أدورنو والتوجه بأن منظورا ما “شديد الذاتية” – نيكولاس جول / ترجمة: مي الغفيص

أدورنو والتوجه بأن منظورا ما “شديد الذاتية” – نيكولاس جول / ترجمة: مي الغفيص


هل نخلط بين الموضوعية والذاتية؟ هل نحن بحاجة إلى مزيد من الذاتية وليس أقل؟

الفيلسوف نيكولاس جول مقدما ثيودور أدورنو فيما يتعلق باختلافات بين الموضوعية و الذاتية ذكرها في كتابه “Minima Moralia””الأخلاقيات الدنيا”. إذ يشكك في تداعيات الأحكام الجمالية مقابل العلم، مطبقا إياها بمثال الفيلم.

تصور أنك شاهدت فيلمًا مع صديق، تخبره بما يتناوله الفيلم من مواضيع وعما تعتقد أن الفيلم يحاول إيصاله. يعترض صديقك قائلا إن هذه الأشياء “ذاتية للغاية”. يفضل هو الحديث عن ملامح الفيلم والتي يعتقد بأنها أكثر موضوعية مثل أين صُوّر الفيلم وكم عدد جوائز الأوسكار التي فاز بها وربما أيضا الحبكة. في الحقيقة قد يكون أنت من يسعى إلى الموضوعية هنا وليس صديقك أو على الأقل نوعا من الموضوعية ذات الأهمية. هذا ما قام الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو بتقديمه في أطروحته والتي أود الكشف عنها في هذه المقالة وسأعمل على ذلك مستندا بشكل خاص على كتابه” Minima Moralia”بداية من القسم المعنون بـ “تخويف غير عادل “

يبدأ هذا التخويف بـ “يصعب بما فيه الكفاية تحديد ماهية الحقيقة الموضوعية”. يضيف أدورنو بأنه لا يجب أن يسمح للناس باستخدام هذه الصعوبة “لتخويفنا” وعلى وجه الخصوص ينبغي ألا نخاف من أن نلام على أن عباراتنا ” ذاتية “. يشير أدورنو في الحقيقة إلى أن للمرء أسبابا للرضا الذاتي المؤقت إذا وُبخ شخص بهذه الطريقة! يشرح على النحو التالي:

أصبح مفهوم الموضوعية و الذاتية معكوسا تماما. تصبح المفاهيم الذاتية موضوعية كالجوانب غير المثيرة للجدل من الأشياء وما تخلقه من انطباع والواجهة التي تتألف من معطيات مُصنفة، أي يُطلق على الذاتي موضوعي؛ وما يُدعى ذاتي هو أي شيء ينتهك تلك الواجهة، وينخرط في تجارب معينة تتعلق بهذه المسألة، ويلقي بجميع الاحكام الجاهزة والبدائل ذات العلاقة بموضوع يوافق الأغلبية وهو الموضوعي.

 لا يأبى أدورنو باستعمال المقارنة المبالغ فيها ليصدم قرائه فهو يأخذ المسألة المتعلقة بهذا الموضوع بجدية. سأقوم بتفكيك هذه الفكرة إلى ثلاث أجزاء:

1. وجهة النظر موضوعية للحد الذي يجعل الموضوع محل نظر وذاتية إلى الحد الذي يفهم فيه الموضوع بشكل سطحي أو غير مباشر.

  1. إذا تم تعريف وجهة النظر من قبل ذات وعقل وخيال وعلم وحساسية أحدهم فإن ذلك يسهل ولا يعيق من تحقيق الموضوعية. مجموعة الأدوات الذاتية هذه هي ما تقوم بتحرير الموضوع (قارن ND 163).

  2. وجهات النظر التي تم التوصل إليها دون مساعدة من هذه الذاتية هي سطحية وغير نقدية. لأنها تتعامل مع “الجوانب غير المثيرة للجدل من الأشياء”، و “الجوانب غير الخفية” و “البيانات المصنفة”. مثال على ذلك ما يدور في ذهن أدورنو بواسطة قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت (Imdb). تتكون قاعدة البيانات من مدخلات تشتمل على مواد مثل التقييمات الإجمالية والنقاط، مختلفة نوعًا ما عن قائمة “قام الناس بالإعجاب بهذا أيضا”. ومن الأمثلة الأخرى على ذلك الإحصاءات القطرية (الأراضي، والسكان، والموارد الطبيعية، وما إلى ذلك) أو بيانات الاستقصاء. لا ينكر أدورنو أن مثل هذه البيانات، إلى جانب “الجوانب غير المثيرة للجدل” و “الانطباعات التي لا يمكن التشكيك فيها”، يمكنها التقاط السمات الحقيقية للموضوع. بهذا المعنى أو إلى هذه الدرجة، فإن العبارات التي تنقل مثل هذه المعلومات هي موضوعية. يدعي أدورنو أنها موضوعية فقط بطريقة مخففة: فسطحيتها تحد من إدراك موضوعيتها.

إذا أعدنا تطبيق هذه الأفكار على سياق الفيلم، فيمكننا عرض المسألة كما في الشكل 1.

الشكل 1. أفكار أدورنو حول الذات والهدف، مطبقة على الفيلم

بيان يتعلق بـ:

الموقع

الممثلون

الحبكة

الجوائز

المواضيع

الرموز

المعاني

يدعى هذا النوع من البيانات:

موضوعية

ذاتية

هذا النوع من البيانات في الواقع هو:

ذاتية-من حيث كونها سطحية ولا تتعلق بالموضوع

موضوعية- من حيث وأنه بالرغم من ذاتيتها فإنها تتغلغل في الموضوع

يلخص أدورنو موقفه في شعار أن الموضوعية تتطلب المزيد من الذاتية ، وليس أقل. أو، في صيغة أخرى: “لن تبقى موضوعية إذا اجتزأت الذاتية” (P 144). قد نضيف تشابهًا (أو نطور واحدًا تم اقتراحه أعلاه بالفعل). إن الشخص الذي يتعامل فقط مع أدنى الوقائع هو مثل نوع غريب من التجار، يبدأ العمل عن طريق التخلص من كل أدواته ويقترب من المهمة بأيدٍ مجردة.

لا شيء من هذا يعد حاسما. ذلك لأن استنتاجنا بأن منظورا ما شديد الذاتية كان مجحفا. أي بتعبير أدق، لقد كنا قاسين أو بسطاء في تعبيرنا عما ينطوي عليه ذلك التوبيخ. ليس من الضروري أن تقوم الفكرة الأساسية على أن أبدأ الرأي في مسألة يتطلب ذاتي.  على كل حال، هذا يحوي على كثير من افتراضات العلوم الطبيعية. يمكن أن تكون الفكرة الأساسية أن وجهة النظر توسع النظرة الذاتية على الأشياء. سيشاهد الشخص الذي يقصد الشكوى “الذاتية جدًا” بهذه الطريقة الفيلم كما يلي. الادعاء بأن الفيلم له معنى أو رسالة هو الخلط بين شيء موجود فقط عند المشاهد مع شيء موجود داخل الفيلم نفسه. وعلى أساس هذا التفكير – هذه النسخة من الفكرة القائلة بأن وجهة النظر ذاتية للغاية –(بعض) الصفات الجمالية تصبح مشابهة لما يدعى بصفات (لوك) الثانوية (جون لوك فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي). أي أن الصفات المختلفة التي قد يمكن للمرء أن ينسبها بموضوعية إلى العمل نفسه هي مجرد آثار فينا، وليست الصفات التي يمتلكها العمل حقا. “التخويف الغير عادل ” يجادل ضد هذا المفهوم للفن (MM 70):

إن اعتماد أي شخص على قوة رد فعله الدقيق على عمل فني، يخضع نفسه طوعا لنظامه وقانونه الصارم وهيكل، سيجد أن الاعتراضات على الجودة الذاتية لمجرد تجربة تتلاشى مثل الوهم.

شيء ما ذو صدى هنا، حتى مع أولئك المشككين بقدراتهم على فهم مقولة أو موسيقى أو لوحة أو ما يسمى بسينما الفن. ولكن يبدو الأمر غير ذلك. يبدو أن استجابة المرء لميزات الموضوع الحقيقية لا يعني أنه بالفعل مستجيب لها.

ومع ذلك، ليس فقط الأحكام الجمالية  ما يريد أدورنو الدفاع عنه ضد تهمة الإفراط في الذاتية قسم آخر من Minima Moralia ، “الأخلاق والأناقة” (MM §64: 101) ، يجعل هذا جليا بقدر كاف.

سيجد الكاتب أنه كلما عبر عن نفسه على نحو أكثر دقة، وبشكل واعي، كلما كانت النتيجة الأدبية أكثر غموضاً، في حين أن الصياغة الفضفاضة وغير المسؤولة تنال بعضا من الاستيعاب.

 

يفسر أدورنو الأمر على النحو التالي:

يسمح التعبير الغامض للمتلقي بتخيل ما يناسبه وما يعتقده في أي حال. تتطلب الصياغة الصارمة فهماً لا لبس فيه، وجهداً نظرياً لا يشجعه الاشخاص بشكل متعمد، ويفرض نفسه بشكل مسبق على أي محتوى يتعلق بآراء متلقاة، ومن ثم عزلة، يقاومونها بعنف فقط ومالم يحتاجوا إلى فهمه في البداية يعتبرونه مفهوما. الكلمات الغريبة التي تصوغها التجارة هي ما تبدوا مألوفة فقط.

يصف أدورنو ما يعتبره شكلاً من أشكال إيذاء الذات المعرفية: تقييد ذاتي لتفكيرنا تحت تهديد الغموض بسبب كونه ذاتي للغاية أو سطحي إلى حد كبير، بل وحتى “الآراء المستلمة” والشعارات الدعائية. يؤمن أدورنو بأن مثل هذا التماثل يهدد مجموعة واسعة من الآراء – ليست آراء تتعلق فقط بالفن بل أي شيء لا يتمتع بهيبة العلوم الثقافية ولا سيما العلوم الطبيعية. ويضيف أنه نرى هنا أن الذات سرقت مرة أخرى، في شكل فقير من أشكال الـ “تفكير الجماعي”، إلى ما يُفترض أنه عالم من الموضوعية البحتة.

قد يرد أحدهم على النحو التالي؛ مهما كان الناس متفقين أو مختلفين مع آرائهم، ثمة مجال واحد فقط يحتمل أكثر من رأي وهذا المجال هو العلم. هذه هي الفكرة التي يطلق عليها أدورنو “الوضعية” (انظر، على سبيل المثال الصفحات المتبقية من “التخويف الغير عادل “) يمكن إعادة صياغتها على النحو التالي: “يمكن تحويل كل المعارف إلى العلوم” (NLI 8). يرفض أدورنو مثل هذه الوضعية. وهو يرى بدلاً من ذلك أن الذاتية يمكن أن تقوم بتحرير ميزات حقيقية ولكنها غير قابلة للاختزال في نماذج العلوم الطبيعية. فكر على سبيل المثال في تحليل دقيق لمسرحية، أو لوضع سياسي، أو لعقل فرد معين. مثل هذه التحليلات لن تكون، على الأقل في وقت قريب، قابلة للترجمة إلى لغة الفيزياء. لاتزال، الأشياء التي يتعاملون معها حقيقية بما فيه الكفاية (أو في حالة المسرحية، يمكن أن تكون).

قد يبدو وجود أشياء غير قابلة للاختزال في العلم أمرًا منطقيًا، لكن تبريرها (وحتى تحديد ما تطالب به بالضبط) يفتح أعماق ابستمولوجية وميتافيزيقية. يحاول أدورنو دعمها من خلال مفهوم الموضوع والهدف و “الوساطة” المتبادلة. هذا تصور لكيفية انضمام الذات والموضوع إلى بعضهما البعض (ND 183). قد يتم إيجاز الفكرة (مع بعض القوة والغموض) إلى مسألتين.

  1. لا يمكن للمرء الفصل بشكل كامل، حتى من حيث المبدا بين؛ (أ) من أين وكيف هي الأشياء-كيف هو العالم- (ب) الذاتية أي حساسيتنا (اجتماعيا وتاريخيا) والمفاهيم التي لدينا.

  1. يمتلك الموضوع استقلال عن الذات (والمواضيع هي الذوات، وان كانت الذوات التي تتميز بامتلاك الوعي).

يعبر أدورنو عن هذا بأكمله، وهو مفهوم مثير للجدل يمكن القول بأنه يعبر عنه بهذه الكلمات: “إذا كان الموضوع يفتقر إلى لحظة الذاتية ، فإن موضوعيته تصبح غير منطقية” (SO 509)؛ “الموضوع هو أداة الذات، وليس العنصر المكون له” (SO 506).

يقودنا هذا إلى المحور الأساسي لفكر أدورنو (انظر كذلك الجزء الثاني من ND، وSO). ومع ذلك، فإن بعض الأفكار التي راجعناها مستقلة إلى حد كبير عن تصور أعمق (هذا التصور بالمناسبة يعني دمج المثالية الألمانية مع الماركسية المادية والطبيعية، والتي يعتقد أن لها صدى في عمل جون ماكدويل). هذه الأفكار المستقلة نسبيا يمكن تلخيصها على النحو التالي. أولا، الذاتية هي صديق الموضوعية حيث أن تحقيق أي نوع من الموضوعية الجوهرية يتطلب القدرة والجهد. ثانياً، يمكن أن يؤدي إهمال هذه النقطة الأولى إلى طلب الموضوعية والإسناد إلى الغموض الذي يخدم في واقع الأمر كغطاء لوجهات النظر الطائشة المتلقاة. آمل أن أكون قد قدمت على الأقل هذين الادعاءين بشكل مقنع – حتى لو كانت “الحقيقة موضوعية وغير معقولة” (ND 41).


المصدر


الاختصارات المستعملة في المقال لأعمال ادورنو:

M- Minima Moralia 1974

ND- Negative Dialectics الجدليات السلبية 1953

nl1- ملاحظات على الأدب، المجلد الأول مطبعة جامعه كولومبيا 1991

-P  prism معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الصحافة  1981

SO-‘‘Subject and Object’ الموضوع والذات ‘ اندرو اراتو وأيك جباردت. (نيويورك 1986)

في النص الرئيسي، الأرقام التي تتبع الإختصارات هي مراجع للصفحات في حين ان الأرقام التابعة للرمز ‘ § ‘ هي أرقام الأقسام.

error: