النزعة الطبيعية في نظرية المعرفة “الإبستمولوجيا” – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمود الشامي

النزعة الطبيعية في نظرية المعرفة “الإبستمولوجيا” – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمود الشامي


حول الإبستمولوجيا والنزعة الطبيعية فيها ما قبل كوين، والانتقادات الموجه له فيما بعد؛ نص مترجم للـد. باتريك رايزيو، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


تمتلك النزعة الطبيعية في نظرية المعرفة”الإبستمولوجيا”- كما في غيرها من المجالات – تاريخًا طويلًا، لكن يمكن القول بأنه لم يتم إعطاؤها تلك التسمية ولم يتم تركيز الاهتمام عليها إلا في وقت متأخر نسبيًا، وكما هو الحال مع مجالات أخرى للفلسفة تشغل التساؤلات بخصوص مزايا النزعة الطبيعية موضعًا مركزيًا داخل النقاشات الإبستمولوجية الحديثة ، وبينما اتفقت العديد من النظريات والمواقف الإبستمولوجية إما على اتباع نهج الإبستمولوجيا الطبيعية أو معارضتها إلا أنَّ تمييز المصطلح بدقة يبدو أمرًا صعبًا بما أنَّ مصطلح “نزعة طبيعية” صار يُسْتَخْدَمُ للإشارة إلى نطاق يجمع مجموعة من المواقف والالتزامات وما إلى ذلك . يمكن اعتبار الإبستمولوجيا الطبيعية إذن نزعة أو مقاربة عامة في التنظير الإبستمولوجي أكثر من كونها أطروحة/أطروحات ثابتة محددة . مع ذلك ، يدفع أنصار الإبستمولوجيا الطبيعية – بشكل عام – في اتجاه وجوب إيجاد صلات وثيقة بين التحقيقات الفلسفية “تلك التي تتعلق بأمور من قبيل: المعرفة، التسويغ، العقلانية،إلخ” والعلم الطبيعي التجريبي . فيما عدا ذلك، نجد أنَّ آراء أنصار الإبستمولوجيا الطبيعية تتباعد بشأن كيفية تصورهم لتلك الصلات الوثيقة ” سيتم تفصيل ذلك لاحقًا “، تحديدًا بخصوص كونهم يؤيدون – ولأي مدى – استخدام الأساليب التجريبية ، أو يصرون على ملاءمة نتائج مجالات بعينها من مجالات البحث التجريبي، أو يلجؤون تحديدًا إلى خصائص أو علاقات طبيعية معروفة في تقاريرهم بخصوص ظواهر إبستيمية “معرفية” مركزية محددة . نرى إذن أنَّ أنصار الإبستمولوجيا الطبيعية يختلفون أيضًا بخصوص أيِّ نتائج علمية يمكنها أن تكون ذات صلة بالنظرية الإبستمولوجية،سواء أكانت تلك الخاصة بعلم النفس بالإضافة إلى/أو علم الإدراك،أو علم سلوك الحيوان (الاثنولوجيا)،أو الدراسات الثقافية،أو نظرية التطور،أو النظرية الاجتماعية،أو غيرها من مجالات البحث التجريبي .

الإبستمولوجيا الطبيعية يمكنها أيضا أن تُفْهَمَ بصفتها محاولة لاستدراك أوجه القصور المتصورة في ما يُسَمَّى عادة بـ ” الإبستمولوجيا التقليدية “،[1]هنا أيضًا نجد أنصارًا متنوعين للنزعة الطبيعية تحركهم مشاغل متنوعة. يُنْظَرُ من عديد الزوايا إلى الإبستمولوجيا التقليدية على أنها مهتمة على نحوٍ مفرط وغير مثمر بالانشغالات الشكوكية، بالإضافة إلى الاهتمام المفرط بنتائج تنظيرات ما يُعْرَفُ باسم ” تنظيرات الكرسي الهزاز” (والتي قد تكون معرفة أولية a priori، وقد تكون – في النهاية – نتائج خاصة ومُمَيِّزَةً لحالة بعينها idiosyncratic)، وهي أيضًا تتوجه ناحية دراسة “مفاهيمنا” عن العديد من الحالات والخصائص دون أن تعطي الانشغال الكافي بالظواهر الإبستمولوجية نفسها ، كما أنها تعمل دون اهتمام بالظروف التي تنتج فيها المعرفة واقعيًا و/أو يتم مشاركتها ، وبحدود وملامح وتاريخ الإدراك البشري الفعلي ، وغيرها من الأمور.[يُسْتَخْدَمُ مصطلح “تنظيرات الكرسي الهزاز” بكثرة في النقاشات بين النزعتين الداخلية والخارجية في الإبستمولوجيا وفلسفة العقل وفلسفة اللغة، ويَرِدُ عادةً في سياق وصف الفرد المُسْتَبْطِنُ لحالاته ومفاهيمه الداخلية الخاصة ، أو الحائز على الشروط السليمة لتسويغ الاعتقادات عبر التَأَمُّل المُدَقِّق ، وهو ما تقبله النزعة الداخلية وترفضه الخارجية]

لو وضعنا في اعتبارنا أنَّ الاختلافات بين النظريات الطبيعية تُصَعِّبُ إعطاء الإبستمولوجيا الطبيعية وصفًا دقيقًا لن نندهش إذن إذا قلنا أنَّ الانقسام بين الإبستمولوجيا الطبيعية والإبستمولوجيا التقليدية في حد ذاته يبدو مُبَالَغًا في تصوره . بالتأكيد كما أنَّ هناك حالات نجد فيها أنَّ نظرية ما تنتمي بوضوح لأحد طرفي التقسيم ، وكما أنَّ هناك اختلافات حقيقية بين الإبستمولوجيا الطبيعية والإبستمولوجيا التقليدية ومعروفة على نطاق واسع ، إلا أنَّنَا – مع ذلك – نجد العديد من النظريات الإبستمولوجية المحددة التي تدمج عناصر من الطرفين ، وبالتالي فإنَّ أيَّ محاولة لتقسيم النظريات الإبستمولوجية المتواجدة حاليًا بإحكام إلى قسم منتمٍ للإبستمولوجيا الطبيعية وآخر للتقليدية ستنتهي حتمًا إلى التضحية بدقة الوصف .

سوف يعرض البحث القادم بعض الادعاءات والالتزامات والصياغات المهيمنة التي أخذت بها الإبستمولوجيا الطبيعية ، وأمثلة محددة على بعض وجهات النظر الطبيعية . وسوف نناقش أيضًا الدوافع الأساسية للإبستمولوجيا الطبيعية والاعتراضات الرئيسية ضدها . وأخيرًا (وفي بعض الحالات سنفعل ذلك على مدار البحث) سوف نتعرض باختصار إلى العلاقة بين الإبستمولوجيا الطبيعية وبعض المواضيع والمواقف والتطورات الحديثة المهمة – بعضها يعتبر مثيرًا للجدل بنفس قدر الإبستمولوجيا الطبيعية نفسها – ، وهذا يتضمن : النزعة الخارجية“externalism”،والفلسفة الاختبارية“experimental philosophy”،والإبستمولوجيا الاجتماعية“social epistemology”، والإبستمولوجيا النسوية“ feminist epistemology”،والإبستمولوجيا التطورية“evolutionary epistemology”، ونقاشات حول طبيعة العقلانية من منظور إبستيمي “معرفي”.

 

  • 1. توجيه عام

  • 1.1 بعض الملامح الرئيسية للإبستمولوجيا التقليدية

  • 2.1 الإبستمولوجيا الطبيعية: بعض الأشكال والمواضيع الرئيسية

  • 3.1 الإبستمولوجيا الطبيعية: إشارة موجزة عن تاريخ – ما قبل كواينQuine

  • 2. الإبستمولوجيا متطبعة

  • 3. ردود أفعال انتقادية لموقف كواين

  • 1.3 خمسة اعتراضات

  • 2.3 بعض الردود، وتوضيحات إضافية للمشكلات

  • 4. الإبستمولوجيا تجريبية على نحوٍ شامل

  • 1.4 المعرفة والإبستمولوجيا

  • 2.4 المعيارية الإبستيمية

  • 3.4 الحدوس والطابع الأَوَّلِي

  • 5. النزعة الطبيعية المعتدلة

  • 1.5 التحليل المفهومي، الحدوس، ومنهجية البحث الإبستمولوجي

  • 2.5 الحدوس، المعايير، والتجارب

  • 6. مواضيع ومقاربات أخرى

  • 1.6 الإبستمولوجيا الاجتماعية

  • 2.6 الإبستمولوجيا النسوية

  • 3.6 نقاشات حول العقلانية

  • المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مقالات ذات صلة


 

 

  1. توجيه عام

تميل النقاشات المعاصرة بخصوص الإبستمولوجيا الطبيعية إلى اتخاذ ورقة كواين البحثية بالغة التأثير والتي نشرها في عام 1969 “الإبستمولوجيا متطبعة “Epistemology Naturalized كنقطة بدء . قبل أن نتناول هذا العمل ، سوف تساعدنا معرفة البعض من الخلفية التاريخية على فهم الملامح العامة للنهج التقليدي للتنظير الإبستمولوجي ، والمواضيع المتنوعة داخل مجال الإبستمولوجيا الطبيعية ، وتاريخ الإبستمولوجيا الطبيعية – ما قبل كواين – . يمكن القول هنا إنَّ نقطة البداية هي حتمًا ديكارت Descartes ، الذي يصنف على نطاق واسع باعتباره “مؤسس الإبستمولوجيا الحديثة” ((Sosa 2003: 554، قارن مع : (BonJour 2002: 6).

 

1.1 بعض الملامح الرئيسية للإبستمولوجيا التقليدية

كان هدف ديكارت المعلن يتمثل في “البدء مجددًا من أُسُس العلم” (التأملات الأولى،1988 [1641]: 17)، أو بتعبير آخر: لكي يُكْسِبُ أسس البحث – في ذاتها – المشروعية، ولكي يوضح كيف يجب توجيه أنفسنا معرفيًا من أجل تحصيل المعرفة وتجنب الخطأ. إن إدراك إمكانية الأخطاء الجسيمة (والذي يظهر بشكل جلي أثناء اللجوء لأساليب إمكانيات شَكِّيَّة معينة) بالتأكيد كان له تأثير واضح على تنظير ديكارت. كانت توصيته المحددة – التي أتت عبر تأمله المدقق في أفكاره الخاصة – عبارة عن نزعة تأسيسية قوية مصممة خصيصًا من أجل استبعاد إمكانية الوقوع في الخطأ “على المرء أن يمنع نفسه من الموافقة على الآراء التي ليست – على نحوٍ تام – يقينية ولا سبيل إلى الشك فيها” (نفس المرجع السابق)، ويتعامل مع أي شيء يمكن أَنْ يكون خاطئًا على أنه خاطئ. على الجانب الآخر، يقول ديكارت (يمكنني أن أرسي الأمر التالي كقاعدة عامة : أنَّ كل ما أدركه بوضوح وتمييز شديدين يكون حقيقيًا) (نفس المرجع السابق:87) . طالما خص المرء أحكامه بعناية لتصل إلى درجة “الجلاء والوضوح” تجاه أفكاره الخاصة – مع أخذ العناية الإلهية في الاعتبار – يستطيع المرء أن يمضي واثقًا أنه لا يقترف أخطاء أثناء التنظير .

يؤيد حاليًا عدد قليل جدًا من ممارسي الإبستمولوجيا التقليدية حجج ديكارت ورؤاه الإثباتية . على سبيل المثال ، يقبل عدد صغير جدًا نزعة المعصومية Infallibilism الخاصة به فيما يتعلق بما تتطلبه المعرفة ، ويرى البعض أنَّ حجج ديكارت تُظْهِرُ دورانًا غير موفق ]يقصد بالدوران الجمع بين تسويغ استنتاج ما اعتمادًا على مجموعة من المقدمات , و تسويغ تلك المقدمات – في الوقت ذاته – اعتمادًا على ذلك الاستنتاج[ . بالرغم من ذلك، يجسد عمل ديكارت مثالًا لافتراضات محددة بخصوص المشروع الإبستمولوجي حافظ عليها كثير من باحثي الإبستمولوجيا – حتى ولو فقط ضمنيًا- ، والتي تأتي متصلة عن قرب بالإبستمولوجيا التقليدية . منطلقين من رؤية كراملي (Crumley 2009: 185) يمكننا تحديد الأكثر بروزًا من هذه الافتراضات كالتالي (قَدَّمَ كلٌ من Goldman 1986: 1–2،Pacherie 2002: 300–301 رؤى مشابهة) :

أ – يُمَارَسُ معظم التنظير التقليدي بخصوص الأفكار الإبستيمية “المعرفية”- كالمعرفة والتسويغ والدليل وما إلى ذلك – حاملًا طابع الأَوَّلِيَّة a priori : التأمل المُدَقِّقُ – عوضًا عن البحث التجريبي – يُأْخَذُ باعتباره الطريقة السليمة لكي نصل إلى الفهم الدقيق للمبادئ والحقائق الإبستيمية الصادقة .

ب –ثانيًا ، وبشكل مرتبط ، تأتي الرؤية للإبستمولوجيا كمجال مستقل بذاته : من جهتي أساليبها وموضوعها الرئيسي تبقى الإبستمولوجيا مستقلة عن العلوم . وبالتالي – على سبيل المثال – لا يوجد ما يستطيع “أو يُحْتَمَلُ أن يستطيع” أن يخبرنا به العلم للإجابة على التساؤلات ذات الطابع الفلسفي المُمَيَّز التي يسألها باحثو الإبستمولوجيا : (“ما المعرفة ؟” ، “هل المعرفة أصلا ممكنة ؟”… إلى آخره) . بالعكس : لو أنَّ ثَمَّ ما يسبق العلم فسوف تكون الإبستمولوجيا ، أسبقية الإبستمولوجيا تمكنها من مساعدة وتقييد العلم وليس العكس .

ج – ثالثًا، وبشكل مرتبط أيضًا ، يأتي الانشغال بالأمور المعيارية باعتباره صفةً مميزة للإبستمولوجيا التقليدية. بالتالي، يُنْظَرُ عادةً إلى الحقائق الإبستيمية – مثلًا،ما إذا كان اعتقادٌ ما مسوغًا أو عقلانيًا – على الأقل باعتبارها تقويمية evaluative وليست وصفية كليًا purely descriptive . لكي تقول عن اعتقاد ما إنَّه مُسَوَّغٌ، على سبيل المثال، يعني قولك إنه من الجيد، الصحيح، المسموح به، أن تتبناه من منظور إبستيمي(قارن هذا مع رؤيةChisholm (1977) لمصطلح “مُسَوَّغ” باعتباره مصطلحًا يختص بالتثمين الإبستيمي “epistemic appraisal”).يصف أنصار عديدون للإبستمولوجيا التقليدية الإبستمولوجيا باعتبارها معيارية رجوعًا إلى كونها توجيهية إلزامية في المقام الأول، أَيْ : تخبرنا عن الكيفية التي علينا أن نُكَوِّنَ بها اعتقاداتنا، وما إلى ذلك. يتصل هذا مع الفكرة “الرائجة خلال إطار الإبستمولوجيا التقليدية” والتي تقول بأنَّ الإبستمولوجيا هي فن تقديم التوجيه المفيد، وبهذا فهي تحمل بعدًا تحسينيًا هامًا (Kitcher 1992: 64، قارن مع Wrenn 2006: 60).

د – بينما يوجد بالكاد اتفاق حول الكيفية التي نفعل بها ذلك بالشكل الأمثل يظل واحدٌ من المهام المركزية للإبستمولوجيا كما مورست تقليديًا أن تصوغ ردًا مقنعًا على النزعة الشَّكَيَّة . أَيْ : أن تدافع عن الالتزام المألوف بخصوص امتلاكنا- أو من المعقول أن نعمل على أن نمتلك – مجالًا واسعًا من الاعتقادات المسوغة و/أو رصيدًا لائقًا من المعرفة .

مرة أخرى نؤكد أنَّ الملامح من (أ) إلى (د) تمثل بعض الصفات المركزية للإبستمولوجيا التقليدية كما تُفْهَمُ عادةً. من الواضح أنه يوجد في طياتهم صلات تلقائية . على سبيل المثال، بقدر ما تدل استقلالية الإبستمولوجيا (الملمح ب) على أَوَّلِيَّتِها – أَيْ بقدر ما تقترب من مكانة “الفلسفة الأولى” على النهج الذي قدمه ديكارت – سيأتي الانشغال المذكور في الملمح (د) تلقائيًا، بل وحتى إلزاميًا. أيضًا، قد يُعْتَقَدُ أنَّ استقلالية الإبستمولوجيا (الملمح ب) تدين (جزئيًا) إلى طبيعتها المعيارية (الملمح ج)، و/أو منهجيتها المميزة (الملمح أ) مقارنةً بالطابع الوصفي التام لمشاغل العلم وأساليبه البَعْدِيَّة posteriori [اللاحقة على المعرفة الأولية] ، وغير ذلك من الصلات . مع ذلك، تتنوع النظريات الواقعة داخل إطار الإبستمولوجيا التقليدية كثيرًا- مرة أخرى نؤكد على ذلك – ، كما أنَّنا نجد أنصار الإبستمولوجيا التقليدية في بعض الأوقات يفصلون تمامًا هذه الملامح عن بعضها، ويؤكدون التزامهم بها بدرجات متفاوتة وبطرق متباينة.

 

1.2 الإبستمولوجيا الطبيعية: بعض الأشكال والمواضيع الرئيسية

يتكرر الأمر بالنسبة لأولئك الذين يفضلون الإبستمولوجيا الطبيعية : يشترك أصحاب النزعة الطبيعية في رفض مَلْمَحٍ أو أكثر من ملامح الإبستمولوجيا التقليدية (غير الطبيعية) المذكورة أعلاه، لكن ترفض نظريات متعددة ومنظرون مختلفون داخل إطار الإبستمولوجيا الطبيعية تركيبات متنوعة من تلك الملامح: بدرجات متباينة، وبطرق مختلفة، ولأسباب متعددة. وبالتالي يختلفون بخصوص تقييم المسافة التي تفصل رؤاهم الخاصة عن نظريات الإبستمولوجيا التقليدية.[2] ينعكس التنوع الناتج وسط النظريات الطبيعية على التصنيفات المتنوعة التي قدمها المحللون . مِنْ ثَمَّ- على سبيل المثال – مَيَّزَ ألفين جولدمان (1994: 301–304) بين النسخ : فوق المعرفية،والموضوعية، والمنهجية للإبستمولوجيا الطبيعية [3].

الإبستمولوجيا الطبيعية فوق المعرفية “meta-epistemic NE”

يتمثل الموقف فوق المعرفي في التأكيد على أنَّ الخصائص الإبستيمية – تحديدًا تلك التي ينظر إليها عادةً باعتبارها معيارية أو تقويمية “كما ذكرنا بالأعلى” – ترتبط على نحوٍ ملائم بخصائص طبيعية “أو يجب عليها ذلك”. الصور الرئيسية لهذه الارتباطات الملائمة يعتقد عادة أنها الرَّد “reduction”[الرد أيْ: الالتزام بالنزعة الرَّدِّيَّة التي ترى إرجاع كل الظواهر إلى ظواهر ذات خصائص طبيعية يمكن قياسها ورصدها] واللَّحَاق “supervenience” [سيتم شرح معنى اللَّحَاق فيما بعد]. يشير جولدمان(1994: 301–302)- وكما سوف نرى بعد ذلك – إلى أنَّ الإبستمولوجيا الطبيعية فوق المعرفية قد لا تكون كافية- كما هي – للتمييز بين وجهات نظر طبيعية وغير طبيعية معينة ، ويمكن القول أن دوافعها بقدر ما هي منهجية بقدر ما هي ميتافيزيقية (انظر الجزء 3.2).

بخصوص الملامح (أ – د) فإنَّ الإبستمولوجيا الطبيعية فوق المعرفية سوف تؤسس رفضًا لاستقلالية الإبستمولوجيا (الملمح ب)، على الأقل في ما يتعلق بموقفها الأنطولوجي الأساسي . إذا كانت الخصائص التقويمية ذات الصلة لا يمكن ربطها على نحوٍ ملائم بخصائص طبيعية – تبعًا لتلك الرؤية – فسوف تُرْفَضُ باعتبارها غير حقيقية ، مما يُنْتِجُ النهج الإزالي “eliminativism ” أو نظرية الخطأ “error theory“، ويؤسس رفضًا للملمح (ج)أيضًا .

الإبستمولوجيا الطبيعية الموضوعية “Substantive NE

تتمثل بعض أطروحات “صلب الموضوع” “object-level thesis” في هذا السياق [أي لا تتعلق بالمستوى الفوقي “meta-level” لمناقشة الموضوع -الإبستمولوجيا-، وإنما تتعلق بالموضوع نفسه] والتي قُدِّمَت من قِبَلِ الإبستمولوجيا الطبيعية فوق المعرفية في تقديم تقرير بخصوص بعض الظواهر الإبستيمية في صورة خصائص أو علاقات طبيعية (غير معيارية) معينة. بعض الأمثلة هنا سوف تتضمن: السببية “causation ”  (Goldman 1967) , نزعة الثقة “reliability ” (Armstrong 1968, Goldman 1979, Papineau 1993, Kornblith 2002) , الوظائف الطبيعية “natural functions” (Graham 2012, Millikan 1984) , أفكار المعلومات النظرية “information theoretic notions” (Dretske 1981) , أو بعض الاعتمادية الرمزية أو اعتمادية (الواقع المغاير) “nomic or counterfactual dependence”  (Nozick 1983)[يُسْتَخْدَمُ مصطلح -الواقع المغاير- للإشارة إلى الوقائع المُتَخَيَّلَة كسيناريوهات بديلة للوقائع الفعلية , أَيْ : الأفكار من نوعية “لو لم يحدث أ لحدث ب”] . تميل تلك التقارير إلى كونها خارجية“externalist” في طبيعتها[4]،أَيْ : لا تتطلب فاعلًا لكي يعرف أو ليكون مُسَوَّغًا في الاعتقاد بأنَّ ذلك الفاعل/الفاعلة على وعيٍ بتلك الحالة بفضل ما نجح هو/هي في معرفته أو حيازة تسويغه [5].

تُمَثِّلُ الإبستمولوجيا الطبيعية الموضوعية أيضًا رفضًا لأي نسخة بالغة القوة من ادعاءات استقلالية الإبستمولوجيا “الملمح ب”، يبدو هذا واضحًا باعتباره ادعاءً يتعلق بصلب موضوعها . لكن ترى بعض الانتقادات أنَّ النزعة الخارجية “externalism” بتلك الصورة تبدو غير مجهزة لتقديم إرشاد نافع للكائن المعرفي [أي الأفراد الذين يريدون حيازة المعرفة] ، على الأقل من ناحية الإرشاد العقلي للمفاضلة بين الادعاءات المتنوعة من منظور الشخص الأول . بهذا يُعْتَقَدُ أنَّ النظريات الطبيعية الموضوعية قد تعارض الملمح (ج) الذي يَدَّعي وجود نوع محدد من الإرشاد أو التحسين المعياري ، انظر مثلًا:(Kaplan 1994)،(BonJour 1994). يلاحظ جولدمان أنَّ واحدًا من المواضيع الفرعية المهمة داخل إطار الإبستمولوجيا الطبيعية الموضوعية يتمثل في “الواقعية ذات الطابع الوصفي باعتبارها مقابلًا للمثالية” (1994, p. 305) ليس فقط من أجل طلب الدقة ، بل للتأكيد على المبدأ القائل بأنَّ ” وجوب الأمر يستلزم كونه مستطاعًا ” (نفس المصدر السابق) . عند البعض يعتبر هذا هو الحافز الرئيسي لتبني مقاربة النزعة الطبيعية :

(السبب الرئيسي الذي يجعلني مقتنعًا أن الإبستمولوجيا لديها الكثير لتتعلمه من علم النفس في حال أنَّ علماء النفس كَوَّنوا معرفة أكبر بخصوص بناء الاعتقاد هو اعتقادي أنه سواء في الإبستمولوجيا أو الأخلاق “وجوب الأمر يستلزم كونه مستطاعًا”. الكائنات الحائزة للمعرفة لا يمكن ولا يجب تخطئتهم على أساس أنهم لم يتبعوا توجيهات إبستيمية ليست ممكنة إدراكيًا بالنسبة لهم)(Grandy 1994: 343) قارن مع (Cherniak 1986; Harman 1986, 1999; Bach 1984, 1985; Kornblith 2001) 

يظهر تَجَلٍ آخر للنفور من النظريات الإبستمولوجية مفرطة المطالب أو بتعبير آخر “غير الواقعية” في الميل للتعامل “مع سؤال (كيف تكون المعرفة ممكنة؟) على أنه اختصار للسؤال (كيف تكون المعرفة ممكنة لكائنات من نوعنا في عالم كهذا؟) (Pacherie 2002: 306) ، قارن مع مقدمة : (Papineau 1993) ، ومع (Kornblith 1994b)”

نفس المنظور الواقعي يظهر بشكل واضح أيضًا في إعراض أصحاب النزعة الطبيعية “وهو الإعراض المشهور والمنتقد في أغلب الأحيان” عن الاشتباك بجدية مع المشكلة التقليدية للشَّكِّ الفلسفي (سوف نتحدث عن هذا أكثر لاحقًا).

أخيرًا، وفق تصنيف جولدمان تأتي الإبستمولوجيا الطبيعية المنهجيةmethodological NE، والتي وفقًا لها ينبغي على الإبستمولوجيا “إما أن تتكون داخل نطاق العلم التجريبي، أو على الٌأقل تكون مُرْشَدَةً بنتائج التخصصات العلمية ومدينة لها (1994: 305)”. لو أخذنا الاقتراح الأول سيكون لدينا ما أشار إليه فيلدمان (2012)وغيره متبعين كورنبليث (1994) بالنزعة الطبيعية الاستبدالية (“replacement naturalism. لو أخذنا الاقتراح الثاني – النسخة الأخف – والتي وفقًا لها تحتفظ الإبستمولوجيا ببعض ملامحها الأساسية (التقليدية)، وتصبح – فقط – “بحاجة للمساعدة” من بعض التخصصات الأخرى(Goldman 1986: 9)سيكون لدينا ما أسماه فيلدمان Feldman (2012) ب(النزعة الطبيعية المتعاونة) “cooperative naturalism” وما لقبه جولدمان في عمل آخر (1999a)بـ(النزعة الطبيعية المعتدلة) “moderate naturalism ”(انظر الجزء 5.1 في الأسفل).

في عمله الخاص أكَّدَ جولدمان(1999a; 1986; 2005: 403) الشكل أو البعد المنهجي للإبستمولوجيا الطبيعية “ذُكِرَ هذا بشكل رئيسي أيضًا في أعمال آخرين مثل كواين (1969b) وكورنبليث (2002, 2007)”. بخصوص ملامح الإبستمولوجيا التقليدية الأربعة المذكورة سابقًا : إنَّ الالتزام بالإبستمولوجيا الطبيعية المنهجية سيقودنا إما إلى رفض كلٍ من الطابع الأولي للإبستمولوجيا – والذي يُنْظَرُ إليه باعتباره ادعاءً إلزاميًا – (الملمح أ) واستقلاليتها المنهجية (الملمح ب) أو صياغتهما على نحوٍ أكثر تحفظًا ، في هذه النسخة تؤدي الأساليب التجريبية ونتائجها المستقاة دورًا محوريًا في التظير الإبستمولوجي .

بعد أن استعرضنا بعض الملامح العامة للإبستمولوجيا التقليدية وبعض الصياغات والمواضيع الرئيسية الخاصة بالإبستمولوجيا الطبيعية ، سوف نتعرض بعد ذلك إلى بعض النسخ الحديثة الهامة والمؤثرة من الإبستمولوجيا الطبيعية مستعينين بالملامح والتصنيفات المذكورة في الأعلى لتوضيح وتسهيل النقاش حولها . هذه الدراسة سوف تركز على تطورات إبستمولوجية حديثة ، وسيحمل هذا تأكيدًا – مرة أخرى – أنَّ الإبستمولوجيا الطبيعية في حد ذاتها ليست ظاهرة حديثة ، وكما سوف نرى بإيجازٍ في الجزء القادم : تُعْتَبَرُ مواضيع متنوعة داخل إطارالإبستمولوجيا الطبيعية جزءًا من ميراثنا الإبستمولوجي بشكل مشابه لما هو الأمر عليه مع الملامح المعتادة للإبستمولوجيا التقليدية .

 

1.3 – الإبستمولوجيا الطبيعية: إشارة موجزة عن تاريخ – ما قبل كواين –

بينما تقدم الإبستمولوجيا الديكارتية بشكل خاص مثالًا جليًا لكل ملامح الإبستمولوجيا التقليدية التي نوقشت في الأعلى، تحضر بالتأكيد بعض تلك الميول والانشغالات نفسها بدرجات متفاوتة في أعمال شخصيات أخرى في المجال الإبستمولوجي.على سبيل المثال الافتراض القائل بأن الإبستمولوجيا تتعامل مع الأمور المعيارية وليس فقط الوصفية (الملمح ج)، والانشغال المستمر بالنزعة الشكية (الملمح د) يمكن أن نراها في معظم ما يخص الإبستمولوجيا منذ ديكارت حتى وقتنا الحاضر.

مع ذلك، نجد أمثلة لكثير من أعمال تلك الشخصيات الأخرى وقد أخذت – ببساطة – ملامح من منظور النزعة الطبيعية في الآن ذاته. لذلك تبتعد النزعة الطبيعية عن كونها اختراعًا حديثًا ، كما يوضح كورنبليث: “إنها تمتلك تراثًا طويلًا ومتميزًا”(1999: 158). على سبيل المثال، يجعل عنوان عمل ديفيد هيوم الأشهر الأمر واضحًا: “محاولة لإدخال طريقة التفكير التجريبية في المواضيع الأخلاقية – أَيْ:الإنسانية -“. كانت نية هيوم هي تطبيق الطريقة النيوتونية التجريبية على العقل البشري، متجنبًا “فرض الفروض” [بتعبير نيوتن الشهير] ومحاولًا الكشف عن المبادئ الأساسية الأكثر عمومية. فقط عندها – بحسب اعتقاد هيوم – سوف نكون في موضع يسمح لنا بالوصول بموقفنا الإبستيمي إلى المنظور السليم. إضافةً إلى ذلك، لم يكن الإلهام الذي حازه هيوم من العلوم المجاوزة لـ ” علم الفرد العادي” “المقدمة 1739” – والذي جعله يعتزم أن يكون عمله الخاص إسهامًا جديدًا – مجرد إلهام منهجي . لقد قارن مبادئه الأساسية التي وضعها عن القدرات التجميعية للذهن البشري [المبادئ الشارحة لكيفية تجميع الذهن البشري للأفكار وربطها معًا] بمبادئ الجاذبية. على سبيل المثال ، إنَّ “الأفكار والانطباعات” سوف تُعْتَبَرُ المجال “تشبيهًا بمجال الجاذبية” ذا الصلة بـ “أشياء الواقع” والذي تعمل داخله تلك “القوى” (نفس المصدر السابق، 1.1.4 فقرة 6). أخيرًا، وفقًا لباري ستراود“Barry Stroud”: تمثلت “ثورة هيوم الفلسفية” في استخدامه هذه التوجهات التجريبية لكبح جماح واستبدال التصورات مفرطة العقلانية عن الكائنات الإداركية :

تقليديًا كان هناك تصور عن وجود إطار إلى حدٍ كبير موروث أو “أولي” للتفكير بخصوص الطبيعة البشرية – بالتحديد بخصوص عقلانية الفرد – والذي أراد هيوم أن ينزع عنه المصداقية ويستبدله(Stroud 1977: 9).

يبدو لنا أنَّ النتيجة “التشكيكية” لعمل هيوم تُعْتَبَرُ- بشكل صارم – على النقيض من الاتجاه القوي للتفاؤل التنويري الذي ابتدأت به الرسالة “قارن مقدمة الرسالة بخاتمتها” [رسالة في الطبيعة البشرية، عمل هيوم الشهير] . لكن تفاؤل جون لوك – على سبيل المثال – كان أكثر تماسكًا . تُعْتَبَرُ مناقشاته بخصوص طبيعة ومدى المعرفة البشرية– كما هيوم – مسبقةً ومرشدةً بالتنظير ذي الطابع النفسي المُعْتَمِدِ – بقدر استطاعته – على التفكير الرصدي الجيد. إضافة إلى ذلك، أصر لوك على أنه “من الحماقة أن نتوقع الوضوح في كل شيء” (Locke 1690: IV.XI.10)، ودافع عن المعلومات المكتسبة بواسطة الحواس بصفتها تعطينا “توكيدًا مُسْتَحِقًا لتسمية – معرفة –” (نفس المرجع السابق،IV.XI.3) على الرغم من الاحتمالية النظرية لكوننا مخدوعين . يأتي هذا مخالفًا لمبدأ “المعصومية” عند ديكارت بالتأكيد ، لكنه يوضح أيضًا التحرك المذكور في الأعلى – باعتباره  خاصية للإبستمولوجيا الطبيعية – من اتجاه التساؤلات تامة العمومية بخصوص طبيعة وإمكانية المعرفة إلى اتجاه فهم المعرفة البشرية بالنظر إلى حقائق إمكانياتنا وظروفنا :

مَلَكَاتُنَا ليست مُجَهَّزَةً لتكون – بأتم معنى من الكمال والوضوح والشمول – على علم بالأشياء متحررة من كل الشكوك والوساوس، لكن مناسبة لحفظ وجودنا – نحن حائزي تلك الملكات- ومُوَظَفَةً لتكون في خدمة الحياة. إنها تخدم غرضنا لنحوٍ ملائم وبما فيه الكفاية مادامت تزودنا بملاحظات محددة بخصوص تلك الأشياء التي هي إما ملائمة أو مُتْعِبَةٌ لنا (1690: IV.XI.8).

نرى أفكارًا متشابهة – معرفيًا ومنهجيًا – بارزةً عند توماس ريد [Thomas Reid] الذي يفتتح عمله الرئيسي كما يلي:

يتفق الأشخاص الحكماء الآن – أو يجب عليهم الاتفاق – على أنَّه ليس هناك إلا طريقٌ واحدٌ إلى معرفة أعمال الطبيعة: طريق الملاحظة والتجربة….. كل ما نعرفه عن الجسد مدين للتشريح والرصد، ويجب أن يكون كذلك تشريحًا للذهن هو الكاشف لنا عن إمكاناته ومبادئ عمله…..(1764، الفصل الأول، الجزء الأول).

بخصوص نهجه الإبستمولوجي، يرى نورمان دانييلزNorman Daniels أنَّ أفكار ريد يمكن أن يُنْظَرَ إليها باعتبارها تمثل “ريادة” للأعمال الحديثة في علم النفس الإدراكي والإبستمولوجيا المتطبعة(1989: 133).. رايسيوRysiew أيضًا (2002) جادل بأن ريد لا يفصل كليًا بين الوقائع النفسية والمعايير الإبستيمية.

بشكل عام، لو أننا بمصطلح “النزعة السيكولوجية” نقصد – ببساطة – الرؤية القائلة بأن علم النفس له صلة مباشرة ببعض مجالات الفلسفة (خلافًا لاستعماله – عادة بصورة تحقيرية – أثناء الإشارة إلى تحديد القضايا ما إذا كانت سيكولوجية أو معيارية أو منطقية) فإِنَّ هناك دعمًا واسعًا لادعاء جولدمان بأن “الإبستمولوجيا السيكولوجية” تُعْتَبَرُ مُتَضَمَّنَةً داخل التيار الرئيسي للإبستمولوجيا على مدار تاريخها (1986: 6).[6] لقد كان فريجه Frege في عمله (أسس علم الحساب، 1884) وهوسرل Husserl في عمله – مقدمة في المنطق المحض – (“بحوث منطقية”،1900) مع انتقاداتهم الباترة للنزعة السيكولوجية في المنطق والرياضيات هم من كانوا مسؤولين بشكل كبير عن بدء المنعطف الحاد بعيدًا عن وضع تلك المكانة الطبيعية العريضة ، انظر: (Kusch 2014) انظر أيضًا :(Kitcher 1992, Goldman 1986, Kelly 2014, Anderson  2005, Engel 1998). يتمثل جزء رئيسي من تفكير فريجه وهوسرل في هذا الأمر في أنَّ ربط المنطق بعلم النفس لا يتناسب مع الحفاظ على طابع المنطق الضروري ، ومع كونه يُعْرَفُ باعتباره معرفة أولية a priori. اتباعًا لخطاهم تعامل الوضعيون المناطقة مع الإبستمولوجيا- كما مواضيع أخرى – كأمر يتعلق بما هو أولي:–البناء المنطقي للعالم – “rational reconstruction” وفقا لجملة كارنابCarnap الشهيرة (1928 [1967]). ذلك البناء الذي استبدل منطقيًا العمليات غير الواضحة بتعريفات واستدلالات منطقية واضحة (Richardson 2006: 682). أُعْطِيَت الادعاءات بخصوص الأشياء العادية “تعريفات منطقية” في صورة لغة تحيل فقط إلى خبرة (البيانات الحسية)sense data . تُعَرَّفُ العبارات الأكثر تعقيدًا من بين هذا باستخدام العبارات الأبسط ، وتُوَضَّح العلاقات المنطقية بينهم . لم يشكل الوفاء لنهج علم النفس الفعلي هدفًا لِأَيٍّ من تلك الممارسات .

تم الاحتفاظ بالفصل الواضح لعلم النفس عن الإبستمولوجيا بنفس الكيفية في تمييز رايشنباخ الشهير بين سياق “الاكتشاف” وسياق “التسويغ” والذي وصفه باعتباره “تحديدًا أكثر ملاءمة” لمهمة البناء المنطقي (Reichenbach1938:6) ، قارن مع : (Richardson 2006: 683). يقول رايشنباخ :

لا تهتم الإبستمولوجيا بعمليات التفكير كما تحدث فعليًا ، تلك المهمة متروكة كليًا لعلم النفس . ما تعتزمه الإبستمولوجيا هو تأسيس عمليات تفكير بطريقة يجب الالتزام بها إذا كنا سنضم تلك العمليات داخل نطاق منظومة متسقة ومحكمة ، أو تأسيس مجموعة مُسَوَّغَة من العمليات يمكن أن يتم إقحامها بين نقطة البدء وبين ناتج عمليات التفكير بحيث تستبدل الصلات الفعلية التي تتوسط الاثنين . هكذا تنظر الإبستمولوجيا بعين الاعتبار إلى البديل المنطقي عوضًا عن العمليات الفعلية (Reichenbach 1938: 5).

بينما خفت الحماس بخصوص مشروع البناء المنطقي، تم الاحتفاظ ببعض عناصر ذلك البرنامج ” اللامبالاة بعلم النفس ، التفضيل لنهج المنطق الصوري ، والانشغال بالتعريف الدقيق للمصطلحات الرئيسية “. على سبيل المثال ، تلك كانت هي الفترة التي بزغت فيها شهرة “التحليل المفهومي” “conceptual analysis”

“تحولت نماذج بحث الإبستمولوجي إلى منطق التأكيد“the logic of confirmation”، تحليل لجملة “س يعرف أن ب “، وإلى نظرية تقديم التسويغ أو الضمان “warrant”(Goldman 1986: 7)”، ولم يشكل علم النفس “أقل كثيرًا من أي علم تجريبي آخر”لأيٍّ منهم أهمية .

 

  1. الإبستمولوجيا متطبعة

كما أنَّ عددًا قليلًا جدًا من أنصار الإبستمولوجيا التقليدية يؤيدون الآراء الإبستمولوجية الخاصة بديكارت فإننا نجد على نحو مشابه أن عددًا قليلًا جدًا من دعاة الإبستمولوجيا الطبيعية يؤيدون الموقف الذي قُدِّمَ – أو يبدو بأنه قُدِّمَ – في الورقة التي شكلت نقطة البدء للنقاشات المعاصرة بخصوص الإبستمولوجيا الطبيعية، ورقة كواين “الإبستمولوجيا متطبعة” (1969b).رغم ذلك، بسبب أهميتها التاريخية التي لا يمكن إنكارها ولأنها سوف تساعدنا عند الاطلاع على بعض الاعتراضات الرئيسية على الإبستمولوجيا الطبيعية، فإنه يَصْعُبُ تجاهلها.

مثله مثل ديكارت ، فهم كواين الإبستمولوجيا باعتبارها منشغلة ب “أسس العلم” (1969b: 69). مختصًا بكلامه مشروع البناء المنطقي للتجريبيين المناطقة قال :

البحث الديكارتي عن اليقين يعتبر للإبستمولوجيا بمثابة المحرك عن بعد، من جهتي جانبها المفهومي وجانبها المذهبي (1969b: 74)”

من زاوية المشروع الإبستمولوجي – كما فُهِمَ – جاءت ملاحظة كواين الرئيسية مزعجة : (الطلب الديكارتي لليقين هو بمثابة “قضية خاسرة”)(نفس المرجع السابق). سواءً أكان بالصيغة التي مارسها بها ديكارت نفسه، أو في أي صيغة لاحقة عليها و يتضمن هذا التجريبيين المناطقة . العمل على كلا الجانبين – المفهومي والمذهبي – ملزمٌ بالفشل: لا ترجمة مُحْكَمَةً ممكنة ل”مفهوم الجسم” في صورة مصطلحات حسية ، و”الخطوات الاستدلالية التي تقع بين الدليل الحسي والمذهب العلمي حتمًا قاصرة عن بلوغ اليقين”(1969b: 74–75).

الجديد في “الإبستمولوجيا متطبعة” هو ما أوصى به كواين في مواجهة هذه النتيجة :

لماذا كل هذا الكم من البناء المُبْتَدَعِ اصطناعيًا ؟ لماذا كل هذه الاختلاقات لفعل “يعتقد” ؟ الإثارات الخاصة بالمستقبلات الحسية لأي فرد هي كل ما يجب أن يحوزه من الأدلة لكي يستمر حتى الوصول – في النهاية – إلى منظوره للعالم الخارجي . لماذا لا نكتفي برؤية كيف تعمل هذه البنية فعليا ؟ لماذا لا نكتفي بعلم النفس ؟ (1969b: 75).

إذا كان كل ما نأمله هو بناء يربط العلوم بالخبرة [أي بالطريقة التي تتكون بها خبرتنا عن العالم] بطرق واضحة قصيرة من الترجمة إذن يبدو معقولًا أكثر أن نكتفي بعلم النفس . أن نكتشف كيف تعلم وتطور العلم فعليًا أفضل من أن نفتعل بنية خيالية من أجل تأثير مماثل (1969b: 78).

تتموضع الإبستمولوجيا – أو أي شيء من هذا القبيل – ببساطة كفصل داخل علم النفس وبالتالي داخل العلم الطبيعي . إنها تدرس ظاهرة طبيعية ، أعني موضوعا بشريًا فيزيائيًا . يُمْنَحُ هذا الموضوع البشري مدخلًا محددًا خاضعًا للتحكم التجريبي – على سبيل المثال : أنماط معينة من الإشعاع بترددات متنوعة – ومع مرور الوقت يعطي الموضوع وصفًا للعالم الخارجي ثلاثي الأبعاد والسجل المرتبط به كمخرج . العلاقة بين المدخل الضئيل والمخرج الغزير هي العلاقة التي نحن مطالبون بدراستها لأسباب تماثل – إلى حد ما – تلك التي دائما ما حركت الإبستمولوجيا، أيْ : من أجل أن نرى كيف يرتبط الدليل بنظرية ما، وبأي طريقة تُجَاوِزُ نظرية الفرد بخصوص الطبيعة أي دليل (حسي) متاح….. لكنَّ اختلافًا بارزًا بين الإبستمولوجيا القديمة والمشروع الإبستمولوجي المتضمن داخل هذا الإطار السيكولوجي الجديد يتمثل في أننا نستطيع الآن أن نستخدم بحرية علم النفس التجريبي (1969b: 82–83).

لم يكن الاقتراح القائل بأنَّ باحثي الإبستمولوجيا لهم الحرية في استخدام علم النفس التجريبي هو الذي يمكن اعتباره جذريًا جدا – حتى وإن أزعج هذا أصحاب النزعة “ضد السيكولوجية ” القوية – ، لقد كان الاقتراح القائل بأن علم النفس يمكنه و”يجب عليه” استبدال الإبستمولوجيا هو الجذري . (كما سوف نرى في الجزء 3.2 لاحقاً ، استدعى كواين في كتابات لاحقة علومًا أخرى على أنها ذات صلة بالإبستمولوجيا المتطبعة كذلك، لكن هذا ليس له تأثير كبير عما نتحدث عنه الآن) . بخصوص ملامح الإبستمولوجيا التقليدية المذكورة في الأعلى (الجزء 1.1)، يُظْهِرُ كواين هنا رفضا للملمحين (أ,ج) معا. الإبستمولوجيا – أو أي شيء من هذا القبيل – تعاد صياغتها لتكون كليا بعدية a posterior ، وصفية، وأي شيء غير كونها مستقلة . بخصوص الملمح “د” – الانشغال الكلاسيكي بإيجاد رد كاف على المتشكك – كواين في كتابات لاحقة رد على هذا بالادعاء القائل بأنَّ “الشكوك الخاصة بالنزعة الشكية هي شكوك علمية” (1975: 68).

إنَّ النزعة الشكية هي فرع من العلم. الأساس للشكية يكمن في الوعي بالوهم، الاكتشاف بأننا يجب علينا ألا نصدق دائما أعيننا…. لكن، بأي منطق نعتبرهم أوهامًا ؟ بمنطق أنهم يبدون كأشياء مادية مع أنهم في الحقيقة ليسوا كذلك . الأوهام هي فقط أوهام نسبة إلى قبول مسبق لأجسام حقيقية والتي بالمقارنة معها نرى اختلافها… موضع قبول الأجسام الفيزيائية هو بالفعل علم فيزيائي بدائي، وفقط بعد تلك المرحلة يمكن لتمييزات المتشكك الرافضة أن تكون معقولة…. هكذا تحتاج النزعة الشكية العلم الفيزيائي البدائي – والذي هو الحس العام المشترك تجاه الأجسام – كمنصة وثب ترتكز عليها (1975: 67).

لكن إذا كانت النزعة الشكية نفسها وليدة العلم، يمكننا إذن اللجوء للعلم للإجابة على شكوكها. على سبيل المثال، يمكننا النظر إلى الانتقاء الطبيعي وسوف نجد بعض الدعم عند داروين لإخماد الشكوك المتعلقة بموثوقية الاستقراء :

المخلوقات المخطئة بشكل متأصل في استقراءاتها لديها ميل مثير للشفقة لكن – مع ذلك – جدير بالثناء للهلاك قبل أن تلد المزيد من أنواعها (1969c: 126).

(من أجل أفكار مماثلة ، انظر(Kornblith 1994a) و(Dretske 1989). للمزيد بخصوص “الإبستمولوجيا التطورية” –وسيلة معينة للدراسة تتعامل مع كلٍ من جانبي الإدارك البشري“human cognition” وتغير النظرية في العلم“theory change in science”من زاوية العمليات الانتقائية التطورية– انظر عمل (Bradie and Harms 2015)) [تغير النظرية في العلم يشير إلى الموقف الرافض للواقعية العلمية استنادا إلى التغير المستمر تاريخيًا في النظريات العلمية] .

بهكذا تفريغ للمشكلة الشكية من مضمونها يدير كواين ظهره للملمح (د) الملمح المميز الأخير للإبستمولوجيا التقليدية . من ناحية صياغات الإبستمولوجيا الطبيعية التي نوقشت في الأعلى (الجزء 1.2) يبدو كواين موصيًا بالنزعة الطبيعية الاستبدالية ، وبالتبعية باستبعاد مصطلحات التثمين الإبستيمي لصالح أوصاف الأنشطة السيكولوجية (الإبستمولوجيا الطبيعية الإزالية) .

 

  1. ردود أفعال انتقادية لموقف كواين

بشكل لا يثير الدهشة “نظراً للطبيعة الجذرية للرؤية المقدمة” تعرضت ورقة كواين (الإبستمولوجيا متطبعة) لانتقاد شديد.[7] في هذا الجزء ، سوف ننظر باختصار عددًا من الاعتراضات المعينة المقدمة ضدها . كما سوف نرى أنَّ بعضها يمكن التعرف عليه بسهولة أكثر من غيره – على الأقل للوهلة الأولى -. اعتراضات أخرى موجهة ناحية حجج كواين وموقفه الخاص – بالتحديد – نرى أنها تنال اهتمامًا عامًا أقل ، وأخرى مازالت تثير إشكالات في مواجهة جميع نسخ الإبستمولوجيا الطبيعية وهؤلاء يبقون في مقدمة ومركز النقاشات الحالية بخصوص الإبستمولوجيا الطبيعية ومستقبلها .

 

3.1 خمسة اعتراضات

  1. يتمثل رد فعل تلقائي لورقة كواين “الإبستمولوجيا متطبعة” في أن تراها متضمنة – بطريقة أو بأخرى – كمٍ جسيمٍ من ابتعاد الصلة بينها وبين ما زعمت التصدي له . بإحدى الصياغات : هذا بسبب أن كواين قد ساوى بين الإبستمولوجيا التقليدية والإبستمولوجيا الديكارتية ، بينما بحلول وقت كتابته للورقة كانت نزعة المعصومية “infallibilism” قد سقطت بشكل موسع من إطار ما هو رائج ، انظر مثلا(Kim 1988: 386–388; Van Fraassen 1995: 82). الأمر ذاته بخصوص مشروع “البناء المنطقي”، الذي وصفه كيليKelly قائلًا: “مشروع إبستمولوجي قد تم بالفعل التخلي عنه في وقت كتابة كواين” (2014: 24). بدلا من هذا بحلول العام 1969 كانت الإبستمولوجيا التقليدية قد تحولت بشكل موسع ل “البرنامج التحليلي لاقتراح التعريفات” المعروف في الوقت الحالي ، أو “معايير من أجل تطبيق المصطلحات والمفاهيم الإبستيمية” ، ومراجعة هؤلاء في ضوء أمثلة مضادة – غالبًا مُتَخَيَّلَة -، وغير ذلك (Almeder 1990: 267). لمحة منصفة تجاه مجال البحث حينها كانت لتجد: “مقالات في تحليل المعرفة ” المحرر بواسطة (Roth & Galis 1970). لذلك، أيًا كانت المزايا الخاصة بهجوم كواين على نوع المشروع ذي النزعة التأسيسية القوية الذي مارسه ديكارت والتجريبيون المناطقة، فإنها تفشل في تحريك أي رفض تجاه الإبستمولوجيا التقليدية بتلك الكيفية .

  2. يتمثل اعتراضٌ ثان في أنَّ نزعة كواين الطبيعية دائرية على نحو فج . دائمًا ما كان يُقَال أنَّ من بين المهام المركزية للإبستمولوجيا أنْ تؤسس لكون المعرفة التجريبية ممكنة، أننا يمكننا – مثلًا – بشكل مشروع الاعتماد على العلم التجريبي كمصدر للمعرفة. رغم ذلك، كواين يريد من المنشغلين بالإبستمولوجيا أن يستخدموا بحرية نتائج العلم من البداية .

  3. اعتراض ثالث هنا يتمثل في أنَّ رد كواين على النزعة الشكية غير مُرْضٍ . بقدر ما أنَّ التحدي المطروح بواسطة النزعة الشكية هو تأسيس إمكانية المعرفة ، يصبح استخدام طرق معينة لتكوين الاعتقاد – بالاعتماد على الحس المشترك أو بغيرها من الطرق – بالكاد قادرًا على إفحام المتشكك بطريقة منصفة . (تتضمن محاولات كهذه للرد على المشاغل التشكيكية دورانًا صارخًا – مثيرًا حقا للشفقة -)(Fumerton 1994: 338). معروف أن كواين ادعى أن الحجج التشكيكية بشكل لا مفر منه تعتمد على “حقيقة” للأوهام ، مما يجعل لجوء الحجج الأخرى إلى الحس العام عادلًا ومبررًا. رغم ذلك ، وفقًا لبونجورBonJour فإنَّ “الادعاء الجوهري للنزعة الشكية يتمثل في تحدي كفاية أسبابنا التي نعتمد عليها لقبول اعتقاداتنا، وتحدٍ كهذا يمكن تقديمه دون أي لجوء إلى مفهوم ‘الأوهام'” (1994: 288).

وحتى في حالة اللجوء لمفهوم الأوهام ، تتطلب النزعة الشكية فقط إمكانيتهم، وليس واقعيتهم (Stroud 1981, 1984: Ch. VI) قارن مع :(Feldman 2012: Section 3).

  1. رابعًا – وربما الأكثر شهرة – الاعتراض بأنَّه بإعادة صياغته للإبستمولوجيا كفصل داخل علم النفس ينزع كواين منها أي مشاغل بخصوص المعيارية الإبستيمية (وبالتالي،تأييد هذه النزعة الطبيعية الاستبدالية يأتي بالنزعة الإزالية eliminativism كنتيجة). الاعتراض هنا ليس مجرد أنَّ الطبيعة المعيارية ملمح للإبستمولوجيا التقليدية (الجزء 1.1)،وإنما أنَّ الانشغال بالأمور المعيارية الإبستيمية يعتبر “جوهريًا” في ممارسة الإبستمولوجيا بحد ذاتها . جاجوون كيم JaegwonKim- أول من قدم هذا الاعتراض – يعتبر أنَّ التخلي عن الجانب المعياري هو ما يُعْتَبَرُ فعلا مختلفًا في اقتراح كواين .

“إنه يطلب منا أن ننحي جانبا إطار – الإبستمولوجيا واضعة التسويغ مركز انشغالها – بأكمله . هذا هو الجديد في اقتراحات كواين . يطلب كواين منا أن نضع مكانها علم الإدارك البشري ذا الطبيعة الوصفية – كليًا – ومفترض السببية كإطار غير حائز للضرورة المنطقية وغير قابل للبرهنة نظريا“ causal-nomological science”)(Kim 1988: 388).[يتعامل العلم التجريبي مع السببية باعتبارها مجرد اضطراد منتظم يُرْصَدُ بين الظواهر، في مقابل هذا تتعامل المذاهب العقلية مع السببية كمبدأ ميتافيزيقي كوني تأسيسي]

يتحدث كواين بالطبع عن الإبستمولوجيا الطبيعية كتحقيق بخصوص “كيف يرتبط دليل ما بنظرية ما” ، لكن هذا الزعم يعتبر مُضَلِّلًا . طالما أنَّ ما نعنيه ب “الدليل” هنا يأتي ممثلًا لعلاقات معينة تفترض السببية “كإطار غير حائز للضرورة المنطقية وغير قابل للبرهنة نظريا”“causal-nomological relations” يصبح الادعاء إذن خالطًا بين العلاقات السببية “causal relations” والعلاقات الإثباتية “evidential relations” (Grandy 1994: 345) قارن مع : (Sellars 1956: Sec 32; Siegel 1980: 318–319; Lehrer 1990: 168–172) . لكن ما يشغل بال المشتغلين بالإبستمولوجيا هو الدليل والطريقة التي يرتبط بها بالتسويغ . التسويغ هو الفكرة الإبستمولوجية المركزية، إنه يصنع الاختلاف بين ما هو مجرد اعتقاد صادق وما هو معرفة “مقياس جيتيير”، وهو الموضع الخاص بما يُعْرَفُ على نحو محددٍ ب “المعيارية الإبستيمية”[إشكالية جيتيير هي إشكالية طرحت بواسطة الفيلسوف الأمريكي جيتيير للتساؤل بخصوص ما إذا كان اجتماع الاعتقاد مع الصدق مع التسويغ كافيًا لإكساب الاعتقاد قيمة – المعرفة – رغم عدم وجود علاقة سليمة – واقعيًا – بين صدقه وتسويغه عبر ضرب أمثلة] . من ثَمَّ ،التخلص من التسويغ يعني التوقف عن ممارسة أي انشغال بالمعيارية، ومن دون انشغال كهذا لا يستحق أي مما نفعله تمسية “إبستمولوجيا” :

من الصعب رؤية كيف للإبستمولوجيا بعد أن جُرِّدَت من المعيارية، بعد أن أصبحت تفتقد مفهومًا معياريًا ملائمًا للتسويغ أو الدليل ، أن تستطيع تقديم أي إضافة بخصوص مشاغل الإبستمولوجيا التقليدية . وما لم تتشارك الإبستمولوجيا المتطبعة مع الإبستمولوجيا التقليدية في بعض مشاغلهم المركزية ، فإنه من الصعب رؤية كيف يمكن لإحداهما استبدال الأخرى ، أو تكون سبيلًا “بشكل أفضل” لممارسة أعمال الأخرى . تقاعد الإبستمولوجيا عن مهمة التسويغ يعني تقاعدها هي نفسها Kim 1988: 391)[8].)

  1. يتمثل اعتراضٌ أخيرٌ- قُدِّمَ بصياغات عديدة – ، مثلًا :(Bealer 1992, Kaplan 1994, BonJour 1994, Siegel 1984, Brandom 1998) في أنَّ موقف كواين يفند ذاته . على سبيل المثال ، جزء من حجة كواين على أنَّ “الإبستمولوجيا القديمة” محكوم عليها بالفشل يأتي في رفضه ملمح الطابع الأولي للإبستمولوجيا التقليدية (الملمح أ) – الجزء 1.1 – . رغم ذلك، يقول مارك كابلانMark Kaplan: (لإقناعنا بهذا ، لإقناعنا بفساد “الطابع الأولي المتضمن داخل الطراز التقليدي من بحث – الكرسي الهزاز- المنهجي” ما قدمه لنا أنصار النزعة الطبيعية هو مجموعة من الحجج) (1994: 359)[سبق وأن تم توضيح مصطلح “تنظيرات الكرسي الهزاز” في المقدمة]. لكن لا يبدو في الإبستمولوجيا كما تصورها كواين ما يمنحنا أي مصادر لتقييم مثل هذه الحجج :

هل حجج أصحاب النزعة الطبيعية مقنعة ؟ طالما انتوى أصحاب تلك النزعة إظهار محدثيهم في صيغة كلمات منطوقة ومطبوعة أنَّ مذاهبهم سليمة ، سيكون هذا السؤال ملحًا . لكن، كيف يُفْتَرَضُ بنا أنْ نحاول الإجابة على هذا السؤال ؟ ما الذي علينا فعله – أو يمكننا فعله – لنقرر ما إذا كانت حجج أصحاب النزعة الطبيعية مقنعة ؟

من الصعب رؤية أن ثَمَّ ما يمكن فعله إلا تقييم هذه الحجج في ضوء الحدوس الإبستيمية نفسها تمامًا التي يتحمس الطبيعانيون كثيرًا لذمها (Kaplan 1994: 360)، قارن مع :(Almeder 1990: 266–267)

بهذه الطريقة فإن الإبستمولوجيا الطبيعية نفسها تطلب أو تفترض مشروعية الاستعانة بما هو أولي، أو بقول آخر: “حدس الكرسي الهزاز”، تُعْتَبَرُ مثل هذه الاستعانات بمثابة عنصر رئيسي في ما أسماه جورج بيلرGeorge Bealer ب “الإجراء التسويغي المعياري” في الفلسفة (Bealer 1992). لذلك موقف أنصار الإبستمولوجيا الطبيعية يُعْتَبَرُ مفندًا لذاته : (إنه يسعى لتسويغ الإبستمولوجيا المتطبعة بالضبط على النهج الذي – وفقا له – فإنَّ التسويغ لا يمكن حيازته)(Siegel 1984: 675).

 

3.2 بعض الردود، وتوضيحات إضافية للمشكلات

اقْتُرِحَتْ ردود عديدة على الاعترضات السابقة . تَنَاوُلُ الأول سوف يفسح لنا المجال لتوضيح الدوافع النموذجية المحركة لأصحاب النزعة الطبيعية الحاليين ، بالإضافة إلى – وعلى نحو متصل – لنفهم بشكل أفضل ما الذي يعتبر مركزيًا للإبستمولوجيا الطبيعية اليوم وما الذي لا يعتبر كذلك . تناول الرابع والخامس سوف يجعلنا نتجاوز كواين إلى قلب الخلافات الحالية مع – وداخل إطار- الإبستمولوجيا الطبيعية .

(1): لنذكر الاعتراض الخاص بابتعاد الصلة بين ورقة كواين وبين ما زعمت التصدي له ، والذي وفقًا له ساوى كواين بشكل خاطيء بين الإبستمولوجيا الديكارتية والإبستمولوجيا التقليدية . أحد الردود أنَّ حجة كواين حافظت على الاعتراف – على الأقل من زاوية اتجاهها العام – بأنَّ العديد من المشتغلين بالإبستمولوجيا قد ابتعدوا بالفعل عن المطالبات بالمعصومية بخصوص الاعتقادات التأسيسية ، وأنه حتى في أكثر صيغها تساهلًا ” فقد فشلت – ببساطة – النزعة التأسيسية في الوصول لمبتغاها ” (Kornblith1995:238) . كلما كان نهجنا لَيِّنًا أكثر في متطلباتنا بخصوص الاعتقادات المُسَوَّغَة في مسعى ردنا على حدوسنا ذات الطابع قبل-النظري “pretheoretic intuitions”، كلما قل تعلمنا عن المعرفة ، قلت مشاركتنا على نحوٍ جدي في الإجابة على المتشكك ، وقل استعدادنا لاكتساب أية نصيحة إبستيمية جوهرية “غير أن نظل معتقدين أكثر أو أقل في ما نعتقد به نحن بالفعل” (1995: 239) . لذلك تُعْتَبَرُ النزعة التأسيسية ، في أيٍّ من صيغها ، – ببساطة – فكرة قد فشلت في أن تعمل بنجاح (1995: 239).[9]

 طريق آخر للرد على اعتراض “ابتعاد الصلة” هو أن نوافق – ببساطة – عليه، لكن نلاحظ أنه – بعيدًا عن حجج كواين- العديد من أصحاب النزعة الطبيعية الحاليين لا يحركهم فشل الإبستمولوجيا الديكارتية. بدلًا من هذا، إنهم يطلبون إيجاد بديل عما أصبح ينظر إليه ك “ركود”، أو بطريقة أخرى الشكل غير المرضي للنهج التقليدي . على سبيل المثال، المحاولات الفاشلة لحل إشكالية جيتيير بواسطة طلب المزيد – كمًا وإتقانًا – من العلاقات المنطقية بين القضايا تبدو مهملةً للحقيقة القائلة بأنه ما لم تتوافق سيكولوجيا الفرد مع المتطلبات المقترحة فإنَّ التحليل المقترح سوف يفشل (Kitcher 1992: 59–60). من ثم، “النظرية السببية في المعرفة ” المبكرة لجولدمان – والتي ينظر إليها كظهور مبكر للإبستمولوجيا الطبيعية في كتاب:(Roth & Galis)المذكور سابقًا – تم تقديمها على نحو واضح كبديل ل :

التقليد بالغ الرسوخ في الإبستمولوجيا، الرؤية بأن أسئلة الإبستمولوجيا هي أسئلة بخصوص المنطق أو التسويغ، وليس أسئلة سببية أو جينية (Goldman 1967: 82).

على نفس المنوال ، عندما قارن جولدمان– في نهاية عمله ” التفرقة والمعرفة الإدراكية الحسية ” – بين مقاربته وبين مقاربة ديكارت ، لم تكن نزعة المعصومية الخاصة بالأخير هي ما حازت اهتمامًا خاصًا، لكن مسائل متعلقة بطبيعة عامة لمنهجية تفسيرية :

المشكلة مع معالجات فلسفية عديدة للمعرفة أنها مستوحاة من مفاهيم “مِثْل ديكارتية” للتسويغ والإثبات . كنتيجة، هناك ميل للإفراط في إسباغ صفات التفكير والعقلانية على مفهوم المعرفة . في الإطار العام للإبستمولوجيا الطبيعية أنا أحاول تشكيل تقرير للمعرفة يركز على جوانب أكثر بدائية وانتشارًا للحياة الإدراكية ، والتي أعتقد أنَّ مصطلح “يعرف” يظهر استعماله بالاقتراب منها . يتمثل جانب أساسي لحفظ نشاط الحياة -البشرية وغير البشرية سويًا- في رؤية تفاصيل الأشياء ، تمييز المُفْتَرِسِ من الفريسة – على سبيل المثال – ، أو المَسْكَن الوقائي من المُهَدَّد . مفهوم المعرفة لديه جذوره في هذا النوع من الأنشطة الإدراكية (Goldman 1976: 102).

حُفِّزَت معالجات أخرى للمعرفة في إطار النزعة الطبيعية بشكل مشابه . على سبيل المثال، كان عمل دريتسكه Dretske(1981) “تقرير المعلومات النظرية”“information-theoretic account” محاولة لتجاوز تقارير المعرفة المتمركزة حول التسويغ، التقارير التي تأخذ تَطَلُّبَ المعرفة للتسويغ كأمرٍ مُسَلَّمٍ به،تلك المهمة إذن عليها أن تكتشف أي مزيج خاص من مكونات أخرى يجب إضافته للحصول على “المعرفة”. وفقا لدريتسكه: “مقاربة كتلك تواجه اعترضات مُعَوِّقَةً متنوعة”(1981: 85). إضافة إلى هذا : “يُنْظَرُ إلى مفهوم التسويغ (أو بعض المفاهيم الإبستيمية ذات الصلة) غالباً كمفهوم بدائي [أي: غير مشتق أو متطور من غيره]” حيث يستخدم “المنظرون حدسيات أكثر ثباتًا حول متى – وما إذا – شخصٌ ما يعرف شيئًا ما ، لتحديد متى – وما إذا – شخصٌ ما حاز قدرًا مُرْضَيًا من التسويغ” (1981: 249).

أخيرًا- كما جولدمان – يربط دريتسكه التقارير التسويغية للمعرفة بنزعة للإفراط في إسباغ صفة العقلانية على الظاهرة الإبستيمية ، للتركيز على حالات تخيلية من المعرفة، تلك الحالات التي تُدْخِلُ (ما يراه هو) عوامل غريبة غير ذات صلة . النتيجة هي أن المنظرين ينتهي بهم الحال إلى رفض حالات واضحة من المعرفة – في الأطفال، الحيوانات غير البشرية،والبالغين ممن لم يظهروا قدرة على الفحص المتعمق – واعتبارها معرفة غير حقيقية على الإطلاق (Dretske 1991).

 تقريره الخاص عن المعرفة هو “محاولة للبعد عن حقيبة الحيل التقليدية الخاصة بالفلاسفة (التسويغ، العلل، الدليل، إلى آخره) من أجل إعطائنا صورة أكثر واقعية بخصوص ما هي المعرفة الإدراكية الحسية” (1983: 58).

يظهر نفس النوع من المشاغل المنهجية العريضة بوضوح كذلك في تقارير النزعة الطبيعية عن التسويغ (الضمان“warrant”، وما إلى ذلك)، عوضًا عن المعرفة . يتضمن مبدأ الثقة “reliabilism” لجولدمان عن التسويغ (1979) -على سبيل المثال- في مقدمته نقدًا لتقارير التسويغ اللاتاريخية[أي التي تفتقد النظر إلى السياق التاريخي لإنتاج المعرفة] واللاسيكولوجية . بتعبيرٍ آخر: التقارير التي تقدم شروطًا حول كون الاعتقاد مسوغًا “متحررة من أي قيود بخصوص الأسباب التي حِيزَ هذا الاعتقاد بسببها، أو بصياغة أخرى : بخصوص ما الذي سبب مبدئيًا الاعتقاد أو سبب استدامته” (1979: 112)[10]

من الجدير بالذكر هنا أيضًا زوج من المطالب فوق الإبستيمية الصارمة أفصح عنهم جولدمان في بداية نفس الورقة. الأول هو أنَّ تقريرًا للتسويغ يجب أن يكون “موضوعيًا”، أي : يجب تحديد في صورة مصطلحات غير إبستيمية متى يعتبر الاعتقاد مسوغًا (صفحة 105) . هذا يستدعي – بالطبع – الجزء الخاص بالإبستمولوجيا الطبيعية فوق المعرفية “meta-epistemic NE” (الجزء 1.2) ، بصيغة أخرى : الفكرة القائلة بأنْ تكون الخصائص الإبستيمية التقويمية – أو يجب عليها أن تكون – قابلة للرد“reducible” ، أو بدلًا من ذلك : قابلة لأن ترتبط على نحو ملائم – تَلَحَقُ“supervene” – بخصائص طبيعية . وفي بعض الأحيان اقْتُرِحَ بأنَّ هذا — المطلب القائل – وفقًا لصياغة مافيMaffie- (بأنْ ترتكز القيمة الإبستيمية على حقيقة وصفية ، أي أنها لم تعد تأتي للعالم بشكل مستقل كحقيقة أساسية وجودها غير قابل للتفسير“brute fundamental fact”)(1990a: 284)— يُعْتَبَرُ مركزيًا للنقاشات حول الإبستمولوجيا الطبيعية (نفس المرجع السابق) ، انظر أيضًا : (Steup 1996: 185–6) . وفقًا لكيم Kim ، فإنَّ لَحَاقَ“supervenience” الخواص الإبستيمية بشكل معقول ب “حقائق طبيعية” هو ما يجعل المعيارية الإبستيمية ممكنة – ومعترف بها من منظور النزعة الطبيعية – حتى في حالة غياب الرد“reduction”[11] [نقول بأنَّ مجموعة من الخواص (A) تربطها علاقة لَحَاق بمجموعة من الخواص (B) “(A) supervene upon (B)”  فقط وحصرًا في حال أنه بالنسبة لشيئين يحتويان مجموعتي الخواص (A,B) : لا يمكن أن يحدث تَغَيُّرٌ ما في خواصهما (A) من دون أن يؤدي هذا إلى حدوث تَغَيُّرٍ في خواصهما (B)]

….. هل هناك سبب مؤكد للاعتقاد بأن الإبستمولوجيا المعيارية هي برنامج قابل للتطبيق بنجاح ؟…. الإجابة القصيرة هي كما يلي : نحن نعتقد بلَحَاق الخواص الإبستيمية بالخواص الطبيعية ، وبصورة أكثر عمومية : بلَحَاق جميع الخواص التقويمية والمعيارية بشروط طبيعية….. القول بأنَّ “اعتقادًا ما” يعتبر مسوغًا لا يمكنه أن يكون حقيقة أساسية وجودها غير قابل للتفسير“brute fundamental fact” وغير متصلة بما تمثله كاعتقاد هي نفسها . لابد من أنَّ ثَمَّ سببًا له ، وهذا السبب يجب أن يرتكز على الخواص الوصفية الواقعية الخاصة بذلك الاعتقاد المحدد . شيء كهذا – من وجهة نظري – هو ما نعتقده (Kim 1988: 399).

مع ذلك – وكما لاحظ آخرون – من المشكوك فيه اعتبار أنَّ التساؤل بخصوص ما إذا كانت الخواص الإبستيمية على الأقل تلحق بخواص طبيعية – مما يعني : “الإبستمولوجيا الطبيعية فوق الإبستيمية” كما ذكرنا– يلقي كثيرًا من الضوء لتوضيح الجدل المتعلق بالمواجهة بين الإبستمولوجيا الطبيعية والإبستمولوجيا التقليدية، انظر :(Foley 1994: 243–244; Feldman 2012Section 4; Maffie 1990a: 289; Kappel 2011: 839) . تقريبًا كل فرد على كلا جانبي هذه المناقشة يمكن النظر إليه باعتباره موافقًا على أَنَّ الخواص الإبستيمية تلحق بأخرى .”الاستثناء البارز هنا هو : ليرر (Lehrer 1997)”. مثلًا، تشيشولم Chisholm “والذي يَصْعُبُ اعتباره مناصرًا للإبستمولوجيا الطبيعية” واضح في الاعتقاد بأن الحقائق الإبستيمية تلحق بأخرى غير إبستيمية (1989: 42–43) قارن مع : (1957: 31–39; 1982: 12). على سبيل المثال: أَنْ يبدو بِأَنَّ طرقًا محددة جعلت من الواضح ل [س] أنه بدا له أمر ما بواسطة [ف] ، أو: جعلت [س] مسوغًا في الاعتقاد بأنه يوجد [ف] أمامه . ورأى فيلدمان(2012) أن النزعة الإثباتية“evidentialism” – التي يشار إلها عادة كمثال للإبستمولوجيا التقليدية وليس الطبيعية – تحترم مبدأ اللحاق كذلك. (النزعة الإثباتية تقول بأن تحديد ما إذا كان شخص ما مسوغًا يعتمد على الدليل الإثباتي الذي تمت حيازته ، حيث دليل الشخص – وفق الرؤية التي يفضلها فيلدمان نفسه – يعتبر مزيجًا من خبرات الشخص وذكرياته واعتقاداته الأخرى)

لذا لم نجد بعد ترشيحًا معقولًا – في محيط الإبستمولوجيا الطبيعية فوق المعرفية – لشيء ربما يفترق عنده بوضوح أنصار الإبستمولوجيا الطبيعية والتقليدية . باعتبار جولدمان ممثلًا عن الإبستمولوجيا الطبيعية ، سوف نجد اقتراحًا في مطلبه الثاني ، أي : القائل بأنَّ تقريرًا للتسويغ يجب أن يكون تفسيرياً ، أو متعمقًا وكاشفًا على نحو ملائم (1979: 106) . يكتب :

افترض مثلا أن الشرط الكافي التالي لاعتقاد مسوغ قد قُدِّم : (في حالة أن [س] يشعر بصفة الاحمرار ناحية [ت]، و[ٍس] يعتقد ناحية [ت] بأنه يشعر بصفة الاحمرار ، إذن اعتقاد [س] ناحية [ت] بأنه يشعر بصفة الاحمرار مسوغ) . ليس هذا النوع من المبادئ هو الذي أبتغيه ، والذي – حتى في حال كونه صحيحا – يترك دون تفسير لماذا الشخص الذي (يشعر بصفة الاحمرار ويعتقد أنه كذلك يعتقد بهذا على نحو ممكن تسويغه (1979: 106).

لذا ، بينما يراعي مبدأ تشيشولمChisholm المذكور نفسه مبدأ اللحاق (ما هو مُتَضَمَّن داخله يعتبر – بشكل معقول – بالكامل سيكولوجيا) فإنه يفشل في أن يكون كاشفًا بصدق . كما يقول فيلدمان : يتمسك تشيشلوم بأن حقائق إبستيمية ضمنية محددة كتلك التي يذكرها جولدمان تُعْتَبَرُ : “مبادئ بخصوص الدليل وتبقى مختلفةً عن المبادئ الصُّورِيَّة للمنطق الاستنباطي والمنطق الاستقرائي (Chisholm 1977: 67)” والتي تعتبر في حد ذاتها أساسية . إضافةً إلى هذا، يُكْمِل فيلدمان : شيء مماثل يعتبر صحيحًا بالنسبة للتقليديين بصورة أكثر عمومية :

بالإضافة إلى الحقائق المتعلقة بكون أناس محددين مسوغين في الاعتقاد بقضايا محددة ، التقليديون ملتزمون بوجود حقائق إبستيمية بخصوص أيُّ الاعتقادات تُدَعَّمُ بواسطة مجموعة معينة من الأدلة . يبقى غير واضح ما إذا كانت تلك الحقائق حقائق طبيعية . التقليديون غالبًا ما ينظرون إلى هذه الحقائق باعتبارها حقائق تتمتع بالصدق الضروري ، وصدقها الضروري هو التي يُمَكِّنُ أنصار النزعة الإثباتية من تأييد أطروحة اللحاق .(وفقا للتعاريف القياسية للحاق ، الحقائق الصادقة ضروريًا تلحق بكل الحقائق ، لذا غني عن الذكر أنها تلحق بالحقائق الطبيعية)…. لكن يبقى مشروعًا أن نتساءل ما إذا كانوا يُحْسَبون كحقائق طبيعية .(Feldman 2012: Section 4)

مع ذلك ، بغض النظر عن السؤال الأخير – الذي ينظر إليه كتساؤل ميتافيزيقي – يبدو واضحًا أن انشغال جولدمان فوق المعرفي ذا الصلة بموضوعنا هو – على الأقل – منهجي : هو يريد تفسير التسويغ ، ويعتقد بأنَّ لجوءً إلى موثوقية العمليات التي أنتجت واستدامت الاعتقاد – مثلا – يُنْجِزُ هذا ، في حين أن لجوء ً إلى مبادئ تشيشولم – أو ربما : مبادئ أصحاب النزعة الإثباتية – لا يفعل المِثْل . تنطبق مشاغل مشابهة على اعتماد تشيشلوم (1977) على مبدأ المعقولية كبداية [12]وصياغته للمفاهيم الإبستيمية الأخرى بالرجوع إليه (كما سيفعل ليررLehrer بعد ذلك ، انظر عمله : (1990: 127)) ، ويتوافق هذا مع الزعم بأنه في حالة وجود أساس طبيعي لمبدأ المعقولية “reasonableness”[13]– أي: كون مبدأ المعقولية جزء من العالم الطبيعي الواقعي – فإن التقرير الناتج سوف لن يكون “متعمقًا وكاشفًا على نحو ملائم”

قطعًا سيعارض أنصار الإبستمولوجيا الطبيعية هذا الزعم ، ويتمسكون بأنه في تلك الحالة [عدم وجود أساس طبيعي للمبادئ والخواص الإبستيمية] سيكون لدينا مجرد مبادئ إبستيمية وجودها غير قابلة للتفسير“brutal” وخواص إبستيمية متفردة —على النحو الذي يعتقد به تشيشلوم وليرر وربما عديد من التقليديين الآخرين (فوميرتونFumerton مثلًا يبدو واضحا بشأن هذا(1988: 454–455)). وكما يلاحظ فيلدمان(2012: Section 4) : الخلاف هنا يظهر ليكون بخصوص “ما هو الطبيعي” بدلا من أن يكون بخصوص “ما إذا كانت هناك حقائق فوق طبيعية”. رغم هذا ، النقطة الحالية هي أنَّ المحاولة لتجنب أي مبادئ أو خصائص إبستيمية أساسية كتلك المذكورة في تنظير المرء تبدو فارقًا حقيقيًا بين الإبستمولوجيا التقليدية والإبستمولوجيا الطبيعية ، ويبدو أنها تحوز أهمية مركزية أكثر من الانشغال بخصوص الردية أو اللحاق في حد ذاته . على أية حال، يجب أن يكون واضحًا الآن أنَّ أصحاب النزعة الطبيعية الحاليين ليسوا مُحَفَّزين مباشرةً بفشل الإبستمولوجيا الديكارتية تحديدا. لذا، حتى في حال أنَّ كواين قد أخطأ في تمثيل الإبستمولوجيا الطبيعية على أنها مُحَفَّزَة بمصدر كهذا، هذه النقطة لا تبدو أنها ذات صلة الآن .

(2): بالنظر إلى اعتراض الدوران . كواين نفسه أشار إليه عندما قال:

إذا كان هدف المشتغلين بالإبستمولوجيا هو التحقق من أسس العلم التجريبي وتصحيحها فإنَّه يُفَنِّدُ غَرَضَهُم أنْ يُسْتَخْدَمَ علمُ النفس أو أي علم تجريبي آخر . مع هذا ، شكوك كتلك التي ضد الدوران لا تملك الكثير مادمنا قد توقفنا عن حلم استنباط بناء العلم بأكمله من الملاحظات (1969b: 75–76).

إضافة إلى هذا – بعيدا عن هذا الرد السريع – يبدو بأن الأمر قد يكون كذلك : “علينا تَوَقُّعُ نوع ما من – المصادرة على المطلوب – عندما تتعلق المسألة بأشد طرق بحثنا أساسيةً” (Foley 1994: 256). علاوة على ذلك، ليس ثَمَّ ضمانٌ على أي حال بأن أي طريقة سوف تحمي نفسها – أي طريقة ربما تُوَفِّرُ دليلًا قد يُقَوِّضُ موثوقيتها هي نفسها – (نفس المرجع السابق). أخيرا ، فإن التساؤل بخصوص متى ولماذا يكون الدوران سيئا من ناحية إبستيمية (إنْ كان هو كذلك بأي شكل) يُعْتَبَرُ موضوعا لبعض النقاشات. (من أجل مراجع ونقاش عام بخصوص هذا : انظر لامنرانتاLammenranta (غير مذكور تاريخ النشر) و في بعض مصادر الانترنت الأخرى)،انظر أيضا : (Kappel 2011: 843)

(3): قُدِّمَتْ تعليقات مماثلة- على نطاق واسع – للرد على الاعتراض القائل بأنَّ رد كواين على النزعة الشكية ليس بِمُرْضٍ. في ما يتعلق بأنَّ الرد ربما يكون قد تَضَمَّنَ دورانًا صارخًا فإنَّ رجوعًا للأسباب التي ذُكِرَتْ للتو يُبْقِي المجال مفتوحًا للتساؤل ما إذا كان الرد فاسدًا. إضافةً إلى أنَّ كواين بزَعْمِه أنَّ شكوك النزعة الشكية هي شكوك علمية لا يكون قد اعتبر نفسه مُفَنِّدًا لأطروحات المتشكك ، أو يكون قد أثبت عدم صحة الأطروحات الشكية بإثبات أن فرض صحة نتائجها سيؤدي إلى تناقض (1975: 68). بصورة أكثر عمومية، ربما علينا أن نتساءل بخصوص الفرض الأساسي القائل بأن الرد على المتشكك بطريقة لا نصادر فيها على المطلوب بأي شكل من الأشكال هو هدف يمكن اتخاذه والوصول إليه ، وبالتالي هو هدف يستحق كل الاهتمام الذي وُجِّه إليه تقليديا . هنا، يفترق أنصار الإبستمولوجيا الطبيعية قليلًا. يقول كورنبليث بأن مشروع الرد على المتشكك يُعْتَبَرُ طريقًا مسدودًا (1999: 166). بشكل مماثل ، بينما كيتشرKitcher يقول : ” التشكيكيون الذين يصرون على على أنْ نبدأ من نقطة لا نفترض فيها أي فروض على الإطلاق يطلبون منَّا أن نخوض غمار نشاط عديم الجدوى ” (1993: 35). يبدو دريتسكه Dretske (1970, 1981) أكثر تصالحًا ويقدم تفسيرًا يعترف بقيمة مزاعم تشكيكية محددة “بل وحتى صحتها” ، بينما – مع ذلك – يدافع عن معرفتنا . ويعتبر كلٌ من جولدمان (1986: 39–41, 55–57; 1976: 101) و بولوك Pollock (1986: 1–7) أنَّ مهمةً من مهام الإبستمولوجيا أنْ تعالج النزعة الشكية حتى لو كان هدفنا في هذا الموضع هو أنْ نفهم ونتعلم منها لا أنْ نُفَنِّدَها ، وحتى لو كان الموضوع مُسْتَحِقًا لاهتمام أقل من الذي ناله تاريخيا .

(4): يلخص كورنبليثKornblith الاعتراض الخاص بالمعيارية كما يلي : (الإبستمولوجيا من دون معيارية تبدو ك “هاملت من دون ملك الدانمارك”)(1995: 250). كما رأينا في الأعلى، يبدو أن تسليم الإبستمولوجيا إلى علم النفس (الإبستمولوجيا الطبيعية الاستبدالية) يجعل من الإبستمولوجيا مشروعا وصفيا تماما (وبالتالي، يُنْتِجُ إبستمولوجيا طبيعية إزالية). بالتأكيد، يَصْعُبُ اعتبار كواين راضيا عن الإبستمولوجيا على النحو الذي مورست به تقليديا . مثلا، هو يعتقد – كما يُفْهَمُ منه عادة ً– بأنَّ مفهوم المعرفة يبدو محاصرا بغياب الدقة إلى الحد الذي أننا – لأغراض نظرية – علينا أن “نتنازل عنه بصفته انشغالًا عقيمًا” (1989: 109) ، انظر أيضا : (Johnsen 2005: 92–93). ومما لا شك فيه أنَّ “الإبستمولوجيا متطبعة” تدعم الفهم التقليدي لكواين باعتباره ساعيًا إلى التخلص من الانشغال بالأمور الإبستيمية المعيارية كما أشار حديثا بعض المعلقين (انظر مثلًا:(Foley 1994) و(Johnsen 2005)، كلاهما يستشهد بأمثلة عديدة على ذلك الفهم التقليدي لكواين). رغم ذلك، في عمله المتأخر يصر كواين على أنَّ “المعيارية لم تُسْقَطْ بل تطبعنت” (1990: 229). يكتب قائلا:

طبعنة الإبستمولوجيا لم يحدث أنْ تخلصت من المعيارية واكتفت بالوصف المحايد للعمليات الجارية . من منظوري أَعْتَبِرُ الإبستمولوجيا فرعًا من الهندسة. إنها تكنولوجيا البحث عن الحقيقة، أو بتعبير إبستمولوجي أكثر حذرا: تنبؤ . ومثل أي تكنولوجيا فإنها تستعمل بحرية أي نتائج علمية قد تلائم غرضها . إنها تعتمد على الرياضيات في حساب الانحراف المعياري واحتمالية الخطأ وكشف مغالطة المقامر. إنها تعتمد على علم النفس التجريبي في الكشف عن الأوهام الحسية ، وعلى علم النفس الإدراكي في استكشاف التفكير القائم على الرغبة. إنها تعتمد على علم الأعصاب والفيزياء – بصورة عامة – لإسقاط الموثوقية عن المصادر المعتمدة على التنجيم والتخاطر . لا مجال هنا للتساؤل عن قيمة مطلقة – كما الأمر في مسائل الأخلاق – ، إنها مسألة متعلقة بفعالية تحقق هدف أبعد : صدق أو تنبؤ . المعيارية هنا ، كما في أي مجال هندسي آخر، تصبح وصفية متى تم تحديد العامِل المُتَغَيِّرْ النهائي (Quine 1986: 664–665).

من منظور كواين إذن المعيارية الإبستيمية تُعْتَبَرُ – ببساطة – مسألة دقة ذرائعية تجاه الهدف ذي الصلة ، أَيْ : صدق أو تنبؤ . بالتالي، الإبستمولوجيا المعيارية : “تمت طبعنتها كفصل من الهندسة : تكنولوجيا توقع الإثارة الحسية” (1992: 19)، يستكمل :

المبدأ الأكثر بروزا في الإبستمولوجيا المتطبعة والمكافئ في المكانة – فعليًا – ذلك الخاص بالإبستمولوجيا التقليدية هو – ببساطة – شعار الفلسفة التجريبية : [ ليس في العقل شيء إلا وقد مر بالحس أولا ] . هذا نموذج أَوَّلي للإبستمولوجيا المتطبعة ، حيث أنَّه مِمَّا يُعْتَبَرُ اكتشافًا للعلم الطبيعي نفسه – يبقى مع ذلك قابلا للتخطئة– أنَّ معلوماتنا عن العالم تأتي فقط من خلال تأثير مستقبلاتنا الحسية . وتظل هذه النقطة تمثل معيارية تمنعنا من تصديق ُمدَّعِي التخاطر والعرافين . (Quine 1992: 19)

(5): لذا، يبدو في الأخير بأنَّ كواين يضع المعيارية الإبستيمية ضمن حسبانه ، وبالتالي يمتلك ردا على اعتراض المعيارية المُقَدَّم ضد نسخته من الإبستمولوجيا الطبيعية . ومازلنا بعد : ربما يرى أحدٌ أنَّ هذا الرد يستدعي مرةً أخرى تهمة التفنيد الذاتي . مثلا ، ربما يستاءل المرء لماذا الصدق أو التنبؤ – بدلا من السعادة مثلا أو كسب المال– هو الذي يُعْتَبَرُ نهايةً للبحث الإبستيمي ؟ . هل هذا نتيجة ً للعلم – تم اكتشافه كمعطى بعدي a posteriori – ؟ قارن مع : (Foley 1994: 249) . على الأرجح سيراها مناصرٌ للإبستمولوجيا التقليدية – بالأحرى- كحقيقة مفهومية تُعْرَفُ – حدسًا – كمُعْطى أولي a priori. على نحوٍ مماثل، قد يتساءل أحدٌ ما إذا كان العلم الطبيعي – بحد ذاته – يُأَمِّنُ حقًا شعار التجريبية المُفْتَرَض . مثلا ، كثير من دراسات علم نفس النمو [فرع من علم النفس يختص بدراسة كيفية تغير تفكير ومشاعر وسلوك الإنسان خلال مراحل حياته المتعددة] تبدو مُشِيرَةً إلى أنَّ على الأقل بعضًا مما يُنْظَرُ إليه كمعرفة تجريبية (أو نظريات وفروض تجريبية) هو فطريٌ عِوَضًا عن أن يكون مكتسبًا بالحواس (من أجل رؤية عامة انظر:(Samet and Zaitchik 2014)). ليس الأمر أنَّ اكتشافًا معاكسًا كهذا، أو خلافا نظريا حول الأمر في إطار العلوم المعنية ، سوف يشكل بذاته مشكلة لمقاربة كواين العامة بخصوص بالإبستمولوجيا الطبيعية . المقصود – بالأحرى – أنَّ موضوع المناقشة والخلاف حول السؤال يُعْتَبَرُ نظريا، وأنَّه ليس من الواضح فورا ما إذا كنَّا نستطيع التوصل إلى شيء من دون مساعدة طرقٍ تقليدية “كتأمُّل الكرسي الهزاز” في التعامل مع البيانات والمسائل ذات الصلة – بعض تلك الطرق ربما يكون ” أوليًا ” –. (هذا الانشغال يمكن أنْ يُمَدَّ ليتصل بخطوطٍ أخرى، منها مثلًا: أنَّ العلم الطبيعي يَفْتَرِضُ على نحوٍ استباقي أنَّ الصدق أو التنبؤ هو الهدف ، وأنَّ الحواس هي من يعطينا المعلومات عن العالم ، إلى آخره . سوف يعيدنا هذا إلى القلق بخصوص تهمة الدوران . كما نرى : هناك تداخل بين المشاغل التي أثارتها موضوعات الإبستمولوجيا الطبيعية).

رغم ذلك ، بينما يُشْتَهَرُ كواين برؤيته لعلم النفس كوريث للإبستمولوجيا التقليدية (بل ما هو أكثر من ذلك ، لعلم النفس السلوكي –المستقبلات العصبية واستثارتهم بدلا من الاهتمام بالمعطيات أو الانطباعات الحسية“sense of sensibilia”–[14](Quine 1992: 19)) ، فإنَّ كواين لديه مفهوم واسع جدا ل “العلم”. العلم بالنسبة لكواين لا يستغني عن التواضع ، في النهاية هو تفكيرنا النابع من حسنا المشترك تجاه الأشياء والذي نمارسه يوميا . إضافة ًإلى هذا ، أثناء حديثه في بعض الأوقات عن فرع من فروع المعرفة يستبدل آخر ، فإنه يُعَبِّرُ عن فكرته مستخدمًا مصطلحات “الانطِمَاس”(1969b: 90) و”الضبابية”(1995: 257) بخصوص الحدود الفاصلة الصارمة ، وعلى نحوٍ مشابه يأتي الأمر بين الإبستمولوجيا والعلم . أخيرا ، بأخذ رفضه للتحليلية في الاعتبار [ أي رفضه للتمييز التحليلي-التركيبي في ورقته المشهورة “عقيدتان في التجربيبة” ] ، ورفضه المترتب على هذا للمعطيات الأولية ،[15]ونهجه الكُلّاني بخصوص المعنى والتحقق ، يبدو غامضا تماما كيف لكواين أن يحافظ على أيِّ تمييز صارم وعميق بين الفلسفة والعلم (Gregory 2006: 660). لهذه الأسباب ، من غير الواضح ما إذا كانت الطرق التقليدية الفلسفية – في حد ذاتها – سوف “أو يُحْتَمَل أنْ” تُسْتَبْعَدُ بالكُلِّيَّة خارج إطار أي منهج إبستمولوجي مُعْتَبَر لكواين .[16]لسوء الحظ، كواين نفسه لا يقدم تقريرًا واضحًا ومباشرًا – على الرغم من رفضه للمعطى الأولي – بخصوص ما الذي قد يبقى من الإبستمولوجيا التقليدية وأساليبها ضمن إطار الإبستمولوجيا المتطبعة .

انتهينا إذن إلى حاجتنا إلى طريقة لفهم كيف يُمْكِنُ للصدق (أو التنبؤ) – من خلال الالتزام بقيود الإبستمولوجيا الطبيعية – أنْ يُثَبَّتَ كهدف نهائي إبستيمي ، بحيث يكون اعتراض المعيارية قد تمَّ استيفاؤه تماما . بصورةٍ أكثر عمومية ، نحتاج إلى بعض النُّسَخِ المُعْتَبَرَة من أساليب الإبستمولوجيا التقليدية (التأمُّل في الحالات، استشارة ملكاتنا الحدسية، وما إلى ذلك) ، أو لأساليب بديلة تقترب منهم إلى حدٍ بعيد . حيث يبدو بأننا – فقط – إذا امتلكنا شيئا يؤدي الأدوار الاعتيادية الخاصة بتلك الأساليب – الترتيب والفصل بين النظريات ، توجيه أبحاثنا الأكثر انغماسا في الحقل التجريبي ، وما إلى ذلك – فسوف نستطيع تَجَنُّبَ تهمة التفنيد الذاتي .

كلا الأمرين – قدرة الإبستمولوجيا الطبيعية على تقديم تقرير بخصوص المعيارية الإبستيمية ، وتجهيز أو إيجاد بديل مناسب للمنهجية الفلسفية التقليدية التي يعتبرها البعض لا غنى عنها في التنظير الإبستمولوجي – يعتبران في مركز النقاشات الحالية بخصوص – وداخل إطار- الإبستمولوجيا الطبيعية . على مدار الجزئين القادمين سوف ننظر إلى وسيلتين بارزتين لتناول تلك المواضيع – تم تقديمهما بواسطة هنري كورنبليث وألفين جولدمان – والتحديات التي واجهت كليهما .

 

  1. الإبستمولوجيا تجريبية على نحوٍ شامل


4.1 المعرفة والإبستمولوجيا

بعكس كواين احتفظ كورنبليث بالمعرفة كمفهوم إبستمولوجي مركزي . مع ذلك، يختلف موقفه عن الإبستمولوجيا التقليدية على نحوٍ حاد بخصوص كيف تُفْهَمُ طبيعة البحث الإبستمولوجي . بالنسبة له ، لا يجب أن تُفْهَمَ الإبستمولوجيا بِتَصَوُّرِ الإبستمولوجيا التقليدية وممارسيها سواءً أكان من زاوية هدف البحث المناسب أو أساليبه . في ما يتعلق بالأول (هدف البحث) “تَذَكَّر الجزء 1.3” فإنه بانتهاء التجريبية المنطقية كان “تحليل المعرفة” هدفًا “إن لم يكن الهدف – بألف ولام التعريف – ” مركزيًا للإبستمولوجيا التحليلية ، والذي بواسطته كانت تُنْتَوَى محاولةٌ لتقديم تحليل بخصوص مفهوم المعرفة – عادةً من حيث الشروط الكافية والضرورية – . (انظر- مثلا- الأوراق البحثية المتنوعة في مجلد (Roth and Galis) المذكور في الأعلى) . على الضد من هذا الاتجاه ، تم اقتراح أنْ يشغل مفهوم المعرفة “إنْ كان سيشغل” اهتمامًا نظريًا ضئيلًا ، إنَّه لا يمثل الهدف المناسب للنظرية الإبستمولوجية بشكل يفوق ما يمثله مفهوم الألومنيوم كهدف ذي قيمة لبحث يبغي دراسة المعادن المتنوعة . على نحوٍ مشابه ، يقول كورنبليث “مفهومنا عن المعرفة يبقى مشوبًا بالعيوب والنواقص بطرق مختلفة على أية حال”. (على سبيل المثال ، على الرغم من الرفض شبه العالمي الحالي وسط المشتغلين بالإبستمولوجيا للفكرة القائلة بأنَّ المعرفة تتطلب اليقين فإنَّها قد تمتعت بتأييد معظم البشر، ويمكن القول بأنها مازالت جذّابة وسط العديد من غير الفلاسفة) . الذي يجب أن تستهدفه الإبستمولوجيا هو “تقديم تقرير عن ظاهرة طبيعية محددة ، أَعْنِي : المعرفة نفسها” (1999: 161). يكتب أيضًا “إنَّ استقصاء المعرفة كظاهرة تحدث في العالم هو ما يُمَيِّزُ النزعة الطبيعية عن المقاربات الأخرى بخصوص المعرفة” (1995: 245)

في ما يتعلق بالمنهج ، يجب على المشتغل بالإبستمولوجيا أن يبدأ كما كان ليفعل عالم المعادن المُفْتَرَض : نبدأ بدراسة حالات المعرفة الواضحة ، ونتطلع إلى العثور على ما لديهم من قواسم مشتركة. جزءٌ مما يحدث في تلك الحالة – غالبا – هو أنَّنا سنعيد تصنيف بعضٍ منْ تلك الحالات على مدار البحث . ما سيظهر لدينا -على أيِّ نحوٍ كان- هو صورة عن الطبيعة الحقيقية للمعرفة . على وجه التحديد سيظهر لدينا صورة يمكن الاعتماد عليها بشكل أساسي بخصوص ظاهرة المعرفة (مثلما يبدو الأمر واضحا في أعمال باحثي الايثولوجيا الإدراكية تحديدا “أيْ أولئك المختصين بدراسة السلوك الحيواني الذكي”) :

تلعب الاعتقادات الصادقة التي تُنْتَجُ على نحوٍ موثوق دورًا ذارئعيًا فعَّالًا في صناعة السلوك الناجح في تحقيق الاحتياجات البيولوجية ، وبالتالي فإنها مُتَضَمَّنَةً داخل إطار التفسير الدراويني للاستبقاء الانتقائي للسمات الوراثية ” (Kornblith 2002: 62)

المعرفة – وفقًا لهذه الرؤية – هي مسألة طبيعية تُلاحَظُ في الجنسين البشري والحيواني غير البشري . وهي تمتلك طبيعة محدَّدَة ، ودورًا تفسيريًا سببيًا محدَّدًا داخل منظومة فَهْمِنا العام لظاهرة الحياة ونجاح أنواع معينة من الكائنات الحية في البقاء . بالتقدم في فهم هذه الرؤية ، “وبواسطة البحث التجريبي في الآليات المتنوعة لإنتاج الاعتقاد والاحتفاظ به ، سوف نتمكن من تحديد المواضع التي نحن فيها أشد احتياجًا إلى التوجيه والتوضيح ، وأيِّ الخطوات يُمْكِنُ اتخاذها – وفقا لقدراتنا – للتغلب على نقائصنا” (Kornblith 1999: 163، بخصوص الإبستمولوجيا الطبيعية و التحسن الإبستيمي انظر أيضا : Kornblith’s 1994b)

لذا ، في كلٍ من مرحلة فَهْم الهدف الإبستمولوجي الدُنْيَوِي [أي الواقع داخل الإطار التفسيري الطبيعي لظاهرة الحياة واستدامتها] ، ومرحلة اقتراح تحسينات ممكنة لخططنا الإبستيمية : “أيُّ إبستمولوجيا طبيعانية سليمة هي تجريبيةٌ على مر الطريق” (Kornblith 1995: 243). في الوقت الذي لا تمتلك فيه الإبستمولوجيا إذن أيَّ أسلوب مُمَيَّزٍ يرى كورنبليث بأنَّه يبقى هناك منظور تحتفظ فيه الإبستمولوجيا باستقلالها :

الأسئلة بخصوص المعرفة والتسويغ ، بخصوص النظرية والدليل ، تُعْتَبَرُ…. أسئلة مشروعة ، وهي من النوع الذي تمتلك فيه الفلسفة مكانة خاصة… لو أنَّ استقلال أحد الفروع يُعْنَى به تناول مجموعة مختلفة من الأسئلة ، أو مقاربة ظاهرة معينة بعيون مجموعة مختلفة من الاهتمامات ، إذن الفلسفة بالتأكيد هي فرع مستقل . وليس لدينا ذلك الخطر المتمثل في أنْ تُضَمَّ تلك الأسئلة والاهتمامات بطريقة ما إلى بقية الفروع (Kornblith 2002: 26).

4.2 المعيارية الإبستيمية

بينما يُنْكِرُ كورنبليث إذن استبدال الإبستمولوجيا ببعض الفروع الأخرى (الإبستمولوجيا الطبيعية الاستبدالية)، ربما يبدو الأمر أٌقل وضوحًا فيما يتعلق بالكيفية التي ستصبح عليها المعيارية الإبستمولوجية وفقا لرؤيته . على نحوٍ مخالف لكواين كما يُفْهَمُ عادةً – باستثناء ما يبدو أنَّه موقف كواين في كتاباته المتأخرة – يُعْتَبَرُ كورنبليث إلى حدٍ بعيد موافقًا للرأي القائل بأنَّ البعد المعياري أساسيٌ للبحث الإبستمولوجي (Kornblith 1995: 250)، بالإضافة لأنَّ كورنبليث – كما الأمر مع أصحاب نزعة الثقة بشكلٍ عام – يضع الصدق (الاعتقاد الصادق) كوِجْهَةٍ إبستيمية (بشكل مشابه كثيرا لكواين) . أثناء وصفه لرؤيته بخصوص البعد المعياري للإبستمولوجيا (الجزء 3) يُسَلِّمُ كورنبليث بأنَّ الصدق (أو التنبؤ) هو “العامل المتغير النهائي المُرَجِح”. لكنْ ، على أيِّ أساس نقول بهذا على النحو الذي تستطيع فيه الإبستمولوجيا “التجريبية على نحوٍ شامل” (1995: 250)الاحتفاظ – في النهاية – بالبعد المعياري الخاص بالإبستمولوجيا التقليدية ؟

يتمثل أحد الردود على هذا السؤال في أنَّ المعايير الإبستيمية تمتلك “أساسًا عمليًا” (Kornblith 1993b, 2002) . بينما تكون تلك المعيارية متوافقة ًمع القيمة الجوهرية المُمْكِن للاعتقاد الصادق حيازتها [في ذاته] (Kornblith 2002: 161, 373)، فإنَّ تقريرًا كهذا يُبْرِزُ أيضا قيمته الذرائعية الأداتية . الأهم هنا أنَّ تلك الحجة لم تُقَدَّمْ – فقط – بالرجوع إلى القيمة الذرائعية الأداتية للاعتقادات الصادقة للفرد ، بدلا من هذا يبدو الادعاء المركزي هنا أنَّ كل فرد “لديه أسباب براجماتية لتفضيل منظومة إدراكية مُنْتِجَةٍ للاعتقادات الصادقة بفعالية” (2002: 156). ربما تُوَضَّحُ تلك النقطة على نحوٍ أفضل بالنظر إلى تقرير طبيعي آخر بخصوص مصدر المعيارية الإبستيمية . التقرير “البراجماتي” الذي تم تبنِّيه بواسطة ستيفن ستيشStephenStich(1990, 1993).

وفقا لستيتش: لا شيء مميزًا بخصوص الصدق، ولا يوجد سبب لاتخاذه كوِجْهَةٍ إبستيمية . في الواقع، من منظور البراجماتيين: لا يوجد قيم إدراكية أو إبستمولوجية متميزة على الإطلاق “يوجد فقط قيم” (1993: 9). يصبح التفكير الجيد أمرًا يتعلق بتحقيق أهدافك (أي ما تضعه كقيمة) بفعالية ، أيًا ما كانت تلك الأهداف . يرى ستيتش أنَّ “مشروع البراجماتيين لتقييم التفكير” يبدأ بتحديد أهداف المرء – ما الذي يريد تحقيقه – ثم تمييز استراتيجيات التفكير التي استخدمها آخرون بنجاح لتحقيق نفس الأهداف (نفس المصدر السابق 9-10). مع ذلك، من الصعب تخيل كيفية حدوث هذا ما لم يمتلك المرء بعض المنظومات أو الاستراتيجيات الإدراكية الموثوقة . لأجل هذا حتى لو قلنا بأنَّ السعادة – مثلا – بدلا من الاعتقاد الصادق هي ما يعتبره المرء حقا قيمة ، فإنَّه من أجل ملاحقة هذا الهدف بفعالية يحتاج المرء بعض الأساليب المتعلقة بتحديد كيفية تحقيق هذا الهدف على أفضل نحوٍ ممكن . يحتاج المرء إذن منظومة إدراكية موثوقة – على نحوٍ معقول – ، أو باستخدام تعبيرات تقليدية أكثر : يحتاج المرء إلى بعض المَلَكَات الموثوقة . بتوضيح أكثر :

تحديدًا لأنَّنا نحتاج إلى منظوماتنا الإدراكية من أجل إجراء التقييمات المتعلقة باهتماماتنا المتعددة ، ولإجراء تلك التقييمات بدقة فإنَّ المعايير التي نُقَيِّمُ على أساسها تلك المنظومات الإدراكية نفسها يجب أن تبقى معزولةً عن معظم ما نعتبره -على نحوٍ جوهري- قِيَمًا “أيًا كان ما نعتبره كذلك (Kornblith 2002: 158)

لذا، أيًا ما كان المرء يعتبره قيمةً ، فإنَّ له مصلحةً في – عليه أن يهتم ب- حيازة منظومة (أو منظومات) إدراكية مُنْتِجَةً للاعتقادات الصادقة على نحوٍ موثوق . المرء له مصلحة – وسبب للعناية – في تقييم “ليس فقط اعتقادات الفرد”، لكنْ أيضا تقييم موثوقية منظوماتنا وأساليبنا المتعددة المختصة بإنتاج تلك الاعتقادات . يكمل كورنبليث : “وهذا – على نحوٍ دقيق – هو كل ما يهتم به التقييم الإبستيمي . لذا, يلعب الصدق دورًا متفوقًا في هذا الموضع” (2002: 158).

أن يجد المرء التقرير السابق بخصوص أساس المعيارية الإبستيمية مُرْضِيًا يعتمد بصورة كبيرة في البداية على كيفية تصوره للمعيارية الإبستيمية ، أو حتى المعيارية في المجمل . مثلا ، تبدو الحجة المذكورة في الأعلى معتمدة على معيار الذرائعية الأداتية أو الكيفية التي تصل بها وسائلنا إلى هدف نهائي محدد . يقول مافي Maffie موضحًا رؤيته – التي في هذا الصدد تتشابه مع رؤية كورنبليث – :

الإبستمولوجيا تكون فقط معيارية داخل إطار عمل العقل الأداتي و… معياريتها تبقى حية بالاقتيات على فضل الأخير (1990b: 333)

مع هذا يبقى هناك جدل بخصوص طبيعة ومكانة العقل الأداتي ، أيضا بخصوص ما إذا كانت الاعتمادية عليه يمكن أن تكون مقبولة لأصحاب النزعة الطبيعية ، انظر مثلا:(Hampton 1992, Dreier 2001, Siegel 1990;[17]), من أجل مناقشة عامة انظر : (Wallace 2014). ينظر أيضًا بعض الفلاسفة إلى المعايير الإبستيمية باعتبارها قاطعة ، أيْ مُلْزِمة لأي كائن عقلاني بغض النظر عن الأهداف والرغبات الخاصة به/بها (Kelly 2003: 616, 621). لكن ما لدينا الآن أنّه ليس ثمة أهداف أو رغبات محدَّدَة على المرء أن يمتلكها ليكون مُلْزَمًا بهذا الشكل ، من منظور كورنبليث : حجته تتطلب فقط أن يمتلك المرء بعض الأهداف . وبما أنَّ هذا الشرط متحقق في جميع البشر العاديين يصبح المعيار: (إذا امتلكت بعض الرغبات والأهداف ورغبت في إشباعها أو تحقيقها فعليك البحث عن الصدق) في الواقع معيارًا قاطعًا إلزاميًا (وهو كَوْنِيٌّ عامٌ بصياغة كورنبليث (2002: 161)). رغم ذلك, قد يعتبر البعض أنَّ حتى هذا المعيار مازال مشروطًا بوجود أساس تُبْنى عليه المعايير الإبستيمية (ارجع لمخاوف هوسرل وفريجه بخصوص إقحام علم النفس في مسائل تخص المنطق والرياضيات – الجزء 1.3-). يشكك غيرهم – على الجانب الآخر – في ما إذا كانت الإبستمولوجيا التقليدية نفسها قد تمكنت على الإطلاق من تقديم أي توصيات يمكن اعتبارها – على نحو كليٍّ – غير مشروطة ، مثلا : (Grandy 1994: 345). وكورنبليث – مثل غيره من أصحاب النزعة الطبيعية – لا بد له من أن يتساءل ما إذا كانت أيُّ محاولة لفهم المعيارية الإبستيمية يمكنها إثمار أيِّ تَبَصُّرٍ نافع بخصوص موقفنا الإبستيمي الفِعْلي في الوقت الذي تُهْمِلُ فيه حقائق واضحة لا مفر منها مثل امتلاكنا جميعًا لرغبات وأهداف تخصنا . انظر مثلًا : (Kornblith 1995: 251)، وأيضًا : (Wrenn 2006: 73) تعليقًا على :(Goldman 1986).[18]

 

4.3 الحدوس والطابع الأَوَّلِي

كما رأينا في السابق فإنَّ واحدةً من الصياغات المنتشرة لتهمة التفنيد الذاتي الخاصة بالإبستمولوجيا الطبيعية تتمثل في اعتمادها – بشكل لا مفر منه – هي نفسها على “النهج ذي الطابع الأَوَّلِي المُتَضَمَّن داخل النوع التقليدي لبحث – الكرسي الهزاز – المنهجي” (Kaplan 1994: 359)، واستخدامها “نفس نوع الحدسيات الإبستيمية تمامًا الذي يتلهف أصحاب النزعة الطبيعية لِذَمِّه” (نفس المصدر السابق: 360)، قارن مع :(Almeder 1990: 266–267). بهذه الطريقة إذن، تتطلب الإبستمولوجيا الطبيعية أو تفترض مشروعية اللجوء إلى مُعْطى أَوَّلِي أو “حدس الكرسي الهزاز”، الذي هو عنصر أساسي داخل “الإجراء المعياري التسويغي” في الفلسفة (Bealer 1992). لذا يُعْتَبَرُ موقف أنصار الإبستمولوجيا الطبيعية مُفَنِّدًا لذاته : ” إنّه يسعى إلى تسويغ الإبستمولوجيا المتطبعة تماما على النهج الذي – وفقا له – فإنَّ التسويغ لا يمكن حيازته” (Siegel 1984: 675).

وفقا للصيغة التي يُنْظَرُ بها حاليا إلى الإبستمولوجيا الطبيعية فإنَّ اعتمادًا على الملكات الحدسية (تحديدا في المراحل المبكرة من البحث) قد يمثل ضرورة من الناحية العملية . مع ذلك ، مازال ممكنًا القول بأنَّ “الأساليب التي سنلجأ بواسطتها إلى الحدس يمكن بسهولة إيجاد مكان لها وسط إطار عمل النهج الطبيعي” (Kornblith 2002: 12). وبالتالي ، متى وصفت لي حيوانًا معينًا لاحظتُه أنت في فناء منزلك الخلفي ، يمكنني على نحوٍ تلقائي وسليم أنْ أتوصل إلى أنَّه سنجاب . من الواضح أنَّ هذا لم يتضمَّن أو يتطلب أيَّ تبصرٍ أَوَّلي الطابع من جانبي ، إنَّ ما حدث يعكس ببساطة بعض المعرفة المكتسبة بخصوص أنواع الحيوانات التي تتواجد عادة في هذه المنطقة . بنفس الطريقة ، يعتقد كورنبليث بأنَّ أحكامنا التي تبدو تلقائية بخصوص ما إِنْ كانت حالات حقيقية أو افتراضية هنا أو هناك سوف تشكل نموذجًا للمعرفة تُعْتَبَرُ أحكامًا ذات طابع بَعْدِي ، ومُدَعَّمَةً بمعرفتنا التي لدينا بالفعل عن الظاهرة الإبستيمية الدنيوية ذات الصلة [أي الواقعة داخل الإطار التفسيري الطبيعي لظاهرة الحياة واستدامتها]. لذلك : “اللجوء إلى الحدس لا يتطلب حضور بعض المَلَكات غير الطبيعية أو أحكاما أَوَّلِيَّةً من أيِّ نوع… الممارسة التي تلجأ للحدس ليس لديها أي مكونات غير طبيعية”(2002: 21)[19]

ماذا عن التهمة المتعلقة بأنَّ أصحاب النزعة الطبيعية بتقديمهم لحجج فلسفية متنوعة فإنَّهم ضمنيًا يعتمدون على عدة مبادئ للتفكير السليم هي نفسها لا تُعْرَفُ إلا كمعطى أَوَّلي ؟ مثلًا :(BonJour 1994). أحد الردود الواضحة هنا أنَّ هذه مصادرة على المطلوب . من منظور أصحاب نزعة الثقة فإنَّ مشروعية مبادئ التفكير المقصودة “أيْ ما يجعلهم مبادئ نافعة” تتوقف على كونهم – في الواقع- يمكن الاعتماد عليهم بثقة . إنَّهم ليسوا بحاجة – وأبعد كثيرا عن وجوب الحاجة إلى – أنْ يُعْرَفُوا كمعطى أَوَّلي(Kornblith 2002: 21–23; 1995: 252). لذا فإنَّ المُعْتَرِضَ هنا – ببساطة – يأخذ قيودًا مُحَدَّدة بخصوص التفكير السليم “مرفوضة من قِبَل أصحاب النزعة الطبيعية” كأمر مُسَلَّمٍ به (1995: 253). إضافةً إلى هذا ، هناك التساؤل بخصوص تلك القيود وأنَّها إذا ما طُبِّقَت بثبات واتساق فإنَّها نادرًا – أو أبدًا – ما يتم إرضاؤها . بقدر ما لهم من آثار تُغَذِّي النزعة الشكية إلى تلك الدرجة بقدر ما يمكننا رفض اعتبارهم قيودًا معقولة أو منطقية (1995: 253; 2006: 347–348).

كما كان الحال مع رده على مشكلة المعيارية فإنَّ التساؤلات تثار بخصوص ما إذا كانت محاولة كورنبليث لنزع فتيل اعتراض “التفنيد الذاتي” ناجحة . على سبيل المثال ، رد كلٌ من بونجور BonJour(2006) وسيجل Siegel (2006) على حجج كورنبليث زاعمين أنَّ تهمة “التفنيد الذاتي” مازالت بكامل عافيتها. يرى سيجل مثلا أنَّه : “من غير الواضح كيف يُمْكِنُ تسويغ اعتماد كورنبليث على نزعة الثقة من دون إمّا مخالفة النهج الطبيعي أو افتراضه على نحو مسبق ” (2006: 246–248)، قارن مع : (Kappel 2010: 845). أو لنأخذ مثالًا آخر، كتب كورنبليث في إحدى المرات مستخدمًا تعبير : “المعرفة تُعْتَبَرُ – بالتأكيد – أكثر من مجرد اعتقاد صادق” (2002: 54)، لو كنت مؤيدًا للإبستمولوجيا التقليدية فلربما تتساءل “ما الذي يسوغ ذلك الرأي ؟”. بالطبع ليس من الصعب تخيل كيف يميل كورنبليث للإجابة على مثل هذه التساؤلات : أنَّ المعرفة التي تتضمن الاعتقاد الصادق المُنْتَج على نحوٍ موثوق تُعْتَبَرُ اكتشافًا تجريبيًا نصل إليه بواسطة دراسة ما يظهر كحالات واضحة للظاهرة . ربما يكون هناك بعض الدوران هنا ، لكنْ في النهاية هو ليس أكثر من ذلك المُتَضَمَّن في إشارة سيجل أو بونجور إلى بعض الحالات ثم الادعاء – بالاستناد إلى البصيرة العقلانية المُفْتَرَضَة – بأنَّهم قد كشفوا لنا ما الذي تعنيه المعرفة حقا (أو التسويغ، المعقولية، إلى آخره) .

من الواضح أنَّه ليس هناك حلٌ راسخٌ وسهل لهذا الجدل لأسباب ليس أٌقلها طبيعة وضع أمور من قبيل “الأَوَّلِيَّة”“a priori” و”ما تتطلبه المعرفة” كأمور – هي نفسها – متنازعٍ عليها بشدة . (من أجل مناقشة عامة بخصوص “الأَوَّلِيَّة” انظر :(Russell 2014)، ومن أجل عينات تمثيلية من العمل الحالي على الموضوع انظر :(Casullo and Thurow 2013). في حين أنَّ كلًا من : (Ichikawa and Steup 2014) قد قدَّما نظرة عامة على المسائل المتعلقة بالمعرفة) . ما يخصنا الآن أنَّ ثَمَّ شيئًا جديرًا بالملاحظة بصورة خاصة هنا ، وهو أنَّ بعض التساؤلات المشابهة تماما لما سجله سيجل وبونجور بخصوص محاولة كورنبليث لصياغة الإبستمولوجيا لتكون “تجربيبة على طول الطريق” تم التعبير عنها بواسطة ألفين جولدمان، الذي هو ذاته يُعْتَبَرُ مؤيدًا بالغ الشهرة للإبستمولوجيا الطبيعية :

من أين أتى ذلك التأكيد على أنَّ المعرفة “أكثر من مجرد اعتقاد صادق” ؟ ما الذي يُجِيزُ ذلك ؟ بالتأكيد لم يأت هذا ثمرةً لعلم السلوك الإداركي . قد يفترض أحدٌ أنَّ هذا يجب أنْ يكون نتيجةً لتقرير دلالي مفهومي عن مصطلح “معرفة”. لكنَّ كثيرين سيقولون عندها بأنَّ هذا هو تمامًا ما تهدف أنْ تقدمه الفلسفة في طورها التحليلي . لذا فإنَّ هذه المهمة لا يتولى أمرها علم البيولوجيا على الوجه الذي غالبا ما يصوره كورنبليث (2005: 407).

 

5.النزعة الطبيعانية المعتدلة

5.1 التحليل المفهومي، الحدوس، ومنهجية البحث الإبستمولوجي

كما رأينا في الاقتباس السابق، يرى جولدمان أنَّ التحليل المفهومي واللجوء إلى الحدس يلعبان دورًا لا يمكن الاستغناء عنه في عمل الإبستمولوجيا [20].بينما تمت صياغة ذلك التحليل عادةً داخل إطار الإبستمولوجيا التقليدية في صورة بحث عن الشروط الضرورية والكافية “كما ذكرنا بالأعلى” إلا أنَّ جولدمان يبدو متشككًا تجاه تلك المقاربة تحديدا ، انظر مثلًا : (1986: 38–39, 2015, 2007: 23) والأوراق المُسْتَشْهَد بها هناك . رغم ذلك ، يصر جولدمان على أنَّ التحقيق المفهومي على نمط “تحقيقات الكرسي الهزاز” يجب أن يكون نقطة البداية للتنظير الإبستمولوجي . لهذا السبب هو متشكك أيضًا في أنَّه يمكن لأي إبستمولوجيا ذات نتائج مُرْضِيَة أن تنشغل كليًا ب “الظاهرة غير العقلية” “extra-mental phenomena”,[الظاهرة غير العقلية أَيْ : الظاهرة الطبيعية الخارجية التي تتعدى خبرة “منظور الشخص الأول”] . في كتاباته الأخيرة حول هذا الموضوع يصيغ جولدمان مشكلة رؤية كورنبليث “من منظوره” كالتالي :

فلنفترض نموذج بحثي معين نريد تحليله ، حينها سوف يكون لدينا غالبا ترشيحات عديدة لأن تكون هي الظاهرة غير العقلية ذات الصلة . إذا شرعنا في دراسة المعرفة تجريبيًا– كما يطلب منا كورنبليث – سوف يكون لدينا فائض من الترشيحات للظواهر غير العقلية . سنبدأ مع المرشح المفضل الخاص بكورنبليث ، هناك تلك المجموعة من الحالات التي تتكون داخل كائن ما يعتقد في قضية صادقة اعتمادًا على لجوئه إلى عملية موثوقة . ثانيًا، لدينا مجموعة الحالات التي تتكون داخل كائن ما يعتقد في أمر ما أنه حقيقي (نُقْطَة) . ثالثًا، لدينا مجموعة الحالات التي تتكون داخل كائن ما يعتقد في قضية ما على نحو مُسَوَّغ (من دون أن تكون صادقة). وأخيرًا، لدينا حشدٌ من الترشيحات الإضافية كل منهم يتوافق مع نظرية مختلفة تم تقديمها كرد على إشكالية جيتيير . أيٌّ من هذه الترشيحات المتعددة للظواهر غير العقلية يجب على فلاسفة المعرفة أن يسعوا لبحثها تجريبيًا ؟ وكيف لهم أن يختاروا من بينهم تلك التي تُعْتَبَرُ حقا معرفة ؟

ما يظهر لدينا الآن هو أنَّ المشتغلين بالإبستمولوجيا سوف يحتاجون طريقة ذات طابعٍ أَوَّلِي لاختيار الظاهرة غير العقلية الصحيحة . ويبدو أيضا – على نحوٍ محتم – أنَّ طريقة الوصول لذلك الاختيار سوف تكون شيئا من قبيل استشارة أحكام المتكلمين – على الطراز التقليدي – بخصوص أيِّ الحالات – حدسًا – تستأهل أنْ تُسَمَّى كحالات معرفة . باختصار ، نحتاج إلى طريقة ذات طابعٍ أَوَّلِي لاختيار أيِّ مجموعة من الأحداث غير العقلية في العالم تصلح لتكون هدفًا لبحث كورنبليث التجريبي . في غياب طريقة أَوَّليَّة كتلك فإنَّ المشتغل بالإبستمولوجيا سوف يكون كرجل أعمى بُعِثَ في مهمة من دون دليل ، أو كلب إرشادي مُدَرَّب لمساعدته . في غياب الدليل ، كيف يمكن للمرء أنْ يختار الظاهرة غير العقلية ذات الصلة ؟ لكِنَّ كورنبليث يبدو مُصِرًّا على رفض حصول مشتغل الإبستمولوجيا على أيِّ دليل كهذا .(Goldman 2015)[21]

بالأخذ في الاعتبار أنَّ هذا مرتكز على النوع ذاته تماما من المنهجية ذات الطابع الحدسي والتحقيق المفهومي اللذين يُعْتبران صفتين مميزتين للإبستمولوجيا التقليدية ، فإنَّ مقاربة جولدمان لا تواجه بالطبع أي تهديد فوري بتهمة التفنيد الذاتي الظاهر للعيان . لكنَّ السؤال الآن : في أي جانب تُعْتَبَرُ تلك الرؤية طبيعية ؟ في أحد المواضع ، يصف جولدمان صيغته المفضلة من النزعة الطبيعية “والتي يسميها بالنزعة الطبيعية المعتدلة” على أنَّها امتزاج بين أطروحتين.[22]الأولى تنص على التزامه (الذي رأينه في الأعلى في الجزء 3.2) بالنهج السيكولوجي المُسَبَّب لفهم ظاهرة التسويغ (الضمان“warrant”، إلى آخره) . الأطروحة الثانية تجسد رؤيته الخاصة بخصوص كيف “أو إلى أي حد” تحتاج منهجية الإبستمولوجيا التقليدية للتغيير واستقلاليتها للتعديل (ارجع إلى مناقشة الإبستمولوجيا الطبيعية المنهجية في الجزء 1.2 في الأعلى)

 

النزعة الطبيعية المعتدلة

أ – تعتمد جميع أشكال الضمان أو التسويغ الإبستيمي على العمليات السيكولوجية (ربما الحسابية) التي تُنْتِجُ الاعتقاد أو تحفظه

ب– المشروع الإبستمولوجي بحاجة إلى المساعدة المناسبة من العلوم ، خاصة من العلوم الدارسة للعقل البشري.(Goldman1999a: 26)

أيُّ نوع من مساعدة العلوم تحتاجه الفلسفة ؟ في عمله “الإبستمولوجيا والإدارك”(1986) يقدم جولدمان نموذجًا ذا مرحلتين للبحث الإبستمولوجي : يتضمن الأول تحليلًا مفهوميًا “على طراز الكرسي الهزاز التقليدي” لرسم المعالم الرئيسية وتحديد المفاهيم ذات الصلة (من منظور جولدمان ، تحليل كهذا يكشف عن مركزية اعتبارات الموثوقية في تلك المفاهيم) ، بعد ذلك تكون مهمة الإبستمولوجيا (أو يجدر بها أن تكون) تحديد “أيٌّ من العمليات الإدراكية تعتبر مفيدة للدراسة وموثوقة”، وعند هذه النقطة تحديدا، في هذه المرحلة الثانية فإنَّ “التعاون مع علم النفس التجريبي، أو علم الإدراك” يكون مطلوبًا (2005: 408).

ملحوظة : تقول النقطة (أ) هنا بأنَّ التسويغ يعتمد على العمليات السيكولوجية التي تُنْتِجُ أو تحفظ الاعتقاد ، وهي تمثل التزامًا بصورة أو درجة معينة من النزعة السيكولوجية (الجزء 1.3) . ليس المقصود هنا أنَّ جميع أشكال التسويغ تعتبر ذات طابع “بَعْدِي” ، يرفض جولدمان ذلك النوع من الإبستمولوجيا الطبيعية ذات السمة التجريبية القوية التي يعتنقها كواين وكورنبليث ،[23] وهو يعمل جاهدًا ليجادل بأنَّ طريقته في صياغة [أ] والمستوحاة من نسخته الخاصة من نزعة الثقة تُعْتَبَرُ متوافقة تمامًا مع وجود التسويغ ذي الطابع الأَوَّلِي ، انظر عمله : (1999a) . (اقترح كيتشر Kitcher  أيضا أنَّ مفهوم المعرفة الأَوَّلِيَّة يمكن أن يُضَمَّنَ داخل الإبستمولوجيا الطبيعية (1980: 4)) . أيضًا في عمله (الإبستمولوجيا والإدراك) (1986)، يرى جولدمان – مثلا – أنَّ التحليل المفهومي واللجوء إلى الحدوس تُعْتَبَرُ مكانتهم أساسيةً للإبستمولوجيا لأنَّهم – في حد ذاتهم – لهم طابع أَوَّلِي ، انظر : (1989: 143)

رغم ذلك فإنَّ جولدمان في أعماله الأحدث (Goldman 1999a, 2005, 2007);(Goldman & Pust 1998) يشير إلى أنَّ خاصية العمل المفهومي المُمَيِّزَة للتنظير الإبستمولوجي تُعْتَبَرُ شكلًا من أشكال البحث التجريبي ذي الطابع “البَعْدِي”. مثلا ، يتضمن التحليل المفهومي عادةً استخراج “أو اختبار” الحدوس (على سبيل المثال: لدينا عينة بحثية ويسأل باحث الإبستمولوجيا نفسه (أو آخرين) ما إذا كان هو/هي يعتقد أنَّ موضوع البحث هذا قد حاز معرفة) . بدلًا من رؤية هذا الأمر كأفراد يوظفون بعض المَلَكَات الخاصة في سبيل إجابة أسئلة ليست تجريبية الطابع ، يمكن مثلا رؤيتها كتوظيف لطريقة “قبل علمية”“proto-scientific method” تجريبية – بشكل أساسي – (2005: 408) موجهة نحو اكتشاف الحقائق المتعلقة بالمفاهيم الإبستيمية الخاصة بالشخص قيد الاختبار “أو آخرين” . وفقًا لهذه الرؤية فإنَّه حتى استشارة المرء حدسياته الخاصة تُعْتَبَرُ تجريبيةً على نحوٍ شامل : [مصطلح “قبل علمية”“proto-scientific” يُقْصَدُ به الإشارة إلى النظريات التي لا يمكن حاليا تصنيفها بعد أنَّها علمية ، لكن يبقى ثمة مجال نظري مفتوح لتطورها ووضعها قيد الاختبار والتأكد من علميتها، وهي بهذا تختلف عن نظريات العلم الزائف“Pseudoscience” ذات المحتوى المراوغ الذي يجعلها دائما من غير الممكن اختبارها وتكذيبها]

لا يجب استيعاب الحدوس التصنيفية داخل الحدوس المنطقية أو الرياضية . إنهم إلى حدٍ ما يشبهون أكثر استبطانات أو قراءات المرء لحالاته الداخلية الخاصة به ، في هذه الحالة يمكن اعتبارهم الاستنتاجات التصنيفية المتعلقة بمفاهيم المرء الخاصة . ورغم أنَّهم ليسوا إدراكات حسية إلا أنَّهم يشتركون ببعض الخصائص مع الملاحظات الحسية…. حتى الدليل المبني على الحدس من منظور الشخص الأول لا يمكن اعتباره دليلًا أَوَّليًا . إضافة ًإلى هذا ، فإنَّ الاستخدام الأمثل لحدوس المرء للتوصل إلى النظريات المتعلقة بمحتوى المفاهيم أو بمعاني الإسنادات يجب أن يأتي بوضع النظريات الدلالية والسيكولوجية في الحسبان ، وكلاهما فروع تجريبية وليست أَوَّليَّة (Goldman 2005: 409).

بإعادة صياغته للتحليل المفاهيمي واللجوء للحدوس كمساعٍ تجريبية يبتعد جولدمان عن بيلر“Bealer”(1992) وبونجور“BonJour”(1994) اللذين يعتبران أنّه من الواضح أنَّ خاصية التوجيه المفهومي الخاصة بممارسة الإبستمولوجيا التقليدية تُمَيِّزُها بطابع “الأَوَّلِيَّة”. تجدر هنا أيضا الإشارة إلى أنَّ جولدمان بهذا النهج يقترب من كورنبليث . من منظور جولدمان ، في الوقت الذي يؤسس فيه الاعتماد على الحدوس “خصوصا فيما يتصل بمشروع التحليل” فارقًا واضحًا بين المنهجية الفلسفية ومنهجية العلم التجريبي ، إلا أنَّ تلك المنهجية الفلسفية تبقى تجريبيةً .

 في هذا الصدد ، يمكن القول بأنَّ المنهجية الفلسفية تبقى غير مُمَيَّزَة بعد كل ذلك . يمكن رؤية ذلك فقط لأنَّ الاختبار التجريبي لمفاهيمنا يبقى هو هدف التحقيق الفلسفي “على الأقل في مراحله الأولى” . إصرار جولدمان على ذلك المبدأ الأخير “أن هدف تحقيقات الكرسي الهزاز التجريبية هو المفاهيم وليس أيّ ظاهرة غير عقلية إبستيمية في ذاتها” يبقى هو النقطة المفصلية التي تفترق عندها آراء جولدمان وكورنبليث.[24]

 

5.2 الحدوس، المعايير، والتجارب

بالأخذ في الاعتبار أنَّ نسخته الخاصة من النزعة الطبيعية المعتدلة جعلت جولدمان يوافق ويختلف مع عناصر معينة في كلا الجانبين : الإبستمولوجيا التقليدية وأطروحات أصحاب النزعة الطبيعية الأكثر جذرية ، ليس من المفاجيء إذن أَنْ يتعرض موقفه للنقد من كليهما . مثلا فيلدمان“Feldman”(1999، 2012) وبونجور“BonJour” (1994) أعلنا شكوكًا بخصوص ما إذا كانت النسخ الأكثر اعتدالًا من الإبستمولوجيا الطبيعية سليمة أو مثيرة للاهتمام ، أيضًا : ما إذا كان لدينا أمثلة معقولة على صلة علم النفس بالإبستمولوجيا قد تم توظيفها بالفعل في إطار الإبستمولوجيا التقليدية ، وتساؤلات أخرى تتعلق بما إذا كان ثمة محاولةٌ جديرةٌ حقا بالذكر وممكنةٌ واقعيًا لوصل علم النفس بالإبستمولوجيا . (وجَّه جولدمان ردا مباشرًا على اعتراضات بونجور في : (1999: 26–27) ، وكثيرٌ من حجج كورنبليث باسم النزعة الطبيعية “مثلا أعماله في 1995 و2001” يمكن قراءتها كرد على اعتراضات كتلك) . مرة أخرى ، ربما الأكثر إثارة لاهتمامنا الآن هو هذا الاعتراض المقدم ضد كلا الجانبين [التقليديين وجولدمان] والذي قدمه كورنبليث : الأهمية التي يوليها جولدمان للتحليل المفهومي تقف عقبةً في طريقه لتقديم تقرير معقول عن المعيارية الإبستيمية .

في معرض مناقشته لكتاب كورنبليث الصادر في 2002 كتب جولدمان ” فيما يتعلق بسؤال أساس المعايير الإبستيمية قدم كورنلبيث مناقشة ثاقبة ومُدَقِقَة” (2005: 409) (ارجع إلى المناقشة المختصرة بخصوص هذا في الجزء 4.2) . جولدمان بالطبع لديه نفور شديد تجاه رؤية الاعتقاد الصادق باعتباره هو الحائز لذلك النوع من القيمة الذرائعية الأداتية على النحو الذي يصفه تقرير كورنبليث عن المعيارية الإبستيمية . مع ذلك ، يقول كورنبليث (في كتاب “الإبستمولوجيا والإدراك”[كتاب جولدمان] المشاغل التجريبية لا تلعب أي دور على الإطلاق في تفسير مصدر المعيارية الإبستيمية) (2002: 140–141) . في تقرير جولدمان تجد المعيارية – بالأحرى – موطيء قدم لها في المرحلة التأسيسية المفهومية للإبستمولوجيا : تقييماتنا الإبستيمية تُعْتَبَر تقويمية (Goldman 1986: 20) ، وهي تعطي لاعتبارات الموثوقية موضعًا مُدَعَّمًا بفضل محتوى المفاهيم التي تم الاعتماد عليها في تلك المسألة . باختصار يقول كورنبليث عن تقرير جولدمان (1986) : ” يبدو أنَّ الإمكانية المعيارية تُشْتَقُ من الاعتبارات الدلالية وحدها ” (Kornblith 2002: 142) . وفقًا لكورنبليث ، تأسيس كهذا للمعيارية الإبستيمية مازال غير مُرْضٍ . في الواقع فإنَّ ما قام به – ببساطة – هو دفع المشكلة إلى الوراء، لماذا علينا الاهتمام بالمفاهيم – وبالتالي بالمعايير الإبستيمية – التي لدينا بالفعل ؟[أيْ لماذا علينا تحليلها دلاليًا؟](2002: 142–145).

لم يكن كورنبليث هو أول من عبر عن مخاوف كتلك “وهو يسلم بهذا” بخصوص المكانة المعيارية للنتائج المنتظر الحصول عليها جراء التحليل المفهومي على النهج المُمَيِّز للإبستمولوجيا التقليدية . ستيتش “Stich” (1990: 92–93) مثلًا تحدث عن مخاوف كتلك من قبل . يجعل ستيتش الأمر واضحًا : ما سيجعل المشكلة المنتظرة ملحة هو – في الواقع – فرضية وجود تشعب حقيقي في عملياتنا الإدراكية ، معاييرنا الإبستيمية ، و- أو- حدوسنا بخصوص الحالات .

في النهاية ، كلما كانت مفاهيمنا وتقييماتنا الإبستيمية الفعلية تحقق معايير الموثوقية على نطاقٍ واسع ، كلما كشفت “اختبارات مفاهيم الناس الإبستيمية كيف أنَّ الاعتقاد الصادق يُعْتَبَرُ أساسًا رئيسيًا للتقييم الإبستيمي والإنجاز الإبستيمي” (Goldman 2007: 22) . هناك إذن ما يمكن أن نعتبره – على أقل تقدير – اتفاقا مهما بين النتائج التي حصلنا عليها جراء تحقيقنا المفهومي وبين تقرير المعيارية الإبستيمية على النحو الذي يفضله كورنبليث .

بالتالي فإنَّ الحديث عن أهمية نتائج معينة يُزْعَمُ بأنّها جاءت نتيجةً للفلسفة الاختبارية يمثل هو نفسه اتجاهًا حديثًا داخل إطار الفلسفة الطبيعية . [25] من منظور بعض المنظرين يوجد بالفعل تشعب متسع الامتداد في حدوسنا الإبستيمية سواء بين الأفراد (Swain,Alexander, and Weinberg 2008) أو بين المجموعات ، بتعبير جينفر نايجل“Jennifer Nagel” : ” على امتداد تلك الخطوط الصدعية الرهيبة إبستيميًا ” (Nagel 2012: 495) مثل الانتماء العِرْقِي (Weinberg, Nichols, and Stich2001) والنوع “الجندر” (Buckwalter and Stich 2011) .

وفقًا لتلك الأعمال التي تمت في إطار البرنامج التكذيبي للفلسفة الاختبارية [26] فإنَّ نتائج مفترضة كتلك تكشف أنَّ هناك شيئًا معيبًا بشدة بخصوص أساليب استخدام الحدوس لإرشاد تنظير المرء الفلسفي . كان هذا هو الدرس الذي رأى كلٌ من بيشوب“Bishop” وتراوت“Trout” أنَّ تلك النتائج المذكورة تعطينا إياه . من منظورهما : في الوقت الذي ينظر فيه عادة ًممارسو “التحليل الإبستمولوجي التقليدي” إلى الإبستمولوجيا الطبيعية باعتبارها غير قادرة على أن تجد مكانًا للمعيارية الإبستيمية ، فإنَّهم واقعيًا هم المنخرطون في مشروع وصفيٍ تمامًا ، أي : مشروع إعطاء معلومات “بخصوص الأحكام الإبستيمية التأملية لمجموعة مُمَيَّزَة [ أيْ تم اختيارها على نحوٍ خاص وغير مُمَثِلٍ لتشعبات الواقع ] تم تدريب أعضائها على استخدام مفاهيم إبستيمية متخصصة للغاية ونماذج معينة للتفكير” (Bishop and Trout 2005a: 704) . إذا أردنا حقا إبستمولوجيا معيارية يقترح بيشوب وتراوت (2005a,b) أن نتوقف عن برنامج “التحليل الإبستمولوجي التقليدي” كليًا وننظر مباشرة إلى النتائج التجربيبة “لعلم النفس التحسيني”“ameliorative psychology”، والتي تبشر بإعطائنا نظرة نافذة بخصوص التفكير بشكل أفضل [27]. [في كتاب الإبستمولوجيا وسيكولوجيا الأحكام البشرية “ Epistemology and the Psychology of Human Judgment” يقدم بيشوب وتراوت رؤية لعلم النفس التحسيني باعتباره ذلك العلم الذي يشمل أجزاء من علم الإدراك “cognitive science”، برنامج الإرشادات والتحيزات “heuristics and biases program”، البرامج الإحصائية ، وعلوم الذكاء الصناعي ، من أجل تقديم رؤية تجريبية بخصوص الكيفية التي تعمل به الأحكام البشرية ، والكيفية التي نُحَسِّنُ بها من استراتيجيات التفكير اعتمادًا على النتائج التجريبية]

قُدِّمَت اعتراضات بشأن جدوى هذا المشروع ، وفي الأغلب على نفس الأساس الذي بنيت عليه اعتراضات جولدمان على رؤية كورنبليث ، أيْ : بسبب ما يبدو كدور لا غنى عنه يؤديه الاعتماد على الحدوس (حتى لإبستمولوجيا تجريبية التفكير) ، مثلا بخصوص الدور الذي تؤديه الحدوس في تحديد المعايير ذات الصلة لتقييم الصلاح الإبستيمي ، انظر مثلا : (Stich 2006) . ومازلنا بعد ، لو كانت الدرسات المذكورة في الأعلى صحيحة مازال من غير الواضح أيُّ شكل من الاعتمادية يجدر بنا إيجازه لتلك الحدوس ، أو بشكل أكثر عمومية : لتلك النتائج الخاصة بأساليب الكرسي الهزاز الفلسفية والتي نجدها في إطار كلٍ من الإبستمولوجيا التقليدية ونسخة جولدمان من “النزعة الطبيعية المعتدلة” .

مع ذلك فإنَّ تلك الدراسات تم الاعتراض عليها . مثلا :(Sosa 2005, Goldman 2010, Williamson 2013) عبروا عن شكوك بشأن تفسير البيانات المذكورة وأهميتها (وإلى حدٍ ما بشأن مميزات الفلسفة الاختبارية نفسها) . وبنفس القدر من الأهمية يجدر بنا ذكر أنَّ آخرين يعملون داخل إطار عمل اختباري قد قدموا هم أنفسهم تساؤلات بخصوص تلك البيانات . وبالتالي ، في الوقت الذي زعم فيه مثلا :(Weinberg, Nichols, and Stich (2001)) اكتشاف تنوع كبير عابر للثقافات في حدوس البشر الإبستيمية ، فإنَّ دراسات حديثة عديدة قد فشلت في تكرار تلك النتائج :(Nagel et al. 2013, Seyedsayamdost 2015, Kim and Yuan 2015) ، انظر أيضًا : (Nagel 2012, 2013; Nagel and Boyd 2014) . في الواقع حاجج ستيتش“Stich” في عمله الأخير بخصوص هذا الموضوع (رفقة مؤلفون آخرون) لصالح وجود متانة عابرة للثقافات لبعض الحدوس الإبستيمية ، انظر أيضا : (Machery et al. 2015) ، مقترحًا أنَّ هذا من الممكن أنْ يكون انعكاسًا لجوهر كامن فطري عالمي لإبستمولوجيا البشر. يمكن القول إذن أنَّ الفلسفة الاختبارية قد أثارت – على نحوٍ مشابه للإبستمولوجيا الطبيعية – مسائل ملحة بخصوص المنهجية الفلسفية ومازالت محل تركيز نقاشات حية .

تلك النتائج الأخيرة التي ذكرناها توضح أنَّ الفلسفة الاختبارية في حد ذاتها ليست في خصامٍ مع المشاغل والأساليب الأكثر تقليدية التي تأخذ بها نسخة جولدمان من النزعة الطبيعية المعتدلة (أنْ يُرْشَدَ التنظير الإبستمولوجي بواسطة تحقيق مفهومي أو أحكام حدسية) ولا تحكم عليها آليًا بضيق الأفق ، ومن ثَمَّ باستحقاقها لاهتمام محدود .

 

  1. مواضيع ومقاربات أخرى

ركزت النقاشات التي رأيناها في الأجزاء السابقة على الآراء والحجج الخاصة بشخصيات منتقاة داخل إطار الإبستمولوجيا الطبيعية . ثَمَّ شقان لأسباب ذلك التركيز : الأول ، أنَّ تلك المواقف والشخصيات والتصديرات المعنية كانت في طليعة النقاشات الحالية المتعلقة بالإبستمولوجيا الطبيعية . الثاني، أنَّ القرابة الإبستمولوجية العامة بين كورنبليث وجولدمان بالتحديد (مثلا : التزامهما المشترك بنزعة الثقة “reliabilism”) مكننا من فرز والإحاطة بفهم كلٍ من الاعتراضات المركزية على الإبستمولوجيا الطبيعية بالإضافة إلى بعض نقاط الاختلاف الرئيسية بين مناصريها . مرة أخرى نؤكد أنَّ ما اخترنا التركيز عليه في الأعلى لا يحجب حقيقة أنَّ هناك نظريات إبستمولوجية أخرى عديدة تم تقديمها (الجزء 1.2). بالتالي ، بالإضافة إلى نظريات الثقة (Goldman,Kornblith) والبراجماتية (Stich) وتقرير المعلومات النظرية (Dretske) ، هناك مثلا التفكير الوظيفي المُوَجَّه “teleo-functional thinking” والذي تم الاعتماد عليه لتقديم تقارير بخصوص كلٍ من المعرفة (Millikan1984) والاستحقاق الإبستيمي (Graham2012) .

بولوك “Pollock” (1986,1987) و بولوك مع كروز “Pollock and Cruz” (1999) أرادوا فهم التسويغ الإبستيمي من زاوية مطابقته للقواعد الإجرائية لتكوين الاعتقاد ، والتي تتأكد صحتها بواسطة محتويات المفاهيم ذات الصلة . ينظر غيرهم من غير الواقعيين “nonfactualists” مثل فيلد“Field”(1998)، و”التعبيريون”“expressivists” من أمثال كريزمان“Chrisman”(2007) إلى استخدام المصطلحات الإبستيمية والتأييد الضمني لمعايير وتقييمات إبستيمية محددة على أنَّه بالأساس مسالة تعبير عن المواقف السلوكية للمرء ، ما يريده وما ينفر منه . تمثل تلك النظريات وغيرها محاولات جارية أخرى لفهم المفاهيم الإبستيمية المتنوعة و/أو مقاربة الظاهرة بنهج طبيعي . وبينما تواجه كلٌ منها تحديات مختلفة (كما الأمر مع رؤى النزعة الطبيعية عموما) ، إلَّا أنَّ المسائل الأكثر إلحاحًا المُقَدَّمَة في مواجهتهم هي تلك التي تمت مناقشتها في الأعلى . [المواقف غير الواقعية والتعبيرية في فلسفة اللغة – بإيجازٍ شديد – ترفض التعامل مع الدلالات اللغوية باعتبارها تحيل إلى خصائص وكيانات واقعية]

بالإضافة إلى تلك المواقف المتعلقة بمواضيع إبستيمية محددة ، يوجد مناطق أخرى في الإبستمولوجيا تظهر فيها الإبستمولوجيا الطبيعية على نحوٍ بارز . الجزء الأخير سوف يصف بإيجاز ثلاثة مجالات منها : الإبستمولوجيا الاجتماعية ، الإبستمولوجيا النسوية ، والجدل بخصوص العقلانية الإبستيمية .

 

6.1 الإبستمولوجيا الاجتماعية

كما سبق ورأينا ، مثلت العديد من التساؤلات بخصوص أساليب ومُثُل الإبستمولوجيا التقليدية دوافع لعمل الإبستمولوجيا الطبيعية ، مثل الاعتماد على المعرفة الأوَّلِيَّة والنزوع اللاسيكولوجي ، أو بتعبير جولدمان (2011) : أصحاب نهج “الحكم حسب مآل الأمور”“current time slice” لفهم المعرفة أو التسويغ [أيْ: التركيز على لحظة بناء الاعتقاد والتسويغ بغض النظر عن تاريخ الظروف النفسية السابقة على تلك اللحظة] ، النزوع إلى رؤية المصادر والقدرات المُمْتَلَكَة بواسطة الفاعلين الإبستيميين الفعليين بشكل قاصرٍ وإهمال تفاصيلها , أو إسباغ صفات مثالية غير واقعية عليها ، وغير ذلك من الأمور .

جانب آخر من الإبستمولوجيا التقليدية وُضِعَ مؤخرًا تحت الفحص الدقيق ، يتمثل هذا الجانب في نزوعها إلى معاملة الفاعلين من زوايا فردانية “أيْ : منفصلين عن بيئتهم الاجتماعية”. يُنْظَرُ إلى هذا أيضًا باعتباره تشويهًا جسيمًا بما أنَّ حيوات البشر – بما فيها مفاهيمهم الإبستيمية وغيرها – تصاغ على نحوٍ بارزٍ في إطار القوى المجتمعية (في الواقع ، من منظور البعض حتى هذه الصيغة تعتبر مُضَلِّلَة لأنَّها تضع الأفراد كإطار تفسيري يسبق المجتمع فيما يتعلق بالأمور الإبستيمية) . الجدير بالذكر هنا أنه حتى أمثلة مناهج عمل الإبستمولوجيا الطبيعية قد تكون متهمة بكونها مفرطة التركيز على الأفراد (مثلا ، النظر إلى الحالة السيكولوجية للفرد باعتبارها وثيقة الصلة بالإبستمولوجيا على حساب مناطق أخرى تصلح للدراسات التجريبية حيث تُوَجَّه أكثر من منظور اجتماعي) ، قارن مع : (Grandy 1994: 346–348) .

تعتبر الإبستمولوجيا الاجتماعية مجالًا واسعًا ومتشعبًا من البحث يهدف إلى مخالفة فردانية الإبستمولوجيا التقليدية من خلال دراسة الظاهرة الإبستيمية من منظور اجتماعي ملائم . (أمثلة عامة للإبستمولوجيا الاجتماعية : (Schmitt 1994) ، (Goldman and Blanchard 2015) . عمل :(Goldman and Whitcomb 2011) عبارة عن تجميع مُحَدَّث للأوراق البحثية التي قدمت في إطار الإبستمولوجيا الاجتماعية ، وعمل : ((Lackey 2014 عبارة عن مجلد يحتوي على الأوراق البحثية الجديدة في مجال الإبستمولوجيا الجماعية تحديدًا) . على نحوٍ مماثل للإبستمولوجيا الطبيعية نرى نظريات ومنظرين متنوعين داخل إطار الإبستمولوجيا الاجتماعية يُبْقُون علاقات أكثر اقترابًا أو ابتعادًا عن الإبستمولوجيا التقليدية . مثلًا ، يعتنق بعض باحثي الإبستمولوجيا الاجتماعية وجهة النظر التي ترى الفرد باعتباره الموضع الرئيسي للإنجاز الإبستيمي ، بينما يتناول آخرون الكيانات – مثل المجموعات والشركات – عوضًا عن الأفراد باعتبارهم حائزي الخصائص الإبستيمية . يُقَيِّمُ بعض المنظرين عمليات ومؤسسات اجتماعية متنوعة من زاوية بعض الخصائص الأكثر عمومية – غير الاجتماعية – (الموثوقية مثلًا) ، بينما يعتقد آخرون أنَّ الخصائص المفيدة ذات الصلة ليست قابلة للرد بسهولة [الرد هنا أيْ الالتزام بالنزعة الردية التي ترى برد كل الظواهر إلى ظواهر ذات خصائص طبيعية يمكن قياسها ورصدها] . يحتفظ البعض بالصدق كهدف إبستيمي رئيسي ، بينما يضع آخرون بعض الأهداف غير التقليدية ، وغيرها من الاختلافات.

على مدى تلك المقاربات المتنوعة نرى باحثين كثيرين داخل إطار الإبستمولوجيا الاجتماعية تحركهم مشاغل وتساؤلات مشابهة لتلك التي تحرك الإبستمولوجيا الطبيعية ، ومعظم الصياغات والمواضيع التي رأيناها في إطار الإبستمولوجيا الطبيعية (الجزء 1.2) تظهر هنا أيضًا . (من زاوية نقاط الخلاف النظرية المذكورة بالأعلى نرى أنَّ جولدمان : (Goldman 1999b) على سبيل المثال يميل إلى شغل الموضع الأكثر محافظة “على نحوٍ مشابه أيضا لموقفه بالنسبة للإبستمولوجيا الطبيعية وحدها” ، بينما نرى أنَّ نهج مارتين كوش “Martin Kusch” (2002) في الإبستمولوجيا الاجتماعية مثلًا يرفض معظم الافتراضات الجوهرية للإبستمولوجيا التقليدية ، بينما نجد أنَّ آراء هيلين لونجينو “Helen Longino” (2002) يمكن اعتبارها في موضع متوسط بين الاثنين)

 

6.2 الإبستمولوجيا النسوية

وفقًا لهيلين لوجينو (المصدر الذي تم ذكره في نهاية الجزء السابق) فإنَّ ثَمَّ اتصالًا بين المسائل والمشاغل المُعَنْوَنَة داخل إطار الإبستمولوجيا الاجتماعية وتلك التي داخل إطار الإبستمولوجيا النسوية . (يمكن رؤية لمحات عامة للإبستمولوجيا النسوية في عمل : (Anderson 2012)،(Grasswick 2013) – بالأخص في الجزء رقم 1- ، (Janack) – غير مذكور التاريخ – في مصادر أخرى على شبكة الانترنت)

على نحوٍ مشابه للإبستمولوجيا الاجتماعية (والطبيعية بالتأكيد) نجد أنَّ الإبستمولوجيا النسوية عبارة عن تصنيف واسع يمكن في إطاره فحص العديد من المشاريع والمواضع المتشعبة . بصياغة لوجينو“Longino” : (ليس هناك إبستمولوجيا نسوية بعينها ، بل نرى وفرة من الأفكار والمقاربات والحجج التي لا تشترك إلا في التزام مقدميهم بكشف/مكافحة الانتقاص من قدر النساء والانحياز الجندري المتواجدين في الصيغ التقليدية (1999: 331)

هنا نجد أنَّ الإبستمولوجيا النسوية “كما الطبيعية والاجتماعية” حفزتها تساؤلات وشكوك بخصوص المثل والافتراضات المتضمنة داخل الإبستمولوجيا التقليدية “وإِنْ كانت بالتأكيد تأتي بوضوح من منظور نسوي هذه المرة”. بالتالي نجد – على سبيل المثال – أنَّ أفكارًا تقليدية بخصوص العقل والموضوعية قد تعرضت لتدقيق نقدي على أساس تجسيدهم على نحوٍ مُمَيَّزٍ (عادةً ضمنيًا) لمثلٍ ذكورية محددة ، مثل : الانفصال عن بقية الناس ، عن موضوع المعرفة ، وعن جسد المرء الخاص ومحيطه الاجتماعي الثقافي . (لا يثير الدهشة هنا أنَّ الافتراضات والتطلعات الديكارتية تعرضت – مرة أخرى – لاهتمام نقدي خاص)

بخلاف تلك الخلفية العامة ، تبنى العديد من المنظرين نهجًا أشد أو أقل في نزعته الطبيعية تجاه هذا الموضوع ، يركز على ملامح محددة للموقف الإبستيمي الفعلي وينطلق من مجموعة متنوعة من الدراسات التجريبية (علم النفس ، دراسات الجندر ، دراسات سوسيولوجية وتاريخية ، وغيرها) . مع ذلك ، يظهر هنا من بين الفلاسفة ذوي التوجه الإبستمولوجي الطبيعي – مرة أخرى – منظرون مختلفون يطرحون رؤى متنوعة . مثلا ، ينطلق عدد من باحثي الإبستمولوجيا النسوية من عمل كواين ، مثلًا :(Antony1993, Campbell 1998, Nelson 1990) . وكما الحال في الإبستمولوجيا الطبيعية يفضل آخرون نمطًا آخر من النهج الطبيعي (مثلًا : (Clough 2004, Code 1996)) أحيانًا لأسباب قريبة من تلك التي نوقشت من قبل ، وأحيانًا أخرى بسبب شكوك تُعْتَبَرُ – على وجه التحديد – نسوية . لذا نجد هنا أيضًا – على نحوٍ مشابه لكلٍ من الإبستمولوجيا الطبيعية والاجتماعية – خلافًا بخصوص القدر الذي علينا الاحتفاظ به من إطار العمل الأصلي للإبستمولوجيا التقليدية (مفاهيمها، انشغالاتها، فروضها) ، وكيف أنَّ بعض عناصرها قد تحتاج إلى إعادة صياغة لكي تكون مقبولة .

 

6.3 نقاشات حول العقلانية

بالإضافة لكونها تقع في مركز اهتمام الإبستمولوجيا التقليدية تقع “العقلانية” أيضًا في المركز بالنسبة لمفهومنا عن ذواتنا . اعتقد أرسطو أننا “حيوانات عاقلة” ، ذلك الافتراض الذي كان حاضرًا حتى في الاسم الذي وُضِعَ للإشارة إلى نوعنا (هوموسابيينز) [هوموساببينز باللاتينية تعني الفرد الحكيم] ، والاعتقاد بأنَّ البشر كائنات عقلانية (وقد يكون هذا ما يميزهم عما سواهم) يظهر كجزء من منظومة التصور العام لماهية جنسنا .

مع ذلك ، هناك خلاف طويل الأمد بين باحثي الإبستمولوجيا بخصوص طبيعة العقلانية الإبستيمية (أو اختصارًا– العقلانية – فقط) والتي – بإحدى الصياغات – تعبر عن صورة تختلف عن الصور الأخرى للعقلانية بصفتها منشغلة بالبحث الفعال عن الهدف الإدراكي الإبستيمي القابل للتمييز فيما يخص الاعتقاد الصادق . برز مؤخرا أيضًا نقاش ساخن – غالبا يشار إليه بمصطلح “حروب العقلانية”- في أوساط علماء النفس وفلاسفة علم النفس بخصوص ما الذي علينا فعله إزاء النتائج التجريبية المتعلقة بأداء البشر الذي يبدو مخيبًا للآمال في أداء “مهام منطقية” محددة . وفقًا للبعض ، تُحَتِّمُ علينا هذه النتائج قبول الإمكانية القائلة بأنَّ البشر قد يكونوا في الواقع كائنات – إلى حد بعيد – غير عقلانية . وفقًا للبعض الآخر، تأتي تلك النتائج بجانب الرؤية السيكولوجية الواقعية للكيفية التي يعمل بها فعلًا تفكير البشر لتبرزا معًا الحاجة إلى مراجعة الآراء التقليدية بخصوص ما يتضمنه مفهوم العقلانية . (معظم نتائج النقاش تعيد تلخيص – من منظور عريض – النقاش الواقع في إطار الإبستمولوجيا التقليدية بخصوص طبيعة الاعتقاد المُسَوَّغ أو العقلاني[28])

على سبيل المثال ، النتائج الاختبارية الشهيرة (مثل تلك التي قدمها تافريسكي وكانيمان “Tversky and Kahneman (1982)” بخصوص التفكير الاحتمالي ، وتلك التي قدمها واسون “Wason (1968)” بخصوص التفكير الاستنباطي) لا يمكن اعتبارها دليلًا على الإخفاق في التفكير العقلاني ما لم نفترض ما أطلق عليه شتاين “Stein (1996)” “الإطار المعياري” :

وفقا لذلك الإطار ، معنى أن تكون عقلانيا هو أن تفكر وفقا لمبادئ تفكير مرتكزة على قوانين المنطق ، نظرية الاحتمالات وما إلى ذلك . إذا كان الإطار المعياري للتفكير (العقلانية) سليمًا تصبح مبادئ التفكير المرتكزة على تلك القوانين مبادئ معيارية للتفكير ، أيْ : إنها المبادئ التي يجب علينا أنْ نفكر وفقًا لها (Stein 1996: 4)

وفقا للبعض ، بدلا من اقتراح أنَّ البشر كائنات غير عقلانية يجدر بنا اعتبار أنَّ تلك النتائج المعنية (بجانب اعتبارات أخرى عديدة) توفر السياق الملائم للسؤال : هل من السليم أن نرى ذلك “الإطار المعياري” باعتباره يمدنا بالقواعد المعيارية ذات الصلة ؟ . مناقشة تلك المسألة الجديدة سوف تأخذنا بعيدًا (يمكن النظر إلى الملحوظة 27) ، لكن فيما يتعلق بأهدافنا الحالية يكفي أن نلاحظ أنَّ تلك المناقشة تشترك في ملامح عديدة مع المناقشة الواقعة داخل إطار الإبستمولوجيا الطبيعية وحولها أيضًا . تلعب النتائج التجريبية والاعتبارات المتعلقة بجدوى الاعتماد على علم النفس دورًا واسعًا خلال نقاشات “العقلانية” ، والعديد من الوقائع والعوامل التي يلجأ إليها مناصرو الإبستمولوجيا الطبيعية في معرض انتقادهم للإبستمولوجيا التقليدية (ارجع مثلًا للأجزاء 1.2، 3.2 في الأعلى) تعاود الظهور هنا إما كانتقادات لذلك “الإطار المعياري” ، أو كتقييدات معروضة لتصور ملائم عن “العقلانية”. أخيرًا ، كما رأينا بشكل عام مع النقاشات حول الإبستمولوجيا الطبيعية وداخل إطارها ، نرى أنَّ نقاشات العقلانية تتضمن استشهادات بكلا الاعتبارات : السيكولوجية والمعيارية ، بالإضافة إلى ما يجب على الكثير من القضايا الأشد خلافًا أن تفعله لكي توازن على أفضل نحوٍ ممكن بين ادعاءاتها التي تبدو أحيانًا في علاقة تنافس .

 

 


الملحوظات

  1. بصياغة إليزابيث باكيري “Elisabeth Pacherie” : (لا يجب علينا التعامل مع عنوان “الإبستمولوجيا الطبيعية” باعتباره يشير إلى مذهب واحد مُعَرَّفٍ بدقة . بالأحرى يعمل هذا العنوان كمظلة تندرج تحتها مجموعة من المقاربات التي تضع المبادئ الأساسية للإبستمولوجيا الكلاسيكية موضع تساؤل على نحوٍ يشتد أو يقل في جذريته ، ويصر على صلة البحث التجريبي بالتحقيقات الإبستمولوجية) (2002: 299) .

  2. في تقريره المتعمق بخصوص تاريخ النزعة الطبيعية (بما يشمل تاريخها في الإبستمولوجيا) يميز كيتشر“Kitcher”(1992) إعادة إدخال علم النفس داخل إطار الإبستمولوجيا والتشكك في المعرفة الأَوَّلِيَّة باعتبارهما الملمحين المركزيين للإبستمولوجيا الطبيعية .

  3. سيتضمن الجزء التالي التصنيفات المقترحة بواسطة جولدمان “Goldman, 1994” و فيلدمان“Feldman, 2012” . قُدِّمَت تصنيفات أخرى مفيدة تقترب أو تتكامل – إلى حدٍ كبير – مع التصنيف المختار بواسطة : (Maffie:1990a) (Kappel:2011) ، كلاهما يحتوي على بحث عام مفيد للغاية بخصوص الإبستمولوجيا الطبيعية .

  4. استثناء واضح هنا يتمثل في عملي :(Pollock 1987,1986) ،(Pollock & Cruz 1999) ، كلاهما يصنف رؤيته باعتبارها “نزعة طبيعية داخلية” “naturalistic internalism”. لكنهما يستخدمان مفهومًا غير أرثوذوكسي [مخففًا] للنزعة الداخلية . يقول بولوك في أحد المواضع :

    (أقترح بتعريف الحالات الداخلية باعتبارها تلك الحالات التي يمكن الوصول إليها مباشرةً من “الآليات الموجودة في نظامنا العصبي المركزي الذي يُوَجِّه تفكيرنا” (1987:70))

    هذا خروج كبير عن ذلك النوع من – إمكانية الوصول الخاصة بمنظور الشخص الأول – والذي يصر عليه معظم أصحاب النزعة الداخلية المعتادين . يظل من السليم أن نقول – بالاتفاق مع كابل“Kappel” – أنَّه لا شيءَ في النزعة الطبيعية الوصفية “descriptive naturalism” في حد ذاتها (بمصطلحنا المستخدم حاليًا : الإبستمولوجيا الطبيعية الموضوعية “substantive NE”) يُحَتِّمُ على أحدٍ أن يكون نصيرًا للنزعة الخارجية بخصوص المعرفة أو التسويغ (2011: 838) .

  5. لمناقشة الانقسام بين النزعة الداخلية/الخارجية – بما يتضمن الصياغات البديلة – ، انظر مثلًا :(Pappas2014) ،(Ichikawa & Steup2014).

  6. في أمريكا الشمالية أيضًا نرى النزعة الطبيعية واضحة في منهج البراجماتيين (Hookway 2015)، وإنْ لم يكن دائمًا بصيغة سيكولوجية . التأكيد على صدارة الممارسة العملية في الفلسفة ، التشكك بخصوص التمييز بين الحقائق والقيم (Putnam 1994a: 152) ، والإصرار على أنَّ ما يحوز أهمية في حياتنا يجب أنْ يحوز أيضًا أهمية في الفلسفة (Putnam1994b:517) ، جميعها مواضيع تدخل في إطار الإبستمولوجيا الطبيعية . لمناقشة بخصوص بعض مصادر النزعة الطبيعية الأمريكية مطلع القرن العشرين ، انظر : (Kim 2003).

  7. نجد نقاشًا حديثًا متقاطع بقوة مع الأصداء التي خلفتها ورقة كواين في عمل باتريشيا تشرشلاند (Patricia Churchland’s 1987) . على سبيل المثال ، تقول باتريشيا : (يمكن إعادة صياغة السؤال الإبستمولوجي الأساسي هكذا : “كيف يعمل الذهن البشري ؟”) (1987: 546). لكنَّ باتريشيا تعود وتأكد مباشرةً أنَّ “البعد المعياري للإبستمولوجيا” سيبقى ، والذي – وفقًا لصياغتها – يُقَيِّمُ ويقترح تحسينات في الأساليب الحسابية والتمثيلية (1987: 546). هنا نجد نسخة أكثر اعتدالًا من الإبستمولوجيا الطبيعية ، والتي (تعتمد على المتوفر من علم النفس وعلم الأعصاب لإمداد دراستنا بالمعلومات) (1987: 546).

  8. يضيف كيم kim (1988: 391)  أنَّه من الخطأ افتراض عدم وجود معيارية في العلوم (وهو يرى أن كواين يقوم بهذا) . يرى كيم أيضًا أنَّ عملية إسناد أي أفضلية إلى اعتقاد تتضمن افتراضًا بوجود عقلانية مُؤسِّسَة لاعتقادات أخرى ، مما يعني – كما يعتقد – أنَّه حتى التحدث عن الاعتقادات يعني الانخراط في الممارسة المعيارية . برؤية متشابهة يقول بوتنام (Putnam 1982) أنَّ الصدق لا يمكن فهمه منفصلًا عن العقلانية ، وبالتالي أيُّ نهجٍ إزالي “eliminativism” تجاه الثانية – على الطريقة التي يؤيدها كواين – يعني أننا لن نستطيع فهم الأول .

  9. يشير أيضًا كورنبليث – بصورة أكثر عمومية – إلى “أنَّ هناك طرقًا لتأويل كواين تُظْهِرُه مُقَدِّمًا حججًا مروعة بوضوح” (1995: 240) . لمناقشات أكثر تقبلًا لحجج كواين تتناول الأمور من منظور أبعد من ذلك العرض المختصر المقدم في الأعلى ، انظر مثلًا : (Foley 1994)،(Johnsen 2005)،(Gregory 2006) .

  10. كما يلاحظ أرمسترونج “Armstrong”(1973: 159)، توقع فرانك رامزي“Frank Ramsey” وجهات النظر المتعلقة بكلٍ من العملية السببية والموثوقة كما يلي :

    (قلت دائمًا بأنَّ الاعتقاد يمكن أن يَكُونَ معرفة في حال أنَّه : أولًا – صادق ، ثانيًا – مُحَدَّد ، ثالثًا – تمت حيازته بواسطة عملية موثوقة . لكن كلمة “عملية” تبدو غير مُرْضِيَة بشدة ، يمكننا تسمية الاستدلال “عملية” ، لكن حتى في تلك الحالة مصطلح “غير موثوقة” يبدو مشيرًا فقط إلى طريقة مضللة وليس إلى مقدمة خاطئة في استدلال كما ينبغي له أن يفعل . هل يمكننا القول بأنَّ “ذكرى ما” حِيزَت بواسطة عملية موثوقة ؟ أعتقد ربما يمكننا ذلك إذا كنا نعني أنَّ العملية السببية تربط بين ما يحدث وتذكري إياه . يمكننا إذن القول بأنَّ الاعتقاد الذي تمت حيازته بواسطة عملية موثوقة عليه أن يكون مُسَبَّبًا بواسطة “ما ليس باعتقاداتٍ” بطريقةٍ – أو مع مرافقات – يمكن أن يُعْتَمَدَ عليها بشكلٍ أو بآخر لإنتاج اعتقاداتٍ صادقة ، وفي حال حدوث اعتقادات وسيطة في تلك السلسلة من المسببات فإنَّ تلك الاعتقادات الوسيطة تصبح جميعًا صادقة) (Ramsey 1931: 258)

  11. يوجد بالطبع أنواع مختلفة من الرد ، هذا شيء لم نتحدث عنه في هذا البحث . من أجل الحالات المتعلقة بالإبستمولوجيا انظر : (Maffie 1990a) ، من أجل نقاشٍ عام انظر :(van Riel and van Gulick, 2014) . من أجل نقاشٍ شامل بخصوص اللَّحَاق انظر : (McLaughlin and Bennett 2014) .

  12. قد تُعْتَبَرُ فكرة ديكارت عن الصفاء والوضوح “الكافيين” – كما يقترح سوزا “Sosa ” (2003: 28–29) – أيضًا غير قابلة للتفسير في صورة مصطلحات غير إبستيمية . يقترح فوميرتون“Fumerton” بأنَّ فكرة ظهور حقيقةٌ ما أمام الوعي تُعْتَبَر…. مفهومًا إبستيميًا ، أيضًا…. واحدٌ من المفاهيم الأساسية المتفردة التي تستعصي على مزيدٍ من التحليل أو الرد يتمثل في مفهوم التعرف المباشر إلى حقيقةٍ ما والذي في جزءٍ منه يُعَرِّفُ مفهوم المعرفة غير الاستدلالية (1988: 455) ، قارن مع : (Pust 2014: Section 1.3) .

  13. كما يشير كلٌ من سوزا (Sosa 2003) وفان كليف (Van Cleve 1999) في معرض ردهما على ليرر (Lehrer 1997) فإنَّ التعامل مع مبدأ المعقولية كبداية [أي: غير مشتق أو متطور من غيره] – في ذاته – لا يُلْزِمَه برفض اللَّحَاق (يعارض هذا – ربما – ما تقترحه مناقشة جولدمان (1994: 303) – شاملةً الملاحظة رقم 7–). كلاهما سوزا(2003: 23) وفان كليف(1999:1053) يستشهد بمثال مور “Moore” الذي يتخذ من مبدأ الصلاح “goodness” كبداية وفي نفس الوقت يصر على لحاقه بخصائص طبيعية . من أجل مناقشة عامة بخصوص اللَّحَاق الإبستيمي – بما يشمل المواضيع المتضمنة في هذه الملحوظة – انظر : (Turri 2010)

  14. هو يعلن بأنَّه يقول هذا “ليؤكد انفصاله عن الحلم الديكارتي” (Quine 1992: 19).

  15. يَتَّبِعُ كواين التجريبيين المناطقة في القول بأنَّ الحقائق التحليلية هي المرشح الوحيد المعقول لما يمكن اعتباره معرفةً أو تسويغًا أوليًا . من أجل مناقشة هذا ، ومناقشة أسباب كواين لرفض التمييز التحليلي-التركيبي ، انظر : (Gregory 2006) و (Kelly 2014).

  16. في نفس الموضوع ، يقول فولي “Foley” أنّهَ على الرغم من رفض كواين للمعرفة الأولية ، ستكون بعض المواضيع بالنسبة له مركزية تمامًا ل “شبكة اعتقاداتنا” ، تلك المواضيع التي على الرغم من قابليتها واقعيًا للمراجعة وكونها معروفة – فقط – بشكل بعدي فإنَّها سَتُوَظَّفُ باعتبارها “النظير الكوايني” للحقائق الضرورية – المعروفة بالأولية – للإبستمولوجيا التقليدية (Foley 1994: 256). بصورةٍ أكثر عمومية ، يؤكد فولي أنَّه من زاوية الممارسة الفعلية : ليس هناك فارقٌ حقيقي بين ممارسي إبستمولوجيا كواين المتطبعة ، وممارسي الإبستمولوجيا التقليدية (انظر على وجه التحديد : صفحات 258-259) ، قارن مع قول جونسون“Johnsen”:

    (على الرغم من مكانتها “ورقة كواين – الإبستمولوجيا متطبعة – ” فإنها لا تحوي من الجديد إلا القليل ، إنها -بصورةٍ عامة – عبارة عن حجة مستمرة للدفاع عن الفكرة القائلة بأنَّ معظم – إن لم يكن جميع- ما يجري تحت مسمى الإبستمولوجيا يمكن رؤيته كجزء من المشروع العلمي كما يُفْهَمُ بشكل سليم وعلى نطاقٍ واسع (2005: 91).

  17. سيجل (Siegel 1990) يرد بالتحديد على عمل لودان (Laudan 1987) “الطبيعانية المعيارية”، والذي يصور القوانين المعيارية للإبستمولوجيا والعلم كضرورات افتراضية “hypothetical imperatives”. بينما يمثل هذا الرؤية الذرائعية الأداتية التي يركز عليها سيجل ، لكن أيضًا يجدر بنا ذكر أنَّه في الوقت الذي يعتبر فيه كواين وكورنبليث الصدق (الصدق أو التنبؤ) كوجهة إبستيمية ، يقول لودان بأنَّ (الأهداف الخاصة بالعلم “على وجه التحديد” وبالتحقيق – عمومًا – أظهرت بعض التَحَوُّلات الهامة بمرور الزمن) (1990: 48).

  18. لمناقشة بخصوص تقرير كورنبليث عن المعيارية الإبستيمية والاطلاع على دفاع مفصل عنه ، انظر: (Rysiew 2017).

  19. قارن هذا مع فولي (Foley 1994: 250) الذي يقول معلقًا على إحدى فقرات كواين :

    (يبدو بأنَّ كواين إِنْ كان ينتوي إخبارنا عن صلة سند إثباتي ما ، وسيفعل هذا من فوق كرسيه الهزاز من دون الاعتماد على نتائج علمية ، أو بصيغةٍ أخرى : إِنْ كان ينتوي ممارسة الإبستمولوجيا بنهجٍ أَوَّلِي ، لا شك في أنَّه سوف يصر على أنَّ ليس في هذا أيُّ طابعٍ أولي . من منظوره ، حتى تنظير الكرسي الهزاز يعتمد على خلفية واسعة من المعلومات التجريبية . لذا ، ليس ثمة معرفة أولية حقًا في تلك الممارسة حتى وإن كانت لا تمثل فعليًا ممارسة لعلم الأعصاب “neurology”، أو علم النفس ، أو علم اللغويات النفسية “psycholinguistics”، أو علم الوراثة الجينية “genetics”، أو حتى التاريخ . لكن ، في النهاية هذا يمثل “النظير الكوايني” للتنظير الأَوَّلِي) .

    قارن هذا مع قول سوزا“Sosa” “والذي عادةً لا يُنْظَرُ إليه كنصير نموذجي كبير للإبستمولوجيا الطبيعية”:

    (غالبًا ما يقال بأنَّ لجوء الفلسفة التحليلية لحدوس الكرسي الهزاز يأتي من أجل “التحليل المفهومي”. لكنني – مع الأسف – أجد هذا مُضَلِّلَلًا ، استخدام الحدوس في الفلسفة التحليلية – وفي الفلسفة عامةً- لا يجب أنْ يكون مرتبطًا بالتحليل المفهومي…. الأسئلة المنشودة المتضمنة هي بخصوص الصواب “rightness” ، أو العدالة ، أو التسويغ الإبستيمي (2007: 59) .

  20. قدمت جانيت ليفين (Janet Levin 2013) مؤخرًا حججًا تصب في نفس الاتجاه ، وهي تعتقد – مثل جولدمان – أنَّ النمط التقليدي من منهجية بحث الكرسي الهزاز يتوافق مع الإبستمولوجيا الطبيعية .

  21. يُبْدِي جولدمان (Goldman2005) أيضًا تشككًا تجاه الفكرة القائلة بأنَّ المعرفة تُعْتَبَرُ صنفًا طبيعيًا ، ويشترك في هذا معه آخرون مثل:(Talbott 2005)،(Williams 1996).

  22. يسمي كراملي“Crumley” نسخة جولدمان من الإبستمولوجيا الطبيعية ب “النزعة الطبيعية المتواضعة” “modest naturalism” ، والتي تجسد التزامًا بكلٍ من اللَّحَاق “supervenience” (كمقابل للرد “reduction”) ، بالإضافة إلى القبول بدور للتحليل المفهومي في التنظير الإبستمولوجي (2009: 203).

  23. ينكر مافي (Maffie 1990a)- مثل كواين وكورنبيلث – أنَّ المعرفة الأولية لها مكان مشروع داخل إطار الإبستمولوجيا الطبيعية .

  24. في أعمال حديثة أكثر يبدو جولدمان أقل حماسًا تجاه اختيار المفاهيم الشخصية كهدف للتحقيق الفلسفي . يختار جولدمان تقديم بدائل عديدة ، ولا يحدد – على نحوٍ حاسم – المفاهيم الشخصية باعتبارها الهدف “الصحيح”، انظر:(Goldman 2010).

  25. من أجل رؤية عامة بخصوص الفلسفة الاختبارية والحدوس ، انظر :(Pust 2014: Section 4) ، (Russell 2014: Sections 8.1–8.2) . فيما يتعلق بالحدوس الإبستيمية بالتحديد ، انظر : (Nagel 2007) . من أجل عينة تمثيلية للمسائل والمواقف الحالية المتعلقة بالفلسفة الاختبارية ، انظر – مثلًا-:(Haug 2013)،(Machery and O’Neill 2014) .

  26. فيما يتعلق بالتمييز بين البرامج الإثباتية والتكذيبية داخل إطار الفلسفة الاختبارية ، انظر- مثلًا – : (Alexander and others2010) .

  27. قارن مع قول كابل (Kappel 2011: 846) : (لماذا نعطي مزيدًا من الاهتمام لما نعتبره القائمة الفعلية لأحكامنا الإبستيمية ، أو لمفاهيمنا الإبستيمية ؟ لماذا لا نلتفت مباشرةً إلى ابتكار أساليب أفضل من التفكير وممارسة البحث ؟) .

  28. انظر : (Rysiew 2008) ، والذي يستقصي مناقشات العقلانية وصلتها بالتنظير الإبستمولوجي ، أيضًا : (Rysiew 2012) يقدم قائمة مراجع مزودة بشروح وملاحظات بخصوص العديد من الأعمال الرئيسية ذات الصلة .

 

 

 


قائمة المراجع

ترقيم الصفحات للاقتباسات المذكورة في متن النص تتبع ترقيم الإصدار الثاني، ويرد في الأسفل أرقام صفحات هذه الأخيرة :

  • Alexander, Joshua, Ronald Mallon, and Jonathan M. Weinberg, 2010, “Accentuate the Negative”,Review of Philosophy and Psychology, 1(2): 297–
  • Almeder, Robert, 1990, “On Naturalizing Epistemology”,American Philosophical Quarterly, 27(4): 263–
  • Anderson, Elizabeth, 2012, “Feminist Epistemology and Philosophy of Science”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Fall 2012 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2012/entries/feminism-epistemology/>.
  • R. Lanier, 2005, “Neo-Kantianism and the Roots of Anti-Psychologism”,British Journal for the History of Philosophy, 13(2): 287–323.
  • Antony, Louise, 1993, “Quine As Feminist: The Radical Import of Naturalized Epistemology”, in Louise Antony and Charlotte Witt (eds.),A Mind of Ones Own: Feminist Essays on Reason and Objectivity, Boulder: Westview Press, pp. 185–
  • Armstrong, D.M., 1968,A Materialist Theory of the Mind, London: Routledge and Kegan Paul.
  • –––, 1973,Belief, Truth, and Knowledge, Cambridge University Press.
  • Bach, Kent, 1984, “Default Reasoning: Jumping to Conclusions and Knowing When to Think Twice”,Pacific Philosophical Quarterly, 65: 37–
  • –––, 1985, “A Rationale for Reliabilism”,The Monist, 68 (2): 246–
  • Bealer, George, 1992, “The Incoherence of Empiricism”,Proceedings of the Aristotelian Society, Supplementary Volumes, 66: 99–
  • Bishop, Michael A. and J.D. Trout, 2005a, “The Pathologies of Standard Analytic Epistemology”,Nous, 39(4): 696–
  • –––, 2005b,Epistemology and the Psychology of Human Judgment, Oxford, New York: Oxford University Press.
  • Bloor, D., 1981, “The Strengths of the Strong Programme”,Philosophy of the Social Sciences, 11: 199–
  • BonJour, Laurence, 1994, “Against Naturalized Epistemology”,Midwest Studies in Philosophy, XIX: 283–
  • –––, 2002,Epistemology: Classic Problems and Contemporary Responses, Rowman & Littlefield Publishers.
  • –––, 2006, “Kornblith on Knowledge and Epistemology”,Philosophical Studies, 127(2): 317–
  • Bradie, Michael and William Harms, 2015, “Evolutionary Epistemology”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Summer 2015 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2015/entries/epistemology-evolutionary/>.
  • Brandom, Robert 1998, “Insights and Blindspots of Reliabilism”,The Monist, 81(3): 371–
  • Buckwalter, Wesley and Stephen Stich, 2011, “Gender and the Philosophy Club”,The Philosophers Magazine, 52: 60–
  • Campbell, Richmond, 1998,Illusions of Paradox, Boulder: Rowman and Littlefield Publishers.
  • Carnap, Rudolph, 1967,The Logical Structure of the World and Pseudoproblems in Philosophy, translated by Rolf George, Berkeley and Los Angeles: University of California Press.
  • Casullo, Albert and Joshua C. Thurow (eds.), 2013,The A Priori in Philosophy, Oxford: Oxford University Press.
  • Cherniak, Christopher, 1986,Minimal Rationality, Cambridge, MA: MIT Press.
  • Chisholm, Roderick, 1957,Perceiving, Ithaca, NY: Cornell University Press.
  • –––, 1966,Theory of Knowledge, Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
  • –––, 1977,Theory of Knowledge, 2nd edition, New York: Prentice Hall.
  • –––, 1982,The Foundations of Knowing, Minneapolis: University of Minnesota Press.
  • –––, 1989,Theory of Knowledge, 3rd edition, Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
  • Chrisman, Matthew, 2007, “From Epistemic Contextualism to Epistemic Expressivism”,Philosophical Studies, 135: 225–
  • Churchland, Patricia Smith, 1987, “Epistemology in the Age of Neuroscience”,The Journal of Philosophy, 84(10): 544–
  • Clough, Sharyn, 2004, “Having it All: Naturalized Normativity in Feminist Science Studies”,Hypatia, 19(1): 102–
  • Code, Lorraine, 1996, “What is Natural about Epistemology Naturalized?”,American Philosophical Quarterly, 33(1): 1–
  • Crumley II, Jack S., 2009,An Introduction to Epistemology, 2nd edition, Broadview Press
  • Daniels, Norman, 1989,Thomas Reids Inquiry: The Geometry of Visibles and the Case for Realism, 2nd , with a new Afterword, Stanford University Press.
  • Descartes, René, 1988,Descartes: Selected Philosophical Writings, translated by J. Cottingham, R. Stoothoff, and D. Murdoch, with an Introduction by John Cottingham, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Dretske, Fred, 1970, “Epistemic Operators”,The Journal of Philosophy, 67(24): 1007–
  • –––, 1981,Knowledge and the Flow of Information, Cambridge MA: MIT Press.
  • –––, 1983, “Précis ofKnowledge and the Flow of Information”, The Behavioral and Brain Sciences, 6: 55–
  • –––, 1989, “The Need to Know”, in Marjorie Clay and Keith Lehrer (eds.),Knowledge and Scepticism, Westview Press, pp. 89–
  • –––, 1991, “Two Conceptions of Knowledge: Rational vs. Reliable Belief”,Grazer Philosophische Studien, 4: 15– Reprinted in Dretske, Perception, Knowledge and Belief, Cambridge: Cambridge University Press, 2000, pp. 80–93.
  • Dreier, J., 2001, “Humean Doubts about Categorical Imperatives”, in E. Millgram (ed.),Varieties of Practical Reasoning, Cambridge, MA: MIT Press, pp. 27–
  • Engel, Pascal, 1998, “The Psychologists Return”,Synthese, 115(3): 375–
  • Feldman, Richard, 1999, “Methodological Naturalism in Epistemology”, in John Greco and Ernest Sosa (eds.),The Blackwell Guide to Epistemology, Malden, MA: Blackwell, pp. 170–
  • –––, 2012, “Naturalized Epistemology”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Summer 2012 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2012/entries/epistemology-naturalized/>.
  • Field, Hartry, 1998, “Epistemological Nonfactualism and the A Prioricity of Logic”,Philosophical Studies, 92(1–2): 1–
  • Foley, Richard, 1994, “Quine and Naturalized Epistemology”,Midwest Studies in Philosophy, XIX: 243–
  • Frege, Gottlob, 1884,The Foundations of Arithmetic, translated by J.L. Austin, New York: Harper & Brothers, 1950.
  • Fumerton, Richard, 1988, “The Internalism/Externalism Controversy”, in James E. Tomberlin (ed.),Philosophical Perspectives, 2, Atascadero, CA: Ridgeview Publishing Co., pp. 443–
  • –––, 1994, “Skepticism and Naturalistic Epistemology”,Midwest Studies in Philosophy, XIX: 321–
  • Goldman, Alvin, 1967, “A Causal Theory of Knowing”,The Journal of Philosophy, 64: 357– Reprinted in Goldman 1992: 69–83.
  • –––, 1976, “Discrimination and Perceptual Knowledge”,The Journal of Philosophy, 73(20): 771– Reprinted in Goldman 1992: 85–103.
  • –––, 1979, “What is Justified Belief?”, in George Pappas (ed.),Justification and Knowledge: New Studies in Epistemology, Dordrecht: Reidel, pp. 1– Reprinted in Goldman 1992: 106–126, and Goldman 2012.
  • –––, 1986,Epistemology and Cognition, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • –––, 1989, “Psychology and Philosophical Analysis”,Proceedings of the Aristotelian Society, 89: 195– Reprinted in Goldman 1992: 143–153.
  • –––, 1992,Liaisons: Philosophy Meets the Cognitive and Social Sciences, Cambridge, MA: MIT Press.
  • –––, 1994, “Naturalistic Epistemology and Reliabilism”,Midwest Studies in Philosophy, XIX: 301–
  • –––, 1999a, “A PrioriWarrant and Naturalistic Epistemology”, in Tomberlin, J.E. (ed.), Philosophical Perspectives, v. 13, Cambridge, UK: Blackwell. Reprinted in Goldman 2002: 24–
  • –––, 1999b,Knowledge in a Social World, Oxford, UK: Clarendon.
  • –––, 2002,Pathways to Knowledge: Public and Private, Oxford University Press.
  • –––, 2005, “Kornblith’s Naturalistic Epistemology”,Philosophy and Phenomenological Research, 71(2): 403–
  • –––, 2007, “Philosophical Intuitions: Their Target, Their Source, and Their Epistemic Status”,Grazer Philosophische Studien, 74: 1–
  • –––, 2010, “Philosophical Naturalism and Intuitional Methodology”,The Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association, 84(2): 115– Reprinted in Goldman 2012 and Casullo and Thurow (eds.) 2013.
  • –––, 2011, “Reliabilism”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Spring 2011 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2011/entries/reliabilism/>.
  • –––, 2012,Reliabilism and Contemporary Epistemology: Essays, Oxford University Press.
  • –––, 2015, “Review of Hilary Kornblith,A Naturalistic Epistemology: Selected Papers”, Notre Dame Philosophical Reviewsavailable online.
  • Goldman, Alvin and Thomas Blanchard, 2015, “Social Epistemology”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Summer 2015 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2015/entries/epistemology-social/>.
  • Goldman, Alvin and J. Pust, 1998, “Philosophical Theory and Intuitional Evidence”, in M. DePaul and W. Ramsey (eds.),Rethinking Intuition: The Psychology of Intuition and Its Role in Philosophical Inquiry, Lanham, MD: Rowman and Littlefield.
  • Goldman, Alvin and Dennis Whitcomb (eds.), 2011,Social Epistemology: Essential Readings, New York: Oxford University Press.
  • Graham, Peter J., 2012, “Epistemic Entitlement”,Nous, 46(3): 449–
  • Grandy, Richard, 1994, “Epistemology Naturalized and ‘Epistemology Naturalized’”,Midwest Studies in Philosophy, XIX: 341–
  • Grasswick, Heidi, 2013, “Feminist Social Epistemology”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Spring 2013 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2013/entries/feminist-social-epistemology/>.
  • Gregory, Paul A., 2006, “Willard Van Quine”, inThe Philosophy of Science: An Encyclopedia, Sahotra Sarkar and Jessica Pfeifer (eds.), New York and London: Routledge, pp. 659–
  • Hampton, Jean, 1992, “Rethinking Reason”,American Philosophical Quarterly, 29(3): 219–
  • Harman, Gilbert, 1986,Change in View: Principles of Reasoned Revision, Cambridge, MA: MIT Press.
  • –––, 1999,Reasoning, Meaning and Mind, Oxford: Clarendon Press.
  • Haug, Matthew (ed.), 2013,Philosophical Methodology: The Armchair or the Laboratory?, London and New York: Routledge.
  • Hookway, Christopher, 2015, “Pragmatism”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Spring 2015 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2015/entries/pragmatism/>.
  • Hume, David, 1739,A Treatise of Human Nature, edited by David Fate Norton and Mary J. Norton, Oxford: Oxford University Press, 2000.
  • Husserl, Edmund, 1900,Logische Untersuchungen. Erster Teil: Prolegomena zur reinen Logik (Logical Investigations, Vol. 1), translated by J.N. Findlay from the 2nd German edition of Logische Untersuchungen, with a new Preface by Michael Dummett, London & New York: Routledge, 2001.
  • Ichikawa, Jonathan Jenkins and Matthias Steup, 2014, “The Analysis of Knowledge”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Spring 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2014/entries/knowledge-analysis/>.
  • Jenkins, C.S., 2007, “Epistemic Norms and Natural Facts”,American Philosophical Quarterly, 44(3): 259–
  • Johnsen, Bredo, 2005, “How to Read ‘Epistemology Naturalized’”,The Journal of Philosophy, 102(2): 78–
  • Kappel, Klemens, 2011, “Naturalistic Epistemology”, in Sven Bernecker and Duncan Pritchard (eds.), The Routledge Companion to Epistemology, New York: Routledge, pp. 836–
  • Kaplan, Mark, 1994, “Epistemology Denatured”,Midwest Studies in Philosophy, XIX: 350–
  • Kelly, T., 2003, “Epistemic Rationality as Instrumental Rationality: A Critique”,Philosophy and Phenomenological Research, 66(3): 612–
  • –––, 2014, “Quine and Epistemology”, in G. Harman and E. Lepore (eds.),A Companion to W.V.O. Quine, Wiley-Blackwell, pp. 17–
  • Kim, Jaegwon, 1988, “What is Naturalized Epistemology?”, in James E. Tomberlin (ed.),Philosophical Perspectives, 2, Atascadero, CA: Ridgeview Publishing Co., pp. 381–
  • –––, 2003, “The American Origins of Philosophical Naturalism”,Journal of Philosophical Research (Supplement: Philosophy in America at the Turn of the Century), 28: 83–
  • Kim, Minsun, and Yuan Yuan, 2015, “No Cross-Cultural Differences in the Gettier Car Case Intuition: A Replication Study of Weinberget al. 2001”, Episteme, 12(3): 355–
  • Kitcher, Philip, 1980, “A PrioriKnowledge”, The Philosophical Review, 86(1): 3–
  • –––, 1992, “The Naturalists Return”,Philosophical Review, 101(1): 53–
  • –––, 1993,The Advancement of Science, New York: Oxford University Press.
  • Kornblith, Hilary, 1993a,Inductive Inference and its Natural Ground, Cambridge, MA: MIT Press.
  • –––, 1993b, “Epistemic Normativity”,Synthese, 94: 357– Reprinted in Kornblith 2014.
  • –––, 1994a, “Introduction: What is Naturalistic Epistemology?”, in Kornblith (ed.),Naturalizing Epistemology, 2d ed., Cambridge, MA: MIT Press, pp. 1–
  • –––, 1994b, “Naturalism: Both Metaphysical and Epistemological”,Midwest Studies in Philosophy, XIX: 39– Reprinted in Kornblith 2014.
  • –––, 1995, “Naturalistic Epistemology and Its Critics”,Philosophical Topics, 23(1): 237–
  • –––, 1999, “In Defense of a Naturalized Epistemology”, in John Greco and Ernest Sosa (eds.),The Blackwell Guide to Epistemology, Malden, MA: Blackwell, pp. 158–
  • –––, 2001, “Epistemic Obligation and the Possibility of Internalism”, in Abrol Fairweather and Linda Zagzebski (eds.),Virtue Epistemology: Essays on Epistemic Virtue and Responsibility, Oxford: Oxford University Press, pp. 231–
  • –––, 2002,Knowledge and Its Place in Nature, New York: Oxford University Press.
  • –––, 2006, “Reply to Bermudez and BonJour”,Philosophical Studies, 127(2): 337–
  • –––, 2007, “Naturalism and Intuitions”,Grazer Philosophische Studien, 74: 27– Reprinted in Kornblith 2014.
  • –––, 2014,A Naturalistic Epistemology: Selected Papers, Oxford: Oxford University Press.
  • Kuhn, T.S., 1996,The Structure of Scientific Revolutions, 3rd , Chicago: University of Chicago Press.
  • Kusch, Martin, 2002,Knowledge by Agreement: the Programme of Communitarian Epistemology, Oxford University Press.
  • –––, 2014, “Psychologism”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Spring 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2014/entries/psychologism/>.
  • Lackey, Jennifer (ed.), 2014,Essays in Collective Epistemology, New York: Oxford University Press.
  • Laudan, Larry, 1987, “Progress or Rationality? The Prospects for Normative Naturalism”,American Philosophical Quarterly, 24(1): 19–
  • –––, 1990, “Normative Naturalism”,Philosophy of Science, 57(1): 44–
  • Lehrer, Keith, 1990,Theory of Knowledge, Boulder: Westview Press.
  • –––, 1997,Self-Trust: A Study of Reason, Knowledge and Autonomy, Oxford: Clarendon Press.
  • Levin, Janet, 2013, “Armchair Methodology and Epistemological Naturalism”,Synthese, 190(18): 4117–
  • Locke, John, 1690,An Essay Concerning Human Understanding, edited with an Introduction by Peter H. Nidditch, Oxford: Clarendon Press, 1975.
  • Longino, Helen, 1999, “Feminist Epistemology”, in John Greco and Ernest Sosa (eds.),The Blackwell Guide to Epistemology, Malden, MA: Blackwell, pp. 327–
  • –––, 2002,The Fate of Knowledge, Princeton and Oxford: Princeton University Press.
  • Lycan, William, 1988,Judgement and Justification, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Machery, Edouard and O’Neill, Elizabeth (eds.), 2014,Current Controversies in Experimental Philosophy, New York: Routledge.
  • Machery, Edouard, Stephen Stich, David Rose, Amita Chatterjee, Kaori Karasawa, Noel Struchiner, Smita Sirker, Naoki Usui, and Takaaki Hashimoto, 2015, “Gettier Across Cultures”,Noûs, online. doi:10.1111/nous.12110
  • Maffie, James, 1990a, “Recent Work on Naturalizing Epistemology”,American Philosophical Quarterly, 27: 281–
  • –––, 1990b, “Naturalism and the Normativity of Epistemology”,Philosophical Studies, 59: 333–
  • McLaughlin, Brian and Karen Bennett, 2014, “Supervenience”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Spring 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2014/entries/supervenience/>.
  • Millikan, Ruth, 1984, “Naturalist Reflections on Knowledge”,Pacific Philosophical Quarterly, 65(4): 315– Reprinted in White Queen Psychology and Other Essays for Alice, Cambridge, MA: MIT Press, 1993.
  • Nagel, Jennifer, 2007, “Epistemic Intuitions”,Philosophy Compass, 2(6): 792–
  • –––, 2012, “Intuitions and Experiments: A Defense of the Case Method in Epistemology”,Philosophy and Phenomenological Research, 85(3): 495–
  • –––, 2013, “Defending the Evidential Value of Epistemic Intuitions: A Reply to Stich”,Philosophy and Phenomenological Research, 86(1): 179–
  • Nagel, Jennifer and Kenneth Boyd, 2014, “The Reliability of Epistemic Intuitions”, in Machery and O’Neill 2014: 109–
  • Nagel, Jennifer, Valerie San Juan, and Raymond A. Mar, 2013, “Lay Denial of Knowledge for Justified True Beliefs”,Cognition, 129(3): 652–
  • Nelson, Lynn Hankinson, 1990,Who Knows: From Quine to a Feminist Empiricism, Philadelphia: Temple University Press.
  • Nozick, Robert, 1983,Philosophical Explanations, Cambridge MA: The Belnap Press of Harvard University Press.
  • Pacherie, Elisabeth, 2002, “Naturalistic Epistemologies and Normativity”,Croatian Journal of Philosophy, 2(6): 299–
  • Papineau, David, 1993,Philosophical Naturalism, Oxford: Blackwell.
  • Pappas, George, 2014, “Internalist vs. Externalist Conceptions of Epistemic Justification”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Fall 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2014/entries/justep-intext/>.
  • Pollock, John, 1986,Contemporary Theories of Knowledge, Totawa, NJ: Rowman and Littlefield.
  • –––, 1987, “Epistemic Norms”,Synthese, 71(1): 61–
  • Pollock, John and J. Cruz, 1999,Contemporary Theories of Knowledge, 2nd , Oxford: Rowman and Littlefield.
  • Pust, Joel, 2014, “Intuition”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Fall 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2014/entries/intuition/>.
  • Putnam, Hilary, 1982, “Why Reason Can’t Be Naturalized”,Synthese, 52(1): 3–
  • –––, 1994a,Words and Life, Cambridge: Harvard University Press.
  • –––, 1994b, “Sense, Nonsense, and the Senses: An Inquiry into the Powers of the Human Mind”,The Journal of Philosophy, 91(9): 445–
  • Quine, W.V.O., 1969a,Ontological Relativity and Other Essays, New York: Columbia University Press.
  • –––, 1969b, “Epistemology Naturalized”, in Quine 1969a: 69–
  • –––, 1969c, “Natural Kinds”, in Quine 1969a: 114–
  • –––, 1975, “The Nature of Natural Knowledge”, in Samuel Guttenplan (ed.),Mind and Language, Oxford, pp. 67–
  • –––, 1980,From a Logical Point of View, 2nd , Cambridge, MA: Harvard U P.
  • –––, 1986, “Reply to White”, in L. Hahn and P. Schilpp (eds.),The Philosophy of W.V. Quine, La Salle, Ill.: Open Court, pp. 663–
  • –––, 1989,Quiddities: An Intermittently Philosophical Dictionary, Belnap Press.
  • –––, 1990, “Comment on Lauener”, in Robert Barrett and Roger Gibson (eds.),Perspectives on Quine, Cambridge, MA: Bradford MIT, p. 229.
  • –––, 1992,Pursuit of Truth, revised edition, Cambridge: Harvard University Press.
  • –––, 1995, “Naturalism; Or, Living Within One’s Means”,Dialectica, 49(2/4): 251–
  • Ramsey, Frank Plumpton, 1931,The Foundations of Mathematics and other Logical Essays, R. B. Braithwaite (ed.), London: Routledge and Kegan Paul.
  • Reichenbach, Hans, 1938,Experience and Prediction, Chicago: University of Chicago Press.
  • Reid, Thomas, 1764,An Inquiry into the Human Mind on the Principles of Common Sense, Derek R. Brookes (ed.), Edinburgh: Edinburgh University Press, 1997.
  • Richardson, Alan, 2006, “Rational Reconstruction”, in Sahotra Sarkar and Jessica Pfeifer (eds.),The Philosophy of Science: An Encyclopedia, New York and London: Routledge, pp. 681–
  • Roth, Michael D. and Leon Galis (eds.), 1970,Knowing: Essays on the Analysis of Knowledge, Lanham, New York, London: University Press of America.
  • Russell, Bruce, 2014, “A PrioriJustification and Knowledge”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Summer 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2014/entries/apriori/>.
  • Rysiew, Patrick, 2002, “Reid and Epistemic Naturalism”,The Philosophical Quarterly, 52(209): 437– Reprinted in John Haldane and Stephen Read (eds.), The Philosophy of Thomas Reid: A Collection of Essays, Oxford: Blackwell, 2003, pp. 24–43.
  • –––, 2008, “Rationality Disputes: Psychology and Epistemology”,Philosophy Compass, 3(6): 1153–
  • –––, 2012, “Rationality”, inOxford Bibliographies in Philosophy, Duncan Pritchard (ed.), New York: Oxford University Press.
  • –––, 2017, “Veritism, Values, Epistemic Norms”,Philosophical Topics, 45(1): 181–
  • Samet, Jerry and Deborah Zaitchik, 2014, “Innateness and Contemporary Theories of Cognition”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Fall 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2014/entries/innateness-cognition/>.
  • Schmitt, Frederick F., 1994, “Socializing Epistemology: An Introduction Through Two Sample Issues”, in Frederick Schmitt (ed.),Socializing Epistemology, Rowman & Littlefield Publishers, pp. 1–
  • Sellars, Wilfred, 1956, “Empiricism and the Philosophy of Mind” in Herbert Feigl and Michael Scriven (eds.),Minnesota Studies in the Philosophy of Science, Volume I: The Foundations of Science and the Concepts of Psychology and Psychoanalysis, University of Minnesota Press, pp. 253– Reprinted in Science, Perception, and Reality, London: Routledge and Kegan Paul, 1963, pp. 127–196.
  • Seyedsayamdost, Hamid, 2015, “On Normativity and Epistemic Intuitions: Failure of Replication”,Episteme, 12(1): 95–
  • Siegel, Harvey, 1980 “Justification, Discovery and the Naturalizing of Epistemology”,Philosophy of Science, 47: 297–
  • –––, 1984, “Empirical Psychology, Naturalized Epistemology, and First Philosophy”,Philosophy of Science, 51(4): 667–
  • –––, 1990, “Laudan’s Normative Naturalism”,Studies in History and Philosophy of Science Part A, 21(2): 295–
  • –––, 2006, “Review ofKnowledge and Its Place in Nature”, The Philosophical Review, 115(2): 246–
  • Sosa, Ernest, 2003, “Epistemology: Does it Depend on Independence?”, in Erik J. Olsson (ed.),The Epistemology of Keith Lehrer, Dordrecht, Boston, London: Kluwer Academic Publishers, pp. 23–
  • –––, 2007, “Intuitions and Epistemic Efficacy”,Grazer Philosophische Studien, 74: 51–
  • –––, 2009, “A Defense of the Use of Intuitions in Philosophy”, in Michael Bishop and Dominic Murphy (eds.),Stich and His Critics, Malden, MA: Wiley-Blackwell, pp. 101–
  • Stein, Edward, 1996,Without Good Reason, Oxford: Clarendon Press.
  • Steup, Matthias, 1996,An Introduction to Contemporary Epistemology, Prentice-Hall.
  • Stich, Stephen, 1990,The Fragmentation of Reason, Cambridge, MA: MIT Press.
  • –––, 1993, “Naturalizing Epistemology: Quine, Simon and the Prospects for Pragmatism”, in Hookway & D. Peterson (eds.),Philosophy and Cognitive Science, Royal Institute of Philosophy, Supplement no. 34, Cambridge: Cambridge University Press, pp. 1–
  • –––, 2006, “Review ofEpistemology and the Psychology of Human Judgment, by Michael A. Bishop and J.D. Trout”, Mind, 115(458): 390–
  • Stroud, Barry, 1977,Hume, London and New York: Routledge.
  • –––, 1981 “The Significance of Epistemology Naturalized”,Midwest Studies in Philosophy, 6(1): 455–
  • –––, 1984,The Significance of Philosophical Scepticism, New York: Oxford University Press.
  • Swain, S., J. Alexander, and J.M. Weinberg, 2008, “The Instability of Philosophical Intuitions: Running Hot and Cold on Truetemp”,Philosophy and Phenomenological Research, 76(1): 138–
  • Talbott, William J., 2005, “Universal Knowledge”,Philosophy and Phenomenological Research, 71(2): 420–
  • Turri, John, 2010, “Epistemic Supervenience”, in Jonathan Dancy, Ernest Sosa and Matthias Steup (eds.),The Blackwell Companion to Epistemology, 2nd , Malden: Wiley-Blackwell, pp. 340–343.
  • Tversky, Amos and Daniel Kahneman, 1982, “Judgments of and by Representativeness”, in Daniel Kahneman, Paul Slovic, and Amos Tversky (eds.),Judgment under Uncertainty: Heuristics and Biases, New York: Cambridge University Press, pp. 84–
  • Van Cleve, James, 1999, “Epistemic Supervenience Revisited”,Philosophy and Phenomenological Research, 59(4): 1049–
  • Van Fraassen, Bas, 1995, “Against Naturalized Epistemology”, in Paolo Leonardi and Marco Santambrogio (eds),On Quine: New Essays, Cambridge and New York: Cambridge University Press, pp. 68–
  • Van Riel, Raphael and Robert Van Gulick, 2014, “Scientific Reduction”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Summer 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2014/entries/scientific-reduction/>.
  • Wallace, R. Jay, 2014, “Practical Reason”,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, (Summer 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2014/entries/practical-reason/>.
  • Wason, P.C., 1968, “Reasoning about a Rule”,Quarterly Journal of Experimental Psychology, 20: 273–
  • Weinberg, J.S., S. Nichols, and S. Stich, 2001, “Normativity and Epistemic Intuitions”,Philosophical Topics, 29(1): 429–
  • Williams, Michael, 1996,Unnatural Doubts: Epistemological Realism and the Basis of Scepticism, Princeton N.J.: University Press.
  • Williamson, Timothy, 2013, “Review of Joshua Alexander,Experimental Philosophy”, Philosophy, 88(03): 467–
  • Wrenn, Chase B., 2006, “Epistemology as Engineering?”,Theoria, 72(1): 60–

 

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مقالات ذات صلة

analytic/synthetic distinction | a priori justification and knowledge | epistemology: evolutionary | epistemology: social | feminist philosophy, interventions: epistemology and philosophy of science | feminist philosophy, interventions: social epistemology | innateness: and contemporary theories of cognition | intuition | justification, epistemic: internalist vs. externalist conceptions of | knowledge: analysis of | naturalism | practical reason | pragmatism | psychologism | Quine, Willard Van Orman | reduction, scientific | reliabilist epistemology | supervenience

 


[1] Rysiew, Patrick, “Naturalism in Epistemology”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2020 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2020/entries/epistemology-naturalized/>.

error: