الكاتبميشيل مافيزول
ترجمةعبد الحميد الحبشي

ملخص ابستيمولوجيا الحياة اليومية

 بينما تركز سوسيولوجيا الحياة اليومية على التفاصيل الدقيقة أو على الشغف الكامن في الحياة الاجتماعية، فقد بات من الضروري أكثر من أي وقت مضى تطوير مقترحات معرفية، لا سيما في زمن لم يعد فيه التشدد الفكري رائجًا. وانطلاقًا من رؤية جورج زيمل، فإن “المنهج الشكلي” الذي نطوره هنا يهدف إلى المساهمة في النقاش الدائر في علم الاجتماع.

يتطلب اتباع مقاربة جديدة في الحياة اليومية القدرة على ممارسة التباعد الابستيمولوجي. علينا ببساطة أن نُدرك أن عدم استقرار الديناميكيات المجتمعية، وسيولتها، وعدم اكتمالها، تستلزم أدوات مرنة وقابلة للتكيف للتعبير عن نفسها.

بطبيعة الحال، لا يهدف هذا الطرح إلى الهيمنة، ولا يمكنه ذلك؛ فهو يرفض ببساطة الاختزال المتكرر للمعرفة إلى مجرد علم. ويؤكد أن علم الاجتماع يتعامل أيضاً مع العاطفي، واللاعقلاني، والخيالي، الذي يشكل بدوره النشاط الإنساني الذي نكون فيه فاعلين ومراقبين في آن واحد. ليس هذا مجرد بيان مبدئي فارغ، فمع ترسيخ البنية التكنولوجية المعاصرة، وحرصًا على مواكبة العصر، عدّل علماء الاجتماع خطابهم تدريجيًا ليتماشى مع الممارسة النفعية السائدة. ومن خلال محاكاة غريبة، بدأ أولئك الذين أرادوا الحفاظ على مسافة نقدية في صياغة انتقاداتهم على غرار الأيديولوجيا التي كانوا يحاربونها. وفي الواقع، فقد ظلّ اعتراضهم ضمن الإطار الوضعي الذي سعوا إلى تقويضه.

كما نرى، فإن هذه المشكلة تستحق الاهتمام؛ فإذا كان هذا العصر، في جوانب عديدة، يُظهر تشبّعا لممارسة نظرية معينة، فإن هذا ينبغي أن يشجعنا على البحث بجرأة عن منهج بديل أكثر ملاءمة لفهم الحياة اليومية. ومن المهم إدراك أن العلم الوضعي ليس سوى شكل واحد من أشكال المعرفة. فكما يشير هابرماس[1]، فإن النزعة العلموية القائمة على ادعاءات الهيمنة في القرن التاسع عشر لا تُناسب استيعاب النشاط “التواصلي” الهائل الذي ينبثق اليوم بأشكال متعددة.

أولوية الكل

ما أسماه بعض المؤلفين بالشكلانية ” formalisme” غالبًا ما أسيء فهمه أو تأويله. فالمصطلح نفسه ليس خاليًا من الغموض، إذ يبدو أنه يشير إلى موقف مجرد، منفصل عن الواقع الدنيوي. لذا، وللحديث عن الإطار الذي يسمح لخصائص الحياة الاجتماعية بالبروز دون تشويهها كثيرًا، سأقترح مصطلح “الشكلية” formisme. وكما نعلم، فإن التقاليد الغربية اليهودية المسيحية، التي تميل عمومًا إلى تحطيم الأيقونات، كانت دائمًا حذرة من اضطراب الصورة، أي من التعبيرات الحسية. وفي كثير من الأحيان، لم يكن أمامها خيار سوى استيعابها، ولكن مع تحفظات كثيرة. وهكذا، في مواجهة عبادة القديسين وتصويراتهم، أوضحت الكاثوليكية، بشيء من التزمت، أنها عبادة للذات، وأن العبادة موجهة إلى ذلك الإله الواحد غير المرئي الذي يلخص ويكمل الصفات التي مُنحت للأصنام السابقة بشكل مفرط. مع الإصلاح والتنوير، تجد هذه الحركة خاتمتها المنطقية، وما الأسلوب الباروكي للإصلاح المضاد في النهاية سوى مجرد قوس ستسارع الكاثوليكية الاجتماعية، من القرن التاسع عشر فصاعدًا، إلى إغلاقه.

على هذا الأساس بني لاحقًا النقد “اللائكي” والنظري للشكل والمظهر والعرض الثقافي والسياسي، الذي نرثه أو نكون أعداءه المتأخرين. لذا، من المفهوم أن يبدو المفكرون الذين يركزون على رصد تفاعل الأشكال الاجتماعية متناقضين أو متعارضين تمامًا مع التحليلات السائدة. ومع ذلك، يبدو من الضروري الحفاظ على هذا التناقض تحديدًا، لأنه كما يُحلل بشكل متزايد وبطرق عديدة، فإن الحياة السياسية، كالحياة اليومية، تتألف إلى حد كبير من المسرحية والسطحية والبهجة الباهرة. ومن المهم فهم دلالتها فهمًا كاملًا. ربما، بتعبير من نيتشه، يمكننا القول إن العمق يكمن في ظاهر الأشياء والأشخاص. وفي الواقع، هناك حقيقة بديهية نميل إلى نسيانها: الشكل هو ما يسمح بالوجود لا العدم. الظاهرة هي بالتأكيد حد، لكنه حد يُحدد الوجود. في اللغة اللاتينية، يُشير مصطلح “determinatio” إلى الحد الذي يُحدد نطاق المجال، ولكن هذا الحد هو الذي يُتيح إمكانية وجود الحياة في علاقتها باللاتحديد، بانعدام الشكل الذي يُميز الصحراء الشاسعة. وهكذا، فإن الأشياء موجودة لأنها مُضمنة في شكل ما: يُدرك المُبدعون هذا الأمر جيدًا، إذ يواجهون أولًا شكلًا ما، أيًا كان نوعه؛ أما المضمون فيأتي كإضافة، أو بتعبير أدق، لا يُمكن فهمه دون دراسة الشكل. وقد أظهر تطور علم اللغة هذا بوضوح: فحتى أكثر الأشعار حريةً أو تحررًا تخضع لقواعد شكلية لا تنفصل عنها، ويمكن تحديدها بدقة.

وينطبق الأمر نفسه على الوجود الاجتماعي؛ فهو مُنظّم ومُؤطّر. وقد حاولتُ في موضع آخر أن أُبيّن كيف أن هذه الحالات المتطرفة – كالعنف الفوضوي، وعنف الدولة، أو حتى القيم الديونيسية – تدين بالامتثال أو بالقواعد. وينطبق هذا القول أيضاً على الحياة اليومية العادية. فالطقوس التي تُشكّل هذه الحالات تُشبه العديد من العروض الجماعية التي تُعبّر عن مواجهة القدر.

 هنا يلتقي العادي والتافه بمشروع معرفي؛ فما يمكننا معرفته هو ما يُعرض ليُرى، وما يُشار إليه بالإيماءات، وما يُضفى عليه طابع مسرحي. لكن هذا أبعد ما يكون عن الازدراء الذي تُعامل به المظاهر اليوم! يبدو لي أنه انطلاقاً من هذه المقدمات، يمكننا أن نُقدّر حقاً أهمية “الشكلية” في السوسيولوجيا. علاوة على ذلك، فإن هذه الأخيرة، تختلف تماماً عن النظرة الجامدة للعالم؛ فقد استطاع المؤلفون الكلاسيكيون، الذين استخدموها بشكل أو بآخر، تفسير التطورات والقوى المؤثرة في حياة المجتمعات. وفي الوقت المعاصر، أبرزت أعمال جورج بالاندييه بأكملها، سواء سوسيولوجيا أفريقيا أو في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، -أبرزت- بوضوح البعد التوليدي الذي يشكل كل الحياة في المجتمع[2].أما أنا، فأعتقد، كما سأوضح لاحقاً، أن الشكلية والحيوية هما القطبان الأكثر وثوقا اللذان يمكن أن يتم تطوير سوسيولوجيا فهمية حولهما.

في الواقع، تسمح لنا “الأطر” التي يمكن تحديدها بتسليط الضوء بشكل أفضل على مختلف جوانب الحياة في تطورها. وبطريقة ما، يتعلق الأمر، بتعبير من شبنغلر، بتحديث “السمات” التاريخية لبعض الأشكال الاجتماعية التي نجدها باستمرار في التطور البشري. من هذا المنظور، يمكن اعتبار تعديلات أو اشتقاقات المؤسسات أو الوقائع الثقافية أو الطقوس اليومية، على الرغم من هشاشتها، -يمكن اعتبارها- هنا والآن ذات فعالية لا يمكن إنكارها[3]، ولعل آليات الاعتقاد والوهم، الهشة والمتجذرة بعمق، تجد تفسيرها هناك.

لعل من بين كل ما يمكن استخلاصه من تعاليم دوركايم، سيكون إصراره على الشمولية هو ما يستحقّ أكبر قدر من الاهتمام. فهو يعود مرارًا وتكرارًا إلى فكرة خصوصية الواقعة الاجتماعية، التي لا يمكن اختزالها إلى تعميم واقع فردي. هذا التأكيد يُبرز أن السوسيولوجيا لا تستفيد شيئًا من تحليل قائم على مجموع الخصائص الفردية. ومع ذلك، فإن جوهر الفرد هو تنمية ذاته الداخلية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. من “الذات الداخلية” إلى الوعي (أو اللاوعي، وهما سيان)، مع عدم نسيان المساحة الخاصة، يجب على المرء أن يصل إلى الكمال، إلى اكتمال يتم قياسه بدرجة الاستقلالية التي يمكن للمرء تحقيقها. بعد ذلك، يمكن للأفراد المستقلين أن يتشاركوا تعاقديًا لتنفيذ هذا العمل أو ذاك بشكل مشترك، ولكن حتى في هذه الحالة، فإن ما يهم هو الإرادة الفردية التي توجه العمل الجماعي. إن التأكيد على خصوصية الكل الاجتماعي يعني إعطاء الأولوية للشكل الجماعي على الجوهر الفردي. يعني ذلك إدراك أن الوعي الفردي هو نتاج الكل وليس العكس. وفي هذا الصدد، لا يتردد دوركايم في التأكيد على أن: ” شكل الكل هو الذي يحدد شكل الأجزاء”[4].

بغض النظر عن أيديولوجيا دوركايم الفردية (أو المدرسة الفرنسية لعلم الاجتماع)، فإن ملاحظاته الشمولية المتقطعة تسمح لنا بالتفكير في أهمية الأثر البنيوي في فهم المجتمع. في عصرنا هذا، حيث نشهد عودة ظهور الوظيفة العضوية، تظل هذه الملاحظات ذات صلة كبيرة. المؤكد هو أن تفوق الكل على أجزائه، الذي حللته نظريات “الجشطالت” المختلفة بدقة، حاضر في كل لحظة من هذه الحياة الخالية من الجودة التي تشكل النسيج الأساسي للمجتمع. هناك تداخل بين الوجودات، يتجاوز الأيديولوجيات الفردية أو على الرغم منها، ويعبر عن نفسه بقوة، متجاوزًا الحواجز والعقبات المختلفة التي قد يواجهها المرء. هناك، بطريقة ما، دافع للتواجد معًا يمكن ملاحظته تجريبيًا ولا يفوت أي فرصة للظهور. حتى في أكثر الأماكن تعقيمًا، تلك الأماكن التي أنشأتها البنية التكنولوجية المعاصرة بعناية فائقة، تلك المساحات المصممة للعزلة الاجتماعية، لا يسع المرء إلا أن يلاحظ إعادة تملك جماعي، سواء كان ذلك بشكل واضح أو خفي، يشق طريقه بعمق. الأحداث الرياضية، والمظاهرات الموسيقية أو السياسية، وأصوات وشائعات شوارع مدينتنا، والمناسبات الاحتفالية بجميع أنواعها – كل هذا يؤكد بقوة على هيمنة الكل. علاوة على ذلك، تميل هذه الهيمنة بشكل متزايد إلى أن تؤدي إلى واقع مربك، ما أسميته عودة القيم الديونيسية، حيث تفسح السمات الفردية المجال للطبيعة العضوية، المعمارية للكل.

في هذا الشكل الأخير، تهيمن الإيماءة، حيث يتجلى الخيال في أبهى صوره، وفي مواقف عابرة زاخرة بالألوان، تتشابك وتنفكّ روابط الجذب والتنافر، متأثرةً بتعدد الحواس والمشاعر أكثر من تأثرها بالرؤية الحسابية والاقتصادية للعقل. وكما يتضح من هذه الملاحظات القليلة (التي قد تكون استشرافية)، فإن ما أسميه “الشكل” هو بنية متعددة الأوجه ذات دلالات جمالية وأخلاقية واقتصادية وسياسية، وبالطبع معرفية. على أي حال، المؤكد أن الحضارات أو الثقافات القائمة على الفرد الواحد محصورة في الزمان والمكان، وحتى في الأماكن التي بدت فيها قوية، فإن هيمنتها تبدو هشة وجاهزة للتغيير. وسرعان ما سيقتصر وجود الفردية وما يرتبط بها من “عمق” أو ضمير على المثقف، الذي ربما يكون مثالاً بارزاً على الأنانية المطلقة، وذلك ببساطة لأنه من الأسهل تفسيرها بالاختزال المفاهيمي من فهمها بالانتشار الخيالي.

بسبب هذا الميل الانعزالي، المتجذر في علم النفس أو جزئيًا في الفلسفة، يبدو لي من الضروري تحديد كل ما يمكن أن يكون معيارًا لتجاوزه في تراثنا الثقافي، ولو من أجل انتزاع تأملاتنا من سكون المخططات المسبقة أو غطرسة الدوغمائية التربوية ذات الطابع الأخلاقي. وهكذا، من خلال فهم الشكلية بشكل استدلالي، يمكن أن يكون لديها القدرة على استيعاب فيض المظاهر الاجتماعية. ليس بشكل مباشر، وهو ما سيظل ضربًا من التبجح، بل بشكل عرضي من خلال وضع حدود أو “تحديدات”. لذلك، وباستعارة تعبير من تونيز، لن تكون هناك مناهج سوسيولوجية حقيقية إلا في فهم “الأشكال المجردة” وليس في فهم الحقائق الفردية. ماذا يعني هذا، إن لم يكن أن فهم البنى وتطوراتها ببساطة يسمح بوجود الحقائق الفردية، وأن تكون على ما هي عليه؟ لا تُحكم هذه الأفكار على مدى توافقها أو عدم توافقها مع ما يُعتقد أنه “ينبغي” أن يكون، أو مع ما يُظن أنه الأفضل؛ بل تُقبل على الرغم من عدم اكتمالها، وعلى طبيعتها الجزئية والعابرة. وهكذا، ومن المفارقات، فإن الموقف الشكلي يحترم بساطة الوجود، والتمثيلات الشائعة، والإبداعات الدقيقة التي تُشكل ملامح الحياة اليومية. فهو لا يُضفي معنىً، ولا يُقحم نفسه في غاية دينية أو سياسية أو اقتصادية، ولا يُصيغ أوامر قاطعة؛ بل يُعبر ببساطة، بطريقته الخاصة، عن عصره، وبالتالي يُشارك في الخطاب المتعدد الأصوات الذي يُنشئه المجتمع عن نفسه. ولعل هذا ما يُسمى “المثقف العضوي”.

تقليديًا، اضطلعت الأدبيات، من الشعر إلى الخيال العلمي، بما فيها الروايات والمسرحيات، بوظيفة تحويل رتابة الحياة اليومية. صحيح أن هناك استثناءات، لكنها عمومًا مطلبٌ خضع له الكُتّاب. وقد اتبع المنهج النظري هذا النموذج، بل وزاد من حدّته، لأن المفهوم لا يقبل التقريب ولا علاقة له بالتكرار. وبالتالي، لا يمكن للواقع إلا أن يكون مادةً أساسيةً يجب تجاوزها بسرعة، أو بتعبير أدق، توجيهها وفقًا للمشروع أو البرنامج الذي تم تطويره تجريديًا. هذا التحويل، الذي يتميز في الأعمال الروائية أو الشعرية، من حيث المبدأ، بميزة إثارة الحواس، يتلاشى في النظرية؛ يذبل كالنبتة التي اقتُلعت من جذورها. ففي سعيها لكسر أو تجاوز ما تعتبره عقبةً – أي عالم الظواهر – تصبح النظرية مجرد قائمةٍ من الوصفات عندما ترتبط بالسلطة، ومن الأوامر أو الأمنيات التقوية عندما تهدف إلى إصلاحها أو إحداث ثورةٍ فيها. في كلتا الحالتين، يتسم هذا الفكر بالاستياء الذي يميز كل “فشل في الحياة”، مهما كانت طبيعته. إن خوفه من الصورة النجسة، وخياله في التحول – باختصار، تحطيمه للأيقونات – يدفع النظرية إلى اقتراح عالم آخر بدلاً من “الواقع” الحالي. إذا نظرنا إلى أنماط الفكر الرئيسية التي تعاقبت عبر الزمن، نجد هذه العملية في اللاهوت، الذي تجاوز العديد من الممارسات السحرية أو الدينية؛ وفي الفلسفة، التي عقلنت الحكمة الشعبية؛ وفي علم النفس، الذي يسعى إلى استيعاب المعرفة التجريبية المتعلقة بالعقل أو الجسد؛ ومؤخراً في علم الاجتماع، الذي ينظر بتعالي إلى الحس الشعبي السليم أو المعرفة العملية المتجسدة التي تُشكل بنية كل مجتمع.

في جميع الأحوال، تُعتبر الإرادة التلقائية للحياة، التي تُشكّل الزمان والمكان من خلال التمثيلات التصويرية، وتُمكّننا من مواجهة مأساة مرور الزمن ومعاناة الفناء بشكل جماعي، ضئيلة الأهمية. ومن اللافت للنظر أن البنى النظرية المنبثقة من أنماط التفكير التي نوقشت تهدف إلى إنقاذ الفرد، وضمان اكتمال روحه، وعلاجه من تشوهاته النفسية، أو دمجه قدر الإمكان في المجتمع ككل. وموضوع هذه الاهتمامات المتعددة هو دائمًا الفرد. ويبدو أنه لكي تسود آلية التحوّل، لا يمكنها إلا أن تُخاطب الفرد المعزول. وتنعكس المغامرة الجماعية في هذه المغامرة الفردية، التي تصفها روايات التنشئة، من رواية “فيلهلم مايستر” لغوته إلى رواية “الجبل السحري” لتوماس مان، بدقة متناهية. ولكن بطريقة غامضة – والغموض، كما نعلم، هو ما يوحد المتعلمين – فإن ما يُمكّن الحضارة هو القيم الجماعية التي تعمل دون تدخل بشري واعٍ يُذكر. بالطبع، هناك ما يُعرف بـ”أنف كليوباترا”، وهناك أفرادٌ تُنظَّم من خلالهم فوضى التاريخ وغضبه وانحرافاته، لكن هؤلاء الأفراد يُعامَلون كأفعالٍ أكثر من كونهم حكامًا. هذا التأثير البنيوي، هذه الحركة، ليست بالضرورة واعية تمامًا، لكنها تُحسّ حدسيًا على حقيقتها. ولعل هذا هو السبب في وصف الجماهير بأنها متقلبة، غير مبالية، متشككة؛ بل أقول إنها أقرب إلى السلبية، لأنها “تشعر” بأنه بينما قد يخلف الأفراد ذوو الكاريزما والقوى السياسية بعضهم بعضًا، فإن أفعالهم تجاههم لا تختلف كثيرًا.

على أي حال، إذا كان هناك تأثير بنيوي، وإذا كان الفرد في نهاية المطاف مجرد تجسيد، بدرجات متفاوتة، للعضوية الجماعية، فمن المهم إيجاد سبل لتفسير الأشكال القليلة التي تُشكل هذه العضوية. وهنا يكمن التحدي: يجب ألا تكون هذه الأداة الفكرية طريقة جديدة لبرمجة ما ينبغي أن يكون. في نهاية المطاف، سيتعين عليها الاكتفاء بوظيفة بسيطة هي الملاحظة. وذلك مع العلم أن الحماس الاجتماعي أو الحراك السياسي، والصراعات والنزاعات، وقوى الجذب والتنافر، ستحدث بغض النظر عن دقة ملاحظتها. لن تحتاج هذه الأداة إلى التحول؛ بل يكفيها ببساطة إبراز تعدد الأشكال التي تُشكل الحياة اليومية. إن خيبة الأمل من العالم، التي وصفها ماكس فيبر ببراعة، والتي طبعت الفكر الحديث والمعاصر بقوة، آخذة الآن في التراجع. واليوم نشهد عودة ظهور الأشكال الكبيرة المتكتلة التي تُدمج كل فرد في سلسلة لا نهاية لها، في هذه الاجتماعية التي بدأنا نقيس آثارها من جديد.

لذا، فإن ما أسميه “الشكليةformisme” هو، بطريقة ما، طريقة أخرى لإعادة صياغة مشكلة الكلي والفردي الأزلية. يجب على كل “أيديولوجية” في عصر ما أن تواجه هذه المشكلة؛ وبالنسبة لنا، لا يمكن لعلم الاجتماع تجاهلها. في هذا الصدد، في عمل مبكر – أي ربما بأكثر الطرق وضوحًا – يُعرّف ج. لوكاش السؤال بوضوح: “هناك نوعان من الحقائق النفسية: الحياة والحياة. كلاهما حقيقي بنفس القدر… منذ أن وُجدت الحياة، ومنذ أن فكّر البشر فيها وسعوا إلى تنظيمها، احتوت تجاربهم المعيشية دائمًا على هذه الازدواجية.” وعلى الرغم من أنها بالنسبة له مجرد فئة جمالية، إلا أنه يوضح أنه “لا يمكننا تجربتهما في آن واحد إلا من خلال الشكل. هذه الملاحظة مثيرة للاهتمام بالتأكيد، خاصة عند النظر إلى تأثر لوكاش بزيمل، الذي كان له أيضًا تأثير كبير على ماكس فيبر. من المؤكد أنه بالإمكان تعميم ما يُمنح للإبداع الفني على جميع أشكال الإبداع الاجتماعي. فـ”الحياة والحياة”، جوهر الوجود المشترك والوجود الملموس، مزيج لا ينفصم، ومن الجيد تقدير عناصره المتنوعة.

على أي حال، وهذا هو جوهرها، فإن الشكلانية هي قبل كل شيء فكرٌ شمولي، ما يُطلق عليه علم الاجتماع الكلاسيكي “هولستي”، والذي، على عكس أي رؤية شمولية (وأحادية القيمة)، لا يُفضل عنصرًا بعينه. في مواجهة التطور العلمي والتكنولوجي، ونظرًا لتنوع وسائل المعرفة، بات من الضروري أكثر من أي وقت مضى إظهار تعقيد العالم، الذي يفلت مرارًا وتكرارًا من وهم الانغلاق. لكل عصر فترة من النزعة العلمية المتفائلة، يدّعي خلالها أنه وجد المفتاح العالمي، التفسير الشامل. يُظهر تاريخ الأفكار بوضوح أن لا حضارة ولا ثقافة تفلت من هذا الادعاء. وفي تراثنا، تُعد عصر النهضة، والتنوير، والوضعية، وغيرها، أمثلةً مُلهمة في هذا الصدد. إنها حقيقة ثابتة، عبء اجتماعي، من العبث والجدوى محاولة إنكارها. بل ربما تكون آلية تخدم غرضًا ما. في الواقع، يتيح هذا التفاؤل، بفضل بساطته، زخمًا متجددًا؛ فهو يعزز الأساطير المحركة؛ ويؤثر في الاكتشافات أو إعادة الاكتشافات بشتى أنواعها التي تُشكل وتُحدد مسار الحياة في المجتمع. لكن من المهم أيضًا التأكيد على نسبية هذه النظرة للعالم، خشية الوقوع في تلك الأنماط الآلية التي – بدءًا من الموظفين الصينيين أو الخصيان (انظر إ. بالزاك) وصولًا إلى التكنوقراط المعاصرين – تُضفي الشرعية على الإدارة الكمية، والسيطرة الاجتماعية، وتُبرر فرض التكنوقراطية، التي يتضح أثرها الضار على الحياة الاجتماعية الأساسية. من خلال تأثير معاكس (ما أسماه جول مونيرو “التناقض”)، فإن التفاؤل التقدمي، والحقيقة العلمية، والقدرة التكنولوجية المطلقة، وما إلى ذلك، مع ازدياد تجريدها، لا تؤدي إلا إلى تفكيك “شعور المجتمع بذاته” (دوركايم) الذي يسمح باستمرارية المجتمع ككل.

في مواجهة كل هذا، يحذرنا المذهب الشكلي. في الواقع، وكما أكد العديد من المراقبين، من أن التركيز على “الشكل” يؤدي بطبيعته إلى تعدد القيم؛ فهو يُعلي من شأن الحركة، ويأخذ في الحسبان تعدد جوانب كل عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية. وهكذا، عند وصف “الشكلية” عند جورج سيميل، الذي كان أول عالم اجتماع يُبين مزاياها في مطلع القرن، أشار جورج فريدمان وبرنارد غروثويزن إلى أنها أسفرت عن “نوع من التعددية الشكية الدقيقة للغاية”، أو أنها قادته إلى “تصور شمولية الأشياء”. ومن خلال فتح مسار بالغ الأهمية لعلم اجتماع المعرفة، يذهب فريدمان إلى حد إقامة مقارنة بين هذه الشكلية و”رفض الاختيار”، أي التوافر، وحرية الفنان التي نجدها في اللاأخلاقية عند وايلد أو جيد. وبطبيعة الحال، لا مجال للخوض في تفاصيل هذه المقارنة. يكفي تسليط الضوء على أهميته وإثبات ملاءمته للوقت الراهن، إذ إننا نعيد تقييم تعقيد العالم ونكتشف من جديد أهمية التفاعل بين الاختلافات. إن النظر في الأشكال يُمكّننا من إبراز إبداعات ومواقف الحياة اليومية المتعددة بشكل أفضل، دون حصرها ضمن حدود الغائية الضيقة. في هذا السياق، تُعدّ الشكلية رد فعل على أحادية العقلانية؛ فهي تُبرز تعدد معاني الإيماءة، والجانب المتنوع للحياة اليومية، على عكس المفهوم الذي يسعى إلى تنقية التعقيد واختزاله وتكثيفه في إيجاز محض. يقول فاوست لميفيستوفيليس، في مسرحية بول فاليري: “العقول وحشية كأفعالها المجردة، بطبيعتها”. ومن المؤكد أن هناك شيئًا من التبسيط في العقلانية، ولو فقط في ادعاء استنفاد ما تتناوله، وجعل هذا الشيء أو ذاك المُحلل يُعبّر عن كل ما يحتويه.

إنّ رفض الاختيار، والتوافر الجمالي الذي نوقش، يُظهران، من جانبهما، احترامًا أكبر بكثير للجانب الحسي من الحياة الاجتماعية، ولتعدديتها البنيوية، باختصار، للنزعة النفعية الجامحة التي لا جدوى من محاولة كبحها. ومن الجدير بالذكر أن جورج سيميل، أثناء تطويره لتحليل الأشكال، كان رائدًا في “علم اجتماع الحواس”. في الواقع، بالنسبة له، فإن السمة الأساسية للشكلانية، كالإطار في الرسم، هي إبراز الألوان، والهندسة المعمارية المعقدة، والجو المكثف والمبتذل – باختصار، المظهر العميق للحياة اليومية. ليس من قبيل المفارقة العبثية الجمع بين العمق والمظهر؛ فقد فعل ذلك آخرون من قبل (نيتشه). ما أود التأكيد عليه هو أن جوهر الوجود يتكون من المظاهر وداخلها، والتي، يجب الاعتراف بأنها أبعد ما تكون عن الوحدة والنقاء والتماسك. وبعيدًا عن المفاهيم المعيارية بشتى أنواعها (المحافظة، والإصلاحية، والثورية)، يمكننا التسليم بأن المظاهر، في أبسط صورها وأكثرها وضوحًا، تحمل في طياتها ميزة التعبير عن كثافة الوجود وتعدديته. وهذا تحديدًا ما ينبغي أن يُمكّن المسرحية الاجتماعية من بلوغ كامل فعاليتها المستحقة.

وهكذا، خلافًا لما يقوله المحاضرون “العلمويون”، يمكننا أن ندرك أن ما يوجه بحثنا ليس ماهية الشيء الاجتماعي، بل الطريقة التي يُقدم بها نفسه. وهنا يكمن جوهر “الشكلية”. وبذلك، لا مجال للحديث عن أي تنازل عن دور العقل؛ إنما المسألة ببساطة هي التوفيق الأمثل بين النسبية والتعددية الوجودية والمنهج الفكري. هذه ممارسة مشروعة تمامًا، تُشبه ما أسماه فيليب باريتو “النظريات الوصفية”، التي لا تهدف إلى وضع قوانين بقدر ما تهدف إلى الإشارة إلى الاتجاهات. والباحثون في العلوم “الدقيقة” الذين يُبرهنون حاليًا على قيمة الخطأ، أو أولئك الذين يُعيدون اكتشاف أهمية التقريبات المتتالية، قريبون في هذا الصدد من منطق الشكل الذي نُبينه هنا. هذا السؤال، كلما عاد للظهور، يتيح لنا التفكير في الرابطة الوثيقة التي لا مفر منها بين التجربة وجوهر الأشياء، بين التجربة الاجتماعية المعيشة والتمثيلات التي تفسرها. ومن المفيد أيضًا، كما أشرت سابقًا، أن الشخصيات البارزة في علم الاجتماع الناشئ قد تناولت، بشكل أو بآخر، مشكلة الثوابت والثوابت والنماذج الأصلية، التي تعمل كمؤشرات على المواقف اليومية. ويمكن لملاحظة لكانط أن تلقي الضوء على نقاشنا: “مكاني هو باثوس التجربة الخصب، وكلمة “متعالٍ”… لا تعني ما يتجاوز كل تجربة، بل ما… يسبقها (قبليًا)، لغرض وحيد هو جعل المعرفة التجريبية الخالصة ممكنة”. ويوضح كذلك أنه إذا تجاوزت المفاهيم التجربة، “فإن جانبها يُسمى حينها متعاليًا”. لستُ مؤهلًا لإجراء تحليل دقيق لهذه الملاحظة؛ يكفي التأكيد على أهمية التباين بين “المتعالي” و”المتجاوز”، وبتعبير كانط، الإشارة إلى أن “كلمة متعالية” لا تعدو كونها خلفية، وإطارًا، وأفقًا لما يسميه التجربة، وهي ليست سوى هذه الحياة اليومية التي لم يعد بإمكان عالم الاجتماع أن يتركها غير مبالية. باختصار، الإجراء المتعالي هو شرط إمكانية معرفة الواقع.

يمكن إيجاد هذا التناقض بسهولة في علم الاجتماع. فبمعنى ما، يشير مصطلح “المجتمعي” إلى تلك الفئات الأساسية التي تُمكّننا من فهم وتسليط الضوء على تفاصيل الحياة اليومية. ومن بين هذه الفئات المجتمعية: التراجيدي، والمسرحي، والطقوسي، والخيالي. من جهة أخرى، يشير مصطلح “الاجتماعي” (وهو مصطلح يُمكن استخدامه أيضًا بشكل محايد وغير نقدي) إلى تمثيل دقيق ومؤرخ للحياة في المجتمع، والذي يميل إلى التجريد انطلاقا من الحياة اليومية من خلال محاولة أن يكون بديلاً عنها. على أي حال، من المهم الانتباه جيدًا إلى أن ما أسميته “منطق الشكل” يُتيح لنا تجاوز الفصل بين الفكري والحسي، وهو ما يُعدّ عقبة حقيقية أمام أي تأمل نظري.

وقد ذُكر زيمل وباريتو، ولكن من الضروري أيضًا الإشارة، ولو بإيجاز، إلى ماكس فيبر، الذي لم يتردد، بطريقته الخاصة، في اللجوء إلى ما أسميه هنا “الشكلية”. يمكن للمرء أن يجد أمثلة عديدة في أعماله تُظهر، بشكل أو بآخر، هذا النهج. ويكفي أن نشير إلى تعريفه لعبارة “روح الرأسمالية”؛ فهو تعريف دقيق وشامل تمامًا لمختلف عناصر تحليلنا. وبالتالي، إذا وُجدت روح الرأسمالية هذه أصلًا، فلن تكون إلا “فردًا تاريخيًا، أي مجموعة من العلاقات الموجودة في الواقع التاريخي، والتي نجمعها، بحكم أهميتها الثقافية، في كلٍّ مفاهيمي”. إن مفهوم الفرد التاريخي هذا، كمفهوم النموذج المثالي، ليس إلا مجموعة فارغة، وربما فضاءً غير واقعي قيمته في المقام الأول استدلالية. السمة الأساسية لهذا المفهوم هي أنه يتألف من “عناصره المفردة” التي يمكن ملاحظتها في لحظة تاريخية معينة. ويحدد فيبر، علاوة على ذلك، أنه ليس “مفهومًا نهائيًا”، ولا حتى “تعريفًا مفاهيميًا”، بل هو بالأحرى “مؤشر مؤقت ” Veranschaulichung”.

يتماشى هذا الحذر مع مرونة المجتمع، وليس من المستغرب أن يكون قد أثمر عن مجموعة رائدة من الدراسات السوسيولوجية. في الواقع، يُلاحظ أن هذا “الفرد التاريخي” هو في المقام الأول وسيلة لتمثيل جميع العناصر الفريدة التي تُشكل الواقع الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، يربط هذا الفرد بين هذه العناصر المختلفة، مما يسمح لنا برسم صورة لعصرٍ ما. فهو يكشف عن بنية التمثيلات والممارسات التي تُعدّ سببًا ونتيجةً لتداول السلع والخطاب والجنس. وبفضله، تُدمج هذه العناصر في تكوينات تظل مرنة بما يكفي لتجنب مآزق الجمود العقائدي والاستبداد. وهكذا، نادرًا ما يُصادف المرء “الفرد التاريخي” أو “النموذج المثالي” على حقيقته، ولكن يُمكن فهم مدى المساعدة الكبيرة التي يُمكن أن يُقدمها في البحث السوسيولوجي. بفضلها، أصبحت الإيماءات الصغيرة في الحياة اليومية، والمحادثات العادية في المقهى المحلي، والتأملات الوجودية التي تتخلل الحياة اليومية، والطقوس التي لا تُحصى والتي تُنظم أيامنا – كل هذه العناصر، سواء في أوقات الفراغ أو العمل – مُحمّلة بالمعنى دون أن تخضع لنهاية مُحددة مُسبقًا. وهكذا، يُمكن القول عن النسيج الاجتماعي ما قاله ر. غوارديني عن الطقوس:” إنه بلا غاية ولكنه ذو معنى”.

في الواقع، ما يُمكن استخلاصه من مختلف أشكال “الشكل” هو أنها تُؤكد على أن المواقف المتعددة للحياة اليومية تُستنفد في الفعل نفسه، وتُعاش في الحاضر. ومن المهم أن يستعيد هذا الحاضر، الذي يُمثل مجال علم الاجتماع تحديدًا، بعد أن طغى عليه الفكر البروميثي لفترة طويلة، مكانته البارزة التي يستحقها بجدارة. خشية أن تصبح السوسيولوجيا مجرد تمثيل تجريدي بحت، وعليه أن ينتبه إلى هذه الأخلاق المعاصرة التي تتغلغل بعمق في حياة مجتمعاتنا في جميع أنشطتها التواصلية والعملية. علاوة على ذلك، فإن “الشكلية”، وهي نتيجة لما سبق، تُصرّ أيضاً على المظهر، وعلى المشهد، والصورة، وما إلى ذلك، وهي حقائق أهملتها التقاليد الغربية إلى حد ما.

وبينما يُسلّط الشكل الضوء على الإبداع الدقيق، فإنه يُعبّر عنه. ويمكن أيضاً ملاحظة أن سوسيولوجيا الخيال – الذي يُفصّل جيلبرت دوراند أسسه – سيُمكّننا بالتأكيد من تطوير الاتجاهين المذكورين.

من وجهة نظر معرفية، يمكن لهذا المفهوم أن يدمج رؤى الفينومينولوجيا اجتماعياً. وهكذا، فإن مفهوم “الخيالي”، الذي طرحه هـ. غوربين وج. دوراند، يُتيح لنا ملاحظة تجليات الصلة الوثيقة بين المعقول والمحسوس في الحاضر وفي الحياة اليومية، يجدر بنا التذكير بهذه الحقائق الأساسية: تبدأ الحياة بالتقييد، بالتحديد (انظر الكلمة اللاتينية determinatio)؛ وبالمثل، لا وجود للوجود الاجتماعي إلا عندما يُصبح مرئياً، عندما يتخذ شكلاً. إن مصطلح “مسرح العالم” ليس مجرد عبارة جوفاء؛ فتعبيره متعدد الأوجه (سياسي، اقتصادي، يومي، إلخ)، وهذا ما يُضفي الشرعية على تأملنا الاجتماعي في “الشكلية”.

لقد شعر العديد من المؤلفين، كلٌّ بطريقته، بهذه المشكلة التي تبرز في عصرنا. لم يعد بإمكاننا فهم العالم الحديث باستخدام أدواتٍ كانت صالحةً في الماضي. وهكذا، فإن منطق “الوسط المستبعد”، والتمييز بين الذات والموضوع – وهما من أسس علومنا – باتا موضع تساؤلٍ متزايد. ولأغراضنا، يمكننا القول إن الاهتمام بالشكل، كما وصفته للتو، من شأنه أن يسمح لنا بتطوير علم اجتماع أنثروبولوجي جديد يتسم بالسخاء والانفتاح على تعقيد العالم الاجتماعي. ويشير إدغار موران، الذي يعمل باستمرار وببراعة على تطوير أسسه في منهجه، إلى أننا “بحاجة إلى مبدأ معرفي لا يحترم سر الأشياء فحسب، بل يكشفه أيضًا”. علاوة على ذلك، عند تعريف هذه الطريقة، يحدد أنها “حركة عاصفة تنتقل من التجربة الظاهرية إلى النماذج التي تنظم التجربة”. جميع مصطلحات تحليلي للشكل مُجمّعة هنا: فالتجربة هي طريقة أخرى للتعبير عما أسميته التعاطف، ويمكن فهم النموذج على أنه تعديل “للشكل”. كلاهما يثبت ويختبر الآخر في الحركة الفوضوية “العاصفة” للوجود الاجتماعي، والتي لم نستكشف بعد خصوبتها وتعدد معانيها بشكل كامل.

 يبدو أن هذا النهج، مع سعيه إلى الكشف، يُراعي الواقع الاجتماعي بكل تعقيداته. ولذا قارنتُ بين فهمٍ أكثر مرونة وتفسيرٍ جامدٍ للغاية. على أي حال، يُشير هذا التفاعل المستمر بين التجربة والنموذج، أو بين التعاطف والشكلانية، بوضوح إلى وجود تنظيم – أُفضّل تسميته بنية عضوية – للأشياء والأشخاص، للطبيعة والثقافة. يكفي تحديد معالمه. وبذلك، يكشف المفهوم عن نفسه، ويعمل كمحفز، ويُتيح التبلور مع الحفاظ على تعددية المجتمع الخصبة. ثمة رابط وثيق يجمع بين “الشكلانية” وتعدد الآلهة، أو، لأغراضنا، التعددية المجتمعية. ونظرًا لانهيار أنظمة المرجعية أحادية البعد تحت وطأة الممارسات الاجتماعية، فمن الأهمية بمكان أن يُدرك عالم الاجتماع، غير المُبالي -في هذا الشأن- بسوء الفهم والسخرية على حد سواء، اليوم أكثر من أي وقت مضى، مدى رسوخ وفعالية هذا التعدد الإلهي في الحياة اليومية. وهذا تحديدًا ما يُكرّس له وعي جميع أولئك (الذين يتزايد عددهم) ممن يعرفون كيف يُقاومون شمولية التصورات المعيارية للعالم.\

الهوامش

[1] 1. J. Habermas, Erkenntnis una interesse, Frankfurt, 1ye».

[2] 2. Cf. par exemple G. Balandier, Sens et puissance, Paris, 1971, p. 9.

[3] 3. Cf. M. Maffesoli, Le rituel et la vie quotidienne comme fondement des histoires de vie, Cahiers internationaux de Sociologie, vol. LXIX, 1980, p. 341-349 et La conquête du Présent, Paris, puf, 1979.

[4]  Sur le holisme de Durkheim, cf. Le suicide, Paris, 1973, p. 137, ou encore De la division du travail social, Paris, 1926, p. 342, n. 3.


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك