أرنو فيلاني (Arnaud Villani) شاعر فرنسي، يشغل أستاذا للفلسفة وحاصل على شهادة التبريز في الآداب الكلاسيكية والفلسفة، ودكتوراه الدولة في الفلسفة. قام بالتدريس في الأقسام التحضيرية. في حوزته العديد من الأعمال بخصوص جيل دولوز  نذكر منها: جيل دولوز. الزنبور وزهرة الأوركيد (بلان ، 1999 )، وقام بالإشراف مع روبير ساسو على كتاب معجم جيل دولوز ( فران، 2003 ) .

أجرى الحوارأوكتاف لارمانياك ماثيرون
ترجمةالحسن علاج

كيف يمكن التموقع في الصرح الدولوزي ؟ ماهو مركز هذا الفكر الذي ينفجر في اتجاهات لامحدودة ؟ يقترح الفيلسوف أرنو فيلاني Arnaud Villani) ( بعض المفاتيح لفهم ال” منطق اللاعقلاني ” ، لفكر نسقي ” متطرف وبدون معقولية ” .

كيف اكتشفتم دولوز؟

لم أكن تلميذا له. كان يبدو أنه يثير نوعا من الجاذبية مع ترك الباب مشرعا للتعبير بكل حرية. اكتشفته أثناء قراءتي له. لقد انبهرت، لأنه في كل مرة كان يتحدث فيها عن رواية إنجليزية أمريكية، كان يطور قراءة كانت تنضم تماما إلى قراءتي: متيقظة، دقيقة، ومؤثرة. التقيته في مناسبات عدة، ولطالما تبادلت معه الرسائل. شيء ما ضمن تماثل حياتينا أثر في . لقد أصبت بالربو وأنا في السابعة من عمري. كان دولوز يعاني من صعوبات جمة في التنفس. فهمت جيدا ما كان يمكنه عيشه يوما بعد يوم: إحساس ساحق ينجم عن نقص في التنفس. من جانبي، كنت أثناء أزمات الربو، على سبيل المثال، لا أستطيع قراءة بروست، كاتب رائع ومصاب بالربو حيث كل سطر يتميز، بالنسبة لي، وفي ظل تلك الأثناء، بكثافة خانقة. من وجهة النظر هذه، وإلى جانب الوعي بالأجواء، فقد كان دولوز بالنسبة لي أخا. ولهذا السبب فإنه كان يبدو لي في حاجة ماسة إلى حرية شاملة في التفكير ـ في حاجة ماسة إلى التنفس فكريا وإلى جعل الفكر يتنفس. لقد قمت منذ البداية بفك شفرة تلك الخصوصية، فكريا وحدسيا. وقد سعيت في مؤلفاتي الخاصة، إلى استخلاص كافة تلك الاعتبارات الدقيقة والمتشابكة، شيئا ما يخصني ويخصنا في الحياة ذاتها، الفلسفة كونها موقفا.

هل تحرير الفلسفة هو ما قاد دولوز إلى أن يجعل منها ” ابتكارا للمفاهيم؟ “؟

أرنو فيلاني ـ تعتبر الفلسفة في واقع الأمر لديه ” ابتكارا للمفهوم “. لكن لا يتعلق الأمر بفعل أي شيء، ابتكار من أجل الابتكار، نشر من أجل النشر. ليس إبداع المفاهيم مسألة اعتباطية. ثمة لدى دولوز غزارة رائعة من المفاهيم، على أنه ليس بلاغيا يسعى إلى لفت الانتباه عبر استنتاجات متطورة وتعابير مستحدثة مدهشة. يتم ابتكار المفاهيم للإجابة عن شيء يلزمنا بالتفكير، يستفهمنا ـ لتقديم جواب عن مسألة تظهر فجأة أو تكابر، متخفية، ضمن التقاليد المتحجرة للتفكير. تُبتكر المفاهيم لمنح شكل إلى ” التجذير ” من جديد. فإذا كان دولوز قد ابتدع مفاهيم، فمن أجل تقريبنا من الحياة، تحرير مصادرتنا للحياة اليومية. وباعتبار الحياة مصنع طاقة، فإنها توجد في قلب عمله. إننا لا نقدرها حق قدرها، يقول في كتاب أوديب مضادا. تعتبر الحياة أعجوبة خالصة إذا ما تعلم المرء رؤيتها والاستمتاع بها. هل يبدو ذلك مذهلا من قبل شخص يعاني كثيرا؟ أو ربما، خلافا لذلك، أقل إذهالا !

كتب برغسون: ” إن الفيلسوف الذي يكون جديرا بهذا الاسم لم يقل إلا شيئا واحدا “. ودولوز هل هو جدير بهذا الاسم؟ كيف سيكون الخيط الناظم، الفكرة الرئيسة لفلسفته؟

أرنو فيلاني ـ دولوز هو صاحب مؤلف ضخم، محكم ودقيق. إنه تكويني: فهو يشيد صرحا يمكن أن يكون صرحا مرعبا، لاسيما في كتاب اختلاف وتكرار. إنه يرمي بخيوط في كل الاتجاهات. إلا أن تلك الخيوط، كل وجهات النظر تلك تكون جديدة في غالب الأحيان، تلتقي في فكرة رئيسة وحيدة، وربما خط التلاشي، الذي يتضمن تعددا وفيرا مثل رأس مخروط محتو على أشكال مخروطية مختلفة. يقربنا دولوز من الحياة العادية، فهو يجعلنا نرى ما لا نراه أبدا. إنه يخبرنا بما هو وجيز، لا مرئي، بخصوص أدنى فعل من أفعالنا. هذه هي الأصالة الدولوزية بأتمها، ثم إن ذلك يضيء بلا شك عملا مُركّبا في مجموعه ( محشوا ب” الطيات ” )، لكن ليس ” صعبا على الفهم ” ( غير مكتظ أبدا بطيات ـ زائفة ). كما أنه يعتبر ” فكرا متحركا “، لكنه متحفظ من كل ” حركة خاطئة “. موقف ” صامد “. أرغب في القول إنه نسق بالمعنى الشامل الذي يصفه لوهمان Luhmann) (. إذن فهو ليس فكرا نسقيا ولا فكرا متحجرا، وبهذا فإن النظامي يستوعب كل عنصر جديد عاملا على تحويل العناصر السابقة على النسق. إن ذلك التعدد المراوغ في كل الاتجاهات، ومع ذلك فهو ” منظم ” جيدا، يصبح مفهوما إذا ما تم فهم نواته المعمارية ( كان معجبا كثيرا بالمعمارية الكانطية، والمحاولة التصنيفية لويتهايد ).

مماذا تتكون تلك النواة؟

أرنو فلاني ـ أعتقد أنه ينبغي الانطلاق من ال” مصغّر ” وال”متعدد “. يصدر المصغر تماما عن غواتاري. ويصدر المتعدد بالفعل عن دولوز. إنه بشكل عام ما قاله لي في رسائله، مجيبا ضمن استبيان منشور، مع إجابته، في كتاب الزنبور وزهرة الأوركيد. لكن المغامرة الودية لهذين المفكرين هي أشبه ما تكون بملتقى نهرين تبعا لمنحدرهما. لم يحدث غواتاري تحريفا لمسار دولوز الفكري أو اكتشف دولوز بنفسه: فما على المرء إلا العودة إلى كتاب هيوم: فكل الثيمات التي سوف تتلو كانت موجودة بالفعل، قبل لقائهما بكثير. قام كل من دولوز وغواتاري بـ” تخصيب ” بعضهما البعض. لقد قاما بالرفع من قدرتهما على التفكير، إلا أنهما لم ينحرفا عن طريقهما. إلا أنه لابد من الحديث عن ال” مصغر المتعدد ” لتقديم رؤية تركيبية. ويشكل المصغر المتعدد القاع، غير مرئي في غالب الأحيان، للواقع. يبقى أن نفهم شبكته الدقيقة.

كيف يمكن التعامل مع ذلك؟

أرنو فيلاني ـ العودة إلى أسفل الأشكال، الأفراد، الكائنات المشكلة التي تشغل بال الفلسفة عموما. فبهذا المعنى الأكثر خصوصية أمكن دولوز القول: ” أحسني ميتافيزيقيا قُحّاً ” مع التأكيد تماما كونه مفكرا للمحايثة. لا يمارس دولوز الميتافيزيقا بالمعنى البحث عن تعال، أثير ـ تلك الميتافيزيقا التي هاجمها نيتشه بعنف. فهو لا يسعى إلى بلوغ وضع متعال. يتعلق الأمر على النقيض من ذلك  بالعودة مجددا إلى مسطح صغير، يسمى ” مسطح المحايثة ” أو مسطح ال” استمرارية “، دعامة لتعدد من التدفقات يصعب فهمها ومكونة من تدفقات تطيقها. فعلى هذا المسطح تم انطلاق ـ ابتداء من الافتراضي ـ تحيين الكيانات المتفردة، الأشكال التي سوف نصادفها يوميا. يتم التفكير في الطبيعة المخلوقة ـ الخالقة لسبينوزا. إن الطبيعة المخلوقة، هي الأشكال التي يمكن تحديدها والتي تنجم عن عمل مسطح المحايثة، يتم تصوره مثل مصنع حقيقي للإبداع. ” يستدعي العلم الحديث […] ميتافيزيقا جديدة. […] يواصل برغسون، تكوين صورة ميتافيزيقية للفكر الذي يجاري مسارات علم الأحياء الجزيئي. […] ثمة شيء قوي في تلك التجريبية المتعالية “، يقول دولوز في كتاب نظاما مجانين. الطبيعة الخلاقة، منتجة، هي ” مسطح المحايثة ذاته، ال” مسطح المتعالي “، ال” مجال المكثف للفردانية “، مضيفا في كتاب جزيرة مهجورة. إن المسطح تحت مادي، ما دون مادي، يصنع الواقع من دون لفت الأنظار. فلا تُرى إلا النتيجة، وليس المسطح الذي تكوّن وفقه كل شيء. لقد نفذ الرومانسيون الألمان إلى تلك الفكرة، التي شدد عليها سبينوزا. لقد عرف كاسبار دافيد فريدريك Caspar David Friedrich) (، ” تراجيدي المنظر الطبيعي “، كيف يصور، في لوحته منظر ريفي في الصباح، تدفق السائل النباتي الداخلي الذي يجعله ممكنا. فهذا هو المسطح الذي يثير انتباه دولوز: القوات وصراعاتها اللامرئية التي تنعش الشواش ” غير المكتمل “، لكن ليس متمايزا.

هل يمكنكم تفسير ذلك؟

أرنو فيلاني ـ يشكل الشواش الاختلاف باستمرار. ويبتكر التكرار الاختلاف. الاثنان لا يتعارضان. لا يمكن أن يكون هناك وجود لاختلاف من دون تكرار. خذوا التطور، طفرات الحمض النووي: لابد من تكرار بدرجات كبيرة كي ينبثق اختلاف دال. تحدث الأشياء الأساسية لأنه ثمة ” حافز للتكرار ” دؤوب. وفجأة، فإن انحرافا صغيرا، تحولا يفتح خطا جديدا. كافة التدفقات تتضمن انعطافات لافتة للنظر. ثمة وفرة للتفردات في كل مكان. تعتبر التدفقات سلاسل من التفردات. لايوجد تعارض بين المتصل واللامتجانس، بين الواحد والمتعدد، الذي كمّم الفلسفة وحجّرها. كان اليونان يعرفون ذلك: تقترن الوحدة بالتعدد، ضمن حوار بينه. ودولوز نفسه لم ينفك عن تأكيد ذلك، إلى جانب التعدد، وحدة الوجود “. تتكون الوحدة من التعدد، من تركيز خاص لكل عنصر مع العناصر الأخرى كافة، ضمن عراك ليس عراكا ” حتى الموت “، بل عراك يمتد ” طيلة الحياة ” تباين صارخ. وحدة مطلقة وثغرة مطلقة يطبعهما الانسجام. التفاف تضادات إلى “إخوة أعداء “. انظروا إلى قوة التناقض الظاهري oxymore) ( في الشعر ! فهذه هي الحركة التي تصنع انفجارا مصغرا للواقع وتنجب الجديد. الوحدة هي البنية ذاتها للتعدد. ليست بنية ميتة، بل الوحدة الحية للصراع المستمر الذي لا يقتل، لكنه يمنح حياة، فضاء. ومن هنا أهمية الكثافة لدى دولوز. يعتبر الشواش خلافيا، وأن هذا الخلافي هو ما ينجب الكثافات. ثمة شيء شعري من وجهة النظر هذه لدى دولوز، بالرغم من أن هذا الأخير لم يخصص أي كتاب للشعر. يسعى الشعر جاهدا لالتقاط الكثافة ـ كثافة مشهد طبيعي، طريق، وجه ـ وللتعبير عن ذلك، تقليص جانب ” مفهوم ” العبارة، وذلك بالاستسلام للذكريات، الصور، الأمزجة والحدوس، الإيحاءات التي يستحضرها… وهكذا فإن الكثافة تؤثر فينا، وتمضي بنا قدما.

إن ما يعتبر خلاقا إذن هو العلاقة، اتصال التدفقات المنفصلة؟

أرنو فيلاني ـ طبعا ! إن ما يكتسي أهمية بالغة بالنسبة لدولوز، هو ما يحدث بين التدفقات. بشكل مفاجئ، وفقا للأحداث، فإن التفردات تربط اتصالا فيما بينها، تدخل في حالة من الانسجام. تتبادل أطراف الحديث فيما بينها، تثير الاهتمام المتبادل، تتجاذب، وفق صيغة سيميولوجية ( علامات ) وليس صيغة دلالية ( مفاهيم ). بعض الأمور تنتقل من تدفق إلى آخر. فهذا الصدى هو الذي ينتج الجديد، مثل انفجار. يكون المرء على صواب في حديثه  عن ” صاعقة “. لاحظوا لبرهة زمنية الوجه، ” جاذبية ” أحدهم، فتتعكر حياتكم بذلك. يعتبر الحديث غير المادي واللاشخصي للقاء، الذي يستحضره دولوز في كتاب منطق المعنى وفي أوديب مضادا، مثل ” سوط حوذي في لحظة غضب ” في قلب العاصفة ( هنري ميشو، في كتاب معجزة بئيسة ). هذا هو جوهر فلسفة دولوز: البحث عن طبيعة الحدث كما لو أن الأمر كان يتعلق بعاصفة صامتة. يصنع اللقاء اتخاذ قرار جديد ب” سرعة مطلقة ” لكل تدفق، ضمن رحلة ذهاب وإياب فورية. وفجأة، فإن ثمة شيء ما ” يومض ” بين متتاليتين: باروكية. تحدث أندريه بروتون في كتاب نادجا عن ” صُدفة موضوعية “. إنها صيغة جيدة. كل شيء يترابط بدون ترتيب محدد سلفا. ” ماذا حدث؟ ” تتساءل مقالة قصيرة من كتاب أوديب مضادا. شيء ما يحدث، لا يرى في حد ذاته. ” رمية نرد “.

الأهم ليست الأمور الملموسة، بل اللامرئي الذي ينتشر بينها؟

أرنو فيلاني ـ تماما ! نحن لا نرى إلا الأشياء، أشكالا ” حالية ” في الإصطلاح الدولوزي: موضوعات، تجميعات، إلخ. وحده الراهن ” يوجد ” في الرؤية، ثم إن الراهن يقدم نفسه مثل انزواء وانفصال. لكن بين الأشياء ثمة فضاء افتراضي غير ملموس ” يعاند ” لا يكف عن وصلها. الافتراضي هو المكان الوسطي الذي لا يُرى: الجسر. لكن التأثير المراوغ لشيء ما على شيء آخر، تأثير فكر على فكر آخر، ذلك الفضاء الذي ” لا وجود له “، فهو على الرغم من ذلك غاية في الواقعية. ” يُفعّل الافتراضي أو لا يُفعّل. إن الافتراضي باعتباره كذلك، أعني غير مُفعل، يمكن أن يُدرك على كونه يتمتع بواقع تام. ” ومن هنا تأتي أهمية الأحاسيس والأمزجة. لقد قال ذلك في كتاب مباحثات Pourparlers) ( فيما يخص فوكو: إن ولوج ميشال إلى غرفة ما، هو مزاج. إن المزاج لا يمكن الإمساك به، ولكنه مع ذلك، فهو يشكل حقيقة لا تقل أهمية عن الأشياء التي يكتنفها. إن المابين هو الذي يوضع في الحسبان، الذي يبتكر. كل شيء يمر عبر الاقتران، التجسير، اللقاء. لا بد من التخلص من الأشكال بهدف مقاربة ما ليس مكتملا، الشواش، ال” جوهر ” ـ الذهاب صوب العناصر غير النظامية ، لكنها مكوِّنة. ليس الشواش لدى ما قبل السقراطيين عدما، بل،تحديدا افتراضيا، منزلة بين المنزلتين: رحلة الأشياء بين الأشياء، وانطلاقا منها فقط وحدها الأشكال تتباطأ، تتحيّن. تحدث هيراقليط عن بوليموس، الذي عادة ما يترجم ب” حرب “. لكن بوليموس، هو قبل كل شيء رجّة ( بشأن الجذر pel) ( من palmos) (، ” سعف النخيل دائم الحركة ” ). ما يتحرك وينبض بالحياة، النفس الذي يبعث الحياة. تتفعّل قوى الشواش مُقاومة. هذا هو الافتراضي: رياح متشابكة تخترقنا وتخترق كافة الأشياء، يقول دولوز في كتاب فرانسيس بيكون، منطق الإحساس. لقد تمت صياغة لفظة نفس على فكرة الريح ( إن anima)  ( اللاتينية أقرب إلى anemos) ( اليونانية، ” الريح ” ). من كل الأشياء ينبعث اهتزاز، انبعاث لا يدرك والذي يدخل في تفاعل مع التفرد القادر على استقبالها ووضع الصيرورات في حركة. في تلافيف الواقع تحدث ترتيبات لا يتحكم فيها أي مبدأ منظم مسبقا. يتصل ال” تركيب المحايث ” بدون استثناء، من دون منع أي شيء مسبق. يقابله دولوز بالـ” تركيب المتعالي ” الذي لا يستطيع الربط إلا وهو يستثني، يلاحظ الواقع من أعلى، يصدر حكما، يفصل ويدين، يركز ويوقف القوة التفاعلية   لدى نيتشه. هذا التركيب المتعالي، هو بنتسيليا Penthésilée) (وهي تصرخ في مسرحية كلايست،Kleist) (: ” إنك أنت إذن، القاتل،الخائن ! ” خلافا لذلك فإن التركيب المحايث يحرر ويحمل الجديد. إنه دافنيس Daphnis ) ( وكلوي Chloé) (، منبهرين بمغامرتهما الغرامية: ” هذا هو الغرام إذن ! ” المريع والمذهل. موقفان فلسفيان ينبثقان من ذلك. ليست الفلسفة في تصور دولوز تراكما معرفيا بقدر ما هي موقفا. إنها تؤثر. غالبا ما يسود الموقف المتعالي. لكن التركيبين ليسا ببعيدين أبدا. يصر التركيب المحايث كما لو كان من أسفل. تحتفظ الأشياء بسر الإرادة التي تتحول باستمرار، بشكل غير محسوس، عبر اللقاءات. تسمح خطوط التلاشي في كل مكان، بإثبات الحافز إلى التجديد. إن الشكل المكتمل ليس منتهيا أبدا، مغلقا: مستنزفا تلك الطبيعة الطابعة nature naturante) ( التي ينتجها، إنها تتحول باستمرار. تتغير العضوانية على امتداد الحياة. والموت نفسه لا يحددنا ضمن شكل نهائي. إننا نمتلك على الدوام القدرة على قلب التركيبات المتعالية إلى تركيبات محايثة.

وماذا عن الذات في كل هذا؟

أرنو فيلاني ـ تتشكل الأشكال الفردية على مسطح المحايثة، على أنه ينبغي أن يُقال نفس الشيء عن الذات عينها، التي لا يتم تقديمها منذ الوهلة الأولى، مرة واحدة وإلى الأبد: ليست ” ذاتا دنيا “، بل ” ذاتا ـ عليا “. تخلص دولوز من الذاتية المتعالية التي وضعها كل من أفلاطون وأرسطو ـ فقد تجاهل هذه ” الذات الرئيسة ” التي تغذي رؤية متسلطة للفكر على امتداد التاريخ. فإذا كان ثمة شيء يمكن إنقاذه في فكرة الذات، ففي مكان آ’خر. ليس في ال” ذات ” المتحكمة، بل في ” أنا ـ تحتية ” حيث يتم البحث عن تشكلها، من بين أمور أخرى، بالنسبة إلى هيوم، كانديلاك، ماين دو بيران Maine de Biran) (. ثمة في كل مكان، وحتى في مسطح المحايثة، ” سيرورات تذويت “. لا تسكن تلك السيرورات الإنسان فقط، بل تقطن الحشود والقطعان والنباتات، إلخ. هذه الذات العميقة التي بداخلنا تتمتع بالقدرة على اغتنام الفرصة حيث ” تقفز ” من تفرد إلى آخر. أليس هذا هو ما يقرر الحياة؟ ثمة بالفعل شيء ما على مستوى ذات مصغّرة،  ” ذات أولية ” قادرة على تسجيل الوثبات التي لا يمكن التكهن بها بين التفردات. تلك الذات اللامرئية لاتشكل نفسها ولا تشكل الموضوعات التي تحيط بها. إنها تتكون بواسطة ” تركيبات سالبة “، أقل من أي نشاط طوعي وواع. ثمة لدينا هنا شيئا ما أشبه بلاشعور، لكن ضمن معنى أوسع.

هل يعتبر دولوز مفكرا ضد ثنائي؟

أرنو فيلاني ـ إنه يشتغل على أزواج، تفرعات ثنائية، لكن الاختلاف الذي يسعى إلى تفكره ليس مزدوجا. إنه يقوم منهجيا بتحاشي الخطر المانوي: ترتيب أولويات حد زوج ما لصالح آخر، الحكم، الذي يطمس ما هو غاية في الأهمية لدى دولوز: الافتراضي، مكان وسطي، هناك حيث ” يشغل البال “. ثمة كلمة مفتاحية ستتحول إلى ” صيرورة وليس وجود ” بالتأكيد. فليست الأنطولوجيا هي التي يتم التوصل من خلالها إلى التفكير، بل عبر الفكر ـ حركة: أن نفر باستمرار من إقليم ما، ثم نؤوب إليه، بإضافة التأثير التفاوتي لذلك التكرار، حتى لو تم الرحيل فورا. لا وجود لشكل مكتسب أبدا، فحتى لو كان المرء رجلا، امرأة، فهو باستمرار ” يصير رجلا “، ” يتحول إلى امرأة “.

من بين الاعتراضات الكبرى التي تشغل بال الفلسفة، ثمة تعارض الجسد والعقل…

أرنو فيلاني ـ  ثمة بالفعل تعارض متواصل، تسلطي، بين الأجساد والمفاهيم في الفلسفة، ثم إن دولوز لا يمكنه القبول به. الأجساد هي الحياة ذاتها. فبدونها لا يعتبر العقل شيئا. وحده يوجد الجسد ـ عقل. وهذا هو السبب الذي يجعل دولوز يفكر عبر ” شخصيات مفهومية “: لجعل المفاهيم ملموسة. لا ينبغي على الفيلسوف أبدا الانفصال عن الجسد. لا وجود لهذا التعارض لدى ما قبل السقراطيين، لأنهم مفكرون للطبيعة الطابعة، خلاقة ومنتجة. بدأ التعارض مع سقراط، الذي ارتد إلى الخطاب ولن ينشغل بعد إلا بالمفاهيم. تفاقم الانفصال أيضا مع أفلاطون ونظريته في المثل. بعد فقدانها للجسد، انحصر دور الفلسفة لاحقا فقط في جرد المفاهيم ومفاهيم المفاهيم. لحسن الحظ فإن هذه الآلية الطنانة والمفخّمة تفككت شيئا فشيئا. مهاجما باستمرار ال” مفاهيم الضخمة التي تشبه أسنانا مجوفة ” أو المناطقة الخلّص الذين لا يرون في الفلسفة إلا أخطاء ” في مستوى اللغة “، لقد أسهم دولوز في ذلك. لم يكن عالم طبيعة يجمع ويصنف أشكالا معينة، كان على مسافة أقرب من الطبيعة المنتجة ويتأثر بصرخات نيتشه ـ ” تحيا الفيزيس ! ” ـ حيث الطبيعة أولية، متعالية، شرط لإمكانية الحركة التي تخلق عبرها الأشياء. فبدون تلك الحركة، لن يتمكن الفكر ذاته من الانبثاق.

متعال؟ عم يتعلق الأمر إذن؟

أرنو فيلاني ـ حصر كانط اللفظ في المعرفة. فلو قمنا بتوسيع ذلك، فإن ال” متعالي “، هو ال” شروط المسبقة لإمكانية “، التي تسمح لذات ما، ليس فهم المعرفة فقط، بل تفكير / عيش موضوع معطىً. إنها ليست مقولات الفكر الأساسية لموضوع عائم، فضفاض، تتجاوز التجربة، لكن نفس حركة الواقع. ومن هنا الإرداف الخلفي ل” التجريبية المتعالية “: يتصور دولوز الأمور عن كثب، دون التمسك بشكلها التمثيلي، يمكن تمييزه. إنه يعمل على تقريب الواقع من دون اختزاله إلى الراهن. خلافا لذلك فهو يبذل قصاراه في التفكير في الواقع الفعلي: الربط، العبور المتواصل للافتراضي ( غير معطىً ) إلى الراهن ( ال” معطى ” ). مفكرا للحركة، يعتبر دولوز وفقا لهذا المعنى فيلسوفا للحياة، لحياة عضوية قدرما هي لا عضوية، أقل بكثير من الأجهزة المتفرّدة. وهو نفسه يأمل أن كل ما كتبه كان ” حيويا “. وباعتباره برغسونيا كبيرا، فقد ألقى بهذا البيت الشعري استعاره من هنري ميلر: ” لا يوجد واحد منا ليس مذنبا: ذلك الذنب العظيم الذي تستحيل معه الحياة ” ( أوديب مضادا ).

المصدر : مجلة فلسفة الفرنسية Philosophie magazine في عدد ممتاز خصص حصرا لـ جيل دولوز رقم 63 .


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك