماعية” (Durkheim 1953)، وهو مقال تضمن نقداً لوليام جيمس، ولم يكن عرضاً لنظرية دوركهايم في المعرفة (Rawls 1996a). إنّ أحد الأعمال المخصّصة لنظرية المعرفة الدوركهايمية (دوركايم، برنار ونظرية المعرفة، لبول هيرست (Hirst 1975) يقترح تحليلاً لتلك النظرية بالاعتماد على كتاب قواعد المنهج في علم الاجتماع الذي لا يبني فيه دوركهايم استدلاله حول أسس المعرفة. وكما هو متوقع، يعلن هيرست أنّ وجهة نظر دوركهايم لا يمكن الدفاع عنها: ”إنّ نظرية المعرفة المبنية في كتاب قواعد المنهج في علم الاجتماع مستحيلة” (Hirst 1975, p. 5). يشير ألكوك (Allcock 1983)، أحد القلائل الذين دافعوا عن نظرية المعرفة لدى دوركايم، إلى سيادة الموقف المتمثل في استخراج هذه النظرية من الأعمال التجريبية الأولى لدوركايم بدل استنباطها من أعماله الأخيرة. لكن للأسف، عوض أن يستند ألكوك على كتاب الأشكال الأوليّة، يعتقد أنّ الدروس في البرجماتية هي التي تمثل أفضل مصدر للإحاطة بنظرية المعرفة لدى دوركايم، وهو ما يخلق مشاكل جديدة بما أنّ تلك النظرية لا توجد في تلك الدروس.

ويترجم لويس كوزر (Coser 1971, p. 140) الشعور العام عندما يؤكد أنه على ضوء النقاشات النقدية المتأخرة للأطروحة، “فإنّ دوركهايم لم ينجح في إقامة الأصول الاجتماعية لمقولات الفكر”، وإنه من الأهمية إدراك أنه مع ذلك ساهم بقوة في علم اجتماع المعرفة. إنّ الرسالة التي تتردد هي أنّ دوركهايم حتى وإن فشل فشلاً ذريعاً في تأسيس نظرية للمعرفة، فإنّ أعماله التجريبية وعلم اجتماع المعرفة عنده تعتبر أعمالاً ناجحة.

في مقدمته لترجمة كتاب قواعد المنهج في علم الاجتماع، يُعبِّر لوكس (Lukes 1982) عن اعتقاده بأنّ نظرية المعرفة لدى دوركهايم تركز على الرموز دون أن تبدي اهتماماً مماثلاً ببعدها الهرمينوطيقي. هذه المماثلة بين علم اجتماع المعرفة ونظرية المعرفة مماثلة مؤسفة لأنها جعلت لوكس يؤكد أنّ دوركهايم أهمل بعد المعنى أو الهرمينوطيقا. وهذا يخفي على الملاحظ أنّ المشكلة الأساسسية التي تدرسها نظرية المعرفة الدوركهايمية هي المعقولية*.

صحيح أنّ الطريقة التي يعالج بها دوركهايم مسألة المعنى لا تصبح لهذا السبب هيرمينوطيقية: يعتقد مؤلف الأشكال الأوليّة أنّ تأسيس مقولات فكرية صادقة تجريبياً جَنَّبَهُ، على المستوى الإبستمولوجي، مشكلة انعدام التحديد ومشكلة التأويل. فإذا لم تخضع المقولات للتأويل لن يكون للهيرمينوطيقا وجود. هذه النقطة لم يلاحظها لوكس، ولذلك أَوَّلَ مقاربة دوركهايم كما لو ”أملاها الهوَسُ بتصوّرٍ ”مطلق” للموضوعية لا يمكن أن يكون سوى تزكية عقيمة للعلوم الإنسانية (Lukes 1982, p. 15).

إنّ المعلقين الذين أيدوا نظرية المعرفة لدى دوركهايم أنفسهم أَوَّلُوهَا عموماً انطلاقاً من نزعة سوسيوبنائية مثالية ليس لها في الحقيقة من معنى سوى بالنسبة لعلم اجتماعه المعرفي. ويرجع تقييمهم الوضعي فقط إلى كونهم سوسيوبنائيين أو برجماتيين يقبلون فكرة أنّ المعرفة غير محدَّدة. ويُعدّ غريغوري ستون وهارفي فاربرمان (Stone & Farberman 1967) من بين المدافعين الأوائل في أمريكا عن دوركهايم برجماتي مثالي. وعلى الرغم من كونهما يؤكدان ابتعادهما الجذري عن الدراسات السابقة لدوركايم، فإنهما يتبعان الاتجاه العام ما داما يخلطان بين نظرية المعرفة وعلم اجتماع المعرفة، الشيء الذي أدى بهما إلى الاعتقاد أنّ دوركهايم ”كان متردداً ومشوش الذهن وهو يبحث عن نظرية جديدة للمعرفة، وضمنياً عن أنطولوجيا جديدة” (Stone & Farberman 1967, pp. 163-164). لقد كانا يعتقدان أنّ مثاليته المزعومة كانت توجّهه نحو البرجماتية.

الفكرة القائلة إنّ هذه المثالية هي أهمُ بُعْدٍ في عمل دوركهايم أصبحت مؤخراً فكرة شعبية للغاية. فقد دافع عنها جيفري ألكسندر (Alexander 1988) وراندال كولينس (Collins 1988) في ميدان الدراسات حول الثقافة، ودافع عنها ستييبان ميستروفيتش (Metrovic 1988, 1993) وجينيفر ليمان (Lehmann 1990) في ميدان المثالية بعد بنيوية، ودافع عنها تيري غودلوف (Goodlove 1989) في ميدان الدراسات الدينية، ودافع عنها في ميدان اجتماع العلوم ديفيد بلور (Bloor 1982) وآخرون، الذين أولوا علم اجتماع المعرفة الدوركايمي كنزعة سوسيوبنائية سبقت الدراسات المعاصرة في الممارسة العلمية.

وعندما أَوَّلَ ريتشارد هيلبرت دوركهايم وهارولد غارفينكل كسوسيوبنائيين، فقد ساير هذا التوجه المعاصر نحو التأويل المثالي لنظرية المعرفة الدوركهايمية. إذ يرى أنه لا يصعب على المرء أن يدرك لماذا أقام دوركهايم تكافؤاً نهائياً [بين المجتمع والأفكار] (Hilbert 1992, p. 78) إذ يعتبر هيلبرت بالفعل أنّ نظرية المعرفة لدى دوركهايم تقتضي مجموعة من الأفكار المحددة اجتماعياً التي تحدّد حقلَ التجربة. والممارسات، حسب رأيه، ليست أكثر من ”أساليب” ماهرة لبناء مجاري الفعل الاجتماعي. في الواقع، لا توجد في الممارسات دوافع ضمنية وإنما دوافع ظاهرة فقط: “يُلاَحَظُ في التدبير الماهر للتعبيرات الفهرسية طريقة جماعية للحفاظ على مظهر الدوافع الضمنية الثابتة نسبياً (Hilbert 1992, pp. 51, 56, 66, 75, 91). من وجهة النظر هذه، يتوقف الطابع المتخيل لواقع مستقر على الإكراه الذي تمثله، حسب هيلبرت، المقولات المثالية مادامت هذه الأخيرة من ”صنع” المجتمع (Hilbert 1992, p. 78)، فهي لا تطابق أي واقع تجريبي، ولا يمكن اختبار أي واقع. فالحقيقة تتوقف كلها إذن على المقولات المثالية الفاعلة في كلّ مجتمع مدروس. يبدو أنّ هيلبرت لم يلاحظ أنّ قراءته لدوركهايم تستلزم غياب كلّ معيار مستقل للحقيقة. إنّ تأويله المثالي يتعارض كُليّاً مع نظرية المعرفة الدوركهايمية التي كانت على العكس من ذلك تسعى إلى تحديد معايير للحقيقة.

على الرغم من أنّ كولينس ساهم مساهمة ملحوظة في الدراسات الحديثة حول دوركهايم بتأويله التفاعلي لنظرية الممارسة لدى هذا الأخير، وعلى الرغم من أنه دافع عن المكانة المركزية التي يشغلها علم اجتماع المعرفة لديه بالنسبة للنظرية الاجتماعية المعاصرة، فإنه يتبنّى التأويل المثالي لنظرية المعرفة، ويؤكد كولينس بهذا الصدد أنّ كتاب الأشكال الأوليّة عانى عموماً من إهمال الباحثين المختصين في دوركايم: “ماذا تُرِكَ جانباً؟ عموماً، يبدو لي أنّ ما تُرِكَ يشكل أهمَّ جزء في عمل دوركايم. فقد تمّ اعتبار أهمّ كتبه، الأشكال الأوليّة للحياة الدينيّة… كمؤلف متخصّص موجّه لعلماء اجتماع الأديان، حتى وإن كانت تتمّ الإحالة أحياناً (وغالباً بطريقة نقدية جداً) إلى نظريته السوسيواختزالية للمعرفة (Collins 1988, p. 108). يعتقد كولينس، كما اعتقد ستون وفابرمان قبله، أنّ نظرية دوركهايم المعرفية ”شكل من الاختزالية الاجتماعية”. كما يعتقد أنّ الأهمية الأساسية لأعمال دوركهايم تكمن في وجاهتها الكبرى بالنسبة للدراسات حول الثقافة.

كما أنّ غولدلوف نفسه، الذي ناقش بشكل مباشر تحليل أصل مقولات الفهم في الأشكال الأوليّة، يخلط علم اجتماع المعرفة بنظرية المعرفة. إذ يؤكد على أنّ نظرية المعرفة ”المثالية” لدوركايم مبنينة جيداً لدرجة لا يقبل بها النقاد، وعلى أنّ دوركهايم كانت له أسباب وجيهة لمحاولة ”زرع البنية النموذجية للمقولات على خصائص موضوع موجود خارج العالم” (Goodlove 1986, p. 385 التشديد في النص الأصلي). فحسب غولدلوف، ”عاد دوركهايم إلى المثالية، لأنه رأى فيها وسيلة للخروج مما كان يعتبره المأزق التجريبي-القبلي” (Goodlove 1986, p. 390). ويزعم غولدلوف أنه لمواجهة النقد التجريبي، خلص دوركهايم إلى أنه لا يمكن أن يكون للمقولات سوى أصل غير تجريبي، أي ”مثالي”.

إنّ النقد الذي وجّهه دوركهايم للنزعة التجريبية أدقّ ممّا تصوّره غولدلوف. أمّا نظرية المعرفة الدوركهايمية، فإنها تجريبية كليّاً، بالمعنى الذي يدرك به دوركهايم الممارسات الاجتماعية كظواهر ملموسة، مرئية وجاهزة، وليست مثالية. لقد أشار غولدلوف إلى أهمية التمييز بين علم اجتماع المعرفة ونظرية المعرفة، لكنه خلط بينهما. فقد أَوَّلَ نظريةَ دوركهايم في المعرفة بلغة مثالية، أي كاستبدال التجريبي بالمثالي، وهي لغة لا تلائم سوى علم اجتماع المعرفة. ويستنتج غولدلوف في الأخير:

أنّه على الرغم من أنّ دوركهايم أبان عن وعي تام بالمشكلة التي كانت تطرحها نظريته السوسيولوجية نسبياً على قضية أسس المعرفة، فإنّ جميع محاولاته إيجاد حلول لها باءت بالفشل الذريع (Goodlove 1986, p. 400). ويضيف في أحد هوامش مقاله أنّ ”الحجج التي تبرهن على هذا الفشل تمّ جردها مرات عديدة يبدو معها من غير المفيد ذكرها مرّة أخرى” (Goodlove 1986, p. 400, n. 28).

الخلاف حول ”دُورْكَايْمَيْنِ”
إنّ هذا الإحباط الكبير إزاء باحث عرف تخصصه المعرفي تطورات كثيرة وأثارت أعماله كلّ هذا الاهتمام بعد قرن من نشرها يستحق تفسيراً. هذا التفسير يرتبط بالتاريخ المعقد للتأويلات الخاطئة لعمل دوركهايم ولردود الفعل التي أثارها، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا. فقد سار النقاد منذ البداية في الطريق الخطأ، معتبرين دوركهايم مثالياً، خالطين نظريته المعرفية بعلم اجتماعه المعرفي. وانطلاقاً من هذه اللحظة، شكلت الدراسات التي تناولت دوركهايم نقاشاً بين تأويلات خاطئة لم تقم أيّ واحدة منها بإعادة النظر في الوصف الأول لدوركهايم كمثالي.

كانت التأويلات الأوروبية والأمريكية لعمل دوركهايم خلال الجزء الأكبر من القرن العشرين متنافرة جداً: فقد أوّل الأوروبيون دوركهايم اعتماداً على المثالية والبنائية الاجتماعية، بينما تطوّر في الولايات المتحدة وبريطانيا تأويل وظيفي ووضعي استناداً إلى أعماله الأولى. لكن تجدر الاشارة إلى أنّ المعلقين الأوائل لدوركايم، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة، كانوا مجمعين على تأويل أعماله، على ضوء كتاباته المتأخرة ككتاب الأشكال الأوليّة، كأعمال مفكر مثالي أو سوسيوبنائي (Dennes 1920; Gehlke 1915; Lévy-Bruhl 1922) ولم يظهر تباين التأويلات إلا ابتداء من سنوات الثلاثينات، عندما ظهرت القراءة الوضعية في الولايات المتحدة. إذ ظلت أوروبا تعترض على تأويل دوركهايم الأول كمثالي، ومارس دوركهايم تأثيره على الأنتروبولوجيا واللسانيات وعلم الاجتماع انطلاقاً من منظور مثاليته المزعومة.

أمّا في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد اتخذت الدراسات حول دوركهايم منحى مختلفاً، وذلك انطلاقاً من اللحظة التي بدأ فيها الابتعاد عن البرجماتيين وبعض المفكرين الاجتماعيين الآخرين الذين رأوا في دوركهايم مفكراً مثالياً في العقدين الأولين من القرن العشرين (Rawls 1996a). هكذا إذن بدأت في ثلاثينات القرن العشرين، وخصوصاً بفضل ما بذله تالكوت بارسونز من مجهودات لتحرير العمل الدوركايمي من التأويل المثالي الذي سجن فيه، تنتشر قراءة جديدة لدوركايم تجعل منه مفكراً وظيفياً ووضعياً. يكتب بارسونز في هذا السياق: “قضيت سنة بين عامي 1924-1925 طالباً باحثاً في علم الاجتماع في جامعة لندن للاقتصاد […] كان دوركهايم بالطبع مشهوراً في إنجلترا وأمريكا، لكن النقاشات كان معظمها منافياً للصواب: إذ كانت تعتبره مَدّاحَ النظرية ”الخرقاء للعقل الجمعي” (Parsons 1968, p. Vii).

رغم أنّ بارسونز يتهم بإلحاح نظرية المعرفة وعلم اجتماع المعرفة لدى دوركهايم بالمثالية، فإنه ليس هو من دشن هذه القراءة لدوركايم. وسيكون من الأصح القول إنّ بارسونز انقاد إلى صياغة تأويل وضعي لعمل دوركايم، باذلاً جهوده لتخليصه من التأويل المثالي الذي وجده مترسّخاً. فحسب وجهة النظر التي حاول الدفاع عنها، كان يجب تأويل أعمال دوركهايم ”الأول” بلغة وظيفية ووضعية ومختلفة كليّاً عن أعماله ”اللاحقة” التي كان ينبغي الاستمرار في فهمها كتعبير عن علم اجتماع مثالي للمعرفة. في الولايات المتحدة، هذا التأويل الذي قسّم أعمال دوركهايم إلى جزء أول وضعي وجزء ثانٍ مثالي (وهو تأويل يُسمّى عادة ”فرضية الدوركايمين”) منع الباحثين إلى وقت متأخر من القيام بفحص جدّي لأعمال المرحلة الأخيرة.

خلال المدة ما بين ثلاثينات وثمانينات القرن العشرين، آمن الأوروبيون بـ”وجه” واحد للعمل الدوركهايمي، بينما آمن الأمريكيون بالوجه الآخر. فعندما يؤول الأوروبيون دوركهايم كمثالي، يؤكد الأمريكيون على البعد الوظيفي والوضعي لعمله. وبعد الثمانينات، مع أفول تأثير بارسونز، انتقل الإيمان الأمريكي من دوركهايم ”المرحلة الأولى”، المفضّل لدى بارسونز، إلى دوركهايم ”المرحلة الثانية” الذي قلل بارسونز من قيمته. هذا الاكتشاف الجديد في الولايات المتحدة لدوركايم ”المرحلة الثانية” أدّى إلى تزايد الاهتمام بعلم اجتماع المعرفة أو بعلم اجتماع الثقافة لدى دوركايم، وكذلك بالنظرية الاجتماعية الأوروبية التي تأسست على أساس تأويل مثالي لأعمال دوركهايم. ومع هذا، فإنّ ذلك لم يُطْرَحْ للتساؤل فرضية بارسونز حول الدوركايمين ولا التأويل الأصلي لدوركهايم كمثالي.

هكذا نرى أنّ التأويل الأول لكتاب الأشكال الأوليّة كعمل مثالي يوجد في قلب المشكلة. إذ بسبب هذا التأويل الأول، الخاطئ مع الأسف، ابتكر بارسونز فرضية الدوركايمين، وكان يهدف بذلك إلى تجنّب النتائج المترتبة على قبول تأويل مثالي لأعمال دوركايم. ولم تفعل إعادة الاكتشاف المعاصرة لدوركايم ”ثقافي” سوى إحالة الباحثين على الفهم الأول الخاطئ لأعماله، الذي أدّى بعلماء الاجتماع الأمريكيين والبريطانيين في العشرينات إلى اعتبار عمل دوركهايم عملاً غير مقبول (باستثناء جماعة صغيرة من علماء الاجتماع البرجماتيين في جامعة شيكاغو). ولم يصبح دوركهايم مفكراً شعبياً في الولايات المتحدة إلا بعد أن أجرى بارسونز تمييزه بين المرحلتين ”الأولى” و”الثانية”، متخلصاً من الأطروحات المتعلقة بنظرية المعرفة وعلم اجتماع المعرفة لصالح تأويل وظيفي ووضعي.

في الولايات المتحدة، تعتمد أطروحة الدوركايمين عموماً على تحليل بارسونز المتضمن في كتابه بنية الفعل الاجتماعي. ويستحضر بارسونز في هذا الأخير حكماً مسبقاً أنجلوأمريكياً ضدّ المثالية: “إنّ النزوع الفرداني للتقليد الذي يهيمن على الفكر الوضعي الأنجلوأمريكي أدّى إلى إلصاق نعت ”مثالي” بكل نظرية يعتقد أنها تعيد النظر في ذلك التقليد، وبالتالي أدّى إلى إدانتها كنظرية ”ميتافيزيقية”. وقد بدا ذلك واضحاً في حالة دوركهايم بالخصوص، والنتيجة هي أنّ معظم الباحثين ما زالوا يعتبرونه إلى اليوم منظر التصور ”الأخرق” و”الميتافيزيقي” للعقل الجمعي (Parsons 1968, p. 307).

إلا أنه رغم مهارة بارسونز في إظهار الطابع المجحف للرفض الذي تعرّضت له نظرية دوركهايم المثالية، فإنه لم يسعَ إلى معارضة التأويل المثالي. بل إنه يقترح بالأحرى أنّ السبب الوحيد الذي جعل آخر أعمال دوركهايم يحمل تلك الخاصية هو أنه ظل ناقصاً بسبب موت مؤلفه المبكر (Parsons 1968, p. 304). الشيء الذي يعني ضمنياً أنّ دوركهايم لم يكن ليترك عمله في هذه الحالة المثالية لو بقي أمامه وقتٌ كافٍ. لكنّ هذا التفسير ليس مقنعاً، نظراً لأنّ خمس سنوات تفصل بين تاريخ نشر كتاب الأشكال الأوليّة وتاريخ وفاة دوركايم، وهي سنوات قضاها في تأكيد موقفه المثالي المزعوم.

لكن للأسف، ضحّى بارسونز بكتاب الأشكال الأوليّة لينقذ ما تبقّى من عمل دوركهايم من الحكم المسبق ضد مثالي. إذ كان يؤكد أنّ دوركايم، ”وهو يحاول تجنّب رعب النزعة الوضعية، أخطأ الهدف وغرق كليّاً في المثالية” (Parsons 1968, p. 445). فلكي يحمي علم الاجتماع من هذا التأثير المثالي، طالب بارسونز بالتركيز على ما يعتبره دوركهايم الوضعي الوظيفي المرتبط بأولى الدراسات الاختبارية. ”وجد علم الاجتماع الدوركايمي نفسه في مرحلته الأخيرة أمام مفرق الطرق هذا. إنّ الطريقين معاً يمكنان من الإفلات من الوضعية، لكن تبعاً لتوجه الفكر السوسيولوجي المدروس في كتاب بارسونز، وخصوصاً في الجزء الموالي، ينبغي اعتبار المرحلة المثالية كمرحلة ضلال، كمأزق (Parsons 1968, p. 447). ونتيجة لذلك لم يكن لكتاب الأشكال الأوليّة تأثير كبير على تطور النظرية السوسيولوجية الأمريكية. كان لمحاولة بارسونز التمييز بين المرحلة الأولى والمرحلة الثانية من عمل دوركهايم تأثير قوي على القرارات اللاحقة لكتاب الأشكال الأوليّة. فحسب لاكابرا: ”يرى بارسونز في كتابه الضخم بنية الفعل الاجتماعي أنّ فكر دوركهايم يشق له طريقاً متعرجاً يوجّهه نحو نظريات إراديّة أخرى للفعل، كما يرى أنّ فكر دوركهايم يهيمن عليه توتر غير محلول بين وضعية مرحلته الأولى ومثالية سنواته الأخيرة” (LaCapra 1972, p.5).

بدأت الإحالة إلى ”دوركهايمين اثنين” تظهر منذ بارسونز بانتظام في الأعمال حول دوركهايم (Parsons 1968; Stone & Farberman 1967; Hughes 1977; Coser 1971; Lukes 1973; LaCapra 1972; Fenton 1984; Alexander 1988). كتب جيفري ألكسندر (Alexander 1988, pp. 10-11) أنه ”حتى وإن كان بعض القراء لا يوافقون على ذلك (Traugott 1978; Giddens 1977) فإنّ عدداً متزايداً من الناس يتفقون على كون علم الاجتماع الدوركهايمي شهد في مرحلته الأخيرة تغييراً حاسماً في وجهته”.

يتبنّى ستيوارت هيوغس في كتابه الوعي والمجتمع، أطروحة الدوركايمين، عارضاً تأويلاً لتطور فكر دوركهايم اعتماداً على النص البارسونزي: ”في حالة دوركايم، سجّلت المواجهة مع الدين بداية انتقال بطيء نحو فهم جديد وأعمق لموضوع دراسته، لكنّ هذا الانتقال جاء متأخّراً، ولم يتمكن دوركهايم من مراجعة بحوثه مراجعة كُليّة كما كان يتوقع” (Hughes 1977, p. 284).

يظهر تأثير بارسونز واضحاً على هيوغس بهذا الصدد، كما في هذا المقطع الذي يستشهد فيه هيوغس ببارسونز: “فضلاً عن ذلك، انقاد دوركهايم إلى التأكيد على أنّ المجتمع يوجد ”فقط في أذهان الأفراد. لقد أراد تجنّب صعوبات النزعة الوضعية”، لكنه ”أخطأ الهدف” و”غرق في المثالية”. إنها نتيجة مثيرة للسخرية بالنسبة لرجل بدأ بمحاولة تحديد المجتمع كـ”أشياء” (Hughes 1977, p. 285). يفسّر هيوغس أنّ دوركهايم لم ينجح أبداً في حلّ هذا التناقض.

لكن بمعنى أكثر فلسفية، لم يفصح عمله أبداً عن توجّه واضح، إذْ ظلّ تناقض مركزي يرافقه إلى نهايته: كانت توجد لغة وضعية وبحث عن نسق من ”القواعد الأمرية” التي رأى فيها النقاد الآثار الأخيرة لميتافيزيقا أوغست كونت. وصاحب ذلك رغبة في إيجاد تفسيرات بسيطة وأحادية. وفي الوقت نفسه، كان يوجد تعريف روحي واسع جداً للواقع الاجتماعي، تعريف يتميز بوضوح تضميناته المثالية والتسامحية والتعددية. ولم يتوصّل دوركهايم أبداً إلى القيام بتركيب نهائي لهذين البُعدين من مذهبه” (Hughes 1977, p. 286).

أوصى بارسونز بعدم اتباع الطريق التي رسمها دوركهايم المرحلة الأخيرة، ومَحْوَرَ علمَ اجتماعه حول ما كان يعتبره دوركهايم الأول، الوظيفي و”الوضعي”. وهذا ما أثار في الولايات المتحدة اهتماماً كبيراً جداً بدوركهايم الوظيفي، وأدّى إلى إهمال علم اجتماعه المعرفي ونظريته في المعرفة.

لكن ما حصل في أوروبا مختلف جداً، حيث كان تأثير دوركهايم المرحلة الأخيرة واضحاً، وهي المرحلة التي تطابق نظرية دوركهايم المعرفية؛ أي منطق المفاهيم الذي تضمنه سنة 1912 الفصل الأخير من الأشكال الأوليّة، وكذلك الفصل الحادي عشر من الدروس حول البرجماتية في سنتي 1913و1914، الذي تحتويه أيضاً المناقشات المطولة حول التصنيف والطوطمية التي اعتبرت عن خطأ ”أنساقاً” من الأفكار. إنّ التأويل الأول لليفي- برول لنظرية المعرفة الدوركهايمية كفلسفة لمنطق المفاهيم المجردة أثّر بشكل كبير على كلود ليفي-ستروس الذي أدمج وجهة النظر تلك في بنيويته التي أثرت بدورها بقوة على تطور البنيوية الفرنسية. كما أنّ ما بعد البنيوية ورثت هي أيضاً التأويل الذي جعل من نظرية المعرفة نسقاً من المعتقدات.

كما أثرت نظرية المعرفة الدوركهايمية إلى حدٍ ما على النظريات السميولوجية لفيرديناند دي سوسير (Jameson 1972; Aarsleff 1982; Alexander 1988). يعتقد فريديرك جيمسون أنّ التمييز الذي أجراه دي سوسير بين اللغة والكلام مستلهم من دوركايم: “يمكن قياس المزايا النظرية لهذا النموذج الجديد، إذا قارناه بما يبدو أنّ مصدره في علم اجتماع دوركهايم (Jameson 1972, p. 27).

ويستشهد فريديرك جيمسون أيضاً في هذا الخصوص بدوروزيفسكي (Doreszewski 1933, pp. 82-91 ) وروبير غوديل (Godel 1957, p. 282): “إنّ إلحاح دوركهايم الأخير على الطبيعة التمثيلية للوقائع الاجتماعية يشبه كثيراً مفهوم العلامة عند دوسوسير… لكنّ الدلالة الحقيقية لفكر دوركهايم، وهو يحاول فصل الشخصي والفردي عن الموضوعي والاجتماعي، تتوافق مع التمييز الدوسوسيري بين اللغة والكلام (Jameson 1972, p. 29).

إنّ هذه المرحلة الأخيرة من أعمال دوركهايم، المعترف لها بأهمية بالغة في أوروبا، حظيت باهتمام معاصر في الولايات المتحدة. فقد فقدت الوظيفية اليوم خطوتها إلى حدٍ ما، وتوجّه عموم الباحثين في أمريكا إلى اعتبار أنّ المثالية الظاهرة للأعمال الأخيرة الدوركهايمية هي التي تمثل دوركهايم ”الحقيقي”. وهذا سبب اعتبار تلك الأعمال في الوقت الراهن حاسمة بالنسبة لعلم الاجتماع أكثر من أعمال المرحلة الأولى. وهكذا فإنّ أهم الباحثين الذين يجدون أنفسهم في المقاربة السوسيوبنائية، وخصوصاً في مجال دراسة العلم والثقافة، جعلوا طيلة العقود الأخيرة من علم اجتماع المعرفة الدوركهايمي، كما عرضه في كتابيه الأشكال الأوليّة وفي بعض الأشكال البدائيّة للتصنيف، فكراً رائداً مهماً لموقفهم الخاص. ولمّا كان كثير من علماء الاجتماع خلال المرحلة ما بعد وضعية قد انتقلوا إلى دراسة الثقافة، منخرطين بذلك في مأزق ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية والسميولوجيا، فإنّ البراهين الدوركهايمية المتعلقة بأهمية التمثلات الجماعية أضفت راهنية كبيرة على دوركهايم المرحلة المتأخرة.
يؤكد ألسكندر (Alexander 1988) وكولينس (Collins 1990) أنّ هذه المدارس الفكرية الجديدة تطورت بالاعتماد على دوركهايم المرحلة الأخيرة. يكتب ألسكندر (Alexander 1988, pp. 10-11) بهذا الخصوص: “من دون شك، إنّ الاعتراف بخصوصية هذه الأعمال الأخيرة هو ما مكن الدراسات المعاصرة حول الثقافة من أن تحظى بجذور دوركايمية”. ويضيف: “يمكن لما بعد البنيوية والبحوث السميولوجية أن تعتبر عموماً، سواء على المستوى النظري أو على مستوى البحث الاختباري، تطورات على الطرق التي استصلحها علم الاجتماع المتأخر لدوركهايم. فقد بَيَّنَتْ أهميةَ علم الاجتماع الدوركهايمي المتأخر هذا بطريقة أكثر دقة، مما فعلت التخصصات التي تنتمي للعلوم الاجتماعية بمفهومها الضيق” (Alexander 1988, p. 6).

وفي السياق نفسه، يعزو ستيف فينتون (Fenton 1984, p. 1) عودة َالاهتمام بدوركهايم في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين إلى استبدال دوركهايم المرحلة الأولى بدوركايم المرحلة الثانية في الفكر السوسيولوجي الأمريكي: “كان يُعْتَقَدُ في بدايات علم الاجتماع الأمريكي أنّ كتابات دوركهايم كانت تسند للظواهر الاجتماعية واقعيةً غير مستحقة، وكان يُعْتَقَدُ بالتالي أنّ تلك الكتابات كانت تتعارض مع الفردانية الأمريكية والتقليد الإراديّ”.

علاوة على ذلك، يستشهد فينتون هنا ببارسونز(Parsons 1968)وهينكله وهينكله (Hinkle & Hinkle 1954): “تميزت عودة الاهتمام هذه بابتعاد واضح عن التأويلات القديمة التي كانت ترى في دوركهايم الحجر الأساس للنزعة الاجتماعية المحافظة. فعلى الرغم من أنّ الدراسات الجديدة لم تَتَخَلَّ عن كل الأحكام السابقة بخصوص نقط الضعف لدى دوركهايم كعالم اجتماع، فإنها على الأقل تأملت نقط الضعف من زاوية جديدة” (Fenton 1984, p. 1).

لكنّ إعادة الاعتبار للنسخة المثالية لعمل دوركهايم، حتى وإن اعْتُبِرَتْ من وجهة نظر معينة كتقدم بعد سنوات طويلة سادت فيها صورةُ دوركهايم وضعي ووظيفي ومثالي، وثنائي وعقلي وواقعي، فإنها تظلّ مع ذلك ترتكز على القراءة الخاطئة نفسها لعمل دوركهايم الذي تقسمه إلى مرحلتين: الأولى وضعية والثانية مثالية. عندما يؤكد المنظرون المعاصرون أنّ دوركهايم كان رائداً لما بعد البنيوية، وما بعد الحداثة والبرجماتية، فإنهم لا يفعلون في الأخير سوى الذهاب إلى نهايته المنطقية بالاستدلال الذي سبق أن دشنه التأويل المثالي لدوركهايم الذي نقله ليفي- برول وجيلكه ودينيس وليفي-ستروس وبارسونز، وهذا التأويل الذي استمر إلى اليوم تبعاً لسلسلة لم تنقطع تقريباً، وما زال هؤلاء المفكرون يخلطون لدى دوركهايم بين علم اجتماع المعرفة ونظرية المعرفة.

إنّ الافتتان الحالي بأعمال المرحلة ”الثانية” يتمركز حول علم اجتماع المعرفة الدوركايمي: إذ لم يعترف هذا الافتتان إلى اليوم بنظرية المعرفة لدى دوركايم. ولهذا السبب تدور النقاشات والمآزق الحالية بخصوص دوركهايم حول نقط ضعف مرتبطة بواقعة اتخاذ علم اجتماعه المعرفي كأساس إبستمولوجي ممكن لعلم الاجتماع (Bloor 1982; alexander 1988; Collins 1988; Mestrovic 1993)، حيثما ينبغي بالأحرى تأمل وظيفته ودراساته التجريبية ونظريته في المعرفة في ذاتها. وفي آخر المطاف، فإنّ هذه الرؤية لعمل دوركهايم ”تعيد اكتشاف” وجه دوركهايم الذي كان مفضّلاً دوماً في أوروبا. إنها لا تعيد التساؤل في التأويل المثالي لكتاب الأشكال الأوليّة، بل إنها تؤكد فقط على أنّ المثالية المتأخرة لعلم اجتماعه المعرفي خيار أفضل من وظيفية المرحلة الأولى. ومن باب السخرية أنّه كان ذلك هو السبب الذي جعل الاهتمام الجديد بعلم الاجتماع المعرفي لدى دوركهايم لم يفعل سوى تقوية اللامبالاة بنظرية المعرفة لديه.

مشكلة كلّ هذا النقاش هي أنه لم يوجد أبداً دوركايمان اثنان. يشكل التأويلان الأوروبي والأمريكي وجهين لتصورٍ واحدٍ ناتجٍ عن فهم سيّئ لكتاب الأشكال الأوليّة. ويرجع خطأ هذين التأويلين إلى عدم إدراك التمييز لدى دوركهايم بين نظرية سوسيوتجريبية للمعرفة وعلم اجتماع المعرفة. وهذا الأخير، إن لم يقم على نظرية المعرفة، فسيكون بالتأكيد نظرية مثالية للواقع. والحال أنّ دوركهايم كان يريد أن يُؤَوَّلَ علمُ اجتماعه المعرفي على أساس نظرية المعرفة التي أسّسها.

يرى ألكسندر(Alexander 1988, p. 6) أنه إذا كان دوركهايم المرحلة الأخيرة حاسماً بالنسبة للدراسات حول الثقافة، فينبغي لمقاربته أن تتقبّل النوع نفسه من الحدود التي تصادفها تلك الدراسات فيما يخصّ صدقها التجريبي. هذا التأكيد يتعارض بوضوح مع موقف دوركهايم فيما يتعلق بالصدق الاختباري لعمله. إذا كان صحيحاً أنّ دوركهايم مارس تأثيراً كبيراً، غير معترف به دائماً، على تطور علم اجتماع المعرفة وعلى البنائية الاجتماعية (Bloor 1982 ; Alexander 1988 ; Fenton 1984)، فإنّ تلك التيارات بعيدة جداً عن نظريته في المعرفة غير المضطرة أبداً لقبول الحدود نفسها، والالتباسات نفسها التي تقبل بها الدراسات حول الثقافة.

يرى السوسيوبنائيون أنّ علم اجتماع المعرفة الذي يقيم علاقة غير محدّدة بين الفكر والواقع، والذي لا يمكنه أن يحقق لنفسه صدقاً تجريبياً، هو أفضل نظرية للمعرفة يمكن انتظارها. ويعتقدون أنّ التوافق أو البنية الاجتماعية أو الممارسات المشتركة هي التي تحمل الأفراد على الاعتقاد في بعض الأشياء أو التفكير بطريقة محدّدة. وبما أنّ الأفراد يقتسمون المعتقدات نفسها، فإنهم يتصرّفون بطريقة من شأنها تعزيز تلك المعتقدات. إنّ التوافق الذي ينتج عن ذلك يَخْلقُ علاقةً صادقةً ظاهريةً بين الفكر والواقع، بينما يمكن ألا توجد هذه العلاقة في الواقع. وهذا ما يجعل الممارسات العلمية والفهم اليومي ممكنة إلى حد ما، لكنه يُقصي إمكانية وجود صدق تجريبي.

أمّا بالنسبة لدوركهايم، فإنّ نشأة مقولات الفهم أثناء إنجاز الممارسات تقدم حَلاً لمشكلة انعدام التحديد. صحيح أنّ دوركهايم أُعْجِبَ بمحاولة البرجماتيين تجاوز ثنائية الفكر والواقع باعتماد علاقة دينامية للفعل، لكنه لم يَتَبَنَّ أبداً النظريةَ البرجماتية للواقع الخيالي fictive reality. إذ صرّح بأنّ محاولة جيمس باءت بالفشل لكون استدلاله ظلّ فردانياً. لأنه تنبثق أثناء تدفق التجربة لحظة إشكاليةٌ، لحظة تَوَتّر. يعتقد جيمس أنّ الأفراد تجرفهم في تلك اللحظات إلى حالةِ الوعي الحاجة إلى الفعل. إنّ الفعل، أو الحاجة إلى الفعل، يُحَوِّلُ تدفقَ الواقع التجريبي إلى واقع مفهومي conceptual reality. وفي هذه الحالة ينتفي الفصل بين الفكر والواقع وينصهر الاثنان في الفعل. فإذا كان هذا التصور يتجاوز الثنائية، فإنه بالمقابل يتوصل إلى الفكرة القائلة إنّ أي فعل يمثل الحقيقة طالما يحدث نظراً، لأنه لا توجد في تلك اللحظة أية علاقة مع واقع مضمر underlying reality. أمّا بالنسبة لدوركايم، فإنّ الطريقة التي تتصور بها البرجماتية الحقيقة والمنطق والتماسك المفهومي تفتح المجال أمام الحقيقة كما يُحَدِّدُها فعلُ كلِّ لحظة على حدة. ويعتقد من جهته أنّ صدقَ المعرفة يمكن تفسيرُه، وأنّ العقلَ يمكن إنقاذُه، لكن هذا لا يمكن أن يتم إلا شريطة نَقْلِ مركزِ ثقل نظرية المعرفة من الفاعل الفردي إلى إنجاز الممارسات المشتركة (وليس إلى المعتقدات المشتركة). ويشير إلى أنّ هذا النقل، كما هو الحال بالنسبة لوليام جيمس، يطابق تركيزاً دينامياً على الفعل، مع فارق أنّ الأفعال بالنسبة لدوركهايم هي ممارسات ذات طابع جماعي محايث (أي حركات تنجزها جماعة مجتمعة)، بينما هي بالنسبة لجيمس ممارسات فردية.

إذا كان دوركهايم قد طوّر في الجزء الأخير من الأشكال الأوليّة علم اجتماع للمعرفة منسجماً مع مبادئ البنائية الاجتماعية، فإنه لم يكن يريد أبداً أن يحلّ هذا الجزء من عمله محل نظرية المعرفة. في الواقع، عكف دوركهايم بدقة، في الصفحات الخمس مائة من كتابه، على تأسيس نظرية للمعرفة تبرهن على الصدق التجريبي لمقولات الفهم الأساسية الست. بينما كان الهدف الوحيد لعلم اجتماعه المعرفي هو تفسير نشأة الأفكار بعيداً عن هذه المقولات الست الصادقة تجريبياً، وعن المعرفة المباشرة للقوة الاجتماعية التي تمثلها. لم يكن دوركهايم يبحث على أساس سوسيوبنائي لصدق المقولات: ومع ذلك، فقد فُهِمَ مشروعُه على أنه كذلك.

تهدف نظرية المعرفة الدوركهايمية إلى تسليط الضوء على العلاقة المباشرة الموجودة بين المقولات والواقع السوسيوتجريبي؛ فالمعرفة والواقع ليسا مُتَخَيَّلَيْنِ. إنّ الكوزمولوجيات متخيلةٌ، لكن يمكن في آخر المطاف اكتشافُ التشكيلات الاجتماعية التي تنتجها، نظراً لأنّ إمكانية وجود معرفة صادقة يتضمن هذا الواقع المتخيل. هكذا إذن، فإنّ علم اجتماع المعرفة الدوركهايمي لا يرتكز على نظرية مثالية للمعرفة. ذلك أنّ ”موضوعية” الواقع الاجتماعية تحظى بالنسبة لمؤلف الأشكال الأوليّة بالقدر نفسه من الأهميّة الذي كانت تحظى به بالنسبة لمؤلف قواعد المنهج في علم الاجتماع. ومن جهة أخرى، لم يكن الاستدلال أبداً ذا نزعة وضعية، بما في ذلك النصوص الأولى، على خلاف ما تؤكده أطروحة الدوركايمين، نظراً لأنّ ”المعطيات” كانت دوماً ظواهر مبنية اجتماعياً وقائمة على أساس مقولات الفكر الصادقة سوسيوتجريبياً (Durkheim 1975, p. 465). إنّ الاستدلال يكتسب مزيداً من الدقة مع نظرية إنجاز الممارسات التي يتضمنها كتاب الأشكال الأوليّة، لكنّ مضمونه لا يتغير، ولا ينتقل أبداً من موقف وضعي إلى موقف مثالي. فالمصادرة على وجود دوركهايمين لا تبدو ضرورية، إلا عندما لا يتم تناول الاستدلالات التجريبية وعلم اجتماع المعرفة مجتمعة في سياق نظرية سوسيوتجريبية للمعرفة.

للجهل بنظرية المعرفة لدى دوركهايم انعكاسات جدّية سواء على علم الاجتماع أو الفلسفة. وتبدو هذه الانعكاسات أكثر وضوحاً بالنسبة لعلم الاجتماع. ذلك أنّ القراءة الخاطئة لنظرية دوركهايم في المعرفة تؤدي مباشرة إلى قراءة خاطئة لمجموع عمل دوركايم. لقد سيء فهمُ المؤلِّف الذي يعتبره معظم علماء الاجتماع كأحد مؤسسي علم الاجتماع. فعندما قام هذ العلم على عمل دوركهايم وتجاهل نظريته المعرفية، فإنه وضع نفسه عموماً في موقف إبستمولوجي غير حصين، كما أوضح الفلاسفة ذلك مرّات عديدة (Winch 1958 ; Rorty 1979; Turner 1994). هناك نقطة مهمة أخرى، وهي أنّ العمل الذي أمكن لدوركهايم أن يعتبره عملاً مركزياً بالنسبة لعلم الاجتماع- مثلاً دراسة إنجاز الممارسات المشتركة (التفاعل)- أُبْعِدَ إلى المرتبة الثانية لفائدة البحث الهادف إلى اكتشاف ”البنيات” الدوركهايمية أو ”الوقائع الاجتماعية”، الدوركهايمية، أو منطق الأنساق المفاهيمية أو السردية.

لقد تمّ اعتماد كلّ جزء من نِصْفَيْ نظرية دوركهايم على حدة؛ في تخصصات معرفية، وتخصصات معرفية فرعية مختلفة، وفي قارتين مختلفتين، الشيء الذي حرمهما معاً من التماسك الإبستمولوجي. فمن الأهمية بمكان بالنسبة لهذا العلم في عموميته أن يعرف ما إذا كان دوركهايم يعتبر الوقائع الاجتماعية ككيانات قهرية خارجية بما هي كذلك (هكذا يُؤَوَّلُ عموماً)، أو بالأحرى كممارسات منجزة جماعياً تمارس إكراهات أخلاقية بواسطة “المشاعر” الناتجة عن هذا الإنجاز. وفي هذه الحالة الأخيرة، فإنّ تفاصيل إنجاز الممارسات المشتركة هي التي تشكل بنية الوقائع الاجتماعية، وليست المعايير والقواعد غير المرئية كما ردّدت ذلك الشروحات التقليدية. هذه المعايير والقواعد غير المرئية لا يمكن أن تظهر من خلال المفهمة المجرّدة والمنهج الكيفي والنمذجة. أمّا تفاصيل الممارسات، فلا يمكنها أن تكون موضوعاً إلا لمقاربة كيفية مفصّلة. إنّ انعكاسات ذلك على الفهم النظري لـ”البنية”، كما على المناهج التي ينبغي أن يفصلها البحث، كبيرة جداً. فلكي يكون علم الاجتماع الدوركايمي منسجماً مع نظرية دوركايم، كان يجب عليه أن يفترض وجود نظام واقعي في عملية إنجاز كلّ حالة فردية بدلاً من محاولة تأسيس توجهات تتطلب النمذجة.

مهما كانت درجة أهمية هذه الانعكاسات، فإنّ تلك المتعلقة بالفلسفة تحظى بأهمية أكبر، حتى وإن كانت أقل وضوحاً. إذا كان من الممكن إقامة نظرية معرفة صادقة تجريبياً انطلاقاً من الدراسات التي تتناول إنجاز الممارسات الاجتماعية، فينبغي، كما اعترف بذلك دوركهايم سنة 1912، إعادة النظر في نظريات المعرفة الحالية، وخصوصاً نظريات البنائيين الاجتماعيين. ينبغي لعلم اجتماع الممارسات المشتركة، ضمن هذا المنظور، أن يتخلى عن الافتتان الحالي بنظريات الممارسة القائمة على الفعل الفردي أو أنساق المعتقدات أو الباراديجم الجماعي. بل يتعيّن على علم الاجتماع أن يضع نفسه في قلب النقاش الإبستمولوجي، وأن يحدّد معايير صدقه بدلاً من أن يبقى على هامشه.

إنّ الاعتراض على نظرية المعرفة الدوركهايمية سيستمر، ويجب أن يستمر. حتى وإن كان يبدو من الممكن الدفاع عن موقف دوركهايم، فإنّ الأهم في الأخير هو اعتبار عمله كمبادرة دشّنت شكلاً مهمّاً من الاستدلال لعب دوراً مركزياً في المشروع السوسيولوجي، وإن لم يُعْتَرَفْ به علناً. سيكون من الخطأ تقييم نظرية دوركهايم على أساس الكمال الذي كان يستحيل عليه بلوغها بالنظر إلى محدوديّة مناهج البحث في تلك الفترة. فبما أنّ نظرية المعرفة لدى دوركهايم تتوقف كثيراً على التفاصيل التجريبية لإنجاز الممارسات المشتركة (التفاصيل التي تجعل من الممكن وصف إنجاز الوقائع الاجتماعية، والتي لم تساهم ممارسات البحث في تلك الفترة في تسليط الضوء عليها)، فلن يكون من المفاجئ اكتشاف بعض الثغرات في الاستدلال ودرجة معّينة من انعدام الدقة في التفاصيل. وللاقتناع بذلك، يكفي إجراء مقارنة بين الوسائل التكنولوجية الحديثة لجمع المعطيات ودقة العمل الميداني المعاصر من جهة، وغياب الاهتمام بمثل هذه التفاصيل في القرن العشرين من جهة أخرى. ولقياس الانعكاسات المحتملة لتصورات دوركهايم، ينبغي العودة إلى الدراسات الحالية التي تتناول إنجاز الممارسات الاجتماعية، وهي دراسات تعتبر عموماً كما لو أنه ليس لها؛ أيّ تأثير في نظرية المعرفة، ولا أي تأثير عام، بينما كانت هذه الدراسات تشغل مركز المشروع الدوركهايمي عندما نفهمها بطريقة صحيحة.

هناك مشكلة سيصادفها كل استدلال مصاغ انطلاقاً من النموذج الدوركهايمي، وهي مشكلة تتعلق بتطويرِ تحليلٍ يتوقف كثيراً على إنجاز ما يسمّيه دوركهايم التفاعلات الطقوسية، بينما هذا النوع من التفاعلات (إذا ما اعْتُمِدَ على الأقل تعريفٌ صوريٌ للمؤسسة) يلعب دوراً أقلَّ أهمية في المجتمعات الصناعية الحديثة. أكد منظرون معاصرون أمثال غارفينكل (Garfinkel 1988) وغوفمان (Goffman 1959) وكولينس (Collins 1988, 1990) على أنّ الأنظمة المحليّة غير الصوريّة حلت في مجتمعاتنا محل الطقوس الصوريّة كمصدر للنظام والمعنى. هكذا يمكن تأويل غوفمان كمدافع عن الاعتراف بـ”نظام تفاعل” interaction order منفصل عن الممارسات الاجتماعية المؤسساتية (Rawls 1987). وركز غارفينكل من جهته على إنتاج المعقولية في الأنظمة المحلية التي تطابق الممارسات التي تتحقق بواسطتها. أمّا كولينس، فيشير إلى أهمية ما يسمّيه ”سلسلات التفاعل الطقوسي” ritual interaction chains للحفاظ على التضامن الاجتماعي وعلى الذات عبر الزمن. وربما ينبغي تأويل الممارسات المنجزة جماعياً كما يفهمها دوركهايم بأشكال مماثلة، بحيث تكون متضمّنة لإنجازات عاديّة لـ”نظام التفاعل” في الحياة اليومية. وعلى كل حال ينبغي تميزها بشكل واضح عن أنساق المعتقدات الممؤسسة.

يعتقد دوركهايم أنّ تجربة القوة الأخلاقية هي أهم خاصيّة لإنجاز الممارسات، نظراً لأنها هي التي تسمح بتجربة المقولات الست بشكل مباشر. ويبدو أنّ الإنجاز العادي لأنظمة التفاعل المحليّة (المختلفة عن الأنظمة ذات الطبيعة المؤسساتية) تستجيب لهذا الشرط. إذ توجد بالفعل واجبات أخلاقية على مستوى ”النظام التفاعلي” حيثما يتوقف كلّ شيء على الالتزام المتبادل بإنجاز الممارسات (Rawls 1987). وذلك ما يعطي للتفاعل بُعداً أخلاقياً، وما يجعله يتضمّن الخجل والمؤاخدة والولاء (Rawls 1990)، وربما لعب الطابع المقدّس المرتبط في الأصل بالممارسات الطقوسيّة الصوريّة (الرسميّة) دوراً في نشأة مقولة التصنيف الأوليّة: إذ أدّى إلى التقسيم الأخلاقي للعالم إلى عالمين، وذلك بطريقة جعلت هذا التقسيم الأولي الأصلي يمتلك قوة أخلاقيّة، وبالتالي، صدقاً سوسيوتجريبياً. وتجدر الاشارة إلى أنّ المكوّن الرئيس للممارسات المنجزة جماعيّاً كان دوماً هو إدراك المشاركين للقوة الأخلاقيّة، وهو عنصر يمكن من حيث المبدأ فصله عن الإكراهات الدينيّة أو المؤسسيّة. إنّ تجربة الخلق المتبادل للقوة الأخلاقيّة في إنجازات الممارسات المشتركة وبواسطتها، وتجربة الواجب المتبادل لتحقيق هذا الانجاز، تميّزان معاً الممارسات التي تتمّ على مستوى ”نظام التفاعل” (Rawls 1987, 1990). إنّ تأكيد دوركهايم على أنّ الجمعيات المهنيّة يمكنها أن تلعب في المجتمعات الحديثة دوراً أخلاقيّاً مكافئاً للدور الذي تلعبه الطقوس الطوطميّة في المجتمعات التقليديّة يسير في الاتجاه نفسه.


المراجع:
– Aarsleff, Hans. 1982. From Locke to Saussure. Minneapolis: University of Minnesota Press.
– Alexander, Jeffrey C. 1982. The Antinomies of Classical Thought: Marx and Durkheim. Berkeley and Los Angeles: University of California Press.
– Alexander, Jeffrey C., ed. 1988. Durkheimian Sociology: Cultural Studies. Cambridge: Cambridge University Press.
– Alexander, Jeffrey C., and Steven Seidman, eds. 1990. Culture and Society. Cambridge: Cambridge University Press.
– Allcock, John, ed. 1983. Introduction to Emile Durkheim’s Pragmatism and Sociology. Cambridge: Cambridge University Press.
– Bloor, David. 1976. Knowledge and Social Imagery. London: Routledge & Kegan Paul.
– Bloor, David. 1982. “Durkheim and Mauss Revisited: Classification and the Sociology of Knowledge.” Journal of the History and Philosophy of Science 13 (4):267-97.
– Bloor, David. 1983. Wittgenstein: A Social Theory of Knowledge. New York: Columbia University Press.
– Collins, Randall. 1988. “The Durkheimian Tradition in Conflict Sociology.” Pp. 107- 28 in Durkheimian Sociology: Cultural Studies, edited by Jeffrey C. Alexander. Cambridge: Cambridge University Press.
– Collins, Randall. 1990. “Ritual Interaction Chains.” Symbolic Interaction 12 (1): 1-32.
– Coser, Lewis A. 1971. Masters of Sociological Thought: Ideas in Historical and Social Context. New York: Harcourt.
– Cuvillier, Armand, ed. 1955. Introduction to mile Durkheim’s Pragmatism and Sociology. Cambridge: Cambridge University Press.
– Dennes, W. R. 1924. “The Methods and Presuppositions of Group Psychology.” University of California Publications in Philosophy 6 (1): 1-182.
– Doroszewski, W. 1933. “Quelques remarques sur les rapports de la sociologie et de le linguistique: Durkheim et F. de Saussure.” Journal de Psychologie 30:83-91.
– Durkheim, Emile. (1892) 1960. Montesquieu and Rousseau. Ann Arbor: University of Michigan Press.
– Durkheim, Emile. (1893) 1933. The Division of Labor in Society, translated by George Simpson. New York: Free Press.
– Durkheim, Emile. (1895) 1982. The Rules of the Sociological Method, translated by W. D. Halls, edited by Steven Lukes. New York: Free Press.
– Durkheim, Emile. (1897) 1951. Suicide: A Study in Sociology, translated by John A. Spaulding and George Simpson. New York: Free Press.
– Durkheim, Emile. (1898) 1953. “Individual and Collective Representations,” translated by D. F. Pocock. In Sociology and Philosophy. Glencoe, Ill.: Free Press.
– Durkheim, Emile. 1912.Les Formes e’le’mentaires de la vie religieuse: Le Systime totémique en Australie. Paris: Librairie Felix Alcan.
– Durkheim, Emile. (1912) 1915. The Elementary Foms of the Religious L$e. New York: Free Press.
– Durkheim, Emile. (1912) 1995. The Elementary Forms of Religious Life, translated by Karen Fields. New York: Free Press.
– Durkheim, Emile. (J913) 1960. “Dualism of Human Nature and Its Social Conditions.” Pp. 325- 40 in Emile Durkheim, edited by Kurt H. Wolff. Columbus: Ohio State University Press.
– Durkheim, Emile. (1913-14) 1955. Pragmatism and Sociology, translated by J. C. Whitehouse, edited by,John B. Allcock. Cambridge: Cambridge University Press.
– Durkheim, Emile, and Marcel Mauss. (1901) 1963. Primitive Classification, translated and edited by Rodney Needham. Chicago: University of Chicago Press.
– Fenton, Steve, with Robert Reiner and Ian Hamnett. 1984. Durkheim and Modern Sociology. Cambridge: Cambridge University Press.
– Feyerabend, Paul. 1975. Against Method. London: NLB.
– Frazer, John George. 1887. Totemism. Edinburgh.
– Frazer, John George. 1889. “The Origin of Totemism.” Fortnightly Review 65:647-65.
– Frazer, John George, 1910. Totemism and Exogamy. London: Macmillan.
– Fuller, Steve. 1989. Philosophy of Science and Its Discontents. San Francisco: Westview.
– Garfinkel, Harold. 1988. “Evidence for Locally Produced, Naturally Accountable Phenomena of Order, Logic, Reason, Meaning, Method, etc., in and as of the Essential Haecceity of Immortal, Ordinary Society.” Sociological Theory 6 (1): 103-9.
– Gehlke, Charles Elmer. 1915. “Emile Durkheim’s Contribution to Social Theory.”
– Columbia University Studies in Economics, History, and Public Law 63 (1): 7-187.
– Giddens, Anthony. 1971. Capitalism and Modern Social Theory. Cambridge: Cambridge University Press.
– Giddens, Anthony. 1977. “The Individual in the Writing of c mile Durkheim.” Pp. 273-91 in Studies in Social and Political Theory. New York: Basic Books.
– Godel, Robert. 1957. Addendum to Les Sources manuscrites du cours de linguistique ge’ne’rales de F. de Saussure. Geneva: Droz.
– Godlove, Terry. 1986. “Epistemology in Durkheim’s Elementary Forms of Religious Life.” Journal of the History of Philosophy 24 (3): 385-401.
– Goffman, Erving. 1959. Presentation of Self in Everyday Life. New York: Doubleday Anchor.
– Goldenweiser, A. A. 1915. “Review of The Elementary Forms.” American Anthropologist 17:719-35.
– Hilbert, Richard A. 1992. The Classical Roots of Ethnomethodology: Durkheim, Weber, and Garjinkel. Chapel Hill: University of North Carolina Press.
– Hinkle, R. C., and Hinkle, G. J. 1954. The Development of Modern Sociology. New York: Random House.
– Hirst, Paul Q. 1975. Durkheim, Bernard and Epistemology. London: Routledge.
– Hughes, H. Stuart. (1958) 1977. Consciousness and Society. New York: Random House.
– Hume, David. (1739) 1978. A Treatise of Human Nature. Oxford: Oxford University Press.
– Hume, David.. (1 777) 1975. Enquiries Concerning Human Understanding and Concerning the Principles of Morals. Oxford: Clarendon Press.
– James, William. (1907) 1955. Pragmatism. New York: Meridian Books.
– Jameson, Frederic. 1972. The Prison-House of Language. Princeton, N.J.: Princeton University Press.
– Kant, Immanuel. (1781) 1965. The Critique of Pure Reason. New York: St. Martin’s Press.
– Kohnke, Klaus Christian. 1991. The Rise of Neo-Kantianism: German Academic Philosophy between Idealism and Positivism. Cambridge: Cambridge University Press.
– Kuhn, Thomas. 1962. The Structure of Scientific Revolutions. Chicago: University of Chicago Press.
– LaCapra, Dominick. 1972. d mile Durkheim: Sociologist and Philosopher. Ithaca, N.Y.: Cornell University Press.
– Latour, Bruno, and Steve Woolgar. 1979. Laboratory L$e: The Social Construction of Scientific Facts. London: Sage.
– Lehmann, Jennifer. 1990. Deconstructing Durkheim. London: Routledge & Kegan Paul.
– Lévy-Bruhl, Lucien. (1910) 1966. How Natives Think. New York: Washington Square Press.
– Lévy-Bruhl, Lucien. (1922) 1966. The “Soul” of the Primitive. Chicago: Henry Regnery.
– Lévi-Strauss, Claude. (1958) 1963. Structural Anthropology. New York: Basic Books.
– Locke, John. (1690) 1959. An Essay Concerning Human Understanding. New York: Dover.
– Lukes, Steven. 1973. Emile Durkheim: His Life and Work: A Historical and Critical Study. Stanford, Calif.: Stanford,University Press.
– Lukes, Steven, ed. 1982. Introduction to Emile Durkheim’s The Rules of the Sociological Method. New York: Free Press.
– Mestrovic, Stjepan. 1988. Emile Durkheim and the Reformation of Sociology. Totowa, N.J.: Rowman & Littlefield.
– Mestrovic, Stjepan. 1993. Durkheim and Poststructuralism. New York: Aldine DeGruyter.
– Nisbet, Robert. (1966) 1993. The Sociological Tradition. New Brunswick, N.J.: Transaction.
– Nisbet, Robert. 1974. The Sociology of mile Durkheim. New York. Oxford University Press.
– Parsons, Talcott. (1937) 1968. The Structure of Social Action. New York: Free Press.
– Parsons, Talcott. 1973. “Durkheim on Religion Revisited: Another Look at The Elementary Forms of the Religious Life.” pp. 156-87 in Beyond the Classics? Essays in the Scientific Study of Religion, edited by Charles Y. Glock and Phillip E. Hammond. New York: Harper & Row.
– Quine, Williard Van Orman. (1966) 1977. The Ways of Paradox and Other Essays. Cambridge, Mass.: Harvard University Press.
– Rawls, Anne Warfield. 1977. “The Ordinary Language Philosophy of John Locke.” Manuscript. Wayne State University, Department of Sociology.
– Rawls, Anne Warfield. 1987. “The Interaction Order Sui Generis: Goffman’s Contribution to Social Theory.” Sociological Theory 5 (2): 136-49.
– Rawls, Anne Warfield. 1989. “Language, Self, and Social Order: A Re-Evaluation of Goffman and Sacks.” Human Studies 12 (1): 147-72.
– Rawls, Anne Warfield. 1990. “Emergent Sociability: A Dialectic of Commitment and Order.” Symbolic Interaction 13 (1): 63-82.
– Rawls, Anne Warfield. 1996a. “Durkheim’s Epistemology: The Initial Critique, 1915-1924.” Sociological Quarterly 38 (I), in press.
– Rawls, Anne Warfield. 1996b. “Durkheim’s Sentiments and Hume’s Passions: Emotion and the Validity of Knowledge.” Manuscript. Wayne State University, Department of Sociology.
– Rorty, Richard. 1979. Philosophy and the Mirvor of Nature. Princeton, N.J.: Princeton University Press.
– Schaub, Charles. 1920. “A Sociological Theory of Knowledge.” Philosophical Review 29 (4): 319-39.
– Sirianni, Carmen. 1981. “Justice and the Division of Labor: A Reconsideration of Durkheim’s Division of Labor in Society.” Sociological Review 32:449-70.
– Stone, Gregory, and Harvey Farberman. 1967. “On the Edge of Rapprochement: Was Durkheim Moving toward the Perspective of Symbolic Interaction?” Sociological Quarterly, pp. 147-64.
– Traugott, Mark. 1978. Introduction to mile Durkheim on Institutional Analysis, edited by Mark Traugott. Chicago: University of Chicago Press.
– Turner, Stephen. 1994. The Social Theory of Practices: Tradition, Tacit Knowledge, and Presuppositions. Chicago: University of Chicago Press.
– Tylor, Sir Edward Burnett. (1874) 1973. Primitive Culture: Researches into the Development of Mythology, Philosophy, Religion, Language, Art, and Custom. London: J. Murray.
– Tylor, Sir Edward Burnett. 1899. “Remarks on Totemism with Especial Reference to Some Modern Theories Concerning it.” Journal of the Royal Anthropological Institute 28:138-48.
– Vico, Giambattista. (1744) 1948. The New Science of Giambattista Vico. Ithaca, N.Y.: Cornell University Press.
– Winch, Peter. 1956. The Idea of a Social Science. London: Routledge & Kegan Paul.
– Wittgenstein, Ludwig Josef Johan. (1953) 1958. Philosophical Investigations. Oxford: Basil Blackwell.

المصدر : مؤسسة مؤمنون بلا حدود