كيف ولّد اليأسُ كتابًا محبوبًا للأطفال؟ عندما انتقل سانْ إكْزوبِرِي والأمير الصغير إلى مدينة نيويورك – ستَيْسِي شِفْ / ترجمة: سعيد الغامدي


من أين أتى الأمير الصغير؟ إن سألتَه فإنه حَطَّ من الكويكب ب-612، وهو كوكب لا يكبر المنزل إلّا قليلًا، ممّا يثير تساؤلنا أين كان يضع دولابه الفسيح! وكان مُبدعُه يؤكّد أنّه رأى يومًا ما كان يخاله صفحةً بيضاء ليكتشف فيها هذا الشخص الصغير؛ قال سانْ إكْزوبِرِي: “سألتُه مَن يكون” فأجاب الزائر: “أنا الأمير الصغير”. أما حسب الرواية نفسها، فلعلّ الأمر أكثر تعقيدًا.

بعد ستة أشهر من سقوط فرنسا بيد الألمان أبحر سانْ إكْزوبِرِي إلى نيويورك، ووصل في آخر يوم من عام 1940م. وكان مِن قَبلُ مؤلف أفضل الكتب مبيعًا، فاستُقبل استقبالًا حافلًا. وخلال أسابيع حاز جائزة الكتاب الوطنية عام 1939م لكتابه “الرياح والرمال والنجوم Wind, Sand and Stars“، وهو سرد شاعري لمغامراته في شمال إفريقيا وأمريكا الجنوبية. وقد غاب عن الحفل عامًا قضى شتاءه محلّقًا مع سلاح الطيران الفرنسي في مهمات استطلاعية تكاد تكون انتحارية. كان يعتقد أنه لن يمكث في أمريكا إلّا شهرًا، لكنّه قضى فيها أكثر من عامين.

أثّثت لسانْ إكْزوبِرِي زوجاتُ ناشريه يوجين رينال Eugene Reynal وكورتِس هِتْشْكُك Curtis Hitchcock شقةً في 240 جنوب السنترال بارك (الحديقة المركزية في نيويورك)، وملأن مَشْرَبها (البار) وأعددن مطبخها. لم يكن لمؤلفهم مشروع راهن، فأُقنِع بعد كثير من الإلحاح أن يؤلف كتابًا عن هزيمة فرنسا. استلّ ناشروه ومترجمهم اللّحوح الصفحات منه واحدةً واحدة، وفي النهاية أثمر تلكؤه كتابَه “رحلة إلى أراس Flight to Arras”، الذي وصل إلى المكتبات بعد شهرين من حادثة بيرل هاربر، فرُوجِع بحماسة، وأثبت أنه العنوان الأسرع مبيعًا في تاريخ دار “رينال وهِتْشْكُك Reynal & Hitchcock”.

ابتهج سانْ إكْزوبِرِي بهجةً طفولية لما رأى نسخًا من كتابه مكدّسة أعلى نوافذ متجر بلومِنْغديلز، لكنه كان يشعر بخيبة أمل وحرمان من حقوقه الشرعية في بلاده كلّما استمرت إقامته. كانت الجالية الفرنسية في المنفى منقسمةً إلى عدة أحزاب، لكن سانْ إكزوبِرِي كان رجلًا عمليًّا يضيق ذرعًا بالخطب و الشعارات السياسية، فلم يصطف مع أي معسكر، فكانت النتيجة أن أقصاه الجميع. ويمكن أن يضاف إلى قائمة الاتهامات الموجهة له -مع نشره لرواية الأمير الصغير- زعمه أنه كان ملكيًّا.

كان بدنه أيضًا سقيمًا، إذ قد نجا بالكاد من عدة حوادث تحطم طائرات خلال العقدين الماضيين. وكان يعاني من نوبات حُمّى يلقي بلائمتها على قرينه الفضائي المشاكس، وقد يُصدَّع[1] به ويفقد توازنه في منتصف العشاء، ويُفيق من نافضٍ في الليل. لم يكن يحب الولايات المتحدة، وذلك يعود بشكل كبير لأنه كان يعتقد أن دولةً تستطيع تصميم أحدث غسّالة كانت تستطيع إنقاذ فرنسا من زمن. ولم يكن يتحدث الإنكليزية ولم يجتهد أيّ جهدٍ يذكر في تعلمها، وعندما يُسأل لماذا، كان يدمدم: “لم أُنهِ تعلم الفرنسية بعد!”

كان يفهمها بعضَ الشيء كتابةً، لكنه لم يكن يفقه أبدًا ما كان يقوله الناس عندما يتكلمون؛ وربما ساعد هذا أنه كان صموتًا كأنه ممثل صامت ناجح.

لم يكن يستطيع أن يزور فرنسا ولا أن يحلّق فوقها ولا أن ينشر فيها بتاتًا، حيث منع الألمان إعادة طبع أعماله الباكرة بالإضافة إلى كتابه “رحلة إلى أراس Flight to Arras”. فَلَم يستقبل إلا رسائل مجاملة من الأصدقاء والعائلة .

وكانت تعذّبه زوجته التي لا تعود إلى البيت في الليل عادةً، وتقطن في شقة منفصلة أسفل شقته. كان يبقى ساهرًا ليالي عددًا، ويبعث برسائل حانقة. ذاتَ مرة ظل يكتب الوقت على رأس صفحة من الهامش إلى الهامش بفارق عشر دقائق بين كل رقم، قضاه وهو يحوم. وكانت الافتتاحية الأصلية لكتابه “رحلة إلى أراس Flight to Arras” تقول: “لقد صار العيش بالغ الصعوبة!”، وكل الصفحة مُبقّعة بآثار قهوة وحروق سجائر.

”بَدَت الشخصية في تجسيداتها الأولى كأنها الممثل الفرنسي جان لوي بارو، أو بَفَنٌ صغير، أو دمية كيوبي kewpie. كان يبسط أجنحةً أحيانًا، وحواجبه تبقى آنًا وتمّحي آنًا.“

ومن غمرة يأسه خرجت الأمير الصغير نوعًا من العلاج. فعلى حواشي مخطوطة كتابه “رحلة إلى أراس” رقصت شخصيةٌ مألوفةٌ جِدًّا لقُرَناء سانْ إكْزوبِرِي، فمنذ أربعينيات القرن العشرين كان قد رسم أقارب لبطله المشاكس على الرسائل وسَبَاني الطاولات[2] وقوائم الطعام والفواتير وبطاقات مغاسل الغسيل الجاف. بَدَت الشخصية في تجسيداتها الأولى كأنها الممثل الفرنسي جان لوي بارو، أو بَفَنٌ صغير، أو دمية كيوبي kewpie. كان يبسط أجنحةً أحيانًا، وحواجبه تبقى آنًا وتمّحي آنًا.

سأل سان إكْزوبِرِي أحدُ رفاقه في السرب الجوي الفرنسي لماذا يرسم غالبًا هذه الشخصية تلاحق الفراشات، فأجابه أن هذا الصغير محبوبٌ لسعيه وراء ”مثل أعلى واقعي“.

وسألته زوجة ناشره إلِزَبِث رِينال Elizabeth Reynal الفرانكفونية[3] الودودة إن كان في وُسْعه كتابة قصة للأطفال عن “رفيقه الصغير petit bonhomme”. وسُرعان ما ابتاع ألوانًا مائية للأطفال من صيدلية محلية وبدأ العمل.

برزت الحبكة كاملةَ الخلق، رغم أنه أعاد رسم التفاصيل بهوس. لم يستقر فورًا على جزئية أفعى الأصلة التي تهضم الفيل في بدء الحكاية، وإنّما عرض رسم الأصلة على أنه دليل على خيبة حسّه الفنّي على صديقٍ ظنّها حبّة بطاطس. واقتصّ لقاء الأمير الصغير بمهووسٍ بحلّ الكلمات المتقاطعة يبحث عن مرادف لكلمة “غرغرة”.

وفكّر في أن يمنح بطله حديقةً ملأى بالفجل والطماطم والفاصولياء. لقد كانت هذه الصفحات أعظم سلوانٍ عرفه في أمريكا.

الأمير الصغير

من طبعة “Folio society” للأمير الصغير لأنطوان سانْ إكْزوبِرِي

بدت مغامرات الأمير الصغير عجيبة! فهو يغادر كويكبه بسبب خلاف مع وردة مزعجة، ثم يقوم

بفحص سريع لمنطق البالغين في ست زيارات إلى الكويكبات المجاورة، يقطن كلًّا منها رجلٌ أسخف من أخيه. ثم يحطّ في الصحراء الكبرى، حيث يلتقي الطيار الذي يمثّل راوي الكتاب، وحيث يتعلّم دروسًا مهمة من ثعلب، قبل أن يختفي في مهبّ الريح. وعلى أيٍّ، فإن الكتاب يمكن أن يمثّل رحيل سانْ إكْزوبِرِي.

لقد كان يكتب عن حدائق سرية وورودٍ وأمراء خياليّين لأعوام. وينقلُ عملُه الفلسفي التأملي “حكمة الرمال The Wisdom of the Sands” جميع أفكاره الأولية لحكايته الطفولية. والطيارة في روايته الأولى تحمل نفس رقم كويكب الأمير الصغير. وفي أربعينيات القرن العشرين سأل صديقًا له دبلوماسيًّا في موسكو أن يرسم له خروفًا، وهو نفسه قد سقط إلى الأرض عدة مرات. وكان يتحدث عن الهروب وتغيير كوكبه لسنوات. وفي مقالٍ عام 1937م كتب أن الجوهر[4] ما زال مخفيًّا، لكنّنا نزوغ بأبصارنا عن الرسول (أو الناقل أو الوسيط) الذي قد يوصله.

لقد وهب سانْ إكْزوبِرِي خط أسفاره لبطله، مُغفلًا مدينة نيويورك فقط من الكتاب. (كانت قد ظهرت في مسودة أوليّة لكنه استبدل بها “جزيرة صغيرة في المحيط الهادي”.)

كانت شخصيات الأمير الصغير الفرعية قد سافرت معه أيضًا لسنين. لقد كانوا الأقارب والمسؤولين والبيروقراطيين الذين قاوموا نجاحه وطرائقه غير التقليدية، الذين صعّبوا على الطيار أن يصير كاتبًا، على طيّار مشغول البال أن يبقى في الجو، على طيار بارز أن يبتعد عن اتّخاذ أي موقف سياسي. واستعار بعض هذه الشخصيات أيضًا من قراءاته، من هانز كرِسْتِيَن أندِرْسُن، ومن مجموعة تريستان ديريمي Tristan Derème للأطفال الصادرة عام 1929م بعنوان: “باتاشو: الولد الصغير Patachou: Petit Garcon“.

لأي حدّ تمثّل سانْ إكْزوبِرِي شخصية بطله؟

قال له صديقٌ نيويوركي قبل بضع سنين من تكوّن الكتاب: “إنّك فضائي!”. فأقرّ له سانْ إكْزوبِرِي ضاحكًا:

“نعم، نعم، هذا صحيح. أنا أذهب أحيانًا في جولات بين النجوم”.

وصرّح ناشره عام 1939م محاولًا وصفه أنّه كان في الأساس “وحيدًا، لكن له روح ودودة بلا حدود. راقيًا، ومع ذلك طفولي”.

تشكّلت جاذبيته أيضًا من أجزاء متساوية من فقدان الثقة بالنفس والعجرفة. إنّ نبرة الكتاب هي نفس نبرة ذاك الطيّار الذي طَمْأَنَ مرّةً امرأة تصطكّ عظامها من فكرة ركوب الطيّارة قائلًا: “ما طار طيرٌ وارتفع يا سيدتي إلّا كما طار وقع!”.

الطيار الأصلع الضخم -الذي بدا كما وصفه أحد المراسلين مثل: “دبدوب مجعّد قليلًا”- والفضائي الأنيق ذو المكنسة ذات الخصلات الذهبية كلاهما جميعًا كوّنا اقترانًا غريبًا. إذ كان الأمير منضبطًا من الطراز الأول ومتيّمًا بكوكبه حدّ العبادة، وصانعه كان مُسوّفًا من الطراز الأول. الطفل البطل كان مَشّاءً ذا عزيمة. بينما كان سانْ إكْزوبِرِي يتحسّس من التمارين، وكان الزبون المُفضّل لكل سائق أجرة باريسيّ. والأمير الصغير يظهر درايةً عميقة بالتقويم. بينما كان سانْ إكْزوبِرِي لا يستطيع تذكّر تاريخ زواجه حتى بعد ست سنوات على مروره. ومع ذلك بقي الاثنان مقترنان معًا توأمَان بريئَان وقعا من السماء. لم يكن سانْ إكزوبِرِي يظنّ أنه سيذوب بطريقةٍ ما في الأمير الصغير أكثر ممّا توقّع أنه سيلاقي مصيرًا مثل جيمس ماثيو باري، الذي طغى على أعماله العديدة ظِلُّ بيتر بان.

كتب سانْ إكْزوبِرِي الأمير الصغير في شقة الصديقة المُحبّة سِلْفِيا راينهارت Sylvia Reinhardt بالبارك أفنيو[5]، وفي شقته في 240 جنوب السنترال بارك، وفي منزل مُستَأجر في نورثبورت بلونغ آيْلَنْد Northport Long Island. كان يقهقه عاليًا وهو يكتب، ويشارك رسوماته بحماسة، موقظًا مُضيفيه ليشاركوه آراءهم. وكان يقنع أصدقاءه أن يقفوا أمامه يمثّلون كالتماثيل، وجعل دمية في شقة سِلْفِيا تأخذ دور الأمير الصغير، وكلبها البَطْباط poodle في دور الخروف. في نفس الوقت كتب سانْ إكْزوبِرِي من أرضٍ ثقافيّة لغويّة عاطفيّة بِكْر، مُقايضًا النار مع العالم المصلحي، وقد أوضح لسِلْفِيا: “أنا يائس بسبب القطارات الفائتة، والمواعيد الفاشلة، والعناوين الضائعة، والفواتير، والمكالمات التي لم يُردّ عليها، وإعادة التواصل، والمصالحات الصعبة، والأصدقاء المؤذين، والصداع عندما يحين وقت الحديث، وخواء الأفكار عندما يحين وقت الكتابة، ودعوات العشاء الثلاث التي أقبلها في نفس الأمسية”. كان يعيش على المسكّنات، ويكتب في توقّدات طويلة في أوقات متأخرة من الليل تغذّيها القهوة والسجائر، التي تظهر آثارها السخيّة على المخطوطة. كان يستدعي الأصدقاء ببرقيّات قلقة أليمة، وكان يتمنّى زيارةً من ملاك.

“نعم، نعم، هذا صحيح، أنا أذهب أحيانًا في جولات بين النجوم.”

كانت سِلْفِيا راينهارت تقدّم له خلال مشروع كتابته خمرَ الجِن gin مع الكولا وبيضًا مقليًّا وكيكات المَفِن muffins الإنكليزية على ضوء الشموع. ومنحت أيضًا العملَ بعض خطوطه الرئيسية. وعندما تشكّت من تأخّره المستمر فإن سانْ إكْزوبِرِي أعرض عن زيارتها، “أيّ فرقٍ يمكن أن تحدثه بضع ساعات؟” لكنها أوضحت له: “إن قلبي يبدأ يرقص حين أعلم أنّك مقبل”. ونفس الحال بلا شك كان مع ناشريه، الذين وعدهم سانْ إكْزوبِرِي بتسليم الأمير الصغير في شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 1942م. لكنّه لم يندفع للعمل أخيرًا إلّا في شهر كانون الأول/ديسمبر، موافقًا على موعد تسليم في شهر كانون الثاني/يناير. وأتى العام الجديد ومضى. فأعلن العنوان شهر شباط/فبراير، واستُلّت منه الصفحات أخيرًا في شهر نيسان/إبريل لتُنشر.

علم رِينال وهِتْشكُك أن حكايةً خيالية فاتنة لم تكن ما توقّعه القرّاء بالضبط من مؤلف “رحلة إلى أراس” الرجولي. وفي دعايتهما أزالا عن أنفسهما الحرج بأن أعلنا: “إنّ المراجعين والنُّقّاد سيقضون يومًا حافلًا في شرح نوع هذه القصة فقط!”. “إنّ أقصى ما يهمّنا أنّ هذا الكتاب الجديد بقلم سانْ إكْزوبِرِي”.

قِلّةٌ قرؤوا الأمير الصغير على أنّها حكاية للأطفال، ولم يوصِ الجميع بها للبالغين. ورغم ذلك تحيّر النُّقّاد فيها أكثر من دهشتهم بها. بدا الكتاب صادمًا في شذوذه عن كونه من أدب الأطفال؛ ففي صفحاته -على كُلٍّ- يقذف سانْ إكْزوبِرِي قنبلةً تلو قنبلة على البالغين. وراويه يرتجف حين يتّهمه الأمير الصغير أنّه يبدو بالغًا قبل أن يثبت نَفسُه أنّه ابن جلدتهم[6] بكثير.

لعب رِينال وهِتْشْكُك بخُبث على وتر الحَيْرة. ففي الإعلانات تفاخروا بإجماع النُّقّاد عن الأمير الصغير، عارضين اقتباسات تُحذّر “ليس كتابًا للأطفال!” فوق إعلانٍ آخر يقول: “لن يعجب البالغين، لكن مَن يهتم؟!”. على أن من القلائل الذين أبهرتهم الرواية فورًا باميلا ترافرز مؤلفة “ماري بوبنز”، وهي نفسها مؤلفة متعاقدة مع دار رِينال وهِتْشْكُك. أُعجِبت بسخريتها، واعترافها بالوحدة في متنها، و”وميضها الخافت” الذي تشعّه. لم تأبه كثيرًا لمَن تُصنّف الرواية، فالحدّ الفاصل بين الأطفال والبالغين في رأيها “خياليٌّ كخط الاستواء”.

الأمير الصغير

من طبعة “Folio society” للأمير الصغير لأنطوان سانْ إكْزوبِرِي

ظنّ جميع المراجعين تقريبًا أن راوي كتابه هو سانْ إكْزوبِرِي نفسه، وكتبوا عن الاثنين على أنّهما شخصٌ واحد. (وكان قد رسم راوي كتابه الطيّار عدّة مرات، لكنّه اختار ألّا يضمّ رسوماته هذه إلى النص النهائي.) ولم يقم رِينال وهِتْشْكُك بشيءٍ يُذكر لإزالة هذا الالتباس. بل إنّ سانْ إكْزوبِرِي تمكّن بعد نشره كتابه بقليل أن يعود إلى الجبهة، وأن يلتحق بأعجوبة بسربه في الجزائر، فأعلن ناشره رحيله في تصريحٍ صحفي، مضيفًا: “رغم أنّه في نفس البقعة المكانية التي ظهر له فيها الأمير الصغير، فإنّه لم يره مرّةً أخرى”.

وفي شمال إفريقيا كان سانْ إكْزوبِرِي يلوّح بكتابه في الأرجاء فخورًا، كأنّه يوزّع بيانًا شخصيًّا أو صورةً شمسيّة له. فلرجلٍ مثله -حالُه كحال راوي كتابه- شعر أنّه “عاش حياته وحيدًا دون أيّ شخصٍ يستطيع الحديث معه بأريحيّة”، فقد كان في حاجةٍ دائمة لجمهور. وكان لا يترك كتابه يغيب عن ناظريه إلّا لمامًا طوال يومه، إلّا ليقرأ نقدًا مكتوبًا له مبعوثًا إليه، وقد كان يستجدي ناشريه أخباره. بقيت المبيعات مخيّبة، فالكتاب لم يبق على قائمة الأكثر مبيعًا إلّا أسبوعًا واحدًا، رغم أنّ سانْ إكْزوبِرِي لن يعرف ذلك أبدًا، ولن يرى الأمير الصغير يُنشَر في فرنسا.

ففي عام 1944م اختفى في سكونٍ كما تبخّر قرينه الأشقر في الصحراء من قبل. إذ غاصت طائرته في البحر الأبيض المتوسط بسرعةٍ عالية يوم 31 تموز/يوليو حين كان عائدًا إلى جزيرة كورسيكا من مهمّة استطلاعيّة. وبعد خمسة وعشرين يومًا من هذا التاريخ حُرّرت باريس. ولم تُستخرج الطائرة إلّا عام 2004م، وظلّ حتى اليوم سبب تحطّمها مجهولًا.

قُرئ الأمير الصغير قراءةً مختلفة حين نُشر في فرنسا عام 1945م. فهذا العمل الذي صدر في حياة مؤلفه، بَدَا مُريعًا يتنبؤ بموته. وقد كان بطيئًا في العثور على جمهور، وبَدَا في جزءٍ منه يُؤرّخ لحقبةٍ بريئة، كما كان هو بالفعل. وفي نفس الوقت لم يتغيّر الكثير. لقد اتّحدت جميع الأسباب لتفوق مبيعات هذا الكتاب مبيعات جميع الكتب الأخرى على الكوكب ما عدا الكتاب المقدس. فأنت تستطيع اليوم أن تقرأ الأمير الصغير في 270 لغة، من ضمنها لغاتٌ ليس فيها مُقابلٌ لكلمة “أمير” أو معنى “الضجر”، وطُبع في 26 أبجديّة مختلفة.

على كلٍّ لا شيء مؤرّخ أبدًا عن بائع متجوّل يوزّع حبّة ضد العطش حتى توفّر علينا الدقائق الثلاثة والخمسين التي نقضيها أسبوعيًّا في شرب الماء. استمرّ بطل الكتاب في الكشف عن غياهب الناس، ليبرز نغمة العقلانيّة الناعمة القلقة. لقد ظلّ وحيدًا بين البشر. سيتعلّم الأمير الصغير في 84 صفحة بلّوريّة معنى كلمة “فاني”، بينما سنقترب قليلًا -بفضل ثعلب حكيم- من أن نرمق الخلود. لم يتعمّد راوي كتاب الأمير الصغير -كما يؤكّد لنا- أن يبدو مثاليًّا، ولم يأبه بأن يُستَخفّ به، فنجح في كلا الأمرين. ملتقطًا الجوهر من حياة مميزّة عابرة للنجوم، دَسَّه[7] سانْ إكْزوبِرِي بلطفِ صنعةٍ بين السطور، حيث ظلّ خفيًّا عن الأعين كما في سائر الأعمال الأدبية (الكلاسيكية).

المصدر


هذا تقديم رواية الأميـر الصغير لأنطوان سانْ إكْزوبِرِي. نُشر بإذن من الناشر The folio society. حقوق الملكية محفوظة 2018م لستَيْسي شِف.

  • [1]يقول الفيّومي في “المصباح المنير”: “وَالصُّدَاعُ وَجَعُ الرَّأْسِ يُقَالُ مِنْهُ صُدِّعَ تَصْدِيعًا بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ”.
  • [2]يقول دوزي في تكملة المعاجم العربية: “سَبَنِيَّة، وجمعها سَبَنِيَّات وسَبَاني: قطعة من نسيج الكتان أو القطن، شقة فيما يقول المطرزي (الملابس ص200)”. وهي مفارش المائدة، وأول من اتخذها زرياب في الأندلس كما يقول د. عبد الرحمن الحِجِّي.
  • [3]نسبةً للرابطة الفرنكفونية، وهي “رابطة تضم الدول والشعوب التي تتحدث الفرنسية لغةً رسمية أو حتى لغة إضافية، وقد ظهر هذا المصطلح لأول مرة في القرن التاسع عشر”، ويُقصد بها هنا أنها فرنسية المُيول والهوى.
  • [4]في حياتنا.
  • [5]البارك أفنيو Park Avenue، هي الجادّة الرئيسية في مدينة نيويورك.
  • [6]في الأصل ما ترجمته الحرفية: “عضوٌ حاملٌ لبطاقة ذلك الاتحاد”، استبدلتُ بها ما أثبتٌّه لأنّي رأيته أدلّ على المعنى في العربية.
  • [7]قال الصغاني في العباب الزاخر: “وقال الليث: الـدَّسُّ: دَسُّكَ شيئاً تحت شيء؛ وهو الإخفاء”.