ألفريد جوليز آير – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: منال محمد خليف

ألفريد جوليز آير – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: منال محمد خليف


سيرة ألفريد جوليز آير وفلسفته حول المعنى والصدق، والإدراك الحسي، والاستقراء والاحتمال، والسببية والحرية، والأخلاق؛ نص مترجم للـد. غراهام ماكدونالد وناكول كريشنا، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


 

كان ألفريد جوليز آير (1910-1989) في الرابعة والعشرين من عمره فقط عندما كتب الكتاب الذي صنع اسمه الفلسفي، اللغة والحقيقة والمنطق (يُطلق عليه لاحقاً LTL )، نُشر عام 1936. طرح فيه ما فُهم على أنَّه الأطروحات الرئيسية للوضعية المنطقية، ونصّب نفسه كممثل إنجليزي رائد للحركة، وفي الأصل فيينا. ومن خلال تأييده لهذه الآراء، رأى آير نفسه على أنَّه مستمر في خط التجريبية البريطانية التي أنشأها جون لوك وديفيد هيوم، والتجريبية التي كان آخر ممثل لها برتراند راسل. وبقي طوال حياته المهنية اللاحقة وفيّا لرفض هذا التقليد لإمكانية تأليف المعرفة السابقة، وهكذا رأى أنَّ منهج الفلسفة هو تحليل معنى المصطلحات الأساسية، مثل “السببية”، “الحقيقة”، “المعرفة”، “الحرية”، وما إلى ذلك. وتمَّ تكريس الجزء الأكبر من عمله لاستكشاف جوانب مختلفة من مزاعمنا حول المعرفة، وخاصة المعرفة الحسية والمعرفة الّتي تعتمد من أجل مصداقيتها على الاستدلال الاستقرائي. إلى جانب الطريقة الّتي دافع فيها عن تفسير “الإيمان الحقيقي المبرر” بالمعرفة، والتفسير الهيومي للسببية، والتوافق فيما يتعلق بالحرية. وطرح في كتابLTL ، نظرية أخلاقية عاطفية، وهي نظرية لم يتخل عنها أبداً.

كتب آير دائماً بأسلوب واضح وأنيق؛ كان بإمكانه وضع هيكل للصعوبة الفلسفية في فقرات قليلة من النثر البسيط المذهل. وفيما يتعلق بالعديد من المشكلات الفلسفية، لا يمكن أن يكون آير الأفضل في توفير وصف واضح وغني بالمعلومات للكشف عن معالمها. وبادئ الأمر عند قراءة مقاله، سواء كان ذلك عن فرضيات أساسية، أو معطيات حسية، أو استقراء، أو حرية، يذهب المرء بعيداً في إدراك أنَّ هدف المؤلف كان الوصول إلى الحقيقة، بغض النظر عما تبين. ولسوء الحظ، سارع في بعض الأحيان للوصول إليها، وأعطاه ذلك، إلى جانب أسلوبه المباشر، سمعة لمجرد حنكة لم يعشها من قبل. ومع ذلك، من بين الفلاسفة البريطانيين في القرن العشرين كان هو في المرتبة الثانية بعد راسل (Foster 1985)؛ صرّح ستراوسون P.F. Strawson، في خدمته التذكارية، أنَّ إسهامه في نظرية المعرفة والميتافيزيقيا العامة “لم يكن بأي حال من الأحوال أدنى من راسل” (see Rogers، 1999، 358).

 

  • 1. مخطط السيرة الذاتية

  • المعنى والصدق

    • 2 المعنى

    • 2 الصدق

  • الإدراك الحسي

  • الاستقراء والاحتمال

  • المعرفة

  • السببية والحرية

  • الأخلاق

  • قائمة المراجع

  • الأدوات الأكاديمية

  • موارد الإنترنت الأخرى

  • مدخلات ذات الصلة


 

1. مخطط السيرة الذاتية

ولد ألفريد جوليز آير في لندن في 29 تشرين الأول 1910. وانحدرت والدته رين Reine، من اليهود الهولنديين، بينما جاء والده جوليز لويس سيبريس آير  Jules Louis Cypress Ayerمن خلفية كالفينية سويسرية. كما روى روجرز عام 1999، كان آير طفلاً سابق لعصره ولكنه مؤذ، وهكذا أرسِل إلى مدرسة داخلية (خارج إيستبورن) في سن السابعة، وحصل منها على منحة دراسية لإيتون Eton   في عام 1923. وهناك أثار إعجاب نظرائه بذكائه وقدرته التنافسية، وتتجلى السمات الأخيرة في الطريقة التي لعب بها الألعاب. وعلى الرغم من ذلك، شعر آير بأنَّه “شخصٌ غريب”، ومن الواضح أنَّ زملائه الطلاب لم يشعروا بحرارة تجاهه، ربما بسبب الحماس المفرط الّذي حاول به تحويلهم إلى الإلحاد. كان الشعور بـأنَّه “شخص غريب” هو الشيء الذي بقي معه طوال حياته. وتخصص في سن السادسة عشرة في الفلسفة وبدأ في الوقت نفسه يقرأ بعض من الفلسفة. وتركت المقالات المتشككة لـبرتراند راسل انطباعاً، لا سيما حجة راسل في الادعاء بأنَّه من غير المرغوب فيه تصديق الفرض عندما لا يوجد سبب للاعتقاد بصدقه. قال آير إنَّ هذا ظل شعاراً له طوال حياته الفلسفية (see Rogers 1999, 45). وفي الوقت نفسه، كان لقراءة مبادئ الأخلاق لـمور G.E Moore  تأثيرٌ دائم، لا سيما تعبير مور عن المغالطة الطبيعية.

وفي عيد الفصح قبل مغادرته إيتون، أمضى آير بعض الوقت في باريس، حيث التقى رينيه ليز Renee Lees، الّتي تزوجها في وقت لاحق (في عام 1933). وفي العام التالي (1929)، حصل على منحة دراسية تقليدية إلى كنيسة السيد المسيح، أوكسفورد، حيث درس اللغة اليونانية والفلسفة، وكان أحد مدرسيه جيلبرت رايل Gilbert Ryle. كان رايل هو الّذي اقترح أن يقرأ آير رسالة منطقية فلسفية لـلويدفيغ فيتغنشتاين Ludwig Wittgenstein، وهو العمل الذي أثار إعجابه على الفور. كان لـرايل دورٌ أساسي في جعل آير يذهب إلى فيينا في عام 1933 للدراسة مع موريس شليك Moritz Schlick، الّذي كان آنذاك زعيماً لدائرة فيينا المؤثرة على فلاسفة وعلماء وغيرهم من مثقفين، انضموا إلى كواين  W. V. O. Quine كونه واحداً من زائرين اثنين فقط ليكونوا أعضاء في دائرة فيينا. كانت تجربته الفلسفية في فيينا محدودة إلى حد ما بسبب معرفته المتذبذبة بالألمانية، لكنه كان يعرف ما يكفي لالتقاط المعتقدات الأساسية للوضعية المنطقية.

وبعد مغادرته فيينا، حاضر آير لفترة قصيرة في كنيسة السيد المسيح، حيث انتُخب عام 1935 لزمالة بحث لمدة خمس سنوات. وأنهى في العام نفسه، كتاب LTL ، الّذي تسبب في الكثير من الجدل والنقاش، بسبب ابعاده الساحق إلى حد ما للميتافيزيقا، بل بشكل خاص بسبب المذهب العاطفي ما بعد الأخلاقي الّذي دافع عنه آير في أحد فصوله الأكثر شهرة. وعمل آير خلال السنوات القليلة المقبلة، على الدفاع عن بعض المواقف التي تمّ تبنيها في كتاب LTL   وتنقيحها، ولم يقتصر على الاجتماعات الّتي عقدت في أكسفورد مع أزيا برلين Isaiah Berlin، وستوارت هامشير Stuart Hampshire ، وأوستين J.L. Austin؛ كانت المواجهات مع أوستن لإثبات طويل الأمد. كان نتاج عملية التنقيح كتاب “أسس المعرفة التجريبية”. وكان يتمتع خلال هذا الوقت أيضاً بالحياة إلى أقصى حد؛ كان راقصاً جيداً، معترفاً ذات مرة أنَّه كان يفضّل أن يكون راقص الصنبور بدلاً من فيلسوف محترف، لكنه تخلى عن الفكرة عندما أدرك أنَّه لن يكون جيداً مثل فريد أستير Fred Astaire. بدأ زواجه من رينيه  Renee بالتفكك؛ كان لآير العديد من الأمور، وشكّلت رينيه علاقة دائمة مع ستيوارت هامبشاير Stuart Hampshire.

في السنوات التي سبقت الحرب مباشرة، أصبح آير شغوفاً بالسياسة. دعم الجانب الجمهوري في إسبانيا، وتغزّل بالانضمام إلى الحزب الشيوعي، ولكنه أصبح بدلاً من ذلك عضواً نشطاً في حزب العمل. وعندما أعلِنت الحرب انضم إلى الحرس الويلزي (وساعده في ذلك جيلبرت رايل Sheila Graham). كان يعمل لفترة من الوقت في كامبريدج يستجوب السجناء، ثم أرسِل إلى أمريكا للانضمام إلى مهمة الخدمة السرية، والّتي يبدو أنَّها تنطوي على حشد من المعلومات حول المتعاطفين مع الفاشية في أمريكا. وبينما كان في نيويورك، شاهد أفلاماً عن الأمة، وولِدت له ابنة (كانت شيلا جراهام هي الأم)، وسجل رقماً قياسيا مع لورين باكال  Lauren Bacall. وبعد إعادته إلى إنجلترا، وجد نفسه في مهمة المساعدة في تنظيم حركات المقاومة الفرنسية في لندن. وتمّ إرساله بعد وقت قصير من الحرب إلى باريس، حيث انتهز الفرصة لدراسة الوجودية الفرنسية، وكتابة مقالات عن سارتر Sartre وكامو Camus في الأفق.

وقبل تسريحه من خدمة الجيش، قبِل آير عرضاً لمنحة دراسية في كلية وادام Wadham ، أكسفورد، ولكن لم يكن هناك سوى فترة قصيرة قبل أن يصبح أستاذاً كبيراً للفلسفة في جامعة كوليج بلندن، وهو في سن السادسة والثلاثين. وسرعان ما قام بتعيين هامبشير Hampshire  بمنصب محاضر (للتعويض عن استشهاد هامبشير كمشارك مساعد في طلاقه من رينيه)، ثم ريتشارد ولهايم Richard Wollheim. وكبر القسم وأصبح مركزاً فلسفياً مزدهراً. غامر آير أيضاً في عالم الإذاعة، حيث شارك في العديد من عمليات بث برنامج بي بي سي الثالث، بما في ذلك حلقات نقاش مع العلماء زوكرمان Zuckerman وهوكسلي Huxley  وميداوار، ومناقشة مشهورة مع القس اليسوعي فريدريك كوبليستون Frederick Copleston حول وجود الله. وأصبح في وقت لاحق مؤدي منتظم في تلفزيون بي بي سي “صندوق العقول”. وحاضر عام 1948 في كلية بارد في نيويورك، لكنها أثبتت أنَّها خبرة غير سعيدة. وبالعودة إلى لندن نشر جود C.E.M. Joad  مقالاً في رجل الدولة الجديد يقول: إنَّ كتاب LTL  كان مسؤولاً عن تهيئة بيئة ازدهرت فيها الفاشية، ونشرت مجلة  تايم مقالاً قصيراً غير ممل يدعي فيه أنَّ آير علّم طلابه أنَّ “هذا الرجل جيد لدعم والدته” كانت عبارة بلا معنى (Rogers 1999, p. 232). وعند عودته إلى أوروبا، بدأ برنامجاً محموماً عن جولات المحاضرات، حيث زار فرنسا وبلجيكا وإيطاليا والسويد والدانمارك وبيرو وشيلي وأوروغواي والبرازيل، كل ذلك في أوائل الخمسينيات.

واغتنم آير في عام 1958، الفرصة للعودة إلى أكسفورد كأستاذ وكهام للمنطق. وقال في وقت لاحق أنَّ هذا القرار اتُخذ من أجل مكافحة التأثير المتزايد لأوستن، الّذي كان قد أوضح نقطة الهجوم على وجهات نظر آير عن الإدراك الحسي. ومع ذلك، كان أوستن قريباً من الموت، مما جعل “تضحية” آير في حياته في لندن بلا معنى إلى حد ما. ولم تتم التضحية بالكامل؛ لقد أقام عطلة ثنائية، وقضى عطلات نهاية الأسبوع الطويلة في لندن مع زوجته الثانية، دي ويلز Dee Wells، وعلى الأقل ثلاث ليالٍ في الكلية الجديدة خلال الأسبوع. وواصل السفر على نطاق واسع: اضيفت الصين وروسيا والهند وباكستان إلى خط سير الرحلة. كما واصل نشاطه السياسي، واستمر في دعم حزب العمل، وقام بحملة ضد تورط بريطانيا في فيتنام، وكان في وقت واحد نائباً لرئيس جمعية إصلاح قانون الإجهاض، ورئيس حملة مكافحة التمييز العنصري في الرياضة، ورئيس جمعية إصلاح القانون المثلي. ولم يكن يعتقد أنَّ دعمه لعدم تجريم السلوك المثلي، الّذي سخر منه ذات مرة، من قبل أي شخص على علم به ينطوي على مصلحة خاصة. وانتهى دعم آير لحزب العمل بتشكيل الحزب الاشتراكي الديمقراطي في عام 1981. وكان دعمه للحزب الاشتراكي الديمقراطي بمثابة احتجاج على الاتجاه اليساري لحزب العمال، ولا سيما مناهضته لأوروبا.

إنَّ ترتيب قضاء عطل نهاية أسبوع طويلة في لندن وبعض من أسبوع العمل في أوكسفورد أضاف إلى الحياة المنزلية المضطربة لآير. وفي عام 1963، كان لديه ولدى ويلز ابناً، نيكولاس Nicholas، الذي قال عنه آير: “كان حبي لهذا الطفل عاملاً مهيمناً على الفترة المتبقية من حياتي” (Rogers 1999, 278.)  وشكّل علاقة مع فانيسا لوسون Vanessa Lawson، الّتي كان يراها بينما كان في أكسفورد. وخلال هذا الوقت، واصل آير الانتاج الفلسفي، حيث قام ببعض أعماله الأكثر أصالةً. ونُشر كتاب أصول البراغماتية في عام 1968، بعد كتاب راسل ومور: التراث التحليلي (النتيجة لمحاضرات ويليام جيمس الّتي ألقاها في هارفارد في عام 1970)، والاحتمال والبرهان (محاضرات ديوي الّتي ألقيت في جامعة كولومبيا في عام 1970). وجاء بعد ذلك بوقت قصير، راسل، وهو كتاب ورقي صغير، وكتاب المسائل المركزية للفلسفة (1973، أُعطي في الأصل كمحاضرات جيفورد Gifford  في جامعة سانت أندروز)، حيث تحدث عن الواقعية المتطورة التي طُرحت لأول مرة في كتاب أصول البراغماتية. وزار كندا في مناسبتين، حيث ألقى محاضرات جيلبرت رايل Gilbert Ryle  في جامعة ترينت (1979) نتج عنها كتابه عن هيوم ، والمحاضرات المخفية في مكماستر (1983) التي أدت إلى كتاب الحرية والأخلاق .

وبعد فترة وجيزة من الطلاق من دي ويلز، تزوج آير من فانيسا لوسون في عام 1982. قبل وقت قصير من وفاة رينيه، زوجته الأولى، (1980)، تلتها فاليري، ابنتهما، الّتي توفيت فجأة بسبب مرض هودجكين في عام 1981. كان موت فانيسا على نحو مأساوي من سرطان الكبد في عام 1985، وتركت آير منكوباً بالحزن. كان هو نفسه في مواجهة قريبة مع الموت، حيث مات “تقنيًا” لبضع دقائق بعد الاختناق من قطعة من سمك السلمون المدخن. وأبلغ عند إحياءه، عن تجربته بينما كان “ميتًا” بطريقة تقدم العلف لأولئك الّذين ظنوا أنَّ الملحد الشهير قد ارتد ووجد الله. تحرك بسرعة لتبديد هذه الشائعات. و أصبح في ذلك الوقت شيئاً ما، رجلاً عظيماً قديماً، مع نشر مجلدات على شرفه، ودراسة نقدية طويلة من قبل جون فوستر في سلسلة رولتاج Routledge  المرموقة “حجج من الفلاسفة”. وقضى معظم العامين المتبقيين في الرد على المقالات الّتي كانت تظهر في مجلد آير في سلسلة مكتبة الفلاسفة الأحياء، الّذي حرره هاهن L.E. Hahn. وتزوج من جديد دي ويلز، ولكن بعد فترة ليست طويلة تمَّ نقل آير إلى المستشفى مصاباً بسرطان الرئة المنهار في أوائل صيف عام 1989 وتوفي في 27 حزيران.

كتب آير سيرتين شخصيتين، جزء من حياتي، وأكثر من حياتي. تضمنت دائرة أصدقائه العديد من الأشخاص المشهورين والمؤثرين. وما يلي (في أي ترتيب معين) ليست سوى قائمة مختصرة. سيريل كونولي، غراهام جرين، جورج أورويل، أي كامينغز وزوجته ماريان، ماير شابيرو، آرثر كويستلر، برتراند راسل، ستيفن سبندر، أودين، فيليب توينبي، أزيا برلين، هيو غايتسكيل، روي جينكينز، مايكل فوت ريتشارد كروسمان، جوناثان ميلر، أنجوس ويلسون، آلان بينيت، أليس توماس إليز، جوان فونتان، إيريس مردوخ، بريتخيت، وكريستوفر هيتشنز. اعتقد، ربما حقاً، أنَّ شخصية جورج مور في لعبة توم ستوبارد النطاط كانت أنموذجاً عنه. كان آير رجلاً مغروراً، وكان غروره جزءاً من سحره الكبير. لقد ميّز بين الغرور والأنانية. فقال: إنَّ الأناني يعتقد أنَّه ينبغي أن يكون لديه المزيد من الميداليات، في حين أنَّ الشخص المغرور كان يستمتع بالتباهي بالميداليات الّتي حصل عليها. وكان من بين العديد من “الميداليات” الّتي قدمت لـآير فروسيته، وزميل الأكاديمية البريطانية، وعضو فخري في الأكاديمية الأمريكية للآداب والعلوم، وعضو في نقابة البلغارية سيريل وميثوديوس، الصف الأول، وفارس لجوقة الشرف.

 

2. المعنى والصدق

2.1 المعنى

وضِع الأساس التجريبي لموقف آير في المعنى أولاً في قراءته لـهيوم. والاعتقاد أنَّه ما من فكرة لها أيّ دلالة تجريبية ما لم تكن مرتبطة بشكلٍ مناسب بانطباع ثابت معها، تعزز من خلال قراءته لكتاب الرسالة لـفتغنشتاين ومن خلال الوقت الذي أمضاه في فيينا مع الوضعية المنطقية. وكانت أول صياغة لمعيار المعنى، مبدأ التحقق، في الطبعة الأولى من كتابLTL  عام 1936، حيث ادعى أنَّ جميع القضايا كانت تحليلية (صادقة بفضل معناها) أو غير ذلك إما يمكن التحقق منها بقوة أو يمكن التحقق منها بشكل ضعيف. ويتطلب التحقق القوي أن يكون صدق القضية مؤكداً بشكل قاطع؛ ويتطلب التحقق الضعيف فقط أن تكون عبارة الملاحظة قابلة للاستنتاج من القضية إلى جانب القضايا الأخرى المساعدة، بشرط ألا تكون العبارة الملاحظة قابلة للاستنتاج من تلك المساعدة وحدها. وأثبت هذا بسرعة عيباً: أي قضية P  مقترنة بـ “إذا كانت P  إذن O ” ، حيث “O” عبارة ملاحظة، ستنتج عن O، دون أن يتم استنتاج هذه من “إذا كان P  إذن O‘ وحدها. لذا عدّل آير في الطبعة الثانية، المبدأ ليصبح نصه: يمكن التحقق من العبارة مباشرة إذا كانت إما عبارة ملاحظة أو إذا كانت عبارة ملاحظة قابلة للاشتقاق بالاقتران مع عبارة ملاحظة أخرى (أو عبارات ملاحظة)، وقابلية الاشتقاق هذه تكون غير ممكنة من عبارة ملاحظة مقترنة لوحدها. وتكون العبارة قابلة للتحقق بشكل غير مباشر إذا كانت، أولا، بالاقتران مع بعض المقدمات الأخرى، تستلزم عبارة واحدة أو أكثر من العبارات القابلة للتحقق منها والّتي لا يمكن اشتقاقها من هذه المقدمات الأخرى وحدها، وثانياً، أنَّ هذه المقدمات الأخرى “لا تتضمن أيّ عبارة لا تكون إما تحليلياً، أو يمكن التحقق منها مباشرةً، أو يمكن تأسيسها بشكلٍ مستقل على أنَّها قابل للتحقق بشكلٍ غير مباشر. (LTL 2nd ed. P. 17).

وأثار هذا المبدأ مزيداً من الانتقادات، وأبرزها من كنيسة ألونزو (1949)، الّتي ادعت أنَّها أظهرت مرة أخرى، أنَّها سمحت لأيّ عبارة بأنْ تكون ذي معنى. وبأخذ O1  و O2  وO3  كعبارات ملاحظة مستقلة منطقياً، و S  أي عبارة أياً كانت. فإنَّ (1) (¬O1&O2) v (O3&¬S) يمكن التحقق منها مباشرة، لأنَّ (1) بالاقتران مع O1  تستلزم O3 . وتصبح S  قابلة للتحقق بشكلٍ غير مباشر، حيث تنتج O2  من S  و (1)، و(1) يمكن التحقق منها مباشرة. وإذا كان ينبغي أن تنتج  O2 من (1) وحدها، فإنَّO2  تنتج من O3 & ¬ S، مما يعني أنَّ ¬ S  يمكن التحقق منها مباشرة (O2 و O3 و¬ S  مستقلتان منطقياً).

وعلى الرغم من فشل هذه المحاولات في توفير معيار تجريبي صارم للمعنى، استمر آير في الإبقاء على وجود علاقة وثيقة بين البرهان والمعنى، معتبراً أنَّ هناك حاجة إلى تفسير مُرض للتأييد قبل أن يكون من الممكن توفير المعيار المقاوم لوهم المعنى التجريبي. وبالنظر إلى الشكوك اللاحقة بشأن ما إذا كانت أيُّ نظرية تأييد يمكن أن توفر أساساً لنظرية المعنى (الشكوك الكواينية المتعلقة باستحالة استبعاد أيّ وقائع تؤثر كإمكانية على صدق أي جملة)، لا يزال من غير الواضح كيف يمكن تقييد برهان – المعنى. (لمراجعة الهجمات الأخرى على مبدأ التحقق والتعديلات عليه، أنظر: (Wright 1986, 1989.)

وإضافة إلى الصعوبات التقنية المحيطة بالصياغة الصحيحة لمعيار المعنى، أقرّ آير لاحقاً أنّه كان غامضاً بشأن ما إذا كان المعيار يقصد به المعنى “الضعيف” أو “القوي”: إذا كان ضعيفاً ميّز قابلية التحقق المعنى عن اللامعنى ليس إلا، في حين قصدت النسخة القوية أنَّ منهج التحقق وفّر معنى الجملة. لقد كانت النسخة القوية الَّتي استخدمت في مناقشته لمعنى الجمل عن الأسباب الماضية والأخرى، ولكن في مناقشته الأخيرة ظهرت صعوبة أخرى، ولم يتم توضيح ما إذا كان المقصود من “منهج التحقق” أن يكون محايد بين الأشخاص الذين يستخدمون الجمل المعنية، ويوفر بالتالي معنى قياسي لهذه الجمل، أو إذا كان هذا المنهج يمكن أن يوفر معنى خصوصياً لاستخدام الفرد للجملة، يكون منهج التحقق غريباً لذلك الشخص. اتخذ آير في مناقشته للتجارب العقلية، المسار الثاني ضمنياً، وهكذا أعطي للجمل الّتي نسبت مثل هذه التجارب له هو ذاته تحليلاً “عقليًا”، وأُعطي تحليلاً سلوكياً لهؤلاء الّذين ينسبون التجارب إلى الآخرين (انظر مقدمة الطبعة الثانية من LTL. وفي الوقت نفسه، فسر على أيّ حال إسناد الآخرين للخبرة عقلياً، وكما اعترف لاحقًا، عندما تكون متسقة مع هذه ينبغي أيضاً تقديم تحليل سلوكي (أنظر المناقشة بين برنارد وليامز Bernard Williams  وآير في ماكدونالد 1979).

تطلب التفسير القوي للمعيار اتخاذ بعض القرارات بشأن البرهان، تسهم في معنى الجمل القابلة للتحقق. وكان من الواضح بالنسبة لـآير، أنَّه لم يتم إدراج كل البراهين على العبارة في معنى العبارة: لم تكن العبارة المتعلقة بالدم على سترة جاك متضمنة في معنى التأكيد على أنَّ جاك كان القاتل. وعلاوة على ذلك، على الرغم من توفر البرهان الحالي فقط لأي شخص يدلي بعبارة حول الماضي، فإنَّ معنى هذه العبارة لا يقتصر على مثل هذا البرهان الحالي؛ يميل المرء إلى أن يدرج في المعنى برهاناً يكون متاحاً إذا كان الفرد قادراً على نقل نفسه إلى ذلك الزمن الماضي. ومن وجهة نظر آير كانت العبارات الأخلاقية غير قابلة للتحقق، وبالتالي لا يمكن تفسيرها على أنَّها تأكيدات للواقع، ويتم تفسيرها بدلاً من ذلك على أنَّها تعبيرات عن المشاعر. وتُدرس هذه ثانية في القسم7.

إنَّ الفئة الوحيدة من العبارات الَّتي سمح آير أن يكون لها مغزى من دون هذا الارتباط بالبرهان هي تلك المؤلفة من تكرارات الكلام، والّتي تضمنت جميع القضايا التحليلية. وكانت هذه القضايا هي الوحيدة المعروفة مسبقًا، حيث يعتمد معناها على كيفية استخدام اللغة، وعلى الاتفاقيات الّتي تحكم هذا الاستخدام. وأصر آير على أنَّ الضرورة الملحقة بهذه القضايا يتم اتاحتها فقط بمجرد أن تصبح الاتفاقيات الَّتي تنظم استخدام اللغة قيد التنفيذ.

 

2.2 الصدق

طرح آير في كتاب LTL ، متّبعاً رامزيRamsey  (كما اعتقد، ولكن انظر فيلد Field 1986  للحصول على وجهة نظر معارضة)، وجهة نظر مسهبة (انكماشية) عن الصدق: “… في جميع الجمل في الصيغة “P هي صادقة”، العبارة “هي صادقة” لا لزوم لها منطقيا” (LTL p. 117) وظيفة مثل هذه العبارة هي ببساطة لتقديم التأكيد (أو الإنكار، في حالة “الكذب”)؛ لذلك لا توجد علاقة “حقيقية” بالصدق، وبالتالي لا توجد مشكلة بالصدق بالنسبة للفلاسفة يقلقوا بشأنها. وبالمثل، عندما نقول: إنَّ هناك قضية محتملة، أو ربما صادقة، فإنَّنا لا نحدد أيّ خاصية داخلية للقضية، ولا نقول: إنَّ هناك أيّ علاقة لها بأي قضية أخرى. ونحن ببساطة نعرِب عن ثقتنا في هذه القضية، أو بشكل أكثر دقة، تعبّر عن درجة الثقة الّتي من المنطقي امتلاكها في القضية. ودُعم هذا الموقف الانكماشي للصدق من خلال مذهبه في قابلية التحقق من المعنى. ولم يكن على آير توفير شروط الصدق لمعنى الجمل.  فالتأكيدات كانت لها معنى بحكم شروط التحقق الخاصة بها، وعُرّفت القضايا على أنَّها فئة مرادفة لجمل لها نفس شروط التحقق.

إنَّ الانكماشية المتعلقة بالصدق تحل محل الاهتمام بنظرية جوهرية عن الصدق مع الاهتمام المتعلق بالجمل أو الألفاظ الّتي تعتبر مرتبطة بالصدق. أنكر آير أنَّ الأقوال الأخلاقية كانت مرتبطة بالصدق، وبعد أن اعتقد أنَّ التأكيد على أنَّ p  كانت مرادفة لقول: إنَّ p  كانت صادقة، كان عليه أن ينكر أنَّ الأقوال الأخلاقية يمكن أن تكون تأكيدات (انظر القسم 7). انظر المدخل على نظرية الصدق الانكماشية لمزيد من المناقشة.

 

3. الإدراك الحسي

تبنّى آير في كتابه المبكر حول الإدراك الحسي، شكلاً صارماً من الظاهراتية، مدافعاً عن الرأي القائل: إنَّ العبارات المتعلقة بالموضوعات المادية يمكن ترجمتها إلى عبارات تتعلق بـ “محتويات الحس” الفعلية والمحتملة. وكانت هذه العبارات الأخيرة أدوات التحقق النهائية؛ الَّتي شكّلت الأساس الّذي بُني عليه عالمنا التجريبي. وعلى الرغم من أنَّه تخلى لاحقاً عن الردّية الملازمة لمطلب الترجمة (بدءاً من “الظاهراتية” في عام 1947)، معتقداً أنَّه كان مخطئاً في التفكير أنَّ أيّ عبارة تتعلق بـموضوع مادي يمكن أن تلزم عن مجموعة من العبارات المتعلقة بالخبرة الحسية (معطيات -الحس)، واصل آير التمسك بأنَّ مزاعمنا المتعلقة بأجسام مادية كانت مبررة بالرجوع إلى هذه الخبرة الحسية. وعارض باستمرار الرأي الّذي تبناه رودولف كارناب، وأوتو نيوراث، وكارل بوبر، أنَّ المبررات الوحيدة كانت جمل، سواء كانت “بروتوكولات” نيوراث أو العبارات الأساسية عند “بوبر”. وكان انتقاده لمثل هذه الآراء أنَّه لا يمكن انتقاء فئة من العبارات المفضلة بالطريقة الصحيحة من دون اللجوء إلى الخبرة ذات العلاقة الوثيقة. لذلك فإنَّ معياراً لعضوية فئة العبارات المفضلة الَّتي تطلبت فقط تلك العبارات المقبولة من قبل العلماء في ذلك الوقت ليكونوا أعضاء في فئة لن ينجح من دون معرفة الجمل المقبولة بتلك، وقال آير: يمكن معرفتها فقط عن طريق الخبرة. والبديل لاستخدام جملة أخرى، يصرح المرء إنَّ هذه(p,q,r, …)  الجمل في الفئة ذات العلاقة الوثيقة (تلك المقبولة من قبل العلماء)، من شأنها أن تجعل أسس العلم تعسفية بالكامل.

ووفقاً لرؤية آير اللاحقة أيضاً، والتي تسمى “الواقعية المتطورة”(in Ayer 1973)، حيث كان إدراكنا للموضوعات المادية غير مباشر، فإنَّ الأسس النهائية لأحكام الإدراك الحسي كانت معطيات – الحس، والّتي تسمى اليوم “النوعية” (أو، إذا كانت مخصصة، “التعاليم”).  وكان هذا التزام مستمر بمعطيات الحس كموضوعات للإدراك الحسي الّذي أثاره نقد أوستن (الساخر في كثير من الأحيان) للحس والعقل (1962). وشكّلت النوعية من وجهة نظر آير الأنماط الّتي تؤلف نظاماً أساسياً، وعلى أساس هذا النظام افترضنا وجود موضوعات مادية، وهذا هو النظام الثانوي “النظري”. وبمجرد أنْ نمتلك هذه النظرية، يمكننا إعادة تفسير المعنى كحالات ذهنية ونقول: إنَّها ناتجة عن الموضوعات المادية. ولا يستوجب هذا الادعاء السببي إلا عندما يكون النظام النظري في مكانه، وبالتالي لا يمكن أن يكون عنصراً أولياً في أيّ تفسير للإدراك. وتتطلب الموضوعات المادية قبل أيّ فرضية سببية تنطوي عليها أن يكون هناك إحساس.

كان جزءاً، بل جزءاً فقط من تفسير آير لتبني مثل هذه الواقعية غير المباشرة هو ما سُمي بالحجة من الوهم، والفكرة الأساسية الّتي تتمثل في ذلك، بالنسبة لأيّ حالة إدراكية لنا، يمكن أن نكون في حالة غير قابلة للتمييز عنها لكنها لا تنطوي على إدراك لأي موضوع مادي أو مشهد ما، ومن الوهم أن يكون هناك أيّ موضوع أو مشهد يمكن تصوره. أي أنَّ الإدراكات الحسية غير الحقيقية يمكن تشترك بخصائصها الجوهرية مع تصورات حقيقية، ويقود هذا الاحتمال آير إلى ادعاء أنَّه من المعقول أن يكون موضوع الإدراك الحسي في كلتا الحالتين خبرة (غير مادية)، وليس كما كان بالواقعية الساذجة، موضوعات مادية بحد ذاتها. ونتيجة لذلك، فإنَّ الأحكام الإدراكية العادية، وأولئك الذين يتحدثون عن هذه الموضوعات، يبتعدون عما هو “متاح بدقة” في خبرتنا الإدراكية، وبالتالي فهم يشكلون نظرية حول ما هو متاح للإدراك الحسي.

وهناك العديد من الطرق للاستفسار عن استنتاج آير. حيث هاجم أوستن الطريقة الّتي رأى فيها امتداد الحجة من الوهم. وتساءل عن كل شيء فيها: التمييز بين الإدراك الواقعي وغير الواقعي، والتعميم المفترض من “بعض الخبرات الإدراكية (الواقعية) غير القابلة للتمييز عن أيّ مظهر إدراكي (مجرد) إلى” كل هذه الإدراكات غير قابلة للتمييز عن مظاهرها المناظرة. والافتراض أنَّه عندما يكون لدينا إدراكات خاطئة، هناك موضوعات غير مادية لتلك الإدراكات، ومعطيات الحس.

وقال ستروسون (1979): إنَّ النظام الأساسي؛ الّذي لا يرمي إلى أكثر من وصف ما كان “متاحاً بشكل صارم” للإدراك، لا يمكن وصفه إلا باستخدام مفاهيم متاحة لأولئك المطلعين بالفعل على النظام الثانوي. وقال نتيجة لذلك: إنَّ النظام الثانوي المتجسد في أحكام إدراكية عادية لا يمكن أن تكوّن نظرية فيما يتعلق بالنظام الأساسي كان المعطيات – يجب أن تكون المعطيات قابلة للوصف بعبارات لا تفترض سلفاً النظرية ذاتها الّتي هي المعطيات. ومع ذلك قال: رغم أنّه من الصعب بالنسبة لنا، من الممكن تجريدنا من المفردات الّتي تصف خبرتنا بمفاهيم النظام الثانوي هذه، وسيكون مثل هذا الجهد من جانبنا غير عادي، ولا يشبه بالمطلق ما هو متضمن في أحكامنا الإدراكية للحس المشترك، تلك الّتي يفترض آير أن تكون نتيجة لبعض النظريات من جانبنا. وبالنسبة إلى ستروسون، يكون التزامنا بمخطط مفاهيمي للخاصية الواقعية “شيء معطى من خلال المعطى” (Strawson 1979, p. 47).

ولم يتأثر آير بالاعتراضات. وأجاب على هجوم أوستن في كتابه “هل دحض أوستن نظرية معطيات الحس” (Ayer 1967)، حيث دافع آير عن جدوى التمييز بين الإدراك الواقعي وغير الواقعي، وأكد أنَّ الحجة من الوهم كانت مصدراً واحداً فقط للقضية المتعلقة بمعطيات الحس. (للاطلاع على مناقشة متعمقة للنزاع بين أوستن وآير، انظر مايك ثاو، “ما هو الوحل” 2004). وأشار ضد ستروسون (“Replies” 1979)  إلى وجود اتفاق كبير بينهما: اتفق كلاهما على وجه الخصوص على أنَّ الأحكام الإدراكية تحتوي على آثار تتجاوز تلك الّتي يحملها التفسير “الصارم” لخبرتنا المحسوسة. وكان الخلاف بالأساس حول ما إذا كانت الأحكام الإدراكية تستند إلى الوعي بالمعطيات الحسية أو تم استنتاجها منها. وأقر آير بأن هذا الاستنتاج سيكون ضمنياً فقط. والنقطة المتعلقة باللغة الّتي اعترف بها أيضاً، هي الحفاظ فقط على أنَّ الافتراضات مبنية غالباً على مفاهيم وصفية للموضوعات المادية -إمكانية وصول هذه الموضوعات إلى الملاحظين الآخرين، والذين يتبعون وجود غير ملاحظ، وما إلى ذلك، ولم يكن مازحاً عند استخدام هذه المفاهيم لتوفير تفسير “صارم” للخبرة الإدراكية.

 

4. الاستقراء والاحتمال

كان هيوم شخصية مؤثرة في تشكيل وجهات نظر آير الفلسفية، لذلك فليس من المستغرب أنْ تجد نهج آير في الاستدلال الاستقرائي على غرار هيوم. عرّف آير الاستدلال الاستقرائي بعبارات سلبية، على أنَّه يشمل جميع الاستدلالات الواقعية الّتي لم تستلزم فيها المقدمات النتيجة. وادعى أير أنَّ كل هذه الاستدلالات، افترضت توحيد الطبيعة، وهو افتراض وضعه من حيث افتراض أنَّ المستقبل، من النواحي ذات العلاقة الوثيقة، يشبه الماضي (1956,p.72). ولتغطية حالات الغموض بشكل لا لبس فيه، يوضع الافتراض على نحو أفضل من حيث التشبيه غير الملاحظ جوانب ذات علاقة وثيقة بالمُلاحظة. واتفق آير مع هيوم على أنَّ الاعتماد على أيّ “مبدأ” لتوحيد الطبيعة لن يساعد في تبرير الاستدلال الاستقرائي، نظراً إلى أنَّ هذا المبدأ في حد ذاته لم يكن واضحاً. وتنطبق حجة مماثلة على أيّ مبادئ أخرى قد يُعتقد أنَّها توفر المكون المفقود، مثل مناشدة السببية الشاملة، أو قوانين الطبيعة. ولم تكن هذه أيضاً صادقة بشكلٍ واضح، لذا تطلبت تبريراً بحد ذاتها، وأيّ مناشدة لهذه المبادئ في مثل هذا التبرير ستكون دائرية بشكل فاسد.

وتكمن المشكلة الأساسية هنا في أنَّه لا يمكن سد الفجوة الاستقرائية إلا إذا كان من الممكن أن تستلزم المقدمات بطريقة ما نتيجتها، ونفى آير إمكانية القيام بذلك. وحاولت الواقعية الساذجة القيام بذلك عن طريق جعل البرهان “يصعد” إلى النتيجة – بتقديمها القضية الّتي تقول: إنَّه في إدراك برهاننا كانت الموضوعات المادية مباشرة، وليست معطيات حس استُنتجت منها موضوعات مادية. ويمكن أن تعمل هذه، وإن كانت تعمل فذلك بسب الإدراك فقط، وليس بسبب الاستدلالات الاستقرائية الأخرى. وتحاول الردية أن تسد الفجوة بجعل النتيجة “تصعد” إلى المقدمات، كما في الظاهراتية. ويعتقد آير الآن أنَّ الظاهراتية كانت غير ناجحة في هذه المحاولة، ومرة ​​أخرى لن تعمل الردية لأجل القضايا المستقبلية. واعتقد آير عام 1956 أنَّ أفضل ما أمكننا فعله كان الاعتراف بالفجوة وكون المحتوى يصف الطرق الّتي جلنا فيها بالفعل بتبرير هذه الاستدلالات.

واصل آير في العمل اللاحق دراسة مشكلة الاستقراء بمزيد من التفصيل، خاصة فيما يتعلق بمحاولات تذليل المشكلة من خلال الاستناد إلى مفاهيم الاحتمال. وفي عام 1957، كتب آير مقالةً مهمة تهاجم فكرة أنَّ المفهوم المنطقي للاحتمال يمكن أن يكون دليلاً مفيداً للمستقبل. وبالنظر إلى القضية، a ، الّتي تقول: الحصان ينبغي أن يفوز في السباق، ومصادر متنوعة للبرهان، h1, h2, h3hn، يمكن للمرء أنْ يقدر احتمال  a تعطي h1  لتكون p1، وتعطي h2 لتكون p2  وهلم جرا. ويمكن للمرء أيضاً تقدير احتمال a تعطي كل منh1hn   وتسمية هذا الاحتمال pn، على أن يكون احتمال a يعطي كل برهان متاح لشخص يرغب في وضع الرهان على الحصان. ويسأل آير: أيّ من هذه الاحتمالات ستكون منطقية لهذا الشخص ليؤسس عليها رهاناته؟ ويفرض الحس المشترك أنَّ pn  هو أفضل تقييم، لكن آير يقول: إنَّه وفقاً للمفهوم المنطقي للاحتمال، كل التقييمات p1 … pn صادقة منطقياً، وبالتالي فمن المستحيل أن يُخص بالذكر واحد على أنَّه “أفضل” من كل الآخرين.

يشير آير إلى ذلك الحس المشترك (وكارناب) ويقول: إنَّ الاحتمال القائم على البرهان “الكلي” هو المطلوب. ولكن لماذا يتعين علينا أن نأخذ بالاعتبار البرهان الكلي؟ بالنظر إلى أنَّ جميع التقييمات المختلفة صادقة منطقياً، فلا حرج في الاعتماد على تقييم بدلاً من الآخر. والقول: إنَّه إذا ما أخذ المرء في الحسبان جميع البراهين المتاحة، فمن المرجح أنْ يكون الشخص على صواب يعادل القول: إنَّ الفرضية الّتي تقول: “أولئك الذين لديهم برهان كلي” أكثر صواباً في كثير من الأحيان لها احتمال معين، وهذا لا يدفعنا إلى الأمام. وأخذ آير هذه النتيجة كسبب لرفض التفسير المنطقي لعبارات الاحتمال، وهو رفض يتكرر في تعامله الموسع للاحتمال في كتاب الاحتمال والبرهان عام 1972، ومرة ​​أخرى في رده على محاولة ماكي J.L. Mackie  لدحض اعتراضاته (see Mackie 1979, Ayer 1979)

انتقد آير أيضاً في كتاب الاحتمال والبرهان التفسير المتكرر للاحتمال، مشيراً إلى أنَّه في ظل هذا التفسير، سيتغير احتمال وقوع حدث مع أي تغيير في القضية المرجعية الّتي تم تخصيص هذا الحدث لها. ولا يمكن للتفسير المتكرر نفسه تحديد ما إذا كان اختيار قضية مرجعية واحدة على أخرى هو الأفضل لتحديد الاحتمال ذي العلاقة الوثيقة، ويعاني من خلل حاسم إذا كان له أي فائدة في حل المشكلات المرتبطة بالاستدلال الاستقرائي. (لمزيد من النقاش حول وجهات نظر آير عن الاحتمال والاستقراء، أنظر: (Bela Juhos 1969, and Foster 1985, pp.198–227.)

 

5. المعرفة

دافع آير في “مشكلة المعرفة”(1956)، عن تفسير للمعرفة مستنداً إلى سياق كان له مكوناته الأساسية يفيد أنَّ بعضهم يقول: إنَّ، p، الّتي عُدت كمعرفة بالنسبة للشخص، A، و iff p  كانت صادقة، و A كانت تؤكد أنَّ p ، وA كانت في السياق ذي العلاقة الوثيقة، “الصواب يكون مؤكداً” حول صدق P . ويظهر العنصر السياقي في المناقشة بعد أن يحدد آير ما هو مطلوب للحصول على “صواب يكون مؤكد” في القضية الرياضية. ويكمن السبيل الوحيد للمعرفة في هذه القضية في قدرة الوسيط على تقديم دليل على الافتراض ذي العلاقة الوثيقة. ومن الواضح أنَّه في قضية الإدراك، أو الذاكرة، من المستحيل امتلاك هذا الإثبات، لذلك يتطلب الأمر معياراً أكثر انفراجاً. ووينبغي من أجل تصريح بشكل عام بمدى قوة متطلبات الدعم أن يكون المؤمن على صواب في التأكد من أنَّ إيمانه الصحيح ليس محتملاً؛ وسيتطلب القيام بذلك إعداد قائمة بالشروط ” الّتي يكون في ظلها الإدراك أو الذاكرة أو الدليل أو غيرها من أشكال البرهان ممكنناً.”(1956, p. 32.)  واعتقد آير أن هذه ستكون مهمة معقدة للغاية، إذا كانت ممكنة بالمطلق. فالمعيار “الصحيح” المحدد لمزاعم متعلقة بالمعرفة يتم تقريره بشكل براغماتي على أساس الملاءمة العملية. وكان ينبغي مقاومة حيلة المشككين في تحديد معيار مستحيل، ومعيار يتطلب استحالة الخطأ؛ لأنه من حق المرء أن يتأكد أيضاً أين يمكن أن يكون الخطأ.

وكان القصد من التفسير المقدم هو تحليل المعرفة، لكن آير لم يشترط بوضوح أن يكون المؤمنون على دراية بالطريقة الّتي يكونوا فيها على صواب في التأكد. وسُمح بإمكانية القول: إنَّ الشخص الّذي تنبأ بشكل صحيح بنتيجة اليانصيب يعرف أنَّ تنبؤه كان صحيحاً، رغم أنَّهم لا هم ولا أي شخص آخر، لديهم أيّ فكرة عن الطريقة الّتي أصبحت بها التنبؤات موثوقة. واعترف آير أنَّ هذه القضية، وغيرها من القضايا المماثلة، قد تسبب بعض النزاع: لم يتم تغليفها بشكل واضح بمعنى مصطلح “المعرفة”، وبالتالي فسحت المجال لحكم ما.

تعرض التحليل المحدد لـآير أو أحد التحليلات المشابهة له، للهجوم في مقال شهير أعده غيتير(1963) ، والذي يكفي فيه بنود ثلاثة (صدقp ، والإيمان بـ p ، والصواب في التأكد من أنَّ p ) عقدت لتكون غير كافية للمعرفة. وتفترض حجة غيتير أنَّ شخص ما،A ، تمكن من تبرير الاعتقاد بقضية كاذبة، وأنَّه إذا كانت A تبرر الاعتقاد بـ P و q تكون قابلة للاستنباط من P ، و Aقبلت q باستنباطها من p، فإنَّ A  ستبرر الاعتقاد بـq . المثال المستخدم من قبل غيتير له البنية التالية:(1) جونز يملك فورد. (2) جونز إما يملك فورد او براون في بوسطن. يعتقد سميث، ولديه برهان وافر بـ، (1). ويستنتج (2) من (1)، وهكذا يبرر الإيمان بـ(2)، على الرغم من أنَّه ليس لديه في الواقع فكرة عن مكان براون. واتضح أنَّ (1) كاذبة، ولكن (2) صادقة – دون علم سميث، أنَّ براون موجودة بالفعل في بوسطن. وخلص غيتير إلى أنَّه في هذه القضية تكون جميع البنود الثلاثة لتحليل المعرفة مقنعة، لكن كان ينبغي أن نحكم في هذه القضية على أنَّ سميث لم يكن يعرف (2). وكان الاقتراح أنَّ الجملة الإضافية قد تكون ضرورية.

إنَّ الأدب الذي أنتجته الأمثلة المضادة لـ غيتير ضخم، حيث يحاول بمجمله تقريباً تحديد جملة (فقرات) بعيدة المنال. ولا يعتقد آير نفسه أن هناك ضرورة لهذه الجمل الإضافية. واعتقد أنَّ الأمثلة المضادة، أظهرت أنَّ ما هو ضروري كان تفسير أكثر دقة لما يتألف منه “التبرير”. وشكك في ادعاء غيتير بأنَّ أي استنباط من قضية مبررة، ولكنها كاذبة، يحافظ على التبرير. وقال: عرفنا بالفعل أنَّه من الصعب للغاية توضيح فكرة وجود برهان على الزعم؛ ونجحت مفارقات كارل همبل في إظهار ذلك. وبمجرد أن نتمكن من إلقاء مزيد من الضوء على علاقة التبرير، سنرى أنَّ تحليله المقترح كان كافياً للمعرفة.

 

6. الضرورة، السببية، والحرية

لقد رأينا أنَّ آير في كتابLTL   أكّد أنَّ كل الحقائق الضرورية كانت صادقة في ظل معاني المصطلحات المستخدمة في التعبير عنها، ويعتمد هذا بدوره على الاتفاقيات الّتي تحكم استخدام تلك المصطلحات. ويمكن للمرء أن يرى في التعبير عن هذه النظرة المبكرة القلق المتعلق بمصدر الضرورة المنطقية. ويصف ضرورة الحقائق المنطقية على أنَّها تعتمد على القواعد الّتي تحكم استخدام الثوابت المنطقية. وعلى الرغم من أنَّ هذه القواعد ليست صادقة ولا كاذبة، إلا أنَّها توضح الاستخدام “المناسب” لمثل هذه الثوابت، وهي صيغة تشير إلى أنَّ مصدر الضرورة أعمق من مجرد الاستخدامها اللغوي.

وشكل في وقت لاحق، الالتصاق (أو ربما التشبث) بـ “الضرورة كلها إملاء” نقطة انطلاقه، الّتي رفض بموجبها على نحو متواصل تأييد أيّ تكرار للضروريات. وقاوم بقوة الأصولية الّتي أصبحت عصرية بعد عمل بُتنام وكريبك في سبعينيات القرن الماضي، ولكن أسبابه للقيام بذلك لم تكن دائماً على هذا النحو. في حجته ضد الجوهر المبني على تكرار الضروريات أراد آير أنْ يقول: إنَّ “قيصر إنسان بالضرورة” غير صادقة، لأنَّه يمكن أن يطلق على كلبه اسم “قيصر”. وهنا فقدَ صوابه بإصراره (في مقدمة الطبعة الثانية من كتابLTL ) على أنَّ الحقائق الضرورية تمّ التعبير عنها في لغة أشير إلى معنى ومرجعية مصطلحاتها بالفعل، لذلك فإنَّ تغيير مرجعية “قيصر” لا علاقة له بالحقيقة الضرورية لجملة تستخدم المصطلح مع مرجعيته “العادية”.

ومما له أهمية أكبر كان شكوكه في الانتقال من إمكانية التصور إلى الاحتمال، وعدم إمكانية التصور إلى الاستحالة، معتقداً أنَّ الإجابات عن الأسئلة المتعلقة بإمكانية التصور كانت تعتمد على حالة المعرفة والقوى الخيالية للشخص الذي يتمتع بها. هل كان من غير المتصور أن يكون قيصر (جوليوس القديم) ليس إنسان؟ اعتقد آير أنَّه يتسق مع كل شيء يعرفه عن قيصر (بصرف النظر عن كونه إنساناً) أنَّ قيصر كان إنساناً آلياً، لذلك يمكنه “تصور ذلك بسهولة كإمكانية” (“Replies” p. 308) ومن ناحية أخرى، إذا سُئل عما إذا كان قيصر سلحفاة، فسوف يُشك في أنَّ كلمة “قيصر” استُخدمت هنا مع مرجعية مختلفة في العقل. ويعزز آير هذا الاعتقاد باقتراح أنَّ أوصاف تأمين المرجعية لمصطلح “قيصر” سيجعله كالمعتاد غير متسق منطقياً مع الرضا بأوصاف سلحفاة، لكن ذلك لا يبرهن على تكرار الضروريات؛ لا يتبع ذلك أنَّ القيصر المعني يرضى بالضرورة بالأوصاف المرتبطة باستخدام الاسم. وباقتراح أنَّ هناك شيئاً آخر غير الأوصاف قد يؤمن المرجعية الملائمة، مثل الأصل السببي لاستخدام المصطلح، كان آير رافضاً: “…الفكرة…الّتي تقول يمكن للمرء أن يشرح طبيعة المرجعية بالقول: إنَّ ما يجعل استخدام A ” للإشارة s مرجعية إلى الموضوع  O هو اشتقاقها السببي من الاستخدام الأصلي للشخص من s للإشارة إلى O  هو سخف واضح. وإذا كان الشخص لا يفهم ما هي عليه s للإشارة إلى O، لن يكون المرء أكثر حكمة. وإذا كان كذلك، فإن السببية التفاهة غير لازمة. (“Replies” 1979 p. 309.) 

كان رفض آير لهذا النوع من تكرار الضرورات، في الأصل، نتيجة لنهجه الإبستمولوجي في تقييمها. واعتقاده أنَّ معاني المصطلحات كانت تعتمد على أوصافها المقترنة بها، وهذه تعتمد على ما عرفناه بمرجعها، وهذه المعاني تمثلت في وجود أو عدم وجود ضرورة. لذا فإنَّ هوية المعنى في “هوزبروس هو هوزبروس”  هي الّتي تجعل هذه الجملة صادقة بالضرورة، في حين أنَّ غياب هوية المعنى يجعل “هوزبروس هو هوزبروس” صادقة بشكلٍ محتمل. ورفض فكرة أنَّ المصطلحات الطبيعية لها معناها المحدد في بنائها الداخلي على أسس تلك الكثيرة، إن لم يكن معظمهم، مستخدمو المصطلحات الطبيعية يجهلون طبيعة البُنى الداخلية ذات العلاقة الوثيقة. وفي هذه يتفق مع أولئك الذين يدركون نوع الضرورة الناشئة عن النوايا الأساسية (Chalmers 2004) أو ” A النية” (Jackson 1998)، هذه النية التي تحددها (بعض) الخصائص الظاهراتية للأنواع المشار إليها.

تنكّر آير أيضاً للضرورة السببية. ويعتقد متبعاً هيوم أنَّه يمكن رد السببية إلى الانتظام: ” c تسبب e” معادل لـ”كلما كانت c إذن e“. هذه القضية الأخيرة هي قانون للطبيعة، والّذي هو مجرد تعميم نمتلك بموجبه موقف معين. لذلك التعميمات الطارئة وقوانين الطبيعة متشابهة إلى حدٍ كبير؛ تختلف فقط من حيث أنَّنا نعتمد على الأخيرة أكثر من السابقة، ونحن مهيؤون للتعامل مع القانون كما لو كان يمتلك بعض الأنماط الأقوى، على الرغم من أنَّه في الحقيقة ليس كذلك.

جعل الافتقار لإلحاق الضرورة بالأسباب قبول آير للحرية الإنسانية يتراجع. وبعد نفى وجود أيّ ضرورة سببية، كان المجال مفتوحاً لـآير ليكون متوافقاً: الحتمية يمكن أن تكون صحيحة (كل حادثة يمكن أن يكون لها سبب)، ولكن قد يقبل المرء أن تفسح هذه مجالاً لمعرفة ما إذا كان الوسيط قد فعل خلاف ذلك، بالنظر إلى أنَّ وجود السبب لم يستلزم الحدث. قال آير: إنَّ التناقض المتعلق بالحرية لم يكن السببية، بل القيد أو الإكراه، وهو نوع “خاص” من الأسباب. لذا إذا كان من الممكن أن تحدث أفعالنا في حين لا يتم “تقييدها” بأيّ شكلٍ من الأشكال، فقد تكون الحتمية صحيحة وقد نكون أحراراً. وادعى آير أنَّها كانت كذلك ذلك أنَّ هذا الموقف كان متاحاً، لأنَّ تحمل المسؤولية الأخلاقية عن أفعالنا يتطلب ألا تكون هذه نتيجة لصدفة محضة.

كما اعترف آير أنَّ هذا يترك مشكلة: إذا كانت الحرية ممكنة لأنَّ الأسباب ليست ضرورية، فعندئذ ألست حراً على الإطلاق؟ كان رد آير بسيطاً. إنَّها فقط بعض الأسباب الّتي تحرمنا من الحرية؛ إذا كان السارق يضع مسدسا على رأسي وطلب أموالي، فقد تركني من دون بديل معقول، لذلك أنا لست مسؤول أخلاقيا عن العمل الذي قمت به. لذلك أقول: إنْ كان بإمكاني القيام بخلاف مماثل تماماً للقول: كنت سأفعل بطريقة أخرى لو كنت قد اخترت ذلك، وأنَّ عملي كان اختيارياً في الطريقة الّتي لا يوجد بها هوس، ولا أحد أجبرني على التصرف بالطريقة الّـتي قمت بها. (See “Freedom and Necessity”, 1954) يظل “حل” المشكلة غير مرضي؛ لا يوجد لدى نمط التوافق عند آير تفسير مقبول للطريقة الّتي تكون بها بعض الأسباب كافية لجعل فعلي غير حر، بينما لا يحتوي البعض الآخر على مثل هذا الوعيد. وكما يقول: جميع الأسباب الازمة على قدم المساواة – ولا واحدة منها لازم، ولا حتى كما يقول: ذلك النوع “الخاص” من الأسباب الّتي تهدد حريتنا.

 

7. الأخلاق

عُزز المذهب العاطفي الّذي تبناه آير في كتاب LTL  من خلال إيمانه بالتمييز بين الواقع والقيمة. نظراً لاعتقاده أنَّه ليس هناك وقائع أخلاقية تكون معروفة، ولا يمكن التحقق من هذه الوقائع، وبالتالي فإنَّ الألفاظ الأخلاقية ليس لها أيّ معنى إدراكي. وبالنظر إلى الارتباط بين “الحكم” الأخلاقي والدافع، والارتباط بين الدافع والشعور، كان من الطبيعي رؤية الأقوال الأخلاقية على أنَّ لها وظيفة التعبير عن مشاعرنا أو “انفعالنا”. ووجهة النظر هذه، الّتي كان آير حريصاً على الإشارة إليها، لم تكن تلك المقترنة بالذاتية، بل في الادعاء الأخلاقي الذي نصف به مشاعرنا. وهذه النظرة الأخيرة ستجعل الادعاءات الأخلاقية الصادقة- قابلة للتقييم، ونفى المذهب العاطفي الأخلاقي لـآير أنَّها قابلة للتقييم كذلك. لذلك عندما نقول: “القسوة تجاه الأطفال خطأ”، فإنَّنا نعبّر حقاً عن موقف سلبي تجاه قتل الأطفال، وعندما نقول: ” كن لطيفاً مع المسنين هو أمرٌ جيد”، فإنَّنا نعبّر عن مشاعر إيجابية تجاه هذه الأعمال اللطيفة. واعتقد في وقت لاحق أنَّ التعبير عن هذه المشاعر الإيجابية أو السلبية يحتوي أيضاً على عنصر إجباري، لذلك نشجع في مثل هذه التعبيرات الآخرين أيضاً على مشاركة هذه المشاعر والتصرف وفقاً لذلك. كما يوضح هذا المواقف المعبّر عنها تجاه فئات من الأفعال، وليس أفعال محددة.

واعتُقد من قبل بعضهم بالمذهب العاطفي ليكون برهان الخلف لنظرية التحقق من المعنى، وفي الواقع لم يكن موقف ما بعد أخلاقي مفضل بالنسبة للوضعيين الآخرين، وبعضهم فضّل مقاربة التابعي، وهكذا أمكن رؤية المذهب العاطفي على أنَّه قابل للفصل عن مذهب التحقق. وفي الواقع، صرّح آير في “المقدمة” للطبعة الثانية من كتاب LTL  أنَّ التزامه بالمذهب العاطفي سوف ينجو من أيّ زوال لمذهبه الوضعي، وبعد ذلك أصبح من الواضح أنَّه كان سبباً لاعتقاد آير أنَّ الأحكام الأخلاقية لا تنص على واقعة أنَّه تخلص ممن كان غير قابل للتحقق. (see “The Analysis of Moral Judgments” in Ayer 1954) قدم المذهب العاطفي دعماً إضافياً بفضل ستيفنسون C.L.Stevenson؛ الّذي طور أفكاره بشكل مستقل عن آير، في كتابه الأخلاق واللغة (1944). وفي العقود اللاحقة، ولِدت عائلة ما أصبح يسمى وجهات النظر “التعبيرية” فيما بعد الأخلاق، وسعت إلى توضيح الرؤية مع حساسية للمشكلات المنطقية المنبثقة عن صياغة آير.

واقتُرح (Dreier 2004) أنَّ آير واجه صعوبة خاصة في الدفاع عن هذا النوع من عدم الإدراك؛ مزيج من التأكيد على نظرية الصدق على نحوٍ متكرر مع إنكار أنَّ المزاعم الأخلاقية يمكن أن تظهر الصدق مشبوهاً. وعلى الرغم من أنَّ الرؤيتان لا يتعارضان (أنكر آير أن المزاعم الأخلاقية كانت تأكيدات، وتكرار للحقيقة المسندة الّتي عُقدت فقط للتأكيدات)، فإن التوتر بين الاثنين دال على القلق من أنَّ الادعاءات الأخلاقية لها الكثير من ميزات حقيقة- قابلة للتقييم تؤكد أنَّه على المرء أن يكون تحريفياً على نحوٍ غير مبرر في تأويلها على أنَّها غير ذات معنى. ومع ذلك يتم التعبير عنها عادةً في جمل إرشادية، تُظهر أنَّ الناس يعارضون المزاعم الأخلاقية. وهذه النقطة الأخيرة لم يرد آير عليها: الخلافات الأخلاقية كانت، كما زعم هو (وستيفنسون)، إما نزاعات حقيقية حول وقائع غير أخلاقية، أو ببساطة ليست خلافات حقيقية. (لفحص المتاعب التي يسببها الخلاف الأخلاقي للمذهب العاطفي، أنظر: Smith 1986 ) ومع ذلك، كانت هناك نقطة أخرى أكثر إثارة للقلق حول دور المصطلحات الأخلاقية في الحجج: يمكن استخدام المصطلحات الأخلاقية في الحجج الّتي يظهر فيها المصطلح الأخلاقي مشروطاً، وبالتالي ليس هناك اسهاماً في القوة التعبيرية للفظ، لذلك لا يعبّر عن أيّ مشاعر للمتكلم. ولقد تمَّ تطوير هذه النقطة الأخيرة إلى خط من التفكير (يُطلق عليه مشكلة “خوخ –فريجة) ضد التعبيرية بشكلٍ عام. وتتمثل مشكلة التعبيرية في فهم الحجج البسيطة مثل ما يلي: (1) إذا قتل جون جين، فعل شيئاً خاطئاً. (2) جون قتل جين. هكذا (3) فعل جون شيئاً خطأ. وتظهر الحجة لتكون صحيحة، وهكذا لا تنطوي على أيّ غموض، ولكن يمكن تفسير المصطلح الأخلاقي على أنَّه قوة معبّرة فقط في (3)، وليس في (1). ويبدو أنَّ التعبيرية، والمذهب العاطفي أيضاً، يقدمان مراوغة غير مبررة في الحجة.

وربما تكون هذه السمات “السطحية” للخطاب الأخلاقي، وتلك الّتي تجعله يبدو وكأنَّه ادعاءات أخلاقية، تأكيدات، وبالتالي تعبيرات عن المعتقد، وكذلك حقيقة- قابلة للتقييم، وبظهور الخلاف الأخلاقي ليكون خلافاً  أخلاقياً حقيقياً، جرّ ذلك آير لاحقاً إلى التفكير في نظرية “خطأ” ماكي للغة الأخلاقية (Mackie 1977) على أنَّها قريبة إلى الحقيقة (في آير 1984). ومالت تفاصيل المذهب العاطفي إلى الاختفاء من المشهد الفلسفي في النصف الأخير من القرن العشرين، ولكن أفكارها التوجيهية ظلت حية إلى حدٍ كبير في تعبيرية بلاكبيرن Blackburn 1984 و 1998، وجيبارد Gibbard 1990. (انظر ألثام Altham ، 1979 ، وللاطلاع على دفاع متعاطف عن هذه الأفكار التوجيهية، وشرودر Schroeder ، 2010 ، عن العلاج الشامل لتطور التعبيرية، مع إيلاء اهتمام خاص للمحاولات اللاحقة للتغلب على مشكلة خوخ –فريجه).

 


المراجع

A more complete bibliography of Ayer’s work up to 1979 can be found in Macdonald 1979, in the Secondary Literature section below.

Primary Literature: Works by Ayer

  • 1936, Language, Truth, and Logic, London: Gollancz, 2nd Edition, 1946.
  • 1940, The Foundations of Empirical Knowledge, London: Macmillan.
  • 1954, Philosophical Essays, London: Macmillan. (Essays on freedom, phenomenalism, basic propositions, utilitarianism, other minds, the past, ontology.)
  • 1957, “The conception of probability as a logical relation”, in S. Korner, ed., Observation and Interpretation in the Philosophy of Physics, New York, NY: Dover Publications.
  • 1956, The Problem of Knowledge, London: Macmillan.
  • 1963, The Concept of a Person and other Essays, London: Macmillan. (Essays on truth, privacy and private languages, laws of nature, the concept of a person, probability.)
  • 1967, “Has Austin Refuted the Sense-Datum Theory?” Synthese, 18: 117– (Reprinted in Ayer 1969).
  • 1968, The Origins of Pragmatism, London: Macmillan.
  • 1969, Metaphysics and Common Sense, London: Macmillan. (Essays on knowledge, man as a subject for science, chance, philosophy and politics, existentialism, metaphysics, and a reply to Austin on sense-data theory.)
  • 1971, Russell and Moore: The Analytical Heritage, London: Macmillan.
  • 1972a, Probability and Evidence, London: Macmillan.
  • 1972b, Bertrand Russell, London: Fontana.
  • 1973, The Central Questions of Philosophy, London: Weidenfeld.
  • 1979, “Replies”, in G. Macdonald, ed., Perception and Identity, London: Macmillan.
  • 1980, Hume, Oxford: Oxford University Press
  • 1982, Philosophy in the Twentieth Century, London: Weidenfeld.
  • 1984, Freedom and Morality and Other Essays, Oxford: Clarendon Press.
  • 1986, Ludwig Wittgenstein, London: Penguin.
  • 1977, Part of My Life, London: Collins.
  • 1984, More of My Life, London: Collins.

Secondary Literature

  • Altham, J., 1986, “The Legacy of Emotivism”, in Macdonald and Wright, 1986.
  • Austin, J.L., 1962, Sense and Sensibilia, Oxford: Clarendon Press.
  • Blackburn, S., 1984, Spreading the Word, Oxford: Clarendon Press.
  • –––, 1998, Ruling Passions, Oxford: Clarendon Press.
  • Chalmers, D., 2004, “Epistemic Two-Dimensional Semantics” in Philosophical Studies, 118 (1–2): 153–
  • Church, A., 1949, “Review of Language, Truth, and Logic”, Journal of Symbolic Logic, 14: 52–
  • Dreier, James, 2004, “Meta-ethics and the problem of Creeping Minimalism”, in Hawthorne 2004.
  • Foster J., 1985, J. Ayer, London: Routledge.
  • Gettier, E.L., 1963, “Is Justified True Belief Knowledge?” in Analysis, 23 (6): 121-123.
  • Gibbard, A., 1990, Wise Choices, Apt Feelings, Oxford: Clarendon Press.
  • Griffiths, A.P., 1991, J. Ayer Memorial Essays, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Hahn, L.E., 1992, The Philosophy of A.J. Ayer, Open Court.
  • Hanfling, O., 1999, Ayer, London: Routledge.
  • Hawthorne, John, ed., 2004, Ethics, Volume 18, Philosophical Perspectives series, Oxford, Malden, MA: Blackwell.
  • Honderich, T., 1991, Essays on A.J. Ayer, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Jackson, F., 1998, From Metaphysics to Ethics, Oxford: Oxford University Press.
  • Juhos, B., 1969, “Logical and Empirical Probabllity”, Logique et Analyse, XII (47): 277–
  • Lewis, D.K., 1988, “Statements Partly About Observation”, Philosophical Papers 17: 1–
  • Macdonald, G.F., 1979, Perception and Identity, London: Macmillan.
  • Macdonald, Graham. and Wright, C., 1986, Fact, Science, and Morality, Oxford: Blackwell.
  • Mackie, J.L., 1977, Ethics: Inventing Right and Wrong, Harmondsworth: Penguin.
  • Martin, R., 2000, On Ayer Wadsworth Publishing Co.
  • Rogers, Ben, 1999, J. Ayer: A Life, London: Chatto & Windus.
  • Schroeder, M., 2010, Noncognitivism in Ethics, London: Routledge.
  • Smith, M., 1986, “Should We Believe in Emotivism”, in Macdonald and Wright, 1986.
  • Stevenson, C.L., 1944, Ethics and Language, New Haven, Conn.: Yale University Press.
  • Thau, M., 2004, “What is Disjunctivism?” in Philosophical Studies, 120: 193–
  • Wilks, C., 2002, Emotion, Truth and Meaning, Kluwer Academic Publishers: Dordrecht.
  • Williams, B., 1979, “Another Time, Another Place, Another Person”, in Macdonald (ed.) 1979, pp. 252–
  • Wright, C., 1986, “Scientific Realism, Observation, and the Verification Principle”, in Macdonald and Wright, 1986.
  • –––, 1989, “The Verification Principle: Another Puncture – Another Patch”, Mind, 98: 611–

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مقالات ذات صلة

atheism and agnosticism | cognitivism vs. non-cognitivism, moral | evidence | Hume, David | identity: of indiscernibles | moral anti-realism | sense-data | Vienna Circle

 


[1] Macdonald, Graham and Krishna, Nakul, “Alfred Jules Ayer”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2018 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2018/entries/ayer/>.

error: