الدولة كجهاز آلة عند هوبس وديكارت – كارل شميت / ترجمة: مصطفى الشادلي

الدولة كجهاز آلة عند هوبس وديكارت – كارل شميت / ترجمة: مصطفى الشادلي


موجز للترجمة

    هذا نص مقال لكارل شميت، يطرح فيه مسألة بناء الدولة عند هوبس بالانطلاق من فكرة التألية la mécanisation التي طرحتها فلسفة ديكارت للإنسان، لكي يستنتج أن هذا التصور لجسم الإنسان كآلة سيترجم سياسيا إلى مفهوم الدولة كآلة كبيرة عند هوبس أو ما يسميها ب ” الليفيتان، الذي وظفه هوبس للتعبير عن تصوره للدولة القوية، التي لا يوجد أي شيء خارجها، ولا يمكن الحديث عن الفرد إلا كجزء من هذه الدولة القوية. وهي الفكرة التي سيوظفها فيما بعد كارل شميت لنقد كل التصورات الليبرالية التي تجعل الدولة مجرد مؤسسة محكومة بقوانين وضعية، تخدم في النهاية الفرد.


نص المقال المترجم

    نشر هذا النص لكارل شميت في أرشيف الأبحاث الاجتماعية الفلسفية، [ عدد ] 30، [ سنة ] 1937. وسبق بسنة ظهور كتابه المهم عن ليفيتان هوبس Hobbes ، الذي رسم له أفكاره الأساسية الكبرى. وفي اللحظة التي تعرض فيها شميت Schmitt  لهجوم عنيف من لدن صحافة S.S، قرر الانسحاب إلى أعماله الأكاديمية بحذر. ومع ذلك، يمكن أن نلاحظ في هذا المقال والعمل الذي يكمله، بعضا من المراجعات غير المباشرة بخصوص الدولة الشمولية النازية، على الرغم من أنه في مجموعه كلام  منمق.

    لقد دنا مُنظر الدولة الشمولية [كارل شميت]، باستئناف التأويل الذي أعمله لهوبس ( هو واحد من بين مفكرين اثنين، إلى جانب دونسو كورتيس donoso cortès، الذي يشعر أنه قريب منه جدا )، بدون شك، من هذا النوع من الدولة، وتعرف داخل دولة هوبس على دولة الحق البورجوازي. لا يرجع هذا [ الفهم ] فقط إلى رونيه كابتان، ولكن إلى نقد ليو ستراوس LéoStrauss من جهته، في مراجعته لمفهوم السياسي، الذي منعه السياق السياسي من ذكره.


     اعترف ديكارت Descartes – بإنسانية مفهومة فلسفيا بالمعنى القديم – بكل النظم الموجودة في الدين والتراث داخل الكنيسة وداخل الدولة، وتركها كما هي. لا نجد أبدا، عنده، صورا أسطورية أو صورا مُسوخية كتلك التي أسرف في توظيفها هوبس ، حيث عرف الأنجليزي ” حالة الطبيعة ” لنظريته في الدولة، بمعنى حالة المدنية، عبر تجربته الخاصة، بينما كانت فرنسا ديكارت من قبل ” دولة “. ويستعمل ديكارت ، فيما يتعلق بالدولة من حيث هي ” وحدة سياسية “، صورة بناء مشيد من طرف مهندس معماري، ويتطابق هذا مع العمل الفني من منظور عصر النهضة، فالتمثل التقني- الآلي للنظرية العقلانية – الثورية للدولة لم يجد بعد، حيث الدولة عنده شبيهة بحركة ساعة، آلة، جهاز automaton كما يقول هوبس[1]. لكن لا تستطيع نزعة ديكارت المحافظة المتسامحة أن تنسينا أنه بواسطة هذا الفيلسوف، تحديدا، تحولت الشؤون البشرية بشكل ثوري، في عمقها؛ لأنه أدرك الجسم البشري كآلة. وقد كانت هذه فاتحة الثورة التقنية الصناعية في المستقبل. وفي مقابل تألية الجسم البشري، فإن تألية الدولة، ثانوية وأقل تأملا. فمن الممكن تصور الدولة، في حد ذاتها، آلةً مصنوعة دون تألية الجسم البشري بشكل مطابق، لكن تألية الدولة يمكن أن تكون انعكاسا كبيرا للتصور الميكانيكي للجسم البشري، وفي هذه الحالة، تنتج نتائج واضحة ومخيفة كما في حالة هوبس .

    إن نقطة انطلاق تكوُّن الدولة عند هوبس ، هي الخوف من حال الطبيعة، في حين إن هدف ونقطة النهاية هما الأمن في الحالة المدنية ( الدولة ). فكل واحد في حال الطبيعة يمكن أن يقتل الآخر؛ وكل واحد يدرك أن الآخر يمكن أن يقتل الآخر؛ كل واحد عدو ومنافس للآخر- إنها القضية المعروفة: حرب الكل ضد الكلbellum omnium contra omnes حيث يسعى كل المواطنون إلى ضمان حياتهم وسكينتهم في الحالة المدنية من خلال سيادة الأمن والنظام. وكما نعرف، فإن هذا هو تعريف المدينة-الدولة Polis. فقد ولدت الدولة الحديثة والمدينة – الدولة في نفس الوقت، والبناء الأساسي لدولة الأمن هو المدينة- الدولة. إنه لمن المدهش رؤية هوبس يأخذ صيغة بيكون دو فيريلام bacon de verulam لكي يميز حال السلم، هذا، الذي تضمنه  المدينة- الدولة ويقول إن الإنسان صار، الآن، إلها بالنسبة إلى الإنسان homo homini deus، بعد أن كان في حال الطبيعة ذئبا لأخيه الإنسان homo homini lupus. فرعب حال الطبيعة يدفع الأفراد الخائفين إلى الاجتماع ويقويهم إلى النهاية، فيومض لمعان العقل، وبشكل مفاجئ، يقف الإله الجديد أمامنا.

    من هو هذا الإله الجديد الذي حمل السلم والأمن إلى الناس الخائفين، والذي حول الذئاب إلى مواطنين، وظهر، عبر هذه المعجزة كإله فان deus mortalis، مثلما سماه هوبس ؟ إذا طُبقت، على نحو ما، صيغة نيوتن Newton  deus est vox relationis الإله هو صوت العلاقة، فإن هذا يبدو هنا جيدا. إن عبارة ” إله فان ” أدت إلى سوء فهم خطير وإلى تأويلات سيئة.

    لقد عرف جون فيلاتو j. vialatoux، الاستاذ  بمعهد شارترو des chartreux بليون، بعديد كتاباته المتعلقة بالفلسفة الاجتماعية وفلسفة الاقتصاد. وقد نشر منذ عهد قريب دراسة حول هوبس ، يقدمه فيها كفيلسوف للتوتاليتارية الحالية، وأخيرا التلميذ، بطريقة غير مبالية، في مرتبة الأب الروحي للبولشفية، للفاشية، للوطنية – الاشتراكية والمسيحيين الألمان[2]. وتُسهّل الكثير من الأشياء مهمة الكاثوليكي الفرنسي، إلى جانب هوبس ، حيث تلتهم صورة الليفيتان كل شيء، أشكالا كإله فان وإنسان مؤله، مثلما أن الأطروحة المعروفة: الدولة المطلقة، التي وفقها كل دين يعتبر خرافة، تستثني الدين المحدد والمرخص له من طرف الدولة. وتنضاف إلى هذا، من جهة أخرى، المعاني المتعددة والمتلازمة لكلمة “شمولي” التي يمكن أن تعني الكثير من الأشياء المختلفة؛ إلى ما لا نهاية: أشكال متنوعة لاستعمال واسع أو هدم كبير للحريات الفردية، ولكن أيضا عدة تغيرات – تبقى نسبية في العمق – للتخوم التقليدية للهوامش المتروكة للحرية المدنية وتركيز كبير ، وكذلك مجموعة من التحولات للمفهوم الكلاسيكي – في القانون الدستوري – ل ” فصل السلط “، وإزالة التقسيمات الداخلية، والشمولية كهدف، والشمولية كوسيلة، الخ. وقد أبرز روبير كابتان R.Capitant، الأستاذ المتميز في القانون الدستوري، ضد فيالاتوVialatoux ، في مقاله ” هوبس والدولة الشمولية “[3]، الخاصية الفردية للدولة عنده، حيث سلط الضوء على المراجعات الليبرالية القوية والثابتة آنذاك للتعاقد المستخلص بواسطة الأفراد، وهو ما ركز عليه كذلك تونيي f.tonnies[4] بدقة. وتمتلك كلمات: tamen،usque،recurret* نفس القيمة بالنسبة إلى الحرية الفردية. إن كابتان هو بوضوح، كفرنسي ليبيرالي وديمقراطي، عدو ” للإديولوجيا الشمولية التي ازدهرت في أيامنا “. فهو يشدد، بحق، على أن المراقبة الدولتية لكل الآراء العلمية، المفروضة من قبل هوبس ، مفكَر فيها كجزء من الأمن والنظام الأمني، لا ك “دين فعال للدولة”. فهوبس، في الواقع، “فرداني وعقلاني في العمق”. لقد كان في عداد الأفراد المنعزلين كـ ديكارت ، الذين يعود إليهم الفضل في ازدهار العقلانية في القرن 17، حيث وجدوا هنا نموذج معرفةٍ لم تستطع أن تغير عالمهم. لكن يسمح كابتان بتوظيف الصورة المشهورة لليفيتان ككائن خرافي ورهيب، يمكن أن يظهِر هوبس “كشمولي متصوف”.

    لهذا السبب يستعمل هوبس في الواقع ثلاثة تمثلات لإلهه، لا نستطيع أن نجعل الواحدة متوافقة مع الأخرى لأن الخلط سيكون كبيرا. فعلى مستوى أول، وبطريقة صادمة، تملك الصورة الشهيرة لليفيتان سمعة سيئة. وعلى مستوى ثاني، يوظف تصورا قانونيا تعاقديا ليشرح السيادة التي تتحقق بواسطة تمثل ( Reprasentation ). وفي مستوى ثالث، يحول هوبس ، ويبدو لي هذا هو مركز فلسفته في الدولة، الفكرة الديكارتية للإنسان كآلة بروح إلى ” إنسان عملاق “؛ إلى دولة يحركها الحاكم والممثل.

    لقد نجحت صورة الليفيتان، بفضل قوتها الاقتراحية، وتطغى على كل البنى والحجج الدقيقة الأخرى . فقد صارت العديد من الصيغ المميزة لهوبس، تعابيرا مستخدمة، مثل ” حرب الكل ضد الكل ” أو ” الإنسان ذئب لأخيه الإنسان “، حيث عمق وأعد، بطريق نسقية ومفاهيمية، العديد من الأشياء مثل فكرة ” لا وجود لعقاب بدون قانون nullapoena sine lege”، التي ظهرت كأنها ثمرة ناضجة لشجرة سقطت في وقت قصير وصارت صيغا واضحة. كما توجد صيغ أخرى مؤثرة بفضل قوتها السياسية، التي تعين العدو الظاهر في وضوحه. ونفس الشيء ، تحديدا، بالنسبة إلى العديد من الأوصاف المؤثرة لكتاب الليفيتان، الذي هو دراسة سياسية، كما أبرز ذلك بحق تونيي، على اختلاف كتب الحق الطبيعي [5]. إن وصف الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، كمملكة للظلمات، والوصف الرائع للإكليروس كأطياف، والبابا الروماني كشبح عملاق تُوِّج بتاج ويجلس على قبر الإمبراطورية الرومانية، [ أوصاف ] تنتمي إلى هذه الصور السياسية ( الرجوع إلى الفصل 47 من النص اللاتيني لليفيتان ). يظهر هوبس هنا، التي سجلت كتاباته من قبل سنة 1653 في قائمة الممنوعات من طرف الكنيسة l’index librorumprohibitorum، مناصرا نشيطا داخل هذا الصراع على أبعاد التاريخ الكوني، الذي قاد الأمة الانجليزية في هذه المرحلة ضد القوة العالمية لإسبانيا وحلفائها، ضد الكنيسة، ضد البابوية ونظام اليسوعيين. لكن رغم هذا فإن صورة الليفيتان تعني عند هوبس شيئا مختلفا كليا.

    خلافا للبيهيموت[6] اللاحق، لا يمكن أن ترسم صورة الليفيتان عدوا، بحيث تمثل الإله الذي يحمل السلم والأمن. لم تتعامل مع أسطورة سياسية للصديق، لأنها رهيبة ومخيفة بشكل كبير. إذا لم نراها بشكل أقرب، فإن الأمر لا يعني شيئا، في البناء الإجمالي لنظرية الدولة عند هوبس ، غير خيال أدبي نصف ساخر، وُلِد من هزل إنجليزي. وحدها القوة الهائلة لاستعادة هذه الصورة الأسطورية قد أخطأت عندما نراها تمثل بشكل مركزي النسق الجديد لنظرية الدولة. فالجمل والكلمات التي أدخل بها هوبس الليفيتان لا تترك، مع ذلك، أي شك حول أنها لا يجب أن تُؤخَذ هذه الصورة بجد، لا على المستوى المفاهيمي ولا أسطوريا أو بطريقة شيطانية.

    يعرف هوبس عن ماذا يتكلم عندما يتعلق الأمر بالشيطان أو بمبحث الإبليسياتla démonologie، و يُلحظ هذا منذ الفصل 45، وكذلك ملاحظة 1651، الصفحة 242 من الطبعة الإنجليزية لليفيتان. فقد عُرِف الليفيتان، في سفر أيوب livre de Job ( الفصل 40 ) كصورة أسطورية في أدبيات هذه الفترة. فالبحث التاريخي الدقيق لعمله يخطئ دائما، للأسف. لكننا نعلم، رغم ذلك، أن بودان Bodin، مثلا، الذي كان مطلعا على الأدب الكبلي [ أدب تراث اليهود ] la littérature cabaliste[7]، يتحدث، في كتابه خواطر شيطانية ( الطبعة اللاتينية 1581، الكتاب 2، الفصل 6 و الكتاب 3، الفصل 1 ) عن الليفيتان كشيطان بقوة لا يستطيع أحدٌ أن يقاومها، حيث يُقول إنه لا يمكن الاكتفاء باستمرار الأجسام ولكن الأنفس أيضا، ما يلزِم – مثلما يضيف بودان – تذكير كل من يعتقد في القدرة على الخروج بتعاقد معه وبخدمته.

    تشرح وجهات النظر، تلك،  أن “الإشارة” البسيطة إلى كلمة “ليفيتان” يمكن أن يدفع إلى تذكر الأساطير الأسيوية المخيفة لمولوخ moloch* الذي يبتلع كل شيء، أو غولم Golem* الذي يدمر الكل. وفق الآراء التراثية لليهود، فإن الليفيتان هو حيوان عملاق، يلعب به إله اليهود سويعات كل يوم، سينهزم في بداية إمبراطورية ألف سنة وسيتقاسمه سكانها السعداء وسيستهلكون لحمه. كل هذا مهم جدا، ويمكن أن يكون نموذجا مثاليا أسطوريا لبعض من النظريات الشيوعية للدولة بعد هدم الدولة و [ هدم ] وضع مجتمع بدون دولة وبدون طبقات. لكنها ليست مسألة مهمة عند هوبس . إنه يستخدم هذه الصورة بدون خوف، وبدون احترام من جهته. ففي مقطع فاصل من الطبعة الإنجليزية ل 1651 ( ص 87 ) كتب: ” هذا هو جيل ذلك الليفيتان العظيم أو بالأحرى – لنتكلم بجدية كبيرة – [ جيل ] هذا الإله الفان “. وفي الطبعة اللاتينية لسنة 1668، في نفس المكان، كتب ” Atque haec est generation magni illius leviathan vel, ut dignus loquar, mortalis dei cuipacem et protectionem sub deo immortali de bemus omnes”[8]. وتملك الدلالة الموضوعية لهذه الصورة نفس النبرة. لكن، مع ذلك، هي فلسفة دولة غريبة، إذ لا تبرهن عليها غير فكرة عن أفراد ضعفاء هاربين من الخوف الشامل لحال الطبيعة لكي يرتموا في خوف شامل، أيضا، لمملكة Moloch أو  golem. ذاك هو الاعتراض الذي أبرزه لوك ضد هوبس [9]، لكنه [ اعتراض ] ليس على حق. فما هو مهم بالنسبة إلى هوبس هو التغلب، بواسطة الدولة، على فوضى حق المقاومة الفيودالي، التشاركي أو الكنسي، ومواجهة تعددية القرون الوسطى بالوحدة العقلانية لدولة مركزية تشتغل بطريقة حسابية. إذا أردنا الحديث، هنا، عن الشمولية، فيجب الأخذ بعين الاعتبار أن شمولية صورة السلطة الدولتية، هذه، التي تتطابق دائما مع المسؤولية الكلية للحماية وأمن المواطنين، وأن الطاعة والتضحية بكل حق مقاومة يفرضه هذا الإله إلى حد ما، هما [ المسؤولية والطاعة ] لازمة الحماية الفعالة التي تضمنها. وإذا غابت هذه الحماية، فإن كل واجب طاعة يختفي أيضا، ويكسب الفرد من جديد حريته الطبيعية [10]. ذلك أن ” العلاقة بين الحماية والطاعة ” هي محور بناء هوبس للدولة. وكل التمثلات أحادية الجانب للشمولية هي متعارضة معها.

    لا تملك مقدمة ” الليفيتان ” حتى عند هوبس معناً مضمرا يسمح بفتح باب للخروج نحو دول الأحلام والأمل الذي يفيض في التقدم، والذي يشكل عند البعض من العقلانيين الوجه الآخر لعقلانيتهم. إن نموذج هذا النوع الأشهر، هو الجدول الذي رسمه كوندرسيه Condorcet في مخطط لجدول تاريخي لتقدم الفكر البشري( 1794 )، لجَنّة الإنسانية المحققة بالعقل والتربية. إذ نجد العديد من أوجه التشابه مع الأفكار الأساسية لهوبس: ليس للحياة نفع إلا من حيث هي وجود مادي على الأرض لكل فرد حي متفرد؛ السلم والاستمرارية القصوى لهذا النوع من الوجود الفيزيائي، يشكلان الهدف الأسمى والأهم. ويعتبر كوندرسيه، الرياضي الكبير، مشكلة الخلود كمشكلة لحساب اللامتناهي في الصغر، ويعتقد أنه من الممكن الوصول في الأخير، بالدفع تدريجيا للموت بواسطة شيخوخة بعيدة أكثر، إلى نوع من الخلود والأزلية للوجود الفردي على هذه الأرض. لكن يبدو أن الدولة، عند كوندرسيه، أكملت عملها التاريخي منذ أكثر من مئة سنة، وصلت إلى الأمن والنظام العموميين. منذ ذلك الوقت، لم يعتبر كوندرسيه الإنسان شريرا، بشكل جدري، شبيه بالذئب، ولكن كطيب و قابل لأن يكون مثقفا. في هذه المرحلة من المذهب العقلاني، يصير عمل الدولة، الذي يكمن في الإكراه والتربية، مشروطا زمنيا، ويمكن أن نصل يوما ما إلى أن تعود الدولة نفسها غير ذات قيمة. بمعنى آخر، نرى من قبل بزوغ اليوم الذي يمكن أن ينهزم فيه الليفيتان. إن هوبس بعيد جدا عن تلك الأفكار؛ على الرغم من كل إمكانات الفعل عبر الإكراه والتربية التي تنتمي، كذلك، إلى نظريته، فإنه لم يصنع، إطلاقا، أوهاما حول الطبيعة البشرية. فهذه الصفة المتشائمة بالتحديد هي التي حددت عقلانيته وتأثيره الكبير في أنوار القرن 18، خصوصا الفكر السياسي لفرديريك الأكبر الذي بصمه مسبقا هوبس أكثر من لوك [11].

    مع ذلك، فإن البناء التعاقدي الذي بواسطته يؤول هوبس ، قانونيا، الحاكم وممثل[السيادة]، لا يقود إلى شمولية دولتية. لقد لا حظنا منذ وقت طويل التردد الذي يوجد في حجة هوبس ، كذلك وبشكل أكيد، فيما يتعلق بنقطة حاسمة في القانون، بمعنى التطبيق القانوني للدولة انطلاقا من تعاقد مستخلص من طرف الأفراد[12]. لقد أُدرك التعاقد بطريقة فردانية؛ فكل الروابط والأشكال الجماعية قد حُلت، واجتمع الأفراد المتفرقين بالخوف حول ما أظهره نور الفهم وما خلقه الإجماع.

    إذا ما رأينا بناء وجهة نظره حول الدولة،  نلحظ أنها شيئا آخر غير ما يستطيع أن ينتجه التعاقد الفردي. فنحن نصل، بشكل مؤكد، إلى إجماع الكل مع الكل، لكنه مع ذلك، ليس تعاقدا دولتيا حقيقيا، بل هو مجرد تعاقد اجتماعي. زيادة على ذلك، ينتج عن هذا أن صاحب السيادة لا يمثل من خلال هذا الإجماع، لكنه يمثل بمناسبة هذا الإجماع. إن صاحب السيادة ممثلها هو السلطة العليا، بشكل غير محدود، على من يستطيع أن ينتج القوى الإضافية إلى كل الإرادات الفردية المشاركة. ومع ذلك، فالخوف، يراكم أفراد خائفين على حياتهم، ويشجع قوة جديدة على الدخول إلى المنافسة، لكن هذا الخوف يناشد هذا الإله الجديد أكثر من ألا يخلقه. في هذه النقطة، فإن الإله الجديد متعالي بالمقارنة مع كل الأفراد المشاركين المتعاقدين، وكذلك في مجموعه، لكن فقط في معنى قانوني وليس ميتافيزيقي.

    لا يمكن أن يوقف الحاكم والممثل، منذ ذلك الحين، التألية الكاملة لتمثيل الدولة. إنها مجرد تعبير مرتبط بالتاريخ المعاصر؛ بالفكرة الباروكية للتمثيل وإطلاقية القرن 17، وليست ل ” الشمولية “، بحيث عند هوبس ، الدولة، من حيث هي كلٌّ، ليست شخصا ولكن الحاكم والممثل هو بكل بساطة روح هذا ” الإنسان العملاق ” الذي هو الدولة. إذن، سيرورة التألية لم تتوقف، لكنها لم تستمر إلا بانحراف هذه الشخصية. لأن هذا العامل الشخصي هو نفسه مندمج في سيرورة التألية، وغارق هناك. فالدولة، ككل، هي جسم و روح، إنسان اصطناعي Homo artificialis، و آلة كما هي. هو عمل مصنوع من طرف الإنسان، حيث المادة والصانع، الآلة والميكانيكي هم نفس الشيء، بمعنى هم بشر. تصبح الروح، بدورها، المكون الخالص للآلة المصطنعة والمصنوعة من لدن الإنسان. وبالتالي فالنتيجة النهائية ليست “إنسانا عملاقا” و لكن “آلة كبيرة”؛ آلة عملاقة مكرسة لحماية الوجود المادي للناس على هذه الأرض، والهيمنة عليه.

    ليس المظهر الخارجي الذي هو الصورة الخيالية لليفيتان، ولا ما يرتبط بالتاريخ المعاصر، بمعنى إحياؤه من طرف حاكم وممثل، هما من يستطيعان تغيير ما يوجد بالواقع. لقد أصبحت الدولة بفضل هوبس آلة كبيرة. وفي هذا – في علاقة بالثورة التقنية – الصناعية – يكمن الأثر المجدد لفلسفته في الدولة، التي كانت خاصيتها الثورية الأولى، وبطريقة أكثر وضوحا، معروفة من قبل أوغست كونت  Auguste Comte بحدسه التاريخي الكبير. فالدولة التي ولدت في القرن 18، وفُرِضت على كل القارة الأوروبية، هي في الواقع عمل الإنسان الذي يتميز عن كل الأشكال الداخلية للوحدة السياسية، ويمكن اعتبارها منتوجا أولا للعصر التقني، كأول آلة حديثة للتوسع أيضا، وفق هيغو فيشر fischer hugo كآلة مصنَّعة.

   مع الدولة، لم يُخلق الشرط الأساسي لمرحلة التقنية- الصناعية، التي تلتها، داخل ميدان تاريخ الأفكار أو ميدان علم الاجتماع، لكنها هي نفسها عمل أنموذجي من قبل، بل نموذج مثالي لهذا العصر الجديد. لقد تغيرت مفاهيم الحق والقانون وكل مفاهيم الحياة السياسية بفضل هذه الدولة. “ما هو وضعي، صار، بالنسبة إلينا، السبب المطلق لكل قيمة ” [13]. يصبح الحق قانونا وضعيا، والمشروعية شرعية، والشرعية تصير نمط اشتغال وضعي لكل آلة دولتية. بالنسبة إلى هذا النوع من الشرعية، كل المفاهيم القانونية، وكل مؤسسات القرن الوسيط، على الخصوص، وحق المقاومة الفيودالي أو الطائفي، ليسوا إلا اختلالات يجب التخلص منها. لكن هذا الفعل الذي يكمن في أن الكل يدخل في صيغة القانون، ويدخل في نفس الوقت كل تألية، في أنماط جديدة للحساب، وبالتالي، في إمكانيات جديدة متعلقة بالتحكم في هذه الآلة، ويفرض مفهوم الأمن ومفهوم الحرية نفسهما، من حيث هما مفهومين جديدين خاصين ب “دولة الحق”. بهذا المعنى فإن كل عمل للدولة صار محسوبا بواسطة قوانين. كل هذه الأشياء توجد عند هوبس ظاهرة من قبل.

    لقد تم تجاوز مرحلة ميتافيزيقية فارقة، بفضل الدولة كآلة. وكل ما يتبعها، مثلا انطلاقا من التطور الذي يحصل في حركة الساعة، في الآلة البخارية، في المحرك الكهربائي وصولا إلى السيرورات الكيميائية أو البيولوجية، من التطور الكبير للتقنية ولعالم التفكير الخاص بالعلوم الطبيعية، دون ضرورة وجود قرار ميتافيزيقي جديد. مع تألية ” الإنسان العملاق “، يتجاوز هوبس ، مع ذلك، مرحلة أولية، بالمقارنة مع ديكارت ، عظيمة النتائج ، عندما يتعلق الأمر بالتأويل الأنتروبولوجي للإنسان. غير أن القرار الميتافيزيقي الأول أخذه ديكارت في اللحظة التي فكر فيها في الجسم البشري والإنسان كآلة، مركبا من جسم ونفس، وكعقل في آلة. وقد أدى تحول هذه الفكرة إلى إنسان كبير، إلى جعل الدولة تدرَك بكل وضوح. لقد طبق هوبس هذا الأمر، لكن نتج عنه، كما رأينا، أن روح الإنسان الكبير تحولت هي أيضا إلى أجزاء من الآلة. وبعد أن تحول الإنسان الكبير، الجسم والنفس، هكذا إلى آلة، فإن تحولا مضادا صار ممكنا، والإنسان الصغير يصبح كذلك ” إنسان – آلة “. ليس هذا إلا عبر تألية ممثل الدولة التي استطاعت أن تكمل تألية الصورة الأنتربولوجية للإنسان.

    إن التألية ليس قادرة على تكوين دولة شمولية لأنها ليست أكثر من الخاصية الدنيوية الخالصة للوجود الفيزيائي الفردي، ولا تستطيع الوصول إلى تكوين شمولية دالة. وإذا كان على كلمة ومفهوم الشمولية أن يظلا واضحين، وألا يندحرا إلى مستوى الشعار الخادع، فإن علاقة فلسفية خاصة يجب أن تكون في عمق الشمولية، ويمكن تصور هذا، وفقا لإيمجي C.A.Emge، في ” اللامتناهي المتناهي” للفلسفة الهيجيلية. يظهر لي هذا أكثر دقة من محاولة إرجاع كل تمثل للشمولية، بواسطة فويغلن، إلى هوية جوهرية رشدية بين الجزء و الكل [14]. إن مسألة معرفة ما هي الأنساق الفلسفية الأخرى، تجعل مفهوم الشمولية ممكنا، ويمكن أن يظل هنا معلقا: لهذا السبب سأدع جانبا، أيضا، وجهة نظر بيترسون، الذي لم يفكر في المفاهيم الشمولية للحداثة كمفاهيم، لكن كأساطير، مع ذلك يعني جعل الدولة شمولية، أسطرةً، ما يعني أن فلسفات شلنج أو جورج سوريل تصير عالم الفكر الفلسفي الذي يتوافق، بشكل خاص، مع تمثلات الشمولية تلك. مهما يكن، فإن “الألوهية الأرضية” التي أرجعها هيجل إلى الشعب الموجه للتاريخ الكوني، هي تحديدا مؤهلة لبناء شمولية بالمعنى الخاص ل “اللامتناهي المتناهي”، ورابط نوعي بين المحايثة والتعالي [15]. لهذا السبب، ” الإله الأرضي ” ليس تمثلا. ليس هناك قرابة روحية مع ” الإله الفاني ” لفلسفة الدولة عند هوبس ، على العكس ” الإله الفاني ” لهذه الفلسفة هو بالأحرى آلة ” فنائها ” الذي يوجد في أنها ذات يوم ستصبح مدمَّرة بواسطة حرب أهلية أو تمرد.

نشرت هذه الدراسة مترجمة من الألمانية إلى الفرنسية في مجلة الأزمنة الحديثة لجون بول سارتر، عدد 544، نونبر 1991. وأنجز الترجمة من الألمانية إلى الفرنسية: ميرا كولر Mira Koller ودومنيك سيغلرDominique Séglar .


الهوامش

1 لقد كان هوبس معجبا ب هارفي harvy… الذي حدد في مذهبه للدورة الدموية التمثلات الميكانيكية والفيزيائية للجسم البشري ( القلب كمضخة، الدورة الدموية كمشكل هيدروليكي، الخ.).

[2] La cité de Hobbes, théorie de l’État totalitaire, essai sur la conception naturaliste de la civilisation, (Paris-lyon, 1935).

[3] Archives de philosophie du droit et sociologie juridique, VI, 1936, p. 46.

[4] Thomas Hobbes, Leben und Lehre, troisième édition, (stuttgart, 1925), p.257.

* تعني: يعود إلى الظهور مع ذلك.

[5] تونيي، نفس المرجع، ص ص 248، 255. يشرح بهذا أيضا التأقلم، عمل في الطبعة اللاتينية ل 1668 لليفيتان، على الوضعية السياسية الجديدة  ( بمعنى، قيام الملكية التي تتدخل بين الأوقات ) مختلفة عن الطبعة الإنجليزية ل 1651، التي ركزت على انتصار كرومويل.

Le behemoth[6] ( موجود كذلك في كتاب جوب ) ليس إلا وصفا تاريخيا-سياسيا للثورة الإنجليزية ( 1640-1660 )، صورة بيهموت تعني، من حيث هي صورة، الشر المرعب لكل ثورة. مع ذلك، رقابة الحكومة الملكية رفضت السماح بطبعه و لم يستطع أن يظهر لأول مرة إلا بعد وفاة هوبس .

[7] بزلود، جون بودان كباحث في السحر والشيطانيات،  المجلة التاريخية 105 ( 1910، ص .1 و ما يتبعها. المقال أعيد طبعه في الأعمال الكاملة لبزولدBezold  ) انظر بالإضافة ما كتبه روبين ج غوتمانGuttman ، جون بودان في علاقته باليهودية، بريسلو 1906، ص. 16. ولتصحيح الإحالات المتعلقة بجذور بودان: إيميل باسكيPasqué ، مجلة تاريخ كنيسة فرنسا، 19، 1933، ص ص. 457-462، و الأخذ بعين الاعتبار كتاب ج، كوندConde ، الفكر السياسي لبودان، صحيفة الحقوق الألمانية، 1936، ص ص . 181-182.

[8]  “إنه جيل هذا الليفيتان الكبير أو الذي كان جديرا بالكلام، من الفاني أو من الإله الخالد، الذي ندين له بالمرور إلى الإله بكل أمن”.

9 رسالة في الحكم المدني، 2، الفقرة 93: يعتقد الناس، بفعل الخوف من أبن آوى والذئاب، في الأمن بأن يُلتهموا من طرف أسد. هذه الملاحظة موجهة مباشرة إلى هوبس ، رغم أن اسمه لم يذكر.

* مولوخ molokh إله كنعاني قديم، ذكر في التوراة، ذو نزعة شريرة، لا يرضيه شيئا إلا قرابين الأطفال، التي كان الفينيقيون القدماء يقدمونها له لإرضائه، فيتم حرق الأطفال بالقرب من مذبحه وتقديمهم له كقربان.

* يشير في التقاليد اليهودية إلى أنه مخلوق يتم عن طريق السحر من مادة غير حية أو من جسم الإنسان الميت، وهو معنى كلمة غولم، أي كتلة عديمة الشكل.

[10] ليس هذه مهمة سهلة بالنسبة لهوبس ليدافع عنها في مرحلة البناء بعد 1660، ضد لوم الرجعيين، الذي يمثل لهم انتهازي دون قناعات،  يبرر الخضوع لكرمويل؛ انظر: ما كتبه هوبس سنة 1662: تأملات في سمعة، ولاء، أخلاق ودين طوماس هوبس ملمسبيري.

[11] جسبيرت بيهرواسBeyerhaus ، فرديريك غروبGrobe  و 18. جهرونديرت، بونBonn ، 1931، ص. 11. فيما يتعلق بتأثير هوبس على الرياضيات و علوم الطبيعة للقرن 18، و الوضعية من دلامبير إلى كونت، انظر فيما تعلق بديلتاي عند تونيي، مرجع سابق، ص. 294، و كذلك جوسيف فيالتو، الفلسفة الاقتصادية، 1933، ص. 32.

[12] Frédéric Atger, Essai sur l’histoire des doctrines du contrat social, (Nimes :La laborieuse, ,1906), p.176.

[13] س، أ، إيمجي، فيلسوف الحق يتجول في الفلسفة القديمة، برلين، 1936، ص. 72.

[14] إريك فويغلن، الدولة السلطوية، فاين، 1963، ص. 23.

[15] ه، فيلزل، حول مبادئ فلسفة الدولة عند هيجل (في سلسلة الشعب و التعليم في تغير، أولدنبرغ 1937،ص. 100 ) يسوق جملة لهيجل مأخوذة من فلسفته في التاريخ الكوني ( ص. 119 من طبعة جوبلي )، وفقه، مبادئ روح الشعوب ليست هي الشعوب نفسها، وبالنظر إلى درجات الضرورة، إلا في لحظات الفكر الكوني والوحيد ” الذي ينمو، عبرهم، ويكتمل في التاريخ على مستوى شمولية الفهم الذاتي “. ويؤكد فيلزل على الخاصية الكونية والروحية، المتحررة من ” القوى الأرضية “، للمفهوم الهيجيلي للشعب. لا أعترض على هذا، لكن رغم ذلك، لا أعتقد أن يصير هيجل رشديا، أكثر من أرسطو بتمثله لمجال إلهي بذاته. بعد تسليم هذا المقال للطبع، أدركت ملاحظتين جديدتين تتعلق بمشكل ” الشمولية “: يتخذ نوربرت غورك موقفا في مجلة عصبة الأمم والقانون الدولي، يوليوز 1937، حول مفهوم الحرب الشاملة، حيث ينطلق من مفهوم السياسي الذي لا يسمح بإدراك الحد الأقصى للسياسة، بمعنى الحرب، ولهذا السبب لا يريد أن يرى أي عدوا ويتمنى الوصول، وبالتالي بشكل محدد، إلى الشمولية. ويليام غويدان دو روسيل الذي اطلع على كتاب ألمان من خلال مقاله “الدولة الخفية “، المجلة الأوروبية، شتنبر 1936، وفي مقال لم ينشر بعد والذي منحه لي وديا، يعتبر تحديدا فكرة ” التألية ” عند هوبس كموجود أسطوري-رومانسي، يصرح أيضا أن كل تمثل للعلوم التي تمتد من القرن 17 إلى 19، هو تمثل أسطوري، مثلما أن السيرورة الحالية لإرجاع الأشياء شمولية التي ليس ميدانا ضروري بشكل جدلي لسيرورة التحييد، التي بها تصير ” الشمولية ” مفهوما مقابلا ل ” الكونية.

error: