مجلة حكمة
معنى الأدب وما ينطوي عليه في اللغة الفارسية

معنى الأدب وما ينطوي عليه في اللغة الفارسية – مانا كيا / ترجمة: ترجمة: سارة إبراهيم الحماد

تترجم غالبًا كلمة “أدب” الفارسية في اللغة الإنجليزية إلى “الأخلاق” أو “الآداب” إلا أن كلمة أدب في اللغة الفارسية تنطوي على ما هو أبعد من دماثة الخُلق. إنها تعني الصورة الاجتماعية والجمالية اللائقة التي تكوّن جوهرًا محمولًا عبر الثقافة الفارسية وصولاً إلى المعنى.

كانت الفارسية لغة التعلم والثقافة والقوة لملايين الناس في مختلف الإمبراطوريات والسياسات الإقليمية حول آسيا الغربية والجنوبية والوسطى، ولم تكن لغة مكان اسمه بلاد فارس – يستخدم هذا الاسم في اللغات الأوروبية فقط – أما المكان فيعرف بإيران، واستخدام هذا الاسم لوصف أهلها يحجب حقيقة أن متحدثي الفارسية عاشوا في أماكن أخرى عديدة، ويستخدم العلماء كلمة “الفارسية” بازدياد على أنها رمزًا ثقافيًا للفارسية باعتبارها لغة مشتركة بين الأقاليم. عاشت كلمة “أدب” الفارسية – بمعنى الصور الاجتماعية والجمالية اللائقة – في هذه اللغة من خلال مجموعة التعليم الأساسي: شعرها وقصصها ونصوصها المنتشرة انتشارًا واسعًا على مدى ستة قرون. وكان لا بد أن تكون فارسيًا ضليعًا حتى تتعلم الأدب، وتتعلم هذه الأشكال المعينة من الكتابة والتعبير والإيماءات والأفعال، وتحدد اللحظات المناسبة لها وتجسدها بإقناع.

وتواجد مصطلح “أدب” في لغاتٍ أخرى مرتبطة بالفارسية، ومنها العربية والأردية وصيغ مختلفة من التركية المنطوقة في الأناضول وآسيا الوسطى (العثمانية، تشاغاتاي والأوزبكية). ولكن ما كان يعد صورة اجتماعية أو جمالية لائقة هو ما تشكّل تحديدًا ضمن تقاليد لغوية معينة، فالكرم مثلاً قد يختلف في القصص بلغة معينة، ويكون مطلوبًا في لحظاتٍ أخرى. وقد كان المتعلمون والأقل منهم تعليمًا في أنحاء أوراسيا يتحدثون لغات عديدة بطرق مختلفة، وكانت هذه التقاليد المتنوعة تتخلل بعضها البعض مع انتشار التقاليد اللغوية من رواة القصص والخطباء والقرّاء والشعراء المتسولين والأئمة، ولكن بعد القرن الثالث عشر في الشرق الإسلامي في الأناضول وبالتحديد خارج بغداد، أصبحت اللغة الفارسية لغة الإمبراطوريات الحديثة؛ حيث تربط هذه التقاليد الأخرى وتشكّل أصل الأدب.

على سبيل المثال، كان كتاب كلستان (1258) أو روضة الورد للشاعر سعدي الذي عاش في القرن الثالث عشر نموذجًا للكتابة النثرية الجميلة ونموذجًا للسلوك الاجتماعي كذلك. وقد كان كلستان أول كتاب فارسي يقرؤه الأطفال كجزء من تعليمهم الابتدائي من البلقان إلى البنغال ومن آسيا الجنوبية إلى سيبيريا. أما في آسيا الفارسية، فقد كان البالغون يدرسونه أيضًا. ولم تكن قصص سعدي وأسلوبه يمتعّان القرّاء فحسب، بل ويعلمانهم الأدب كذلك. يمكن للكثيرين أن يستمتعوا بالقصص ويفهموا الدروس فهمًا محدودًا أو قد لا يفهمونها نهائيًا، إنما قد يثبت البعض أنفسهم بأنهم أصحاب القلوب؛ أي أن القلب أساس وعيهم -sahibdil بالفارسية-، ويعون الحكمة الكامنة وراء النص.

تضمنت فصول كلستان (روضة الورد) غالبًا على أمثلة أو قطع نثرية قصيرة مع أبيات شعرية تؤكد معناها، ففي فصل Suhbat (أي آداب المحادثة والصحبة) قرأنا:

اثنان جهدا بلا جدوى وسعيا بلا فائدة؛ الأول من جمع مالاً وما أكل، والثاني من تعلّم العلم وما عمل. 
مهما درست العلم كيما تكتمل .. تُعدّ فيه جاهلاً بلا عمل 
وهل يعدّ عالماً بين البشر .. إذا من الكتب حمار قد وُقر 
متى درى الحمار مبتور الذنب .. بظهره تُحمل كتب أو حطب؟

بعض الأمور لا يتحقق وجودها إلا عند إظهارها للعالم، فالعلم هنا لا يتحقق وجوده إلا عندما تعمل به، أي تظهره بأفضل وسيلة، وإلا ستكون جاهلًا كما يصف سعدي وسيكون علمك هباءً منثورا. وكان الأدب يكتسب من العلم، إذ كان يمكّن المرء المتعلّم من ممارسة التصرفات الحَسَنة التي تغرس السلوكيات المنشودة، وفي الوقت ذاته، لم يكن العلم متاحًا للجميع، أو لم يكن متاحًا بنفس الدرجة.

وتحكي أول قطعة في فصل كلستان “تأثير التربية” حكاية وزيرٍ أرسل ابنه البليد إلى عالِم بغيةً في تربيته، ورغم اجتهاد العالم المضني إلا أن الولد لم يتأثر، فأرسله إلى أبيه بعد أن صيّره مجنونًا. يتركنا سعدي بعد ذلك مع أبيات من ثلاثة أسطر تؤكد المقصد الذي مفاده أن كل جهود العالم في التربية لن تحدث تأثيرًا ما لم يكن جوهر التلميذ صافيًا أساسًا. وآخر بيت هو أحد أكثر الاقتباسات انتشارًا في الكتابة والخطابة عند الإشارة إلى نفس المقصد، وهو نص مقتبس من القطعة: “حمار يسوع لو مضى نحو مكةٍ .. وعاد فهل تلفيه غير حمار”

أما قطع الفصل التالي فهي على النقيض من ذلك، إذ تؤكد على أهمية تعلّم العلم، لا سيّما لأنواع معينة من الناس مثل الأمراء والوزراء الذين يأخذون بمشورتهم والمسؤولون الحكوميون والعلماء الذين يهتدوا الناس بفتواهم. وكان التحدي الذي يواجه القارئ هو فهم من يحتاج إلى التعليم ومتى يدرك أن بعض الأشخاص لا يمكنهم التعلم، والجوهر لا يمكن أن يكون دائمًا معروفًا من عوامل كالولادة أو الوضع الاجتماعي، فلم يكن ابن الوزير مناسبًا ليحذو حذو والده. لقد كان هذا نظامًا أخلاقيًا يقر بالاختلافات الجوهرية بين الناس؛ لم يكن الجميع كفئًا ليصبحوا وزراء.

كان على المرء أن يعرف ماذا يفعل وماذا يقول في أي موقف حتى يتبين أدبه الاجتماعي، وهذا يتطلب معرفة القيم القيّمة وعلاقتها ببعض وكيفية الاجابة جيدًا عندما تكون بين أكثر من مطلب.

في عبارة أخرى، كان لا بد للفارسي حتى يكون مؤدبًا أن يعرف متى يعارض ومتى يقبل ومتى يصمت ومتى يتكلم، ثم كيف يتكلم على نحوٍ سليم. ومن الجلي أن الأدب – أي السلوك والكلام المناسبان في موقف معين – لم يكن دائمًا مباشرًا، فقد كان الضغط أحيانًا هو الهدف. والذين استطاعوا التغلب على هذا الضغط بإقناع كانوا هم الذين يلقون الاعجاب (مشيرًا إلى الجمهور الحاضر دائمًا للفرس الآخرين.)

أُتفق على هذه الشروط على نطاق واسع بين شريحة واسعة من الناس، من الأدباء (مثل الشعراء والعلماء والكتاب) إلى رجال السلطة (مثل القضاة والمسؤولون والقادة العسكريون) وفي عالمٍ آخر خفي (مثل الصوفيين) رغم وجود صراعات متكررة وخلافات حول تفسير كل شيء من السياسية أو معنى التاريخ أو حتى ما يشكل الشعر الجيد. حتى أن الصوفيين اختلفوا فيما بينهم حول الطريق الصحيح إلى الله وكان كل طريق يشكل نظامًا صوفيًا خاصًا به.

فعلى سبيل المثال، وضع الشاعر حزين اللاهيجي المعروف بازدرائه العلني من المحكمة التيمورية زميله المهاجر والخادم الإمبراطوري واله داغستاني في وضع لا يحسد عليه؛ وذلك في القرن الثامن عشر في دلهي. ويوضح واله كيف تفاوض على مسارٍ أخلاقي من خلال التزامات متضاربة (ذات تداعيات سياسية) حيث يقول:

بالرغم من أن الكياسة والإنصاف أمران أساسيان لكرامة الشيخ إلا أنه (حزين) سخر سخريةً واهية من جميع الناس في هذه المنطقة بدءًا من الملك إلى النبلاء إلى جميع الناس، وتصرف بأفعالٍ لا تليق بكرامة الشيخ. ولم تكن محاولاتي لمنعه عن هذا السلوك المشين مجديةً؛ بل إنه مستمر حتى الآن. واحترامًا ووفاءً للملك والتزامات الرفقة مع النبلاء وغيرهم من المعارف الذين لا ذنب لهم، فقد اعتذرت لهم وقطعت علاقتي بهذا الرجل العظيم والمثقف وكأنني لم أعرفه من قبل.

هنا يبرر واله نفسه في إحياء ذكرى سيرة حزين التي انتشرت انتشارًا واسعًا حول الهند وإيران. ومع أنه تخلى عن الشاعر الكبير الذي كان يزدريه إلا أنه أظهر نفسه بأنه صاحب قلب وصاحب عقل من خلال التحلي المقنع بآداب الخدمة الأخلاقية.

وكما يمكن للأدب أن يفرق بين رجلين مسلمين من الشيعة فإنه يمكن أن يجمع بين آخرين عبر خطوطٍ من الاختلافات، داخل وعبر الإمبراطوريات العظيمة متعددة الطوائف والأعراق في أوائل العالم الإسلامي الشرقي الحديث. وهذا هو الأساس التأويلي (بما في ذلك الأخلاق) الذي فهم من خلاله الفرس في المناطق والمجتمعات الدينية أنفسهم ومثلوها، وارتبطوا بالآخرين ومجتمعاتهم.