التاريخ الحديث للحوسبة – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: مالك آل فتيل

التاريخ الحديث للحوسبة – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: مالك آل فتيل


مدخل حول التاريخ الحديث للحوسبة، كيف بدأ مصطلح “كمبيوتر” كإشارة إلى موظف يجري عمليات الحساب، إلى تطور المصطلح حتى التاريخ الحديث؛ نص مترجم لد. جاك ب. كوبيلاند، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


تاريخيًا، كانت لفظة “كمبيوتر” تُشير إلى الحاسب البشري، وهو موظف يجري عمليات الحساب بطرق فعالة. كان الحاسب يجري عدة أنواع من الحسابات كالتي تجريها الحاسبات الإلكترونية حالياً، وكانت المؤسسات التجارية والحكومية والبحثية توظف الآلاف من هؤلاء الحَسبة. بينما يشير مصطلح “آلة حوسبة” Computing Machine، المستخدم بشكل متزايد منذ عشرينيات القرن الماضي، إلى أي آلة تقوم بعمل هؤلاء الحاسبين البشريين، أي كل آلة تقوم بالحساب وفقًا للطرق الفعالة تلك. خلال أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي، مع ظهور آلات الحوسبة الإلكترونية، أفسحت عبارة “آلة الحوسبة” الطريق للظهور التدريجي للفظة “كمبيوتر” ‘Computer’، في بداية استخدامها كانت عادةً تُصدَّر بالبادئة “إلكتروني” أو “رقمي”. يستعرض هذا المدخل تاريخ هذه الآلات.

 

  • باباج

  • أجهزة الحاسب التناظرية

  • آلة تورينج الشاملة

  • الحوسبة الكهروميكانيكية والحوسبة الإلكترونية

  • أتاناسوف

  • آلة كولوسس

  • محرك تورينج التلقائي للحوسبة

  • آلة مانشستر

  • إيناك وإدفاك

  • أجهزة الحاسب المبكرة البارزة الأخرى

  • ذاكرة عالية السرعة

  • المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مداخل ذات صلة


 

باباج

كان تشارلز باباج Charles Babbage أستاذًا لوكاسي للرياضيات في جامعة كامبريدج بين عامي 1828 و1839، المنصب الذي شغله إسحاق نيوتن سابقًا. كان محرك الفرق (Difference Engine) المقترح من قبل باباج عبارة عن آلة حوسبة رقمية ذات أغراض خاصة وهي إنتاج الجداول الرياضية تلقائياً كجداول اللوغاريتمات، وجداول المد والجزر، والجداول الفلكية.

يتكون محرك الفرق الميكانيكي من العجلات والتروس النحاسية، والقضبان، والسقاطات، والتروس، وغيرها من المكونات الميكانيكية. وقد تم تمثيل الأرقام من النظام العشري بمواضع على عجلات معدنية ذات عشرة أسنان مثبتة بأعمدة.

في عام 1822، عَرَضَ باباج نموذجاً مصغراً لآلته. لم يُكمل بناء آلته بحجمها الكامل لكنه أكمل العديد من أجزائها. عُرضَ واحداً من أجزائها -ما يُمثل تُسع الآلة الكاملة- في متحف العلوم بلندن.

استخدم باباج آلته لأداء أعمال حسابية جادة، وحساب جداول رياضية مختلفة. وفي عام 1990، تم أخيرًا بناء محرك باباج الثاني (Babbage’s Difference Engine No. 2) وفقاً لتصميمات باباج نفسه، وقد عُرض أيضًا في متحف العلوم بلندن.

بنى السويدي جورج شوتز Georg Scheutz  وابنه إدوارد Edvard  نسخة معدلة من محرك الفرق لباباج. صنعا ثلاثة نماذج منه، نموذجًا أوليًّا وآخرين تجاريين. واحد منهما بيع لمرصد في مدينة ألباني بنيويورك، والآخر بيع لمكتب المُسجِّل العام بلندن Registrar General’s office in London، حيث أستخدم هناك لحساب وطباعة الجداول الإكتوارية.

كان من المفترض أن يكون المحرك التحليلي Analytical Engine الذي اقترحه باباج، والذي كان أكثر طموحًا من محرك الفرق، جهاز حاسب رقمي ميكانيكي يستهدف الأغراض العامة. كان من المفترض أن يكون لدى المحرك التحليلي وحدة ذاكرة، ووحدة معالجة مركزية (أو “مَشغل”)، وكان بإمكانه الاختيار من بين الإجراءات البديلة المترتبة على نتيجة إجراءاته السابقة (ما يعرف في الوقت الحاضر باسم التفريع الشرطي). كان من الممكن التحكم في سلوك المحرك التحليلي من خلال برنامج من التعليمات الواردة له على شريط من البطاقات المثقوبة المتصلة (فكرة تبناها باباج من آلة نول الجاكار (المترجم: جهاز مزود ببطاقات مثقبة، يتم تركيبه على النول لتسهيل حياكة الأشكال وأقمشة الديباج). أكد باباج على عمومية المحرك التحليلي، قائلاً: “إن الشروط التي تمكِّن آلة محدودة من إجراء حسابات غير محدودة متحققة في المحرك التحليلي” (باباج [1994]، ص 97).

عمل باباج بشكل وثيق مع أدا لوفليس Ada Lovelace، ابنة الشاعر بايرون، التي سُميت لغةُ البرمجة الحديثة ADA تيمنًا بها. توقعت لوفليس إمكانية استخدام المحرك التحليلي للحوسبة غير الرقمية، مقترحةً بذلك أن المحرك قد يكون قادرًا على تأليف مقطوعات موسيقية متقنة.

كان هناك نموذجًا كبيرًا من المحرك التحليلي قيد الإنشاء وقت وفاة باباج عام 1871، ولكن النسخة الكاملة منه لم تكتمل. رغم ذلك، لم تُنس أبدًا فكرة باباج حول إمكانية وجود محرك حساب للأغراض العامة، لا سيما في كامبريدج، بل كانت هذه الفكرة في بعض الأحيان موضوعًا حيويًا للنقاش وقت الوجبات أثناء الحرب العالمية الثانية في مكاتب الاتصالات الحكومية البريطانية (GC&CS ثم GCHQ) في حديقة بلتشلي بمقاطعة باكينغهامشير، وهي مهد أجهزة الحاسب الإلكترونية الرقمية.

 

أجهزة الحاسب التناظرية

لم تكن آلات الحوسبة الأولى المستخدمة على نطاق واسع رقمية بل كانت تناظرية. في التمثيل التناظري، تُحاكي (أو تعكس أو تُشكل) خصائص الوسيط المُمثِّل خصائص الحالة المُمَثَّلة. وعلى النقيض، فإن سلاسل الأرقام الثنائية المستخدمة في التمثيل الرقمي لا تُمثِّل عن طريق محاكاتها للخصائص المادية، كما في حالة محاكاة الطول مثلاً الذي سيختلف قدره مقارنة مع قدر الخاصية التي تم تمثيله، بل على العكس هنا، فالتمثيلات التناظرية تُشكل تنوع الفئات. مثلاً، كلما زاد طول الخط على الخارطة، زاد طول الطريق الذي يمثله الخط؛ كلما زاد عدد المربعات البلاستيكية الشفافة في نموذج المهندس المعماري، زاد عدد النوافذ الممثلة في المبنى؛ كلما ارتفعت درجة عمق مقياس العمق الصوتي، كلما ضحلت المياه. بينما، في أجهزة الحاسب التناظرية، يتم تمثيل الكميات العددية، على سبيل المثال، بزاوية دوران العمود أو بالاختلاف في الجهد الكهربائي. وبالتالي قد يمثل جهد الكهرباء الخارج من الجهاز في وقت ما السرعة اللحظية للشيء الذي المُنمذَج.

بالنظر إلى مثال نموذج المهندس المعماري، سنجد أن التمثيل التناظري من الممكن أن يكون منفصلاً Discrete في الطبيعة (فلا وجود لعدد كسري من النوافذ). بعض علماء الحاسب، يَستخدم مصطلح “تناظري” أحيانًا بشكل ضيق: للإشارة إلى تمثيل كمية متصلة (غير منفصلة) بواسطة كمية أخرى (كالسرعة بالجهد). كما لاحظ بريان كانتويل سميث Brian Cantwell :

“التناظري” يجب أن… يوافق هيكليًا ما يمثله … لذا فالتمثيلات المتصلة والتي اعتبرت تاريخياً أنها تناظرية قد تكون من المحتمل قد ضللت نظرتنا للعالم وجعلتنا نراه بشكل أساسي على أنه متصلاً أكثر من كونه منفصلاً (سميث 1991، ص 271)

اخترع جيمس طومسون، شقيق اللورد كلفن، مكامل العجلة والقرص الميكانيكي الذي أصبح أساسًا للحوسبة التناظرية (طومسون [1876]). بنى الشقيقان جهازًا لحساب تكامل ناتج دالتين، كما وصف كلفن (على الرغم من عدم بنائها) آلة تناظرية مستخدمة للأغراض العامة يمكنها دمج المعادلات التفاضلية الخطية من أي ترتيب، وحل المعادلات الخطية المتزامنة أيضاً. كان الحاسب التناظري الأكثر نجاحًا لكلفن هو آلة التنبؤ بالمد والجزر، والذي ظل مستخدمًا في ميناء ليفربول حتى ستينيات القرن الماضي. كانت الأجهزة التناظرية الميكانيكية القائمة على أداة تكامل العجلة والقرص قيد الاستخدام خلال الحرب العالمية الأولى من أجل حسابات المدفعية. بعد الحرب، تم تحسين تصميم وحدة التكامل بشكل كبير من قبل هانيبال فورد (فورد [1919]).

يذكر ستانلي فيفر Stanley Fifer أن أول حاسب تناظري ميكانيكي شبه آلي قد تم بناؤه في إنجلترا، بواسطة شركة متروبوليتان فيكرز في مدينة مانشستر قبل عام 1930 (Fifer [1961]، ص 29)؛ إلا إنني لم أتمكن حتى الآن من التحقق من هذا الادعاء. في عام 1931، قام فانيفار بوش Vannevar Bush، الذي كان يعمل في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ببناء المحلل التفاضلي، وهو أول حاسب تناظري ميكانيكي آلي أستخدم للأغراض العامة على نطاق واسع. استند تصميم بوش على مكامل العجلة والقرص. سرعان ما اُستخدمت نُسخًا من أجهزته في جميع أنحاء العالم (كجامعتي كامبريدج ومانشستر في إنجلترا، وكذلك محللات تفاضلية مبنية من مجموعة أدوات ميكانو kit-set Meccano، وهي لعبة هندسية شهيرة حينها).

تطلب الأمر ميكانيكيًا ماهرًا، مُسلحًا بمطرقة ذات رأس رصاصي لتجهيز محلل التفاضل الميكانيكي الخاص بشركة بوش لكل وظيفة جديدة. بعد ذلك، استبدل بوش وزملاؤه مكاملات العجلات والأقراص والمكونات الميكانيكية الأخرى بمكونات كهروميكانيكية، وأخيراً استبدلوها بالأجهزة الإلكترونية.

يمكن تصور المحلل التفاضلي على أنه مجموعة من “الصناديق السوداء” المتصلة بعضها ببعض لتسليم النتائج من صندوق لآخر. ينفذ كل صندوق عملية أساسية، على سبيل المثال: الجمع، أو ضرب المتغير في ثابت، أو التكامل. عند إعداد الجهاز لمهمة معينة، يتم توصيل الصناديق تباعاً كي يتم تنفيذ المجموعة المطلوبة من العمليات الأساسية. في حالة الآلات الكهربائية، يتم ذلك عادةً عن طريق توصيل الأسلاك في مقابس محددة على لوحة التوصيلات (يشار إلى آلات الحوسبة التي تُحدد وظيفتها بهذه الطريقة باسم “مُدارة ببرنامج” “program-controlled”).

نظرًا لأن الصناديق تعمل بالتوازي، فإن محلل التفاضل الإلكتروني يُنفذ عددٍ من المعادلات بسرعة كبيرة. لكن مقابل هذه الميزة كان يجب تحديد تكلفة معالجة وتحوير المشكلة إلى الأسلوب الذي يتوافق مع الآلة التناظرية، وإعداد الأجهزة لأداء الحساب المطلوب. مقارنةً بالآلات الرقمية، فإن العيب الرئيسي للحساب التناظري هو تكلفته العالية عند الحاجة لدقة أعلى. خلال الستينيات والسبعينيات، كان هناك اهتمامًا كبيرًا بالآلات “الهجينة”، حيث يتم التحكم في القسم التناظري وبرمجته بواسطة القسم الرقمي. ومع ذلك، فقد أصبحت هذه الآلات نادرةً الآن.

 

آلة تورينج الشاملة

في عام 1936، في جامعة كامبريدج، اخترع تورينج مبدأ الحاسب الحديث. وصف آلة حوسبة رقمية مجردة تتكون من ذاكرة غير محدودة وماسح يتحرك ذهابًا وإيابًا عبر الذاكرة لقراءة وكتابة الرموز (تورينج [1936]). يُدار الماسح بواسطة برنامج تعليمات محفوظ في الذاكرة على شكل رموز. هذا هو مفهوم تورينج للبرنامج المخزَّن، كما تتضمن فكرته إمكانية الآلة تشغيل وتعديل برنامجها الخاص. (في لندن عام 1947، خلال محاضرة له أُشير لها فيما بعد على أنها أقدم محاضرة عامة حول ذكاء الحاسب الآلي، قال تورينج: “ما نريده هو آلة يمكنها التعلم من التجربة”، مضيفًا أن “من المحتمل أن السماح للآلة بتغيير تعليماتها الخاصة بنفسها سوف يوفر آلية لذلك” (تورينج [1947] ص 393). تُعرف الآن آلة تورينج لعام 1936 ببساطة باسم آلة تورينج الشاملة. وقد لاحظ عالم الرياضيات في كامبردج ماكس نيومان Max Newman منذ البداية أن تورينج كان مهتمًا بإمكانية بناء آلة حوسبة من النوع الذي وصفها (نيومان في مقابلة مع كريستوفر إيفانز في إيفانز [197؟]).

في بداية الحرب العالمية الثانية، كان تورينج محلل تشفير رائد في مكاتب الاتصالات الحكومية البريطانية في حديقة بلتشلي. حينها أصبح على دراية بعمل توماس فلاورز Thomas Flowers الذي تضمن التبديل الإلكتروني عالي السرعة على نطاق واسع (الموصوف أدناه). ومع ذلك، لم يستطع تورينج الالتفات إلى مشروع بناء آلة حساب إلكترونية ببرنامج مُخزَّن حتى توقفت الأعمال العدائية في أوروبا عام 1945.

خلال سنوات الحرب، اهتم تورينج كثيرًا بمسألة ذكاء الآلة. يتذكر زملاؤه في حديقة بلتشلي العديد من المناقشات خارج أوقات الدوام معه حول هذا الموضوع، وفي مرحلة ما نشر تورينج تقريرًا مكتوبًا على الآلة الكاتبة (مفقود) يعرض فيه بعض أفكاره. يتذكره أحد هؤلاء الزملاء، دونالد ميتشي Donald Michie (الذي أسس لاحقًا قسم الذكاء الآلي والإدراك في جامعة إدنبرة)، وهو يتحدث كثيرًا عن إمكانية آلات الحوسبة على (1) التعلم من التجربة و (2) حل المشكلات عن طريق البحث في فضاء الحلول الممكنة، مسترشدةً بالمبادئ العامة (ميتشي في مقابلة مع كوبلاند، 1995). المصطلح الحديث للفكرة الأخيرة هو “البحث الاستدلالي”، وهو عبارة عن مبدأ إرشادي فأي قاعدة عامة سوف تقلل من مقدار البحث المطلوب لإيجاد حل لمشكلة ما. في حديقة بلتشلي، عرض تورينج فكرته حول ذكاء الآلة بالإشارة إلى الشطرنج. يتذكر ميتشي تجربة تورينج مع البحث الاستدلالي الذي أصبح فيما بعد شائعًا في برمجة لعبة الشطرنج (على وجه الخصوص خوارزميتي مينيماكس و”الأفضل أولاً”).

يمكن العثور على مزيد من المعلومات حول تورينج والحاسب الآلي، بما في ذلك عمله في زمن الحرب على فك الشفرات وأفكاره حول الذكاء الاصطناعي والحياة الاصطناعية، في كوبلاند 2004

الحوسبة الكهروميكانيكية والحوسبة الإلكترونية

مع بعض الاستثناءات – بما في ذلك محركات باباج الميكانيكية البحتة وآلة المحاسبة الوطنية التي تعمل بالأصابع – كانت آلات الحوسبة الرقمية المبكرة جميعها كهروميكانيكية. وهذا يعني أن مكوناتها الأساسية كانت عبارة عن مفاتيح ميكانيكية صغيرة تعمل بالكهرباء، تسمى “مرحلات”. كانت المرحلات تعمل ببطء نسبيًا، في حين أن المكونات الأساسية للحاسب الآلي الإلكتروني – في الأصل أنابيب مفرغة (صمامات) – لا تحتوي على أجزاء متحركة عدا الإلكترونات، وبالتالي كانت تعمل بسرعة كبيرة. صُنعت آلات الحوسبة الرقمية الكهروميكانيكية قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية من قبل (من بين آخرين) هوارد أيكن Howard Aiken بجامعة هارفارد، وجورج ستيبيتز George Stibitz بمختبرات بيل للهاتف، وآلان تورينج بجامعة برينستون وحديقة بليتشلي، وكونراد سوزه Konrad Zuse في برلين. يعود إلى كونراد سوزه شرف صناعة أول حاسب رقمي يعمل للأغراض العامة مُدار ببرامج. عمل جهازه الذي أطلق عليه فيما بعد زد الثالث Z3 في عام 1941. (الحاسب المُدار ببرنامج program-controlled يقابل ذاك الحاسب الذي ببرنامج مخزَّن stored-program، إذا يحتاج لأداء مهمة جديدة إعادة توجيه الأسلاك والمقابس وما إلى ذلك)

كانت المرحلات بطيئة للغاية وغير موثوقة كوسيلة للحسابات الرقمية للأغراض العامة واسعة النطاق، على الرغم من أن هوارد أيكن بذل جهدًا شجاعًا. لقد كان تطوير التقنيات الرقمية عالية السرعة باستخدام الأنابيب المفرغة هو ما جعل الحاسب الحديث ممكنًا.

في مجال معالجة البيانات الرقمية، يبدو أن أول استخدام مكثف للأنابيب المفرغة كان على يد المهندس توماس فلاورز، الذي كان يعمل بمحطة أبحاث مكتب البريد البريطاني في دوليس هيل بلندن. أُدخلت المعدات الإلكترونية التي صممها فلاورز في عام 1934حيز التشغيل للتحكم في التوصيلات بين بدالات الهاتف في عام 1939، حيث كان هناك ما بين ثلاثة وأربعة آلاف أنبوب مفرغ تعمل ليل نهار في التبديل الهاتفي. في 1938-1939 عمل فلاورز على نظام تجريبي لمعالجة البيانات رقميًّا، يتضمن النظام مَخزن بيانات عالي السرعة. كان هدف فلاورز، الذي تحقق بعد الحرب، هو إحلال المعدات الإلكترونية محل الأنظمة الحالية الأقل موثوقية والمكونة من المرحلات والمستخدمة في بدالات الهاتف. لم يحقق فلاورز فكرته، لكنه عُرفَ أنه عند اندلاع الحرب مع ألمانيا في عام 1939، ربما كان هو الشخص الوحيد في بريطانيا الذي أدرك إمكانية استخدام الأنابيب المفرغة في صناعة حوسبة رقمية سريعة يمكن أن تعمل على نطاق واسع. (انظر كوبلاند 2006 لمزيد من المعلومات حول عمل فلاورز).

أتاناسوف

يبدو أن أول استخدام مماثل للأنابيب المفرغة في الولايات المتحدة كان بواسطة جون أتاناسوف فيما كانت تعرف آنذاك بكلية ولاية أيوا (الجامعة الآن). خلال الفترة من 1937 إلى 1942، طوَّرَ أتاناسوف تقنيات لاستخدام الأنابيب المفرغة لإجراء العمليات الحسابية الرقمية. في عام 1939، بمساعدة تلميذه كليفورد بيري، بدأ أتاناسوف في بناء ما يسمى أحيانًا باسم حاسب أتاناسوف-بيري Atanasoff-Berry، أو ABC، وهو آلة رقمية إلكترونية صغيرة الحجم ذات أغراض خاصة وهي حل أنظمة المعادلات الجبرية الخطية. احتوت الآلة على ما يقرب من 300 أنبوبٍ مفرغٍ. وعلى الرغم من أن الجزء الإلكتروني من الجهاز عمل بنجاح، إلا أن الحاسب ككل لم يعمل قط بشكل موثوق، فالمدخلات كانت تَلِجُ إلى الآلة بشكل خاطئ بسبب قارئة البطاقات الثنائية غير الجيدة. توقف العمل على هذه الآلة في عام 1942 عندما غادر أتاناسوف ولاية آيوا.

كولوسس

كان كولوسس أول حاسب آلي يعمل رقميًّا بشكل كامل، استخدمه محللو الشفرات في حديقة بليتشلي في فبراير 1944.

في وقت مبكر جدًا من الحرب، نجحت مكاتب الاتصالات الحكومية البريطانية في فك تشفير الاتصالات اللاسلكية الألمانية المشفرة بنظام إنيجما Enigma، وبحلول أوائل عام 1942، أصبح بالإمكان اعتراض وفَك تشفير حوالي 39000 رسالة شهرياً، وذلك بفضل الآلات الكهروميكانيكية المعروفة باسم القنابل Bombes، والتي صممها تورينج وجولدين ولشمان Gordon Welchman  (معتمدان على عمل سابق لمحللي شفرات بولنديين).

خلال النصف الثاني من عام 1941، بدأ اعتراض رسائل كانت مُشفرة بطريقة مختلفة تمامًا. في أبريل 1942، تم فك آلة التشفير الجديدة والتي أطلق عليها في حديقة بلتشلي الاسم الرمزي “توني” Tunny، علماً أن عملية رصد حركة المرور قد تمت لأول مرة في شهر يوليو من العام نفسه. اعتمدت الآلة توني على الطابعة الثنائية عن بُعد في تشفير إشاراتها، بدلاً من نظام موريس الذي كانت تعتمد عليه آلة إنيجما، لنقل الرسائل بين هتلر وأعضاء القيادة العليا الألمانية.

أدت الحاجة إلى فك شفرة هذا الذكاء القاتل بأسرع ما يمكن إلى اقتراح ماكس نيومان في نوفمبر 1942 (بعد فترة وجيزة من تجنيده في مكاتب الاتصالات الحكومية البريطانية من جامعة كامبريدج) بأتمتة الأجزاء الرئيسية من عملية فك التشفير بواسطة أجهزة عد إلكترونية عالية السرعة. كانت آلة هيث روبنسون هي أول آلة تم تصميمها وصنعها وفقًا لمواصفات ماكس نيومان، كانت تعتمد في العد على المرحلات والدوائر الإلكترونية. (صُمِّمت العدادات الإلكترونية بواسطة تشارلز إريل واين-ويليامز CE Wynn-Williams، الذي استخدم أنابيب ثيراترون في دوائر العد في مختبر كافنديش بكامبريدج، منذ عام 1932 [Wynn-Williams 1932]). في يونيو 1943، تم تركيب آلة هيث روبنسون. كانت الآلة بطيئةً وغير موثوق بها، وكانت شرائطها الورقية عالية السرعة تتمزق باستمرار، إلا أنها، رغم ذلك، أثبتت قيمة فكرة نيومان. أوصى حينها فلاورز ببناء آلة إلكترونية كاملة، لكنه لم يتلق أي تشجيع رسمي من مكاتب الاتصالات. لكنه، من خلال العمل بشكل مستقل في محطة أبحاث مكتب البريد في دوليس هيل، وبهدوء، بدأ فلاورز في بناء أول حاسب رقمي إلكتروني قابل للبرمجة على نطاق واسع في العالم. تم تسليم كولوسس الأول Colossus I إلى حديقة بلتشليي في يناير 1943.

مع نهاية الحرب، كانت هناك عشر نُسخٍ من كولوسس تعمل على مدار الساعة في حديقة بلتشلي. من وجهة نظر تحليلية، كان الاختلاف الرئيسي بين النموذج الأولي (كولوسس الأول) والآلات اللاحقة هو إضافة ما يسمى بالمرفق الخاص Special Attachment، وذلك إثر اكتشاف مهم لمحللي التشفير دونالد ميتشي Donald Michie وجاك جود Jack Good. أدى ذلك إلى توسيع أداء كولوسس من أسلوب “إعداد العجلة” – تحديد إعدادات عجلات التشفير لآلة توني لرسالة معينة، والنظر إلى “أنماط” العجلات – إلى أسلوب “كسر العجلة”- أي تحديد أنماط العجلة. في النهاية، تم تغيير أنماط العجلة يوميًا من قبل الألمان في جميع الروابط بين القيادة العليا للجيش الألماني والقادة الميدانيين. بحلول عام 1945، كان هناك ما يصل إلى 30 رابطًا بين القيادات الألمانية. تم فك تشفير حوالي عشرة منها وقراءتها بانتظام.

احتوى كولوسس الأول على ما يقرب من 1600 أنبوب مفرغ، أما النسخ التالية فقد احتوت على حوالي 2400 أنبوب مفرغ. تمامًا كحاسب أتاناسوف-بيري، الأصغر منه، فقد افتقر كولوسس إلى ميزتين مهمتين من مميزات أجهزة الحاسب الحديثة. الأولى: أنه لم يتضمن برامجًا مُخزنًا. فلإعداده لمهمة جديدة، كان على المشغل تغيير الأسلاك المادية للآلة، باستخدام المقابس والمفاتيح. الثانية: أنه لم يكن جهازًا للأغراض العامة، حيث تم تصميمه لمهمة تحليلية محددة تتضمن الحساب والعمليات المنطقية.

قدّر هاري هينسلي F.H. Hinsley، المؤرخ الرسمي لمكاتب الاتصالات البريطانية، أن الحرب في أوروبا قد تم اختصار مدتها عامين كاملين على أقل تقدير نتيجةً لعمليات استخبارات الإشارة التي نُفذت في حديقة بليتشلي، والتي لعب فيها كولوسس دورًا رئيسيًا. بمجرد توقف الأعمال العدائية، دُمّرت معظم مكونات كولوسس. انتهى المطاف ببعض الألواح الإلكترونية لتستقر في مختبر نيومان لآلات الحوسبة Newman’s Computing Machine في مانشستر (انظر أدناه)، وذلك بعد أن أُزيل عنها جميع آثار استخدامها الأصلي. احتفظت مكاتب الاتصالات بنسختين من كولوسس. يُعتقد أن آخر نسخة من كولوسس قد توقفت عن العمل في عام 1960.

كان أولئك الذين يعرفون كولوسس ممنوعون بموجب قانون الأسرار الرسمية عن البوح بمعرفتهم. فحتى سبعينيات القرن الماضي، كان هناك القليل من لديه فكرة عن الاستخدام الناجح للحوسبة الإلكترونية خلال الحرب العالمية الثانية. في عامي 1970 و1975، على التوالي، نشر جود وميشي ملاحظات أعطت خطوط عريضة حول كولوسس. بحلول عام 1983، حصل فلاورز على تصريح من الحكومة البريطانية لنشر تقرير جزئي حول مكونات كولوسس الأول، تفاصيل عن النسخ اللاحقة وعن المرفق الخاص، واستخدامات آلات كولوسس، وخوارزميات التحليل المشفرة التي قاموا بتشغيلها. مؤخراً، تم رفع السرية عن هذه الآلة. (للاطلاع على التقرير الكامل لكولوسس والهجوم على توني، انظر كوبلاند 2006.)

بالنسبة للمطلعين على آلة تورنيج العالمية، ومفهوم “البرنامج المخزَّن” المرتبط بها، كانت رفوف المهندس فلاورز المكتظة بالمعدات الإلكترونية الرقمية دليلاً على جدوى استخدام الأنابيب المفرغة لتنفيذ فكرة البرنامج المخزَّن لحاسب عالي السرعة مصمم للأغراض العامة. انتهت الحرب، ولم يضيع نيومان وقتًا، فأنشأ مختبر آلة الحوسبة التابع للجمعية الملكية في جامعة مانشستر لهذا الغرض تحديدًا. بعد بضعة أشهر من وصوله إلى مانشستر، كتب نيومان ما يلي إلى جون فون نيومان عالم الرياضيات في جامعة برينستون (فبراير 1946):

آمل أن أبدأ في افتتاح قسم لآلات الحوسبة هنا، بعد أن أصبحت مهتمًا جدًا بهذا النوع من الأجهزة الإلكترونية خلال العامين أو الثلاثة أعوام الماضية. فقبل حوالي ثمانية عشر شهرًا، كنت قد قررت أن أجرب البدء في تشغيل وحدة خاصة بالآلات عند خروجي. … أنا بالطبع على اتصال وثيق بتورينج.

 

محرك تورينج التلقائي للحوسبة

فكر تورينج ونيومان في الاتجاه نفسه. في عام 1945، انضم تورينج إلى مختبر الفيزياء الوطني (NPL) بلندن، وكان قد أُوعِزَ إليه تصميم وتطوير حاسب رقمي إلكتروني يتضمن برنامجًا مُخزَّنًا للأغراض العلمية. لم يكن الذكاء الاصطناعي بعيدًا عن أفكار تورينج: فقد وصف نفسه بأنه “يبني دماغًا” وأشار في رسالة له إلى أنه “مهتم بإمكانية إنتاج نماذج لعمل الدماغ أكثر من اهتمامه بالتطبيقات العملية للحوسبة”. قام جون ومرسلي، رئيس تورينج المباشر في مختبر الفيزياء الوطني، بتسمية آلة تورينج المقترحة بمحرك تورينج التلقائي للحوسبة Turing’s Automatic Computing Engine، أو “أيه سي إي” ACE، تكريما لمحركي الفرق والتحليل لـباباج.

في عام 1945، قدم تورينج في تقريره “الحاسبة الإلكترونية المقترحة” أول مواصفات كاملة نسبيًا لجهاز حاسب رقمي إلكتروني متعدد الأغراض ببرنامج مخزن. تمت إعادة طباعة التقرير كاملاً في كوبلاند 2005.

كان أول جهاز حاسب رقمي مخزن إلكتروني تم اقتراحه في الولايات المتحدة هو إدفاك EDVAC (انظر أدناه). احتوت “مسودة إدفاك الأولى”، First Draft of a Report on the EDVAC، التي صدرت في مايو 1945، من تأليف فون نيومان، على القليل من التفاصيل الهندسية، لا سيما فيما يتعلق بالأجهزة الإلكترونية، وذلك بسبب القيود في الولايات المتحدة. من ناحية أخرى، قدم تقرير “الحاسبة الإلكترونية المقترحة” لتورينج تصاميم تفصيلية للدوائر الإلكترونية ومواصفات وحدات الأجهزة وعينات برمجية من كود الآلة، كما قدم تقديرًا بتكلفة بناء الآلة (11.200 جنيه إسترليني). اختلف محرك تورينج التلقائي للحوسبة وإدفاك اختلافًا جوهريًا عن بعضهما البعض؛ على سبيل المثال، استخدم محرك تورينج المعالجة الموزعة، بينما كان لإدفاك بنية مركزية.

رأى تورينج أن السرعة والذاكرة هما مفتاحا الحوسبة. لاحظ زميل تورينج في مختبر الفيزياء الوطني، جيم ويلكنسون Jim Wilkinson، أن تورينج “كان مهووسًا بسرعة الآلة” [كوبلاند 2005، ص. 2]. كان لتصميم تورينج الكثير من القواسم المشتركة مع معماريات ريسك RISC الحالية، ودعا إلى ذاكرة عالية السرعة تقريبًا بمثل سرعة حاسبات ماكنتوش المبكرة (كانت هائلة وفقًا لمعايير عصره). لو تم بناء جهاز تورينج كما خطط له، لكان في مضمار مختلف عن أجهزة الحاسب القديمة الأخرى. ومع ذلك، فإن التقدم في محرك تورينج التلقائي للحوسبة كان يسير ببطء، وذلك بسبب الصعوبات التنظيمية في المختبر. في عام 1948، ترك تورينج مختبر الفيزياء الوطني، “سئمًا جدًا” (وفق وصف روبن غاندي Robin Gandy، في مقابلة مع كوبلاند، 1995)، منتقلاً إلى مختبر نيومان للحوسبة في جامعة مانشستر. وقبل حتى مايو 1950 تم الانتهاء من بناء نموذجًا تجريبيًا مصغرًا لمحركه التلقائي للحوسبة، بُني على يد ويلكنسون وإدوارد نيومان ومايك وودجر وآخرين. نفذ المحرك برنامجًا لأول مرة بسرعة تشغيل تبلغ 1 ميجاهرتز. حينها، ولبعض الوقت، كان طراز بايلوت آيه سي إي Pilot ACE أسرع حاسب آلي في العالم.

ازدهرت مبيعات ديوس DEUCE، وهي نسخة الإنتاج من بايلوت آيه سي إي، مما أدى إلى إرباك الاقتراح الذي قدمه السير تشارلز داروين، مدير مختبر الفيزياء الوطني في عام 1946، مفاده أنه “من الممكن جدًا أنَّ … آلة واحدة تكفي لحل جميع المشاكل التي تحتاجها الدولة بأكملها “[كوبلاند 2005، ص. 4]. اُستخدمت أساسيات تصميم محرك تورينج التلقائي للحوسبة بواسطة هاري هسكي Harry Huskey (في جامعة واين ستيت، ديترويت) في بناء الحاسب باندكس جي 15 Bendix G15 (وفق هسكي في مقابلة مع كوبلاند ، 1998). يمكن القول إن باندكس جي 15 كان أول حاسب شخصي؛ فقد تم بيع أكثر من 400 نسخة منه في جميع أنحاء العالم. ظل حاسبا ديوس DEUCE و جي 15 G15 قيد الاستخدام حتى حوالي عام 1970. ولعب حاسب آخر مشتق من تصميم تورينج لمحركه التلقائي للحوسبة، وهو حاسب موزايك MOSAIC، دورًا في الدفاعات الجوية البريطانية خلال فترة الحرب الباردة. تشمل المشتقات الأخرى لتصميم تورينج حاسب باكرد-بيل بي بي250 Packard-Bell PB250 (1961). (يوجد مزيد من المعلومات حول هذه الحواسيب القديمة في كوبلاند 2005).

 

آلة مانشستر

في جامعة مانشستر، في مختبر نيومان للحوسبة، تم بناء أول حاسب رقمي إلكتروني ببرنامج مُخزَّن يعمل للأغراض العامة. بُني الحاسب الذي أطلق عليه اسم “بيبي” مانشستر (The Manchester ‘Baby’)، على يد المهندسين فريدريك وليامز وتوم كيلبورن، أجرى الحاسب بيبي أول عملية حساب في 21 يونيو 1948. كان البرنامج الصغير المخزن على وجه أنبوب أشعة الكاثود يبلغ طوله سبعة عشر تعليمة فقط. لاحقاً، أصبحت النسخة المكبرة منه والتي تعمل بنظام برمجي صممه تورينج، أول حاسب آلي متوفر تجاريًا في العالم، وهو فيرانتي مارك الأول Ferranti Mark I. رُكِّبَ أولُ جهاز مكتمل منه في جامعة مانشستر في فبراير 1951؛ ثم بيعَ منه حوالي عشرة نسخ في كل من بريطانيا وكندا وهولندا وإيطاليا.

لقد أهملت المساهمات المنطقية والرياضية الأساسية التي قدمها تورينج ونيومان في مسيرة نجاح آلة مانشستر، ولا يُذكر في الوقت الحالي سوى فضل ويليامز وكيلبورن. في الواقع، لم يُؤكد على دور نيومان في تطوير أجهزة الحاسب بشكل كافٍ (ربما يرجع ذلك إلى طريقته في التعفف عن ربط ذاته بالأحداث ذات الصلة).

كان نيومان هو مَن قدَّمَ تورينج ومفهومه الذي أدى مباشرة إلى آلة تورينج، وذلك في محاضرة ألقاها في كامبريدج عام 1935: عرّف نيومان العملية الاستدلالية بأنها عملية يمكن للآلة تنفيذها (نيومان في مقابلة مع إيفانز، مرجع سابق). نتيجة لمعرفته بعمل تورينج، أصبح نيومان مهتمًا بإمكانيات آلات الحوسبة “بطريقة نظرية إلى حد ما”، على حد تعبيره. لكنه فجأةً اهتم بها عملياً بعد انضمامه إلى مكاتب الاتصالات البريطانية في عام 1942، وذلك عندما أدرك أنه بالإمكان ميكنة الهجوم على آلة توني Tunny. أثناء بناء كولوسس، حاول نيومان أن يلفت اهتمام فلاورز إلى ورقة تورينج-1936، وهي منشأ مفهوم “البرنامج المخزن”، لكن فلاورز لم يستفد الكثير من مدونات تورينج الغامضة. بلا شك أنه بحلول عام 1943، ترسخت عند نيومان فكرة استخدام التكنولوجيا الإلكترونية من أجل إنشاء آلة حوسبة رقمية متضمنة برنامجاً مخزنًا تعمل للأغراض العامة.

في يوليو 1946، في الشهر الذي وافقت فيه الجمعية الملكية على طلب نيومان تمويلاً لتأسيس مختبر آلة الحوسبة، بدأ فريدي ويليامز Freddie Williams، الذي كان يعمل في مؤسسة أبحاث الاتصالات السلكية واللاسلكية ببلدة مالفيرن Malvern، سلسلة من التجارب على التخزين بواسطة أنابيب أشعة الكاثود والتي ستؤول إلى ذاكرة أنبوب ويليامز. يشرح ويليامز، الذي كان مهندس رادار حتى ذلك الحين، كيف كان يعمل على مشكلة ذاكرة الحاسب:

بمجرد انهيار الجيوش الألمانية … لم يكن أحد سيهتم بالرادار، وكان مَن هم مثلي … في وضع صعب ما لم نجد شيئًا آخر نفعله. وكانت أجهزة الحاسب على وشك الظهور. لم أكن أعرف شيئًا عنها إطلاقاً، فقد تعلقت بمشكلة التخزين وعالجتها. (مقتبس في بينيت 1976).

عَلِمَ نيومان بعمل ويليامز، وبمساعدة جليلة من أستاذ الفيزياء في لانجورثي بجامعة مانشستر، باتريك بلاكت، وهو أحد أقوى الشخصيات في الجامعة، تم تعيين ويليامز البالغ من العمر 35 عامًا حينها في منصب رئيس قسم التقنيات الكهربائية Electro-Technics الذي كان لتوهِ شاغرًا. (كان كلاهما، نيومان وبلاكت، عضوين في لجنة التعيين (كيلبورن في مقابلة مع كوبلاند، 1997)). قام ويليامز على الفور بإعارة كيلبورن، مساعده في مالفيرن، إلى جامعة مانشستر. لنأخذ القصة عن ويليامز شخصيًا:

لم نكن أنا وتوم كيلبورن على علم بأجهزة الحاسب عندما وصلنا إلى جامعة مانشستر. لقد أوضحنا ما يكفي لفهمنا لمشكلة التخزين وما نريد تخزينه، وما حققناه، لذا وصلنا إلى النقطة التي كان يجب علينا اكتشاف كيف تعمل أجهزة الحاسب … أوضح نيومان كيف يعمل الحاسب لنا. (فريدريك ويليامز في مقابلة مع إيفانز [1976])

في موضع آخر من حديثه، كان ويليامز واضحًا فيما يتعلق بدور تورينج، وقد أعطى وصفاً مميزاً للتوضيح الذي تلقاه هو وكيلبورن:

لم نكن أنا وتوم كيلبورن نعرفُ شيئًا عن أجهزة الحاسب، ولكن كنا نعرف الكثير عن الدوائر الكهربائية. الأستاذ نيومان والسيد تورينج … كانا يعرفان الكثير عن أجهزة الحاسب ولا يعرفان شيئًا عن الإلكترونيات. أخذا بأيدينا وشرحا لنا كيف يمكن للأرقام أن تستقر في منازل لها عناوين، وكيف حينها يمكن تتبعها أثناء عملية الحساب. (ويليامز [1975]، ص 328)

يبدو أن نيومان قد استخدم مع ويليامز وكيلبورن الكلمات نفسها الذي استخدمها في خطابه الذي ألقاه أمام الجمعية الملكية في الرابع من مارس لعام 1948:

أشار البروفيسور هارتري … إلى أن جميع الأفكار الأساسية لآلات الحساب ذات الأغراض العامة المُصنَّعة حتى الآن موجودة في خطط باباج لمحركه التحليلي. في الأزمنة الحديثة، قُدِّمتْ فكرة آلة الحساب الشاملة بشكل مستقل بواسطة تورينج… الآلات التي تُصنع الآن في أمريكا وفي هذا البلد … هي في بعض الجوانب العامة … كلها متشابهة. هناك بند لتخزين الأرقام، على سبيل المثال في الجدول 2، بحيث يظهر كل رقم في صف واحد، مثلاً، أربعين صفرًا وواحدًا في أماكن معينة أو “منازل” في الجهاز. … تتم قراءة بعض هذه الأرقام، أو “الكلمات”، الواحدة تلو الأخرى، كأوامر. في نوع واحد محتمل من الأجهزة، يتكون الطلب من أربعة أرقام، مثلاً 4، 27، 13، 11. يشير الرقم 4 إلى “إضافة”، وعندما ينتقل التحكم إلى هذه الكلمة، سيتم توصيل المنزلتين H11 وH13 بالمُجمِّع كمدخلات، وH27 كمُخرَج. تمر الأرقام المخزنة في H11 وH13 عبر المُجمِّع، ويتم إضافتها، ثم يتم تمرير المجموع إلى H27. ثم ينتقل عنصر التحكم إلى الأمر التالي. في معظم الأجهزة الحقيقية، تتم العملية الموصوفة للتو من خلال ثلاثة أوامر منفصلة، أولها جلب H11 (أي محتوى H11) إلى مَجمع مركزي، والأمر الثاني إضافة H13 إلى المُجمِّع، والثالث إرسال النتيجة إلى H27؛ وبالتالي سيكون المطلوب فقط عنوان واحد في كل أمر. … إن الآلة المزودة بالتخزين، مع هذا الترتيب التبادلي الهاتفي الآلي Automatic-Telephone-Exchange وبمعية المُجمِّعات الضرورية، والمنقِّصات وما إلى ذلك، إذاً، هي بمعنى ما آلة شاملة بالفعل. (نيومان [1948]، ص 271-272)

بعد هذا الشرح لمفهوم تورينج ثلاثي العناوين (المصدر 1، المصدر 2، الوجهة، الوظيفة) واصل نيومان وصف تخزين البرنامج (“يجب أن تكون الأوامر في سلسلة من المنازل X1 ، X2 ، …”) والتفرع الشرطي. ثم لخص:

من هذا الحساب المبسط للغاية يتضح أن الأجزاء الداخلية الأساسية للجهاز هي: أولاً: مخزن للأرقام (وقد تكون أوامر أيضاً). … ثانيًا: مُجمِّعات ومضاعِفات، إلخ. ثالثًا، “بدالة هاتفية تلقائية” لاختيار “المنازل”، وربطها بالجهاز الحسابي، وكتابة الإجابات في المنازل المقررة الأخرى. أخيرًا، أداة نقل التحكم في أي مرحلة إلى أي أمر مُختار في حالة استيفاء شرط معين، أو الانتقال إلى الأمر التالي في التسلسل الطبيعي. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون هناك طرق لإعداد الجهاز في البداية لاستخراج الإجابة النهائية في شكل قابل للاستخدام. (نيومان [1948]، ص 273 – 4)

في رسالة كتبها عام 1972 وصف ويليامز بشيء من التفصيل ما قاله نيومان له ولكيلبورن:

في منتصف عام 1946، لاحت إمكانية التعيين في جامعة مانشستر، فتحدثت مع البروفيسور نيومان وقد كان مهتمًا بالفعل بإمكانية تطوير حواسب آلية، وقد حصل على منحة من الجمعية الملكية بقيمة 30000 جنيه إسترليني لهذا الغرض. منذ أن فهم هو أجهزة الحاسب وفهمت أنا الإلكترونيات، اتضحت إمكانية التعاون المثمر بيننا. أتذكر أن نيومان قدم لنا بعض المحاضرات التي أوضح فيها تنظيم الحاسب من حيث الأرقام التي يمكن تحديدها من خلال عنوان المنزل الذي تم وضعها فيها، ومن حيث الأرقام التي يمكن نقلها من هذا العنوان، واحدًا تلو الآخر، إلى المَركَم Accumulator حيث يُضاف كل رقم مُدخل إلى ما كان موجودًا في السابق به. في أي وقت، يمكن تحويل الرقم الموجود في المَركَم مرة أخرى إلى عنوان مخصص في المخزن وإخلاء المَركَم لاستخدامه مرة أخرى. كان من المقرر أن تُدار التنقلات بواسطة برنامج مُخزَّن يتم فيه الامتثال لقائمة من التعليمات بالتتابع. يمكن مقاطعة التقدم المطلوب من خلال تعليمات الاختبار التي تفحص علامة الرقم في المَركَم. بعد ذلك تبدأ العملية من نقطة جديدة من قائمة التعليمات. كانت هذه أول معلومات تلقيتها عن تنظيم أجهزة الحاسب. … كان أول جهاز حاسب لدينا هو أبسط تجسيد لهذه المبادئ، مع الاختلاف الوحيد أنه استخدم مَركَم الطرح بدلاً من مَركَم الجمع. (رسالة من ويليامز إلى راندل، 1972؛ في راندل [1972]، ص 9)

إنَّ مساهمة تورينج المبكرة في التطورات بمانشستر، كما ألمح ويليامز إليها في إشارته المذكورة أعلاه، ربما كانت عبر محاضراته ومحاضرات ويلكنسون حول تصميم الحاسب الآلي في لندن، خلال الفترة الممتدة من ديسمبر 1946 إلى فبراير 1947 (تورينج وويلكينسون [1946-197]). حضر تلك المحاضرات ممثلون عن منظمات مختلفة كانت تخطط لاستخدام أو بناء أجهزة حاسب إلكترونية. كان كيلبورن من بين الجمهور (بوكير وجيردانو 1993). (عندما يُسألُ عن مصدر معرفته الأساسية بالحاسب الآلي، عادة ما كان يُجيب بأنه لا يتذكر (رسالة من بريان نابر إلى كوبلاند، 2002)؛ على سبيل المثال، في مقابلة في عام 1992 قال: ‘بين أوائل عام 1945 وبداية عام 1947، في تلك الفترة، بطريقة أو بأخرى كنت أعرف ما هو الحاسب الرقمي … من أين حصلت على هذه المعرفة؟  ليست لدي أية فكرة! (بوكير وجيردانو 1993 ص 19).

مهما كان الدور الذي لعبته محاضرات تورينج في معرفة كيلبورن، فليس هناك شك في أن الفضل في الحصول على حاسب مانشستر – المسمى “آلة نيومان ويليامز” ظهر في وثيقة معاصرة (هسكي 1947) – لا يعود إلى ويليامز وكيلبورن فحسب، بل يعود أيضًا إلى نيومان، ومن الواضح أن تأثير ورقة تورينج-1936 على نيومان كان أكيدًا، كتأثيرها على حاسب فلاورز (كلوسوس).

كانت لعبة الداما هي أول برنامج يعمل بالذكاء الاصطناعي، برمجه كريستوفر ستراشي Christopher Strachey، ليعمل على الحاسب فيرانتي مارك الأول Ferranti Mark I، في مختبر مانشستر للحوسبة. كتب ستراشي الذي كان مدرسًا في مدرسة هرو Harrow ومبرمجًا هاويًا، البرنامج بتشجيع من تورينج، وباستخدام كتيب المبرمجين الأخير الذي كُتب مؤخرًا للحاسب نفسه. أصبح ستراشي فيما بعد مديرًا لمجموعة أبحاث البرمجة في جامعة أكسفورد. بحلول صيف عام 1952، تمكن البرنامج، وفقًا لستراشي “أن يلعب لعبة داما كاملة بسرعة معقولة”. شكَّلَ برنامجُ ستراشي الأساس لبرنامج لعبة الداما المعروفة لآرثر صموئيل Arthur Samuel. كما كتب ديتريش برينز أول برنامج للعبة الشطرنج لصالح جامعة مانشستر ليعمل، أيضًا، على الحاسب فيرانتي مارك الأول. تم تشغيل البرنامج لأول مرة في نوفمبر 1951. صُمِّمَ لحل التكتيكات السهلة للفوز بخطوتين، حيث سيقوم البرنامج بفحص كل خطوة ممكنة حتى يعثر على الحل. بدأ تورينج ببرمجة لعبته توروتشامب Turochamp، وهي لعبة شطرنج خاصة به تعمل على فيرانتي مارك الأول، لكنه لم ينتهِ منها. على عكس لعبة ديتريش برينز، يمكن لبرنامج توروتشامب أن يلعب لعبة كاملة (عند محاكاتها يدويًا)، ولم تكن تعمل عن طريق البحث الشامل Exhaustive Search بل كانت تعمل بالتوجيه الاستدلالي The Guidance of Heuristics.

 

إنياك وإدفاك

إنياك ENIAC، هو أول حاسب رقمي إلكتروني يعمل بكامل طاقته تم بناؤه في الولايات المتحدة، رُكِّبَ في كلية مور للهندسة الكهربائية، بجامعة بنسلفانيا، لصالح قسم الذخائر العسكرية، على يد جون بريسبر إيكيرت J. Presper Eckert وجون ماوكلي John Mauchly. تم بناؤه في عام 1945، وكان إلى حد ما يماثل الحاسب كولوسس، ولكنه أكبر بكثير، وأكثر مرونة منه (على الرغم من بُعده عن الأغراض العامة). كانت الوظيفة الأساسية التي صُمِّمَ إنياك من أجلها هي حساب الجداول المستخدمة في تصويب المدفعية. لم يكن إنياك يحتوي على برنامج مُخزَّن، فكان إعداده لوظيفة جديدة يحتاج إلى إعادة تجهيزه عن طريق تبديل المقابس والمفاتيح. لسنوات عديدة، كان يُعتقد أن إنياك هو أول حاسب رقمي إلكتروني، لأن كولوسس لم يكن معروفًا إلا لقلة من الناس.

في عام 1944، انضم جون فون نيومان إلى مجموعة إنياك. لقد أصبح “مفتونًا” (كلمة جولدستين، [1972]، ص 275) بآلة تورينج الشاملة بينما كان تورينج في جامعة برينستون خلال الفترة من 1936 إلى 1938. في مدرسة مور، شدد فون نيومان على أهمية مفهوم البرنامج المُخزَّن للحوسبة الإلكترونية، بما في ذلك إمكانية السماح للآلة بتعديل برنامجها الخاص بطرق مفيدة أثناء التشغيل (مثلاً: للتحكم في الحلقات والتفريع). كانت ورقة تورينج-1936 (“حول الأرقام القابلة للحساب، مع تطبيق مشكلة القرار Entscheidungsproblem”) مطلوبة للقراءة لأعضاء مشروع فون نيومان للحاسب بعد الحرب، في معهد الدراسات المتقدمة بجامعة برينستون (رسالة من جوليان بيجلو إلى كوبلاند، 2002؛ انظر أيضا كوبلاند [2004]، ص 23). يبدو أن إيكيرت أدرك بشكل مستقل، وقبل انضمام فون نيومان إلى مجموعة إنياك، أن الطريقة الوحيدة للاستفادة الكاملة من السرعة التي تعالج بها البيانات بواسطة الدوائر الإلكترونية هي وضع تعليمات مشفرة بشكل مناسب للتحكم في المعالجة بنفس السرعة العالية لأجهزة التخزين التي تحتوي على البيانات نفسها (مُوثَّقة في كوبلاند [2004] ، ص 26-7).

في عام 1945، بينما كان إنياك لا يزال قيد الإنشاء، أصدر فون نيومان مسودة تقرير، مذكورة سابقًا، توضح أفكار مجموعة إنياك حول بناء جهاز حاسب رقمي إلكتروني متعدد الأغراض ببرنامج مُخزّن، وهو إدفاك EDVAC (فون نيومان [1945]). بعد ست سنوات، تم الانتهاء من إدفاك، ولكن ليس من قبل مُنشئيه، الذين تركوا مدرسة مور لبناء أجهزة أخرى في مكان آخر. حضر الكثير، وعلى نطاق واسع، المحاضرات التي عقدت في مدرسة مور في عام 1946، والتي دارت حول حاسب إدفاك المقترح مما ساهم بشكل كبير في نشر الأفكار الجديدة.

كان فون نيومان شخصية مرموقة، وقد جعل مفهوم الحاسب الرقمي ذي البرنامج المخزَّن عالي السرعة مفهوماً معروفًا على نطاق واسع من خلال كتاباته وخطاباته العامة. نتيجة لمكانته العالية في هذا المجال، أصبح من المعتاد، على الرغم من عدم صدقه تاريخيًا، الإشارة إلى أجهزة الحاسب الرقمية الإلكترونية ذات البرامج المخزنة باسم “آلات فون نيومان”.

في رسالة، وصف ستانلي فرانكل، عالم الفيزياء في لوس ألاموس، والمسؤول مع فون نيومان وآخرين عن ميكنة الحسابات واسعة النطاق التي ينطوي عليها تصميم القنبلة الذرية، وجهة نظر فون نيومان حول أهمية ورقة تورينج-1936:

أعلم أنه في حوالي عام 1943 أو في عام 1944، كان فون نيومان مُدركًا للأهمية الأساسية لورقة تورينج-1936… قدم لي فون نيومان تلك الورقة وبعد إلحاحه درستها بعناية. اعتبر العديد من الناس فون نيومان “أب الحاسب” (بالمعنى الحديث للمصطلح) لكنني على ثقة من أنه ما كان ليرتكب هذا الخطأ بنفسه. ربما قد يُطلق عليه لقب “قابلة”، فقد أكد لي، ولآخرين، أن المفهوم الأساسي يعود إلى تورينج، بقدر لم يكن ليتوقعه باباج … بالطبع، كلاً من تورينج وفون نيومان قدما أيضًا مساهمات كبيرة في “اختزال تطبيق” هذه المفاهيم، لكنني لا أعتبر هذه المساهمات قابلة للمقارنة من حيث الأهمية مع تقديم وشرح مفهوم الحاسب القادر على تخزين أنشطته في برنامج بذاكرته وتعديل ذلك البرنامج خلال هذه الأنشطة. (مقتبس في Randell [1972]، ص 10)

 

أجهزة الحاسب المبكرة البارزة الأخرى

أجهزة الحاسب الرقمية الإلكترونية المبكرة الأخرى ذات البرامج المخزَّنة:

  • إدساك EDSAC، 1949، بُني في جامعة كامبريدج، على يد موريس ويلكس

  • بيناك BINAC، 1949، بنته شركة إيكيرت وماوكلي للتحكم الإلكتروني، فيلادلفيا (اختلفت الآراء حول نجاحه)

  • الزوبعة الأول Whirlwind I، 1949، مختبر الحاسب الرقمي، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، جاي فوريستر.

  • سيك SEAC، 1950، المكتب الأمريكي للمعايير، القسم الشرقي بواشنطن العاصمة، صمويل ألكسندر، رالف سلوتز

  • سواك SWAC، 1950، المكتب الأمريكي للمعايير، القسم الغربي، معهد التحليل العددي، جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، هاري هوسكي

  • يونيفاك UNIVAC، 1951، شركة إيكيرت وماوكلي للحاسب الآلي، فيلادلفيا (أول حاسب يتوفر تجاريًا في الولايات المتحدة)

  • حاسب معهد الدراسات المتقدمة IAS، 1952، معهد الدراسات المتقدمة بجامعة برينستون، جوليان بيجلو، آرثر بيركس، هيرمان جولدستين، فون نيومان، وآخرون (بفضل نشر فون نيومان لمواصفات حاسب IAS، أصبحت نموذجًا لمجموعة من أجهزة الحاسب المعروفة باسم آلات “فئة برينستون” Princeton Class؛ كان لهذا الحاسب أيضًا تأثيرًا قويًّا على الحاسب آي بي إم 701 IBM 701)

  • آي بي إم 701 IBM 701، 1952، أول حاسب إلكتروني ببرنامج مُخزَّن يتم إنتاجه بكميات كبيرة.

 

ذاكرة عالية السرعة

دعت مقترحات إدفاك EDVAC وأيه سي إي ACE إلى التوجه إلى الأنابيب المملوءة بالزئبق، والتي تسمى “خطوط التأخير”، وذلك لاستخدامها في الذاكرة الداخلية عالية السرعة. يُعرف هذا الشكل من الذاكرة بالذاكرة الصوتية. طوِّرت خطوط التأخير في البداية لإلغاء الصدى في الرادار؛ نشأت فكرة استخدامها كأجهزة ذاكرة مع إيكيرت في مدرسة مور. هنا وصف تورينج لها:

يُقترح بناء وحدات “خط تأخير” تتكون من أنابيب … زئبقية بطول خمسة أقدام وقطر بوصة واحدة في تماس مع بلورة كوارتز في كل طرف. سرعة الصوت في… الزئبق… مثل التأخير سيكون 1.024 مللي ثانية. قد تكون المعلومات المراد تخزينها عبارة عن سلسلة من 1024 “رقمًا” (صفر أو واحد) … سيتم تمثيل هذه الأرقام بتسلسل مماثل من النبضات. الرقم صفر … سيتم تمثيله بغياب نبضة في وقت مُحدد، والرقم 1 … بحضوره. يتم تأثر هذه السلسلة من النبضات في نهاية الخط بواسطة بلورة بيزو Piezo واحدة، ويتم نقلها عبر الخط في شكل موجات فوق صوتية ثم تُحوَّلُ إلى جهد متغير بواسطة البلورة في النهاية الأخرى. يتم تضخيم هذا الجهد بشكل كافٍ لإعطاء خرج بمقدار 10 فولت من الذروة إلى الذروة، ويستخدم للبوابة نبضة قياسية تولدها الساعة. يمكن تغذية هذه النبضة مرة أخرى في الخط عن طريق البلورة المرسلة، أو نقوم بتغذية بعض الإشارات المختلفة تمامًا. لدينا أيضًا إمكانية توجيه النبضة المسورة إلى جزء آخر من الآلة الحاسبة إذا احتجنا إلى هذه المعلومات في ذلك الوقت. الاستفادة من المعلومات لن يعوق بالطبع إمكانية الاحتفاظ بها أيضًا. (تورينج [1945]، ص 375)

اُستخدمت ذاكرة خط تأخير الزئبقية ضمن الحواسب: إدساك وبيناك وسيك والنموذج التجريبي من أيه سي إي وإدفاك وديوس وأيه سي إي الكامل (1958). كانت الميزة الرئيسية لخط التأخير كوسيط للذاكرة، كما قال تورينج، أنها “غير مُقلقة” (تورينج [1947]، ص 380). في المقابل، كان عيبها الأساسي هو استحالة الوصول العشوائي، بالإضافة إلى أن الوقت المستغرق لإصدار تعليمات أو رقم للخروج من خط التأخير يعتمد على مكان حدوثه على الخط.

لتقليل وقت الانتظار إلى حده الأدنى، عدَّل تورينج ترتيب مواضع التعليمات بحيث لا تكون في مواضع متتالية على خط التأخير، بل في مواضع نسبية يختارها المبرمج بحيث تظهر كل تعليمة في الوقت المطلوب بالضبط، بالقدر الممكن. مُضيفاً في كل تعليمة مواصفات موقع التعليمة التالية. أصبح هذا النظام يُعرف لاحقًا باسم “الترميز الأمثل”. لقد كانت سمة أساسية لكل إصدار من تصميم إيه سي إي ACE. لقد جعل “الترميز الأمثل” البرمجة أكثر صعوبة وغير مرتبة، لكن الميزة التي أضافها من حيث السرعة كانت كبيرة. بفضل الترميز الأمثل، كان النموذج التجريبي من أيه سي إي Pilot Model ACE قادرًا على القيام بإجراء عملية ضرب الأعداد العشرية في ثلاثة ملّي ثانية، بينما كان كمبيوتر إدساك الخاص بويلكيس Wilkes’s EDSAC يستغرق 4.5 ملّي ثانية لمضاعفة عدد صحيح.

في أنبوب ويليامز أو الذاكرة الكهروستاتيكية، المذكورة سابقًا، تم تخزين مجموعة مستطيلة ثنائية الأبعاد من الأرقام الثنائية على سطح أنبوب أشعة الكاثود المتوفر تجاريًا. كان الوصول إلى البيانات فوريًا. استخدمت ذواكر أنبوب ويليامز في سلسلة آلات مانشستر، وفي الحاسب سواك SWAC، وآي أيه إس IAS، وآي بي إم 701 IBM 701، كما استخدم شكل معدل منها في حاسب الزوبعة الأول Whirlwind I (حتى استبدل بذاكرة نواة مغناطيسية في عام 1953).

على جانبي المحيط الأطلسي، طوِّرت الذواكر الأسطوانية Drum Memories، حيث يتم تخزين البيانات مغناطيسيًا على سطح أسطوانة معدنية. يبدو أن الفكرة الأولية كانت فكرة إيكيرت. وفَّرت الذاكرة الأسطوانية كميات كبيرة من الذاكرة بشكل معقول وبسرعة متوسطة، واستخدمت كملحق للذاكرة الصوتية أو الكهروستاتيكية عالية السرعة. في عام 1949، جُهز حاسب مانشستر بنجاح بذاكرة اسطوانية أنشأها مهندسو جامعة مانشستر على النموذج الذي طوره أندرو بوث Andrew Booth  من كلية بيركبيك بلندن.

كان الحدث الرئيس الأخير في التاريخ المبكر للحساب الإلكتروني هو تطوير ذاكرة النواة المغناطيسية. أدرك جاي فورستر أن خصائص التباطؤ للنواة المغناطيسية، المستخدمة عادةً في المحولات، تفسح المجال لتنفيذ الوصول العشوائي لمصفوفة ثلاثية الأبعاد من الحالة الصلبة. في عام 1949، في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بدأ في التحقيق في هذه الفكرة تجريبيًا. سرعان ما قادت التجارب المبكرة مع النواة المعدنية إلى تطوير ذاكرة نواة الفريت الفائق Superior Ferrite. تعهدت شركة المعدات الرقمية Digital Equipment Corporation ببناء جهاز حاسب مشابه لحاسب الزوبعة الأول كآلة اختبار لذاكرة نواة الفريت. تم الانتهاء من حاسب الاختبار في عام 1953. في عام 1954، اُستخدام الحاسب لأول عملية محاكاة للشبكات العصبية بواسطة بلمونت فارلي وويسلي كلارك من مختبر لينكولن بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (انظر كوبلاند وبرودفوت [1996]).

بمجرد أن اتضح أن ذاكرة النواة الفريتية Ferrite Core Memory  ذات موثوقية مُطلقة، وذات سعر منخفض نسبيًا، وقدرة عالية وأمد دائم، سرعان ما استبدل بها جميع أنواع الذاكرات الأخرى عالية السرعة. اُعتِمدَتْ ذاكرة النواة على نطاق واسع بعدما استخدمت على حواسب آي بي إم: 704، و705، التي أُعلن عنهما في مايو وأكتوبر من عام 1954، على التوالي.


المراجع

Works Cited

  • Babbage, C. (ed. by Campbell-Kelly, M.), 1994, Passages from the Life of a Philosopher, New Brunswick: Rutgers University Press
  • Bennett, S., 1976, ‘F.C. Williams: his contribution to the development of automatic control’, National Archive for the History of Computing, University of Manchester, England. (This is a typescript based on interviews with Williams in 1976.)
  • Bowker, G., and Giordano, R., 1993, ‘Interview with Tom Kilburn’, Annals of the History of Computing15: 17–32.
  • Copeland, B.J. (ed.), 2004, The Essential Turing Oxford University Press
  • Copeland, B.J. (ed.), 2005, Alan Turing’s Automatic Computing Engine: The Master Codebreaker’s Struggle to Build the Modern Computer Oxford University Press
  • Copeland, B.J. and others, 2006, Colossus: The Secrets of Bletchley Park’s Codebreaking Computers Oxford University Press
  • Copeland, B.J., and Proudfoot, D., 1996, ‘On Alan Turing’s Anticipation of Connectionism’ Synthese108: 361–377
  • Evans, C., 197?, interview with M.H.A. Newman in ‘The Pioneers of Computing: an Oral History of Computing’, London: Science Museum
  • Fifer, S., 1961, Analog Computation: Theory, Techniques, Applications New York: McGraw-Hill
  • Ford, H., 1919, ‘Mechanical Movement’, Official Gazette of the United States Patent Office, October 7, 1919: 48
  • Goldstine, H., 1972, The Computer from Pascal to von Neumann Princeton University Press
  • Huskey, H.D., 1947, ‘The State of the Art in Electronic Digital Computing in Britain and the United States’, in [Copeland 2005]
  • Newman, M.H.A., 1948, ‘General Principles of the Design of All-Purpose Computing Machines’ Proceedings of the Royal Society of London, series A, 195 (1948): 271–274
  • Randell, B., 1972, ‘On Alan Turing and the Origins of Digital Computers’, in Meltzer, B., Michie, D. (eds), Machine Intelligence 7, Edinburgh: Edinburgh University Press, 1972
  • Smith, B.C., 1991, ‘The Owl and the Electric Encyclopaedia’, Artificial Intelligence47: 251–288
  • Thomson, J., 1876, ‘On an Integrating Machine Having a New Kinematic Principle’ Proceedings of the Royal Society of London24: 262–5
  • Turing, A.M., 1936, ‘On Computable Numbers, with an Application to the Entscheidungsproblem’ Proceedings of the London Mathematical Society, Series 2, 42 (1936–37): 230–265. Reprinted in The Essential Turing (Copeland [2004]).
  • Turing, A.M, 1945, ‘Proposed Electronic Calculator’, in Alan Turing’s Automatic Computing Engine (Copeland [2005])
  • Turing, A.M., 1947, ‘Lecture on the Automatic Computing Engine’, in The Essential Turing (Copeland [2004])
  • Turing, A.M., and Wilkinson, J.H., 1946–7, ‘The Turing-Wilkinson Lecture Series (1946-7)’, in Alan Turing’s Automatic Computing Engine (Copeland [2005])
  • von Neumann, J., 1945, ‘First Draft of a Report on the EDVAC’, in Stern, N. From ENIAC to UNIVAC: An Appraisal of the Eckert-Mauchly Computers Bedford, Mass.: Digital Press (1981), pp. 181–246
  • Williams, F.C., 1975, ‘Early Computers at Manchester University’ The Radio and Electronic Engineer45 (1975): 237–331
  • Wynn-Williams, C.E., 1932, ‘A Thyratron “Scale of Two” Automatic Counter’ Proceedings of the Royal Society of London, series A, 136: 312–324

Further Reading

  • Copeland, B.J., 2004, ‘Colossus — Its Origins and Originators’ Annals of the History of Computing26: 38–45
  • Metropolis, N., Howlett, J., Rota, G.C. (eds), 1980, A History of Computing in the Twentieth Century New York: Academic Press
  • Randell, B. (ed.), 1982, The Origins of Digital Computers: Selected Papers Berlin: Springer-Verlag
  • Williams, M.R., 1997, A History of Computing Technology Los Alamitos: IEEE Computer Society Press
  •  

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

   

مصادر أخرى على الإنترنت

مداخل ذات صلة

computability and complexity | recursive functions | Turing, Alan | Turing machines


[1] Copeland, B. Jack, “The Modern History of Computing”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2020 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2020/entries/computing-history/>.