عودة إلى الامبراطورية [مقدمة الكتاب] – جينيفر بيتس / ترجمة: أثير الوابل

عودة إلى الامبراطورية [مقدمة الكتاب] – جينيفر بيتس / ترجمة: أثير الوابل

IMG_1428عودة إلى الامبراطورية

جينيفر بيتس  | ترجمة: أثير الوابل


الفصل الأول : المقدمة

     في نهايات القرن الثامن عشر واجه الاستعمار والحكم الامبرياليان الأوروبيان تحدياً نقدياً صعباً بدأه العديد من أكثر المفكرين ابداعاً منهم آدم سميث و بينتام و بيرك و كانت و ديديرو و كوندوركت الذين استندوا على عدد كبير من الأفكار المثيرة لنقد الغزو والحكم الأوروبيان على الشعوب حول العالم منها حقوق الانسان و بغي الاستبداد الأجنبي و الحكمة الاقتصادية للتجارة الحرة وحماقة الغازين و فساد الانسان بسبب الحضارة المنحطّة و النفاق الذي تتطلبه جمهوريات الحكم الذاتي للسيطرة على الشعوب ضعيفة الحيلة و استحالة الحرية المستمرة في الداخل بينما يمارس الطغيان خارجاً. كتب دينس ديديرو عن المستكشفين الأوروبيين عام ١٧٨٠م:

قدمتهم إلى أرض العالم الجديد الذي لم تطه قدم أحد من العالم القديم وبغمضة عين ركزتم عصاً معدنية صغيرة نُقش عليها عبارة “هذه أرضنا”. لماذا أرضكم؟ ليس لكم أي حق في مواردها الطبيعية وتدّعون أنكم أحق من ساكنها الأصلي وبدلاً من اتخاذه أخاً لكم، ترونه مجرد عبدٍ ودابة حمل، أيها المواطنون![1]

     بينما كان نقد ديديرو للإمبراطورية واحداً من أكثر الانتقادات تطرفاً وحدة فإن التشكيك بكلا المشاريع الامبريالية الخاصة و المشروع الأوروبي للتوسع   اللامحدود منتشرٌ بين المفكرين في ثمانينيات القرن الثامن عشر. لكن بعد خمسين سنة لم نجد أي مفكر سياسي في أوروبا يشكك في عدالة الإمبراطوريات الأوروبية.[2] إنما تحول لبراليو القرن التاسع عشر مثل ألكسيس دو توكفيل و جون ستيوارت مل من الموقف المشكك بالإمبراطورية الذي كان عليه المفكرون الأوائل إلى دعم توسع الحكم الأوروبي على المناطق غير أوروبية و توحيده. كتب مل “الاستبداد نمط شرعي من أنماط الحكومة في التعامل مع البرابرة، شريطة أن تكون الغاية هي تطويرهم، وتكون الوسيلة مُبرّرة من خلال إنجاز تلك الغاية فعلياً”[3]. شارك مل و توكفيل في دعمهم للإمبراطورية الكثير من معاصريهم اللبراليين إضافة إلى المفكرين السياسيين في عصرهم منهم هيجل وحتى مارك إلى حد ما. بينما أخذ اللبراليون الإنجليز والفرنسيون في القرن التاسع عشر على عاتقهم نصرة وتبرير الحكم الامبريالي فهم ناصروه بطرق متشعبة تعكس اختلافات دولهم من حيث القوة الدولية والسمعة فبريطانيا كانت آمنة و مسيطرة وواثقة ثقافياً بينما كانت فرنسا التي خسرت إمبراطورتيها المجيدة بنهاية حرب السنوات السبع غير مستقرة سياسياً ولم تستعد قوتها الخارجية بعد وهذا أيضاً انعكس بعض الشيء على الاتجاهات اللبرالية المختلفة في كلا الدولتين.

     يبحث هذا الكتاب أحداثاً عدة مهمة في تطور الفكر السياسي الانجليزي والفرنسي الذي أظهر في ثمانينيات القرن الثامن عشر اتخاذه نهجاً نقدياً للتوسع الأوروبي والتحول إلى لبرالية امبريالية زودت في نهاية ثلاثينيات القرن التاسع عشر بعضاً من أكثر البراهين تطوراً لصالح غزو الشعوب غير الأوروبية و أراضيها[4]، هذا التغيّر في الآراء حول الامبراطورية صاحبه مفهومٌ خالصٌ بين المفكرين الأوروبيين بشأن المجتمع المحلي والقدرة السياسية. التحول اللبرالي إلى الامبراطورية في هذه الفترة صاحبها أيضاً حجب النظريات المتعددة والمتنوعة للتطور كما فسحوا الطريق لأفكار أكثر تكهماً لـ”الرجعية” وانشطاراً فجاً بين الوحشية والحضارة.[5]

     تشمل الأسئلة التاريخية والنظرية التي أشار إليها هذا التحقيق التالي: ماهي الأسس النظرية لنقد الامبراطورية التي نجدها في نهايات القرن الثامن عشر؟  وماهي التغيرات التي صاحبت انكماش هذه الانتقادات وظهور تبريرات جديدة للإمبراطورية؟ ماهي الترتيبات الفكرية التي أفضت إلى التشكيك في الإمبراطورية؟ ماهي الاعتقادات وصيغ الأحكام الأخلاقية التي أدت إلى الاقتناع بأن الغزو والحكم الاستبدادي على الشعوب الأخرى مبرراً؟ كيف تغيّرت الخطابات المتعلقة بمفاهيم التّقدم والدولة بطريقة أدت إلى دعم الحكم الامبريالي؟

     يناقش هذا الكتاب فكر المفكرين الانجليز والفرنسيين السياسي في نهايات القرن الثامن عشر و إلى أواسط القرن التاسع عشر مركزاً على شخصيات محددة –بيرك وجون ستيوارت مل و توكفيل- الذين لم يكونوا فلاسفة سياسيين فحسب بل نشطاء في السياسة وادارة الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية. يرى بيرك أن ادانته المستمرة للأعمال البريطانية في الهند هي من أكثر أعماله السياسية أهمية في حياته[6]. عمِل جون ستيوارت مل في سن السابعة عشرة في شركة الهند الشرقية و مالبث حتى برز اسمه واحداً من أكثر المراسلين تأثيراً وحارب لبقاء سيطرة الشركة و تقاعد بعد خسارة الشركة معركتها في الحفاظ على ادارتها للشؤون الهندية عندما فرض البرلمان حكمه المباشر على الهند عام ١٨٥٨م. في بداية حياته المهنية بدأ أليكس توكفيل خبيراً في شؤون الجزائر في مجلس النواب و مدافعاً بارز عن الغزو الفرنسي و الاستعمار هناك. تضمنت أعمال كل هؤلاء المفكرين مشاركتهم في نقاشات حادة حول الغزو والحكم الامبريالين مع انعكاسات فلسفية عريضة: عن طبيعة العلاقات الأوروبية مع العالم غير الأوروبي، عن واجبات الدول العظمى تجاه المجتمعات المستضعفة، عن العلاقة بين الحكومة الممثلة المسؤولة في الوطن الأم والحكم الاستبدادي خارجه. تهتم هذه الدراسة أيضاً بالمفكرين سميث و بينتام الذين على الرغم من أنهم ليسوا مشرعين و لا حُكاماً للمستعمرات إلا أنهم اتبعوا تقدم بلدانهم الإمبريالي عن كثب و بنقد.[7]

اللبرالية والتعددية والإمبراطورية

     يلاحظُ في المفكرين هنا -على الرغم من اختلافاتهم الفكرية- التزام مشتركٌ بمبادئ الكرامة الإنسانية المتساوية والحرية وسيادة القانون وبحكومة مُمَثّلة مسؤولة. كانوا شموليين في التزامهم بمبدأ أن كل البشر سواسية وأن هذا المبدأ الأخلاقي الأساسي صالحٌ عالمياً. تجاهل جميعهم العنصرية العرقية والنسبوية التي تقول أن الثقافات غامضة نشأتها أو بُنيت على مبادئ متناقضة، وكما نرى أن لشموليتهم المختلفة –والشد والجذب بين الإيمان بالوحدة الإنسانية و الاعتراف بالاختلاف الثقافي و الاجتماعي و السياسي- أثار بارزة مختلفة في اجاباتهم على التساؤلات السياسية المتعلقة بالتوسع الإمبريالي للدول الأوروبية.

     بسبب الالتزامات السياسية والفلسفية المشتركة بين المفكرين الأساسيين الذين يناقشهم هذا الكتاب، فهم يُصنفون لبراليون عموماً. ظهرت “اللبرالية” كتقليد ذاتي في القرن التاسع عشر ثم بمفارقة تاريخية أصبح وصفاً للفهم الذاتي لدى المفكرين الأوائل. بينما يصف توكفيل و بينتام و جون ستيوارت ميل أنفسهم لبراليون، لم يعترف بيرك و سميث باللبرالية كتقليد أو كتصنيف للفكر السياسي.[8] لايزال من الصعب المحاولة في ايجاد تعريف محدد أو عام للبرالية إلا أنها أُستخدمت لوصف الجوانب المتداخلة للأفكار قبل أن تصبح مصطلحاً في القرن التاسع عشر.[9] عرّف شيريل ويلدث اللبرالية –بعد تداول المصطلح في بدايات القرن التاسع عشر- بأنها “التزام ضمني بحقوق فردية محددة (خاصة المساواة أمام القانون و حرية الصحافة والحرية الدينية) ومعارضة سياسات الدولة التجارية والسلطة الملكية وحتى الحكومة الملكية وتوسّع معين في الانسجام الاجتماعي.” هذا التعريف يصوّر جيداً سلسلة من الالتزامات التي يشترك فيها المفكرون هنا.[10] قد يختلف البعض في انطباق العبارة الأخيرة على أفكار بيرك (سنناقش هذه القضية في الفصل الثالث) إلا أن هذا التعريف يناسب هؤلاء المفكرين تماماً.

     “ما لذي يحدث عندما تُواجه اللبرالية العالم؟” يتركز هذا السؤال على الفكر اللبرالي أكثر من كونه فكراً يحظى بتقدير كما أشارت دراسة حديثة إلى ذلك.[11] كان هناك اختلاف كبير في الأدب و في الفهم العام للموقف “اللبرالي” من الإمبريالية و انعكاس الفكر اللبرالي على العدالة الدولية عموماً.

     ادعى البعض أن للبرالية أساسٌ إمبريالي: التركيز اللبرالي على سيادة القانون و تأسيسه أدى إلى دعم المشاريع الإمبريالية مرة تلو الأخرى. بهذه النظرة  قدمت المهمة الحضارية البريطانية والفرنسية أمثلة نموذجية للمنطق الإمبريالي للفكر السياسي اللبرالي.[12]

    أشار آخرون إلى أن اللبرالية هي معاداة متأصلة للإمبريالية نظراً لالتزامها بالمساواة والحكم الذاتي، اعتباراً لذلك كان من النادر أن يُظهر المفكرون اللبراليون الداعمون للإمبراطورية الجانب غير اللبرالي أو يقحمون أفكاراً منافية للبرالية في حججهم. استخدم جيريمي بينتام نفسه هذه الحجة عندما كتب إلى الإسبان ناقداً استمرار تمسكهم بممتلكات العالم الجديد: “هل تستمرون في ادعاءاتكم باسم اللبرالية بلا نتيجة”.[13]

     لم يتمكن الرأي الأول من شرح العديد توجهات الكثير من المفكرين المحسوبين على اللبرالية الذين عارضوا بشدة الإمبريالية الأوروبية خاصة في القرن الثامن عشر. يستبعد الرأي الثاني حقيقة تحوّل العديد من المفاهيم الرئيسية للفكر السياسي اللبرالي لصالح المشاريع الإمبريالية الأوروبية وأن اللبرالية الأوروبية زُيّفت جنباً إلى جنب وتأثرت تأثراً عميقاً بالتوسع الإمبريالي. ليس هناك تفسير واضح لبعض مجموعات الافتراضات النظرية الأساسية في التقليد اللبرالي يُمكن أن يشرح هذه المرونة في مسألة اللبرالية، فاللبرالية لا تؤدي حتماً إلى الإمبريالية أو معاداة الإمبريالية ولكن يجب أن نحقق في الضغوطات و التوترات في أحداث تاريخية معينة لفهم كيف أن هؤلاء المفكرون الذين ينتمون إلى تقليد عام بل ومعروف قد عارضوا واحداً من أهم التطورات السياسية في نهاية القرن الثامن عشر والتاسع عشر معارضة تامة ألا وهو توسع الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية.

     أريد التأكيد على أنه ليس هناك احتياج منطقي للإشارة بأن اللبرالية كانت تقليداً ناقداً للإمبراطورية كما أود أن أشير إلى أنه إذا كانت اللبرالية ملتزمة بالكرامة الإنسانية والمساواة فإن دعم العديد من لبراليو القرن التاسع عشر للإمبراطورية هو معاداة بحكم الأمر الواقع للبرالية بل هو موافقة للمعايير الراديكالية المختلفة للشعوب المختلفة التي تنطوي عليها تبريرات نظرية لتساؤلات امبريالية شكلت عنصلاً لا متوقعاً و بالتأكيد مزعجاً للفكر اللبرالي في القرن التاسع عشر.[14] لا يتعين أن نعتقد أن هناك مجرد فجوة بين الفكر اللبرالي و الممارسة اللبرالية أو أن الممارسة اللبرالية –تحت الضغط السياسي- تجد نفسها غير قادرة على تطبيق نظرياتها. يدرسُ هذا الكتاب مفهوم اللبرالية كممارسة، فالنظرية اللبرالية صِيغت بمشاركتها في السياسة والحقيقة التاريخية المهمة ولو أنه مُتغاضٍ عنها هي أن نشأة وتوحيد الإمبراطوريات كان أساساً لذلك التقدم.

     ترسم قضية الإمبراطورية جوانباً من نظريات المفكرين بطرقة مثمرة و مدهشة، و نركز اهتمامنا هنا على نقاط محددة غامضة و أحداث قاطعة ليست واضحة دائماً في آرائهم المتعلقة بالسياسات المحلية. تُتيح كتابات عن السياسات الإمبريالية لنا الإجابة اجابة كاملة- على سبيل المثال- عمّن كانوا دافعاً لاستثناءات المفكرين. كان جون ستيوارت مل مُنفتحاً بدرجة مثيرة لرجل في زمانه بين مجتمع و قانون أوروبي يُصغران من النساء و يعاملهن قاصرات غير قادرات على تحمل مسؤوليات الراشدين وفي نفس الوقت تقبّل دون أدنى شك الرأي الذي يعتبر الهنود شعباً غير ناضج وغير قادر على حكم نفسه بنفسه وعلى العكس من ذلك غالباً ما صُنّف بيرك مفكراً أوليغارشياً بامتياز[15]، وكما سأناقش في الفصل الثالث تثير كتابات بروك في السياسات الإمبريالية و العالمية اهتمامنا بمعارضته القوية لظلم القلة الأكثرية، كما تثير اهتمامنا أيضاً بفهمه الذاتي كمصلح في خدمة الأقلية المستضعفين. تقترح هذه الأعمال أن ما يبدو كونه لا مبالاة من بيرك تجاه معاناة الشعب الفرنسي تحت الحكم الأرستقراطي قد يكون نقطة غامضة في فكره بدلاً كونه مؤشراً لالتزام عريض وعميق بالحكم الأرستقراطي بأي ثمن ويؤخذ هذا عليه أحياناً.

     يناقش هذا الكتاب كيفية تأثر آراء المفكرين بالتعددية الثقافية والتطور والجنسية بأحكامهم السياسية و الأخلاقية المتعلقة بالشعوب غير الأوروبية، و أود أن أشير إلى أن القناعة الراسخة بعقلانية كل الشعوب و اعتدالها هي أساسٌ لكل المجتمعات كان ضرورة للمقاومة العنيفة للتوسع و الحكم الإمبرياليين.

     إن الإيمان المجرد بالمساواة الإنسانية الأخلاقية غير كاف لاحترام الشعوب المختلفة احتراماً صادقاً والتأكيد على علاقات انسانية متساوية معهم، فعلى سبيل المثال أقر كوندوركت أن الغزاة الأوروبيون تعاملوا بوحشية ولكنه كان مؤمناً بأن الشعوب الأخرى كانت اجمالاً متأخرة غير قادرة على حكم نفسها وتطوير مجتمعاتها. تطلّع كوندوركت إلى تسوية سليمة بين الأوروبيين حول العالم تقود إلى شراكة مع الشعوب غير المكافئة لهم، ويتخذ الأوروبيون هؤلاء الرعاع المؤتمنين تحت رعايتهم ووصايتهم وعلى الرغم من لغة كوندوركت النقدية للنهب الأوروبي إلا أنها تشابه بعمق لغة معاصريه الأعنف نقداً. إن شعاره الذي يمكن تسميته بمعاداة الإمبريالية اللاتعددية ليس إلا بناء هشاً.

     يولي هذا الكتاب اهتماماً أساسياً بطرق دراسة المفكرين للمجتمعات الأخرى وتحليلها واطلاق الأحكام عليها. هل كانت أراءهم حول الحكم الأخلاقي تنم عن صعوبة في فهم الآخرين المختلفين في سياقات اجتماعية مختلفة أو تُصوّر تمييزاً أحاط بالحكم الأخلاقي والثقافي؟ ما هو المصدر الذي استقى منه المفكرون معلوماتهم عن المجتمعات غير الأوروبية خاصة عند شرح “الرجعية”؟ هل يعتبرون المشاهدة الشخصية لتلك المجتمعات مهمة لإطلاق حكم مناسب؟ أشار العديد من مفكري زمن التنوير الأسكتلندي إلى خطر بناء الأحكام النظرية والسياسية على مصادر متحيزة و غير موثوقة. أصرّ توكفيل على رؤية الجزائر بنفسه ونتيجة لرحلاته غيّر آراءه حول ما هو عملي ومناسب للجزائر الفرنسية وامتنع عن الكتابة عن الهند لأنه غير قادر على السفر إليها، وعلى العكس من ذلك تباهى جيمس مل بنزاهة كتاباته عن الهند وعمق اطلاعها ورجح ذلك إلى أنه لم يشتت نفسه بالملاحظات الكيفيّة التي يمر بها غالبية الرحالة بل عزل نفسه ليقرأ استفتاءات شاملة من الأدب “الانجليزي” عن الهند.

     لا توضح مجرد الحجج الفلسفية صعوبة الانخراط في استنتاجات اخلاقية تتعلق بالغرباء أو تتجاوز حدود المعايير الأخلاقية بل توضح أيضاً الممارسات البلاغية لهؤلاء المفكرين. تلفتُ خُطب بروك البرلمانية الانتباه جلياً إلى مشكلته في مناشدة الجمهور بلغة أخلاقية مألوفة عند الحديث عن شعوب يصعب عليه فهم طبيعتها أو لا يشعر بالتعاطف معها. كيف لا يطور مُفكر فهمه الفارق الذي ينم عن احترام للشعوب غير المألوفة له أو لها ولكنه أيضاً يكيّف فهمه هذا على مجتمع أكبر؟ تلعب النقاشات حول رياء المتلقي دوراً حرجاً في هذه العملية التي تحاول توسيع نطاق المعايير الأخلاقية فيبدو الرياء فشلاً لتوسيع هذا النطاق وعدم رغبة في تطبيق هذه المعايير على الغرباء. وجه بيرك و بينتام و كونستانت اتهامات بالرياء في محاولة لحث متلقيهم على بناء اطار عقلي منصف ومحترم و أيضاً على المستوى البلاغي أود أن أشير إلى أن أكبر المفكرين الناقدين للإمبراطورية هم أكثر من ينزع إلى استخدام السخرية والفكاهة في حججهم. تحتاج ثقة –وحتى الادعاء بالصلاح- اللبرالية الامبريالية نوعاً من الافتراض المتضارب مع الموقف النقدي الذاتي الحاد لدى شخصيات مفكري القرن الثامن عشر الذي يناقشهم هذا الكتاب. قد نُصادف بجدية جون ستيوارت مل أو العقلية الفذة لتوكفيل التي تبدو مختلفة قليلاً عن أسلوب بينتام أو بيرك.[16]

الخلاصة

     بدأتُ في الفصل الثاني بمراجعة نظريات آدم سميث في التقدمية والحكم الأخلاقي، مناقشةً تطويره لمراجع في الاحترام الثقافي بين الشعوب لم يتمكن منظّري التقدمية في القرن التاسع عشر من صياغتها. كمنظّر في التقدمية جمع سميث بين الإيمان بمبادئ أخلاقية عالمية واحتمالية التقدمية الأخلاقية من جهة وبين احترام مجتمعات ما قبل التجارية غير الأوروبية من جهة أخرى. صنّف سميث الالتزامات والممارسات المختلفة دركالياً وأخلاقياً و سياسياً لدراستها في مجتمعات ما قبل التجارية ثم ظهرت فكرة أن هذه الالتزامات والممارسات هي ليست نتيجة للجهل أو لقيم مشوّهة بل هي أحكام جاءت نتيجة لظروف مختلفة.

    يناقش الفصل الثالث نقد بيرك للإمبراطورية البريطانية في الهند وايرلندا. بيرك الذي يتشارك فهمه للحكم الأخلاقي و التطور الاجتماعي خواص مهمة مع سميث متهماً اتهاما واحداً لاذعاً للممارسات الامبريالية البريطانية في نصفي الكرة الأرضية. في أعماله التي تتناول الهند وايرلندا، حلل بيرك بحساسية بالغة أشكال الاقصاء السياسي والأخلاقي التي صورت علاقات بريطانيا مع السكان الأصليين لمستعمراتها. يرى بروك أن الأعمال البريطانية في العالم تحكُمها فكرة مقيّدة عن المجتمع الأخلاقي والسياسي أدت إلى تحقير السكان الأصليين في المستعمرات والرغبة في تعطيل المبادئ الأخلاقية والسياسية البريطانية. هذا تكهم واضح نظراً لأن مرحلة أواخر القرن الثامن عشر تعرفُ بأنها حقبة الدفاع عن حقوق الإنسان وربما عززت أكبر معارضة لاذعة لهذا التشكيل ما يعتبر تأييداً مكرّساً قوياً نيابة عن الشعوب البعيدة التي تعاني تحت قبضة الدول الأوروبية. الاهتمام بكتابات بيرك حول الهند وايرلندا أساسي لفهم أفضل ليس لما هو وراء شكوكه بـ”حقوق الإنسان” الثورية فحسب بل للاحتماليات الناتجة عن درة فعله الشخصية تجاه الفئات المستضعفة أيضاً. تكشف هذه الكتابات التعددية والتسامح الذي يُبنى عليه عداء بيرك المعروف للأيدولوجيات الكبرى والإصلاحات الشاملة المبنية على مبدأ مجرد. بينما لا يكافئ أحد من معاصري بيرك في سعة مشاركاته السياسية ومباشرتها في حربه على الظلم الامبريالي إلا أنني ناقشتُ أن انجاز بيرك لم يكن بتلك الحساسية و الشذوذ المميزان، بل شارك الآخرين –مثل سميث و بينتام- موقفاً نقدياً تجاه الادعاءات الأوروبية بالامتياز الثقافي والسياسي وشكوكاً حول ما إذا كان يمكن للقوى الامبريالية أو ينبغي عليها فرض التغير السياسي على مجتمعات مختلفة تماماً و قلق حول خطر ممارسة القوة الاستبدادية حول العالم قد تواجهها الحريات السياسية في الوطن الأم.

    كما ناقشت في الفصل الرابع، بينتام الذي استثمرت أجيال متتابعه نظريتَه النفعية كحصن نظري للحكومة البريطانية في الهند أكّد على أن هناك ظلم وفساد و تمادٍ أوروبي في حكم الأراضي البعيدة التي لا يعرف مصالحها إلا شعوبها. لم تتخلى كتابات بينتام عن حماسة الهيمنة “التقدمية” على الشعوب “الرجعية” التي تسود كتابات خلفاءه المعينون ذاتياً.

    ترك النفعيون البريطانيون بما فيهم جيمس مل وجون ستيوارت مل و آخرون موقف بينتام البارز الداعي إلى المساواة بين البشر والتعددية تجاه الإمبراطورية. لم يُحرف الافتراض الشائع بالتقليد المستمر للإمبريالية النفعية مشروع بينتام النظري والسياسي و أدى إلى سوء تفسير لبعض كتاباته فحسب لكنه فشل أيضاً في التعرف على تطور تفكير جون ستيوارت مل و جيمس مل عن الإمبراطورية. كان ذلك عندما أصبحت نظريات التقدم و”البربرية” المبسّطة سائدة و عندما بدأ مفهوم الجنسية الضيق بالتجذّر و عندما رأى كل من الدولة البريطانية و شركة الهند الشرقية بأن هناك حاجة لترسيخ حكمهم بأيدلوجية “تقدّمية” مناسبة، تحولت نفعية بينتام إلى مذهب امبريالي مفهوم على نحو واسع.[17]

     وكبريطانيا، ظهر في نهايات القرن الثامن عشر في فرنسا استنكار متزايد للإمبراطورية وكان ديديرو وأكبر داعٍ إليها ولكن نجد هذا الموقف النقدي بدرجات مختلفة لدى مفكرين آخرين مثل كوندوركيت المؤلف المشارك لديديرو في موسوعة وتاريخ جزر الهند و في بداية القرن التالي بينجامين كونستانت.[18] أناقشُ في الفصل السادس والسابع التحول في الآراء اللبرالية حول الإمبراطورية في فرنسا وهذا لربما يصور أفضل صورة بالتعارض بين كتابات كونستانت عن “روح الفتوح” و كتابات توكفيل حول الإمبراطورية الفرنسية في الجزائر و جزر الهند. على الرغم من تشارك كونستانت و توكفيل في العديد من اهتمامات لبراليو القرن التاسع عشر في فرنسا –الرغبة في بناء مجتمع لبرالي متماسك في المقام الأول أعقاب الثورة والإمبراطورية- كان كونستانت مشككاً بالغزو الإمبريالي بطريقه لم يكن عليها أتباعه.

     آمن توكفيل وهو واحد من أكثر المناصرين اللبراليين للإمبراطورية بروزاً و احتراماً في أواسط القرن التاسع عشر في فرنسا بأن غزو الجزائر يساهم في تأسيس و استمرارية الحكم اللبرالي الذي سعى لتحضى به فرنسا و ذلك بمشروع سياسي جماعي لجمهور لا مبالي اضافة إلى حكومة ذاتية مستقلة نالت على اعجابه في أمريكا. حللتُ السبل التي تغلب فيها توكفيل على المخاوف اللبرالية المبكرة حول مخاطر وظلم الإمبراطورية ووصل إلى اعتقاد أن لبراليته قد تحتاج –أو على الأقل تدعم مادياً- إلى الإمبراطورية.

     إن اندفاع توكفيل للإمبراطورية غير متوقع بشكل أو بآخر مما جعله يتغيب عن ذاكرة بعض القراء تماماً. يبدو أن أشيعا برلين على سبيل المثال أنه استقرأ ببساطة عناصر التعددية في الديموقراطية في أمريكا ليبين أن “توكفيل يؤمن بممارسة الحقوق حتى في المجتمعات غير الناضجة…. غير ذلك لا يتمكن البشر من الوقوف واحترام الحريات المتبادلة، لذلك كان يعارض الأبوية و الاستعمار حتى و إن كان المُستعمر خيّراً.”[19] يشير هذا الادعاء إلى أن تجاهل كتابات توكفيل في الامبراطورية هو سوء فهم عميق لانعكاس كتاباته عن الديموقراطيات الغربية. اضافة إلى ذلك، لا ينبغي صرف النظر عن كتابات توكفيل حول الجزائر واعتبارها مجرد مسألة غامضة في مهنة تعدُديٍّ لبراليٍ تنويري. تعرضُ هذه الأعمال درجة الاهتمام خاصة في بناء الدولة الديموقراطية الحديثة على أساس ثابت يجذب لبراليو فرنسا في القرن التاسع عشر إلى سياسة اقصائية عالمية داعية للعنف التي يراها أسلافه بأنها خيانة للإنسانية اللبرالية.

     يركّز هذا الكتاب على معاملة التوسع الإمبريالي الأوروبي مع السكان الأصليين في المناطق و علاقته بهم هو تساؤل أساسي للسياسة الإمبريالية. فهذا التساؤل يحوم حول علاقة بريطانيا وفرنسا مع الشعوب غير الأوروبية في آسيا وشمال أفريقيا و أشير أيضاً إلى تعاملهم مع إيرلندا أيضاً لأن استعمار بريطانيا لإيرلندا بالنسبة للعديد –منهم بيرك و مل- يطرح تساؤلات واجهت بريطانيا مثلها في مستعمراتها الهندية. يرى بيرك أن قضايا الاقصاء السياسي والأخلاقي للشعوب التي يصنفها المستوطنون البريطانيون بأنهم أقل منزلة ورسم روابط بين جهوده نيابة عن الشعبين المستضعفين -الكاثوليكيين الأيرلنديين والهنود- الذين وصفهم بالشعوب “المظلومة”. بالنسبة لمل تطرح ايرلندا والهند قضايا وتساؤلات مشابهة لكيفية حكم المجتمع الرجعي مع أنه لم يعترف في حالة ايرلندا فقط بتواطؤ بريطانيا في رجعيتها المزعومة.

     أناقش بإيجاز معالجة هؤلاء المفكرين لمستعمرات أمريكا الشمالية وعلى الرغم من مشاركة كل من سميث وبيرك و بينتام في نقاشات حامية حول مصير المستعمرات الأمريكية قبل وخلال حرب الاستقلال الأمريكية. أثر الصراع الأمريكي وخسارة معظم مستعمرات العالم الجديد بكل تأكيد على آراء سميث وبيرك و بينتام حول الحكم الإمبريالي في أجزاء أخرى من العالم. انعكس اطلاعهم على نقاشات تدور حول استقلال المستعمرات الأمريكية واشتراكهم فيها (يتضمن ذلك وضع مستعمرات اسبانيا في أمريكا الجنوبية أيضاً في حالة بينتام) على مواقفهم تجاه القضايا الإمبريالية الأخرى. جعلت الأزمة الأمريكية كل المفكرين الثلاثة يحذرون من التجاوزات الإمبريالية و يعون بقضايا عديدة تتعلق بالسيطرة على شعوب بعيدة تختلف مصالحها –وقد تكون غامضة- عن من هم في الوطن الأم الذين يسعون إلى التحكم بمصيرهم.

     يؤمن سميث بأن الاستقلال أو الاندماج السياسي الكامل هما السياسة الوحيدة تجاه المستعمرات الأمريكية (راجع الفصل الثاني). كان بيرك الذي عمل وكيلاً لمستعمرة نيويورك متعاطفاً مع مطالب المستعمرة. على الرغم من أنه التمس سياسة متكيفة لتنسجم المستعمرات مع النظام الامبريالي إلا أنه تقبل محاولة الاستقلال الأمريكية عندما أصبح من الواضح أن بريطانيا لن تتبنى سياسة المصالحة هذه. كان بينتام وحده أول من بدأ بمعاداة مطالبات سكان المستعمرات الأمريكيين لأنه كان يرفض لغة الحقوق الطبيعية التي صاغها كل من سكان المستعمرات أنفسهم و مناصريهم البريطانيين مثل ريتشارد برايس[20]، لكنه سرعان ما آمن –لأسباب تتعلق بالعدل والحكمة- بأنه ينبغي على الدول الأوروبية تحرير مستعمرات المستوطنين. في نهايات ثمانينيات القرن الثامن عشر أصبح بينتام مناصراً حماسياً للاستقلال الأمريكي و النظام الحكومي الأمريكي مع بقاء عداءه الشهير لاتفاقيات الحقوق الطبيعية، ونقل عنه في نهاية حياته مناقشاً أن معارضته للاستقلال الأمريكي كان بسبب الاتفاقيات السيئة التي منحت لدعمه بدلاً من “الحل الأفضل أي استحالة أن تكون هناك حكومة صالحة بهذا البعد و أن الانفصال لصالح كلا الطرفين.”[21]

     في هذه الفترة كانت القضايا الأساسية في أمريكا تتعلق بعلاقات المستوطنين الذين يتشابهون مع سكان الوطن الأم في ثقافتهم الاجتماعية والسياسية وأعضاء في مجتمع الوطن الأم في الشأن الأخلاقي والسياسي.[22] كانت قضية العلاقات بالهنود الحمر تحضى باهتمام أقل في النقاشات المتعلقة بالسياسة الإمبريالية في أمريكا في نهايات القرن الثامن عشر على الرغم من تحفظ القليل من المراقبين البريطانيين على امكانية الثقة بالمستوطنين الأمريكيين في التعامل مع السكان الأصليين و أن استمرارية العلاقة الإمبريالية كانت مبررة كوسيلة لحماية السكان الأصليين من جشع المستعمرين وعلى الرغم من اهمال مسألة السكان الأصليين في نقاشات أكبر حول وضع المستعمرات في ستينيات و سبعينات القرن الثامن عشر، كانت مسألة العلاقات مع الشعوب “التابعة” وحكمها رئيسية في نقاشات المستعمرات الاستيطانية في إيرلندا وبعد ذلك في فرنسا الجزائر. بقيت كيفية التعامل مع الشعوب الأصلية المستقلة –سواء كان يُنظر لها شعوباً مرؤوسة أو مستضعفة أو مقصاه بدون عمد- مسألة رئيسية في الفهم البريطاني والفرنسي للمعضلات السياسية في هذه المستعمرات إضافة إلى المناطق غير المستوطنة مثل الهند.

      إن المعالجة الدقيقة لآراء هؤلاء المفكرين حول الصراع مع المستعمرات الأمريكية بعيدٌ عن مجال هذا الكتاب ولكني أخذت بعين الاعتبار كيف أن حججهم حول هذه المستعمرات الاستيطانية ساهمت في تكوين آرائهم حول الحكم البريطاني والفرنسي للشعوب الأصلية في المناطق المستعمرة، وبالمثل مهدّت رحلات توكفيل في الحدود الأمريكية وفهمه للعلاقة بين المستوطنين الأوروبيين والهنود الحمر طرقاً مهمة في تحليله للسياسة الإمبريالية الفرنسية في الجزائر. توضّح أمنية توكفيل بأن الجزائر قد تبرهن بأنها ” سينسيناتيالتراب الأفريقي”[23] –قوة اقتصادية متولّدة بحكومة ذاتية محلية و اعتماد ذاتي- الدروس التي استفادها من أمريكا ليس فقط للديموقراطية الفرنسية لكن للإمبراطورية الفرنسية أيضاً.

     تميّز التحول إلى الإمبراطورية بين المفكرين اللبراليين في بريطانيا وفرنسا خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر بمميزات نظرية أساسية مشتركة ومن أبرزها الإيمان الراسخ المتزايد بأن الحضارة التقدمية الأوروبية منحت الأوروبيين السلطة لتعليق –في علاقاتهم مع الشعوب غير الأوروبية- المعايير الأخلاقية والسياسية التي آمنوا بتطبيقها على أنفسهم. ومازال سميث وبيرك و بينتام و كونستانت على الرغم من التشابه في نفورهم من الإمبراطورية يختلفون في تشخيصهم المعيّن للقضايا المتعلقة بالتوسع الإمبريالي الأوروبي. أيضاً توكفيل ومل على الرغم من أنهم عرفوا بتبريرهم وممارستهم للقوة الإمبريالية في بلدانهم اختلفوا –بوضوح كما سنرى- حول نوعية الإمبراطورية التي يمكن تبريرها وكيف يتم ذلك. تناقشُ الكثير من النقاشات النظرية لنقد المفكرون الأوائل للإمبراطورية وتفوق ذلك النقد على خلفائهم خاصةً بكل مفكر في فصل تلو الآخر، ومازالت خصائص معيّنة للخلفية السياسية والاقتصادية والفكرية المتغيرة تزودنا بخلفية مهمة لتلك التطورات النظرية و سأشير إليها بإيجاز في القسم التالي.

السياقات التاريخية

التطورات السياسية في الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية

     حصل التحول في الفكر السياسي الذي وصفته في هذه الدراسة جنباً إلى جنب مع التغيرات الكبرى في الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية اضافة إلى الاضطرابات السياسية المحلية ومن حرب السنوات الستة وإلى نهاية حرب الاستقلال الأمريكية تحولت طاقات بريطانيا الإمبريالية من مستعمرات استيطانية في العالم الجديد إلى آسيا و حكم العديد من الشعوب التابعة غير الأوروبية.[24] أدت نجاحات بريطانيا العسكرية الضخمة في حرب السنوات السبعة في كندا ونجاحاتها في جزر الهند الغربية و أفريقيا و جنوب الهند إلى أن ينظر الشعب البريطاني لدولته كقوة اقليمية و بحرية و أن إمبراطورتيهم أصبحت ولأول مرة عالمية، وتسببت خسارة العديد من مستوطني المستعمرات البريطانية في أن الإمبراطورية البريطانية لم تعد أوروبية خالصة و “حرة”.[25]

     وكما أظهر ديفيد أرمتيج و كاثلين ويلسون مؤخراً، تحدّت التطورات في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الايمان البريطاني الطويل بإمبراطورتيهم التي كانت على العكس من الامبراطوريات البرتغالية و الاسبانية أو حتى الفرنسية والهولندية واحدة من الامبراطوريات التجارية وليست الاحتلالية: كانت تتميز ـومسؤولة عن نشر- بالمؤسسات البريطانية والممارسات السياسية الحرة[26]، وبالطبع كانت هذه الصورة تعتبر درجة من الوهم دائماً خاصة في افتراضها أن أمريكا الشمالية كانت أرضاً خالية لم يتطلب الاستحواذ عليها غزو السكان الأصليين بل شراءها منهم أو أن المستوطنين بكل بساطة استوطنوا جنباً إلى جنب معهم، ومع ذلك طالما كان أغلب سكان المستعمرات أوربيون ويشتركون مع الوطن الأم في تاريخه وحضارته السياسية و تربطهم علاقات تجارية و عائلية مع سكانه، تُصوّر كلمات أرمتيج  الإمبراطورية البريطانية بأنها “بروتستانتية وتجارية وبحرية وحرة”[27]. إذا كان ينقص المستعمرين التمثيل الرسمي المكافئ الذي يحظى به بعض البريطانيون فهم كانوا يتمتعون باستقلال سياسي عبر المجالس الاستعمارية التي كان لها موقفاً سياسياً حاسماً وحظيت بالانضمام إلى دائرة الاعتراف الأخلاقية والسياسية البريطانية. بنهاية القرن الثامن عشر ومع خسارة المستعمرات الأمريكية والتوسع الإمبراطوري في الهند عبر سلسلة من الحملات العسكرية التي استمرت عقوداً عدة أصبحت المحافظة على الصورة الخيالية لإمبراطورية تجارية سلمية تنشر الحرية البريطانية في العالم أكثر صعوبة. على الرغم من أن العديد استمروا في العمل تحت وهم الإمبراطورية الحرة والسلمية للتجارة والاستيطان شعر العديد من المراقبين المتنبهين بالقلق الشديد من الاستبداد الإمبريالي البريطاني لقمعه الشعوب الأجنبية وخطر تأثير ذلك على الحرية في الوطن.[28]

     تعرضت المستعمرات غير الاستيطانية البريطانية خاصة في الهند إلى تغيرات ادارية جذرية في نهاية القرن الثامن عشر، حتى ذلك الوقت كانت الشركات التجارية وبلا اشراف برلماني يذكر –اسمياً أو ممارسة- مسؤولة ليس عن التجارة والعلاقات الدبلوماسية مع الدول الآسيوية فحسب بل أيضاً على الاستحواذ على الأراضي و السيطرة عليها و تعبئة القوات العسكرية. مازالت شركة الهند الشرقية تعتبر نفسها شركة تجارية بالمقام الأول في نهاية القرن الثامن عشر وكان استحواذها على الأراضي وقدرتها العسكرية الضخمة بداية تحولها إلى مؤسسة حاكمة. تحوّل اعتبره سميث وبيرك وآخرون سيئاً ليس للتجارة فحسب بل أشد خطورة على موظفي الشركة الآسيويين. تسببت ديون شركة الهند الشرقية و امتدادها الإقليمي المتزايد في بداية ستينيات القرن الثامن عشر في صراع طويل بين البرلمان والشركة حول وضع الشركة وواجباتها و امتيازاتها.[29] خسرت الشركة امتيازاتها التجارية و أصبحت مؤسسة حكومية تماماً لها سيادتها على مناطق ضخمة عام ١٨٣٣م. نُظمت خدمتها المدنية و أضفي عليها صفة المهنية بتفوق الشبكات الراعية و تأسيس كلية هيليبيري حيث يتدرب موظفو الشركة على اللغات والإدارة. ظلّت الشركة الحاكم الرسمي في الهند حتى عام ١٨٥٩م وعندما أغلق الجهاز الإداري للشركة أبوابه في الهند مهد ذلك الطريق للملكة فكتوريا الحصول على لقب إمبراطورة الهند في سبعينيات القرن التاسع عشر.

     لم يؤدي الاعداد الأفضل لموظفي الشركة للعمل في الهند في القرن التاسع عشر إلى نشأة حضارة هندية أعظم وبتلك المستويات العالية من الإدارة حازت انجازات الحضارة الهندية بالطبع على الإعجاب حتى في أوساط البريطانيين العاملين لصالح التوسع الإمبراطوري في القرن الثامن عشر. كان المستشرقون المعجبون بالحضارة الهندية مثل السير ويليام جونز رائد الدراسات الأوروبية في الأدب السنسكريتي والهندي بارزون بين حكام المستعمرات في القرن الثامن عشر[30]، حتى وارن هاستنجز الذي اعتبر العرف الآسيوي بالحكومة المسيطرة تبريراً لحكمه الاستبدادي زاعماً احترامه للحضارة الهندية و تعلم عدة لغات هندية و جمع بعض التحف الأثرية.[31] كان أوروبيو القرن الثامن عشر أيضاً أقل ميلاً إلى النشاط التبشيري في آسيا من خلفائهم. يعني التأثير الكبير للحملات التبشيرية الإنجيلية على السياسة الإمبريالية في القرن التاسع عشر أن الحكام الاستعماريون أصبحوا أكثر رغبة في التدخل في الحياة الدينية والثقافية الهندية أكثر من ذي قبل. زادت الحملات التبشيرية الإنجيلية من نشاطاتها في الهند وأصبحت مصادرَ مهمة للمعلومات عن المجتمع الهندي و انعكست قناعة الحملات التبشيرية بتفوق أوروبا المسيحية على المجتمعات غير المسيحية على المواقف البريطانية من الهند أكثر فأكثر حتى خارج الدائرة الإنجيلية.[32] تعني كلا من القوة المتزايدة و ازدراء الحضارة الهندية جهوداً واسعة جديدة للتدخل في التقاليد الثقافية الهندية والمحاولات الجادة الجديدة لتغييرها.

     فرنسا –على العكس من ذلك- خسرت كثيراً من أراضيها في شمال أمريكا وآسيا لبريطانيا وبعد ذلك لأمريكا وبعد اشتعال الحماسة التوسعية لنابليون و في أعقاب خسارته، كان الشعب الفرنسي والقيادة الفرنسية تحت حكم آل بوربون معادين التوسع بشده ولكن عند احتلال فرنسا للجزائر عام ١٨٣٩م وصل القادة السياسيون الفرنسيون إلى ايمان بأن الإمبراطورية البريطانية كانت مصدراً لقوتها الدولية ويجب أن تحاكي فرنسا ذلك للبقاء كقوة عظمى. كانت الإمبراطورية أمراً واقعاً بأي حال من الأحوال وهذا ماراه مناصرو الإمبراطورية خلال تلك الفترة ومن أشهرهم توكفيل الذي يرى أنه من الواجب دعم الغزو أو فقدان فرصة فرنسا في أن تصبح قوة دولية عظمى. لم تصمد الحجة الانتقادية التي كانت غير واردة في القرن التاسع عشر وكانت ممكنة في الثامن عشر. كان العديد من مفكري القرن الثامن عشر –منهم آدم سميث- يؤمنون بأنه لا يمكن اقناع دولة أوروبية بالتخلي عن مستعمراتها التي كانت مبعثاً للفخر والاحترام الذاتي واستمرت انتقادات الإمبراطورية خلال القرن التاسع عشر على الرغم من كتم أصواتها واهمال تأثيرها وبالطبع بقيت حجج سميث بارزة بين أولئك النقاد الذين بقوا. استمر الاقتصاد السياسي في توليد الحجج على الغزو والحكم الإمبريالي و عزّز من النقد الأخلاقي.[33]

     تسببت تعرية القوى الأرستقراطية أو الجائرة و الظهور الجزئي للدولة الديموقراطية بمخاوف و ضغوطات على المفكرين اللبراليين في مرحلة قد تكون ساعدت في العودة إلى الإمبراطورية. يعتقد توكفيل أن تقلبات السياسة الفرنسية في وقته يتطلب حلاً جوهرياً وقال أن الغزو الفرنسي للجزائر حلٌ ممكنٌ للمشكلات السياسية التي بدت مستعصية على أي حل داخلي بحت. طوّر جون ستيورات مل فهماً معيارياً تقليدياً للأمة تتطلب كلا من القيود المشتركة التي تصغها الثقافة السياسية الشائعة والقدرة على الحكم الذاتي الذي بدى غامضاً على مجموعة صغيرة من الأمم الأوروبية. عكس ضيق تعريفه للجنسية على ايمانه بأن الأمة انجاز شاق: إذا كان ذلك صعباً لبريطانيا كيف سيكون بالنسبة –حسب نظرته للتطور- للشعوب الرجعية. في نفس الوقت سبب تطور الديموقراطية مخاوفاً عميقةً للمفكرين اللبراليين مثل توكفيل وهذا أيضاً يعني أن لديهم التزام بنظام دولتهم السياسي الذي لم يلتزم به ورثة النظام الأرستقراطي مثل ديديرو ويبدو أنهم لم يكونوا مستعدين ليصبحوا ناقدين لاذعين كما كان المفكرون الأوائل على النظام السياسي الذي كانت زعزعته مقلقة وامكانية تقدمه واعد.

الثقة الحضارية

      قد توصف أكبر التناقضات الكبرى بين آراء مفكري القرن الثامن عشر التي أراجعها هنا وبين آراء خلفائهم في القرن التاسع عشر بأنها نوع من الثقة الثقافية والحضارية الزائدة التي أبداها المفكرون من أطياف الفكر السياسي في القرن التاسع عشر من المحافظين إلى اللبراليين والراديكاليين. بينما أصبح الأوروبيون في القرن الثامن عشر أكثر ثقة بلا شك بتفوقهم فكرياً وأخلاقياً وسياسياً واقتصادياً و تقنياً على بقية العالم، نجد أن هناك احساساً مستمراً بين عددٍ من مفكري القرن الثامن عشر بهشاشة انجازاتهم الحضارية وشكوكاً دائمة بعدالة الأنظمة السياسية والاجتماعية الأوروبية واحترام لإنجازات و عقلانية المجتمعات الأخرى.[34]

      على الرغم من ايمان أغلب المفكرين الأوروبيين في هذه المرحلة بأن أوروبا أحرزت تقدماً اقتصادياً وسياسياً متجاوزة المجتمعات الأخرى إلا أن الكثير كان يشكك في ما إذا كان الأوروبيون مسؤولون مسؤولية كاملة عن أسباب استمرار حكمهم للشعوب “الرجعية” بالقوة. من نهاية الحكم الأرستقراطي في فرنسا في القرن التاسع عشر مروراً بالتوسع البريطاني في نظام التصويت إلى الغاء تجارة العبيد ثم العبودية بالكامل في المستعمرات الأوروبية والتقدم الاقتصادي والتقني الهائل للثورة الصناعية، أفضت عدّة عوامل إلى القناعة –حتى عند النقاد الاجتماعيين الراديكاليين مثل جون ستيورات مل- بأن الثقافة السياسية الأوروبية (البريطانية والفرنسية على الأقل) هي بلا شك متفوقة على بقية مجتمعات العالم.

     كان الرأي القائل بأن الأوروبيين ليسوا في موقف يتيح لهم نشر ثقافتهم ومؤسساتهم السياسية جلياً خاصة بين أولئك الذين عاشوا تحت وطأة الأنظمة الاستبدادية في أوروبا مثل الألمان ككنت و هيردر و النقاد الفرنسيون للنظام الأرستقراطي مثل ديديرو[35]. أدى بغضهم لأنظمتهم إلى اعتبار بطش التوسع الإمبريالي نوع من سياسة أوروبا الاستبدادية في وقتهم. كما سأناقش لاحقاً، لم يشكك أحد من المفكرين البريطانيين الذين يتناولهم هذا الكتاب بعدالة الأنظمة البريطانية في الوطن الأم على الرغم من أن بينتام اعتبر القوانين البريطانية ومؤسساتها عبثية وجائرة. بينما يتفق جيمس مل وغيره من الراديكاليين النفعيين في تحقيرهم للتعتيم القانوني البريطاني مع بينتام إلا أنهم وصفوا المجتمع الهندي (اهتمامهم الأساسي) بتأخره عن بريطانيا سياسياً وحضارياً وأن حكماً استبدادياً غير مبررٍ يُفضّل على أي حكومة محلية. كان جون ستيوارت مل –أكثر توافقاً مع النظام السياسي البريطاني من والده- متيقناً أكثر بأن الحكم البريطاني المطلق هو أفضل ما تتطلع له الشعوب “الرجعية” وأن هذا الحكم المطلق يمارس بعلم وحلم لتعجيل تقدّم تلك الشعوب.

     اعتبر نقاد الإمبراطورية في القرن الثامن عشر أن توسّع الإمبريالية الأوروبية مرتبط وموازي إلى حد ما مع فضائع تجارة العبيد والعبودية وكما أظهر بي. جي. مارشال، حارب الإصلاحيون البريطانيون أبرزهم بيرك و بينتام في سبعينيات وثمانينيات القرن الثامن عشر العبودية في جزر الهند الغربية والبطش البريطاني في الهند باعتبارهما توأما شر[36] ، وبالمثل ربط هيو موليقان مؤلف قصائد في العبودية والظلم عام ١٧٨٨م المهدى إلى ويلبيرفورس اضطهاد بريطانيا لعبيد جزر الهند الغربية بنهبها للهند وايرلندا و أفريقيا في سلسلة من أربع حوارات في قصيدة، تمم أشعاره بحاشية كبيرة مستشهداً فيها بكتاب تاريخ جزر الهند الغربية لرينال. كما اتهمت أعمال أخرى موظفي شركة الهند الشرقية بالمساهمة في مجاعة البنغال وذلك في التلاعب بالأسعار، ومازال البعض الآخر يعارض التجارة الحرة مع ايرلندا.[37] من المدهش أن هذا الارتباط بين القضايا “الإنسانية” تداعى بنهاية القرن الثامن عشر، في حين أن الأصوات المعارضة للعبودية انتشرت في العقود المبكرة من القرن التالي مُتعدية مجموعة الإصلاحيين والمفكرين الذين قادوا الحركة و امتدت إلى دوائر أوسع كالإنجيلية وغيرها. تلاشى هذا النقد الحاد للأعمال البريطانية في الهند في نهاية تسعينيات القرن الثامن عشر. يقول مارشال “بدى فوز كلا من العبودية وشركة الهند الشرقية في ابطال تنفيذ الأحكام عليها في تسعينيات القرن الثامن عشر” وما لبثت إلا أن استعادت معارضة العبودية قوتها السابقة عند حكم اليعاقبة لبريطانيا ثم النابولية فرنسا. بينما “وصل العديد من المفكرين البريطانيين…. ليس لمجرد الإذعان لما يحدث في الهند بل عبروا عن حماستهم بإيجابية له”[38]. وفي ثلاثينيات القرن التاسع عشر سلّم لبراليون مثل جون ستيوارت مل وتوكفيل جدلاً بأن العبودية شر يجب استئصاله ولكنهم تخلوا عن موقفهم المشكك تجاه التوسع الإمبريالي الذي تميّز به نقاد العبودية الرئيسيون من الجيل السابق.

     إن مصير الحركة المناهضة للعبودية واحد من أهم أسباب اختفاء نقد التوسع الإمبريالي اللبرالي بعد تسعينيات القرن الثامن عشر وبدأ تبرير الحكم الإمبريالي البريطاني في تلك المرحلة-خلال القرن التاسع عشر- يستند على حجة أن بريطانيا جلبت (وهي الوحيدة القادرة على جلب) حكومة جيّدة للهند. مهّد العنف القائم والفساد البريطاني في الهند خلال العقود السابقة والحملات العسكرية على الأعداء الهنود والثروات الخاصة المكتسبة الكبرى طريقاً لأشكال أكثر تحكيماً للبطش مثل الضرائب الباهظة وسياسات الاستيراد، بُررت هذه السياسات بأنها جزء من نظام التطوير الذي قيل بأنه يستبدل الحكومات الاستبدادية بالمُلكية المؤمّنة وحكم القانون. أُستبدل “الصبية” الجشعون الذين ازدراهم بروك واتهمهم بمسؤوليتهم الجزئية عن عنف الشركة في الهند واضطرابها بموظفين مدنيين درسوا الإدارة واللغة الهندية في جامعة هاليبري وعُرفوا بنزاهتهم المهنية، وكما أشار مارشال أصبحت التقارير التي ترد من الهند أيضاً ايجابية حول حكم الشركة في مطلع القرن التاسع عشر بما لم تكن عليه من قبل بينما أرسل معارضو الشركة تقارير مُدينة لجرائم موظفي الشركة لبريطانيا[39]. كذلك قد يؤكد بروك على “الشرور التي برزت من نظام التضحية بشعب تلك الدولة –الهند- لمصلحة الأخرى.”[40] لم يستعد المراقبون الأوروبيون في القرن التاسع عشر للإيمان بأن النظام الاستعماري نوى التضحية بالمصالح الهندية لحساب البريطانية أو ضحّت فعلاً. تمسّك الكثير (منهم جيمس وجون ستيوارت مل) بالرأي القائل إن الحكم البريطاني للهند كان في الحقيقة مكلفاً لبريطانيا لكنه مبرراً لمزاياه الكبرى التي يقدمها للهنود.

     أزال إلغاء تجارة العبيد ومن ثم العبودية من وجهة نظر الإصلاحيين واحداً من أكثر أنواع الظلم وضاعة في السياسة والمجتمع الأوروبي في القرن الثامن عشر. لم يعد باستطاعة الراديكاليين –أم لم يحتاجوا- إلى الإشارة بأن العبودية دليل على وحشية واضطهاد النظام السياسي الأوروبي وعلى العكس وبعد إلغاء العبودية في المستعمرات البريطانية عام ١٨٤٨م والمستعمرات الفرنسية عام ١٨٤٨م وبدلاً من اتهام النشاطات الإمبريالية الأوروبية، ساهمت تجارة العبيد المستمرة في أفريقيا في تبريرها حيثُ دعا كلا من الإصلاحيين الدينيين والمدنيين بريطانيا إلى التغلغل في مناطق غرب أفريقيا حيثُ تنتشر تجارة العبيد ومنعها أيضاً[41]. أشار توكفيل –كما ناقشتُ في الفصل السابع- أن إلغاء العبودية في جزر الهند الغربية الفرنسية كان مهم للمحافظة على الجزر في الإمبراطورية.

التطور الاقتصادي والصناعة 

    تُعزى ثقة الأوروبيون الثقافية البالغة في القرن التاسع عشر –خاصة البريطانيون- مقارنة بأسلافهم في الأجيال السابقة أيضاً إلى الثورة الاقتصادية والتقنية الهائلة في العقود الأولى من القرن التاسع عشر. كانت هذه الثورة على الأرجح نتيجة للتدابير الجيدة في الاستغلال البريطاني لموارد المستعمرات وبخاصة العبودية والاستحواذ على أراض لامحدودة في العالم الجديد. وبعكس ذلك يعزى كساد الاقتصاد الهندي في القرن التاسع عشر إلى الحكم البريطاني نفسه.  لذا عندما يقارنُ بريطانيو القرن التاسع عشر تطور مجتمعهم بالهند المتأخرة فسيلاحظون –بجانبي المقارنة- ظواهر لم توجد قبل عام ١٧٩٠م وأن ذلك كان من عواقب الحكم الاستعماري.

     بينما جزم العديد في أوروبا في القرن الثامن عشر على تفوق أوروبا على المجتمعات “المتحضرة” الأخرى خاصة الهند والصين فإنه مازال ممكن نقاش أن ثروة الصين والهند ودقة صناعتها و رخاء أفقر سكانها مقارنة بمن هم في أوروبا يُظهر أن تلك المجتمعات مكافئة لمثيلاتها الأوروبية في الرخاء.[42] تشيرُ مقارنة كينث بوميرانز الدقيقة للبيانات الاقتصادية في القرن الثامن العشر على أن مستويات المعيشة ومعدلات الوفيات والولادة كانت متشابهة في معظم الدول المتقدمة اقتصادياً في آسيا (نهر اليانغستي و أجزاء من اليابان و البنغال) و أوروبا (بريطانيا و هولندا). دللّ بوميرانز أيضاً على أنه لم تصبح اقتصادات بعض دول أوروبا الغربية متقدمة على أولئك في الصين واليابان والهند إلا في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر وكذلك أظهر أن ثورة أوروبا الإنتاجية قد تكون نتيجة للصدف في أكثرها وليست نتيجة لأساليب طويلة الأمد من الترتيبات الاقتصادية المتفوقة[43]. على الرغم من بدء تصوير المجتمعات الآسيوية بالركود لكن عندما يقارن أوروبيو القرن الثامن عشر مجتمعاتهم بتلك التي في الصين أو الهند، لم يبدو من الواضح لهم -كما كان بالنسبة للمراقبين الفرنسيين والبريطانيين بعدهم بأجيال عدة- أن مجتمعاتهم كانت أكثر تطوراً أو ثراءً أو تفوقاً أو استنارةً في ممارساتها الاجتماعية والسياسية.

     علاوة على ذلك، قد يكون الحكم الاستعماري نفسه حتمياً للتطور الاقتصادي البريطاني في القرن التاسع عشر للتطور الاقتصادي البريطاني المتزايد في القرن التاسع عشر خاصة في تخفيف القيود على الأراضي المشتركة عبر أوراسيا و سد الحاجة الصناعية الأوروبية النهمة. انتهك التوسع الاستعماري عديداً من مبادئ نظرية سميث الاقتصادية فهي صرفت رأس المال في غير محله “الطبيعي” الذي يستثمر فيه وفرضت الضرائب على غالبية سكان الدولة غير المشاركين في التجارة الحرة لمصلحة القليل وفرضت نفقات عسكرية ضخمة على المواطنين. في حين يعقد سميث بأن فوائد التجارة العالمية كان من الممكن الاستفادة منها دون تكلفة الحكم الإمبريالي الذي رفضته دول كالصين التي استمرت في اتباع طريق التجارة وحدها (سواء على المستوطنين الأوروبيين أو الشعوب غير الأوروبية)، تشير التحليلات الاقتصادية الحديثة التي جمعها بوميرانز أن الحكم الاستعماري الأوروبي القسري والجبري كان ضرورياً للنمو الاقتصادي الهائل في أوروبا بعد عقود من وفاة سميث.

     من المرجح أيضاً أن أجزاء من الهند في القرن التاسع عشر كانت في الواقع “رجعية” مقارنة بما أصبحت عليه بعد توسع الحكم البريطاني في الهند. عندما زعم المراقبون البريطانيون للهند في القرن التاسع عشر أن المجتمع الهندي تميّز بالركود الاقتصادي والتقاليد الثقافية فهم وصفوا ظواهر كانت حقيقية بعض الشيء وذلك بفضل حكمهم الاستغلالي. فصّل دي. آيه. واشبروك السبل التي تسبب فيها الحكم البريطاني في العقود الأولى من القرن التاسع عشر بتحضّر مناطق عديدة من الهند وانخفاض الأهمية النسبية للتصنيع بها. ساهم الحكم البريطاني –يشمل ذلك سوء الحكم وفرض النظام التجاري لصالح الصناعة البريطانية- بتدمير الاقتصاد الصناعي الحيوي ذي الجودة العالية وظهور مجتمع هندي “زراعي قائم على الفلاحين” وبداية كساد اقتصادي استمر لعقود طويلة[44]. على الرغم من اعتراف بعض المراقبين البريطانيين بدور بريطانيا في هذه التطورات المشؤومة خاصة فيما يتعلق بجهود شركة الهند الشرقية التخريبية لإصلاح حقوق الملكية، كان الافتراض السائد أن الثقافة الهندية مسؤولة عن تأخر المجتمع وأن الحكم البريطاني كان أمل الدولة الوحيد في التنوير والتطور.

     فيما يتعلق بالجانب الثقافي أيضاً، ساعد الحكم البريطاني في أن يصبح المجتمع الهندي أكثر “تقليدية” عمّا كان عليه من قبل: أضحى النظام الطبقي أكثر تشبتاً و تغلغلت آثاره في جوانب من المجتمع والديانة الهنديين في وقت لم يكونا فيه مؤثرين، فتطورت حركات الإحياء الهندوسية والإسلامية كردة فعل لتهديد التبشير المسيحي وكما قال واشبروك: “بات المجتمع الهندي أكثر “تديناً” و “طائفية” بعد الحكم البريطاني”[45]:

كانت التأثيرات الكبرى التي –الحكم البريطاني في الهند- أحدثها (بقصد أو غير قصد) ليست مجرد نقل الحضارة البريطانية إلى الشرق بل انشاء مجتمع هناك مبني على استمرار الاختلاف “المستشرق” كما شرحها ادوارد سعيد. غدت الهند مستعمرة زراعية تابعة لهيمنة بريطانيا الصناعية، تجردت مؤسساتها الثقافية الأساسية من امكانياتها و “قُوّمت” على تشكيل تقليدي ثابت وتعرضّ “مجتمعها المدني” إلى سيادة الدولة العسكرية المهيمنة. قد يكون للحكم البريطاني قبل التمرد الفضل في تغيير المجتمع الهندي ولكن هذا التغيير جاء بعكس افتراضات “التحديث” وتركها حاملاً أسطورة “الرجعية” الكبرى التي تراجع عنها لاحقاً. (٣٩٩)

تذرع مناصري الإمبراطورية اللبراليون بالرجعية الهندية كمبرر للحكم البريطاني المتحضّر لكن لاحقاً تبين أن هذا الحكم خلق جوانباً من المجتمع الهندي تراها بريطانيا رجعية وفاقمها ورسخها.

الاختلاف العرقي والانساني

     ساهمت المفاهيم العرقية المتغيرة و أشكال العنصرية الجديدة أيضاً في التحول الكبير في المفاهيم الأوروبية لعديد من المجتمعات غير الأوروبية حتى لدى مل و توكفيل اللذين شنّعا نظريات تتعلق بالاختلافات البيولوجية بين الأعراق. أشار العديد من العلماء إلى التحول من ايمان بالاتحاد الإنساني إلى التباين الإنساني الذي حدث في نهايات القرن الثامن عشر وبداية عقود القرن التاسع عشر. يقول روكسان ويلر إن “الالتزام الوجودي بالتشابه الإنساني بدت تظهر عليه نقاط ضعف” في سبعينيات القرن الثامن عشر. أصبح التحول من الشمولية البيولوجية في تسعينيات القرن الثامن عشر منتشراً و أشارت نانسي ستيبان إلى أن اجماعاً جديداً بدأ يأخذ منحاه في أواسط القرن التاسع عشر عندما رأت بريطانيا تغيراً في التأكيد على التجانس الظاهري والأخلاقي للإنسان –بغض النظر عن الاختلافات السطحية إلى التأكيد على التباين الأساسي للجنس البشري على الرغم من التشابهات السطحية[46]. انعكس السياق الفكري القائم على التأكيد المتزايد على عمق الاختلافات بين المجموعات الانسانية خلال القرن التاسع عشر على تطور الآراء حول الشعوب غير الأوروبية والإمبراطورية في حين أن كل المفكرين الذين يناقشهم هذا الكتاب ملتزمون بالمساواة و الوحدة البيولوجية.

     يتشارك سميث وبيرك وبيتام في ايمانهم بفرضية الوحدة الانسانية السائدة في عصرهم وانعكاساتها على الاختلاف الثقافي و أكد كل هؤلاء الثلاثة على المساواة العقلية لجميع الشعوب وناقشتُ ذلك في الفصل الثاني مروراً بالرابع. وعلى العكس من ذلك عَكس الخطاب الأوروبي في القرن التاسع عشر فرضية سائدة تقول إن المجموعات الإنسانية تتسم باختلاف عميق في أطباعها وقدراتها، تعكس هذه الفكرة أعمال توكفيل و جون ستيوارت مل حتى وإن كان كلاهما رافضان للنظريات البيولوجية للاختلاف الإنساني. عارض توكفيل النظريات العنصرية لصديقه و تلميذه غوبينو ووصفها بـ”الخاطئة و المقيتة”[47]، وبالمثل انتقد مل الميل إلى التفسيرات البيولوجية للاختلاف الإنساني في القرن التاسع عشر وقارن هذا الميل بميل “الشعوب البدائية” إلى إيعاز مالا يقدرون على تفسيره إلى التدخل السماوي.[48] ينبغى أن تؤخذ عنصرية معاصري مل بعين الاعتبار إذا نظرنا إلى جهوده في رفع دعوى لمحاكمة ادوارد جون آير حاكم جامايكا و سأناقش ذلك في الفصل الخامس. حارب مل العنصرية المقيتة بين مناصري آير البريطانيين منهم أكثر الكُتاب بروزاً وبلاغة مثل كارليل و روسكين. يؤكد مل في ذلك السياق على أهمية العدل والإنصاف لأتباع بريطانيا من البيض والسود وهذا يمثل التزاماً كاملاً بالمساواة الأخلاقية بين الأعراق المختلفة.

     لا تزال كتابات مل تظهر لغة التفاوت الإنساني بطريقة قد تكاد تنتمي إلى الخطاب العرقي وهو نفسه أكد على ذلك بقوله “لم أنو انكار تأثير الأعراق قط”. (الأعمال الكاملة ١٥:٦٩١). يشير جورجيو فاروكاكس أنه على الرغم من انكار مل للحتمية البيولوجية والتفسيرات العرقية فإن افتراضاته الضمنية واستخدامه لغه تشير إلى علاقة بين العوامل الظاهرية والبيولوجية والشخصية الانسانية[49]. تخون العديد من آرائه حول “وطنية” الشخصية كلا من التصنيف غير النظري والأعمى للمجموعات الإنسانية واقتراح الحتمية الظاهرية: “أكثر حساد البشرية هم المستشرقون… بعدهم بعض الأوروبيين الجنوبيين…. مع الفرنسيين وهم جنوبيون”[50]. وصف مل التفسيرات العرقية بالبسيطة والضعيفة إلا أنه ينظر إلى تعريف “الشخصية” للمجتمعات الإنسانية المختلفة –وترتيب تلك المجتمعات بمقياس التطور- عنصراً ضرورياً للتحليل الاجتماعي المنطقي وكما سنرى يعتبر مل اهمال بينتام لهذه التصنيفات والتسلسلات الهرمية قصوراً في فكره.

     وصل منظرو التقدم إلى أن التقدم مسألة عقلانية متزايدة وقدرة ادراكية بحيث يمكن وصف أفراد المجتمعات في مراحلها “المبكرة” من التطور بأنهم ليسوا بشراً عقلاء يعملون في سياقات متعددة من التنظيم الاجتماعي فهم محدودين معرفياً بحسب مل: غارقون في الأخطاء أو عبيد للخرفات غير قادرين على التفكير المجرد المهم لاستمرار العقود والمعاهدات، “لا يمكن الثقة بهم” و يفتقرون إلى “الشخصية” ولا يمكنهم المشاركة في صناعة القرار في حكوماتهم ليس بسبب أميتهم أو افتقارهم للتعليم بل بسبب (أحياناً يوصف بلغة غامضة) القصور الحضاري المتجذر[51].

     وصفت فكرة التطور أو التقدم الخطي بأنها امبريالية في أسلوبها وذلك نتيجة لخصائص فلسفات التاريخ ونظريات التقدم في القرن التاسع عشر ومازالت نظرية التاريخ لآدم سميث ونظريته الأخلاقية والسياسية العامة تُظهر أن مفاهيم التقدم التاريخي في القرن التاسع عشر قد تكون قابلة للتطوير في حين أن هناك مقاومة لأي ايحاء بإقصاء غير الأوروبيين من معايير الاحترام السياسي العامة أو تضمينهم أو معاملتهم بالمثل.

     يوصف جميع المفكرين الذي يناقشهم هذا الكتاب بشموليتهم فهم فاوضوا بطرق مختلفة التوترات بين الالتزامات الشمولية الأخلاقية والاعتراف بالخصوصية. كانوا شموليين في التزامهم بالوحدة الإنسانية والمساواة الإنسانية الأخلاقية وفي رفضهم لنظريات تعدد الأصول والعنصرية البيولوجية التي بدأت تأخذ منحاها في تلك الفترة[52]. اتخذت شموليتهم أشكالاً مختلفة باختلاف التأثيرات الراديكالية للسياسة الدولية والحكم بين الثقافات. يتفق بريك ومل أن الامبراطورية البريطانية يجب أن تكون –بحسب بريك- “متحدة على مبدأيّ المساواة والعدالة.”[53] لكنهما طوّرا مفاهيماً مختلفة في كيفية تطبيق هذه المساواة نظراً إلى الاختلاف الذي لا يمكن انكاره بين المجتمعات الأوروبية و سكان المستعمرات المحليين. وقفت أوروبا في قمة التاريخ العالمي بنظرة شمولية شكلت اللبرالية الإمبريالية التي برزت في منتصف القرن التاسع عشر وجهه نظر أُعتقد أنها منحت الأوروبيين سلطة معرفية وأخلاقية لفرض تقدمها على المجتمعات الأقل تطوراً وذلك بالعنف والاكراه اللذان اعتبرا مهمين للسلطات الاستعمارية ذات النوايا الحسنة. بررت هذه الشمولية التقدمية الحكم الإمبريالي الأوروبي بمصلحة الشعوب “المتأخرة” ملغية سيادة السكان الأصليين في عدد من الدول ومرخصة لسياسات التدخل على نحو متزايد في أنظمة المجتمعات المستعمرة التعليمية و القضائية والعقارية و الدينية ومع تطور هذا النوع من الفكر اللبرالي الامبريالي، تفوقت شمولية أكثر تسامحاً وتعددية مبنية على العقلانية المتساوية لجميع البشر والايمان بمعايير الأخلاق والعدالة التي تنظم العلاقات داخل أوروبا و تُنظم أيضاً علاقات أوروبا مع المجتمعات الأخرى.


الهوامش:

 الكتابات السياسية لدينيرو، ١٧٧. ظهرت هذه الفقرة في كتاب تاريخ جزر الهند الشرقية لرانيال (طبعة عام ١٧٨٣م) المجلد الثامن، الفصل الأول.[1]
 استخدم مصطلح الإمبراطورية لوصف حكم شعب على آخر سواء كان ذلك مباشراً أو غير مباشر عبر شركات التجارة الإمبريالية، يُعرف بيرك الإمبراطورية بأنها “مجموعة دول تحت حكم مشترك.” عرّف جون ستيوارت مل التابعيات بأنها “أراضٍ لها حجمها وسكانها تخضع لسيادة دولة مؤثرة ولا تمثل نفسها (بكل الأحوال) بمساواة في البرلمان.” (خطاب التوافق مع أمريكا لبيرك، ادوارد بيرك ٣:١٣٢، اعتبارات في الحكومة الممثلة لمل، جون ستيوارت مل ١٩:٥٦٢). استخدم مصطلح مستعمرة في هذه الفترة لوصف الأراضي الاستيطانية، ولمعالجة الأشكال السياسية المختلفة المشتملة على مصطلحي الإمبراطورية والمستعمرة وظهور مصطلحات الإمبريالية الإمبراطورية و المستعمرة الاستعمارية في أوروبا الحديثة راجع كتاب الإمبراطورية لكويبنر، “أصول الإمبراطورية” لكاني و أسياد العالم لباغدين و “المستعمرات” لفينلي. يرجّح ديفيد أرمتج أن مصطلح الإمبراطورية البريطانية بدأ يتداول في الربع الثاني من القرن الثامن عشر (أصول الأيدولوجيات، ١٧٠-٧١).[2]
عن الحرية (نشر لأول مرة عام ١٨٥٩) جون ستيوارت مل ١٨:٢٢٤.[3]
لتطورات مماثلة في القانون الدولي، راجع قانون الشعوب لألكساندرويكس.[4]
إن استخدام علامات التنصيص عند كل مرة أذكر مصطلحات مثل متحضر، متقدم، متأخر، وحشي، بربري التي تظهر بكثرة في نقاشات تبرير الحكم الإمبريالي على الشعوب غير الأوروبية قد يسبب تشتتاً، الطبيعة الإشكالية لهذه المصطلحات تحل خلال الفصول التالية. [5]
كتب بيرك في “رسائل إلى اللورد النبيل” أن خدمته في صالح الشؤون الهندية… هي أكثر أعماله أهمية، للعمال والحكم والنوايا والدأب في مهنته. قد يقدرها البعض لنواياها وهم مخطئون في ذلك. (كتابات وخطب ادموند بيرك ٩:١٥٩).[6]
لاتناقش هذا الدراسة النقاد الألمان للإمبراطورية حيث أن ألمانيا لم تكن قوة استعمارية حتى ذلك الوقت، لم يشارك المفكرون الألمان في تلك الفترة في مناقشات حول السياسة الإمبريالية كما كان الحال لدى نظرائهم البريطانيون والفرنسيون، ومع ذلك عاصرت ألمانيا تطوراً فكرياً مشابهة للتي نناقشها هنا يشمل ذلك الموقف النقدي تجاه الطموحات الامبريالية وتطور نظريات التقدم والآراء المحقرة للشعوب غير الأوروبية. راجع “اضاءات على الإمبراطورية” لمراجعات امانول كنت و جوان قوتفايد هيردر المناهضة للإمبريالية [7]
راجع الفصل السادس حول استخدام توكفيل لهذا المصطلح. وصف بينتام و مؤسسه المشارك لجامعة كلية لندن بـ”اتحاد اللبراليان” (رسالة إلى سايمون بوليفر، ١٣، أغسطس/١٨٢٥، راجع “تخيّل بينثام”١٠) مل هو أول من وصف نفسه بـ”اللبرالي” عام ١٨٣١م، ووصف اللبرالية بأنها “كل رجل هو مرشد نفسه و قائدها المستقل… تاركاً للآخرين اقناعه إذا تمكنوا بالأدلة ولكنها تمنعه من التخلي عن سلطته” (رسالة إلى جون ستيرنغ، ٢٠-٢٢/أكتوبر/١٨٣١م، الأعمال الكاملة ١٢:٨٤). وفي أواخر حياته عرّف مل اللبرالية بأنها “جانب… من الحضارة الحديثة والتقدم” (“انجلترا وايرلندا” ١٨٦٨م، الأعمال الكاملة ٦:٥٢٣). قال كاتب سيرة كونستانت دينس ود عن سياسته في نهاية تسعينيات القرن الثامن عشر: “ربما لا يكون من المبكر الحديث عن تطور موقفه السياسي كلبرالي.” (بينجامين كونستانت، ١٤٨) وأشارت بانكاماريا فونتانا أن كونستانت استخدم مصطلح لبرالي لوصف نفسه و “أصدقائه السياسيين” و أكدت على أنه لا يعني بها الحركة الساسية” (كونستانت و عقل مابعد الثورة،١٣).[8]
راجع نقاشات هذه الإشكالية في كتاب تقاليد اللبرالية لهاكونسين.[9]
اللبرالية والنفعية لويلش ٤. يساعد الاعتراض على الحكومة الملكية في اظهار سبب اعتبار بيرك مفكراً لبرالياً نظراً إلى عداوته الشديدة لجهود التاج البريطاني في نشاطه التوسعي ونقده الحاد للملكية الفرنسية عقوداً قبل الثورة الفرنسية. راجع اللبرالية الأرستقراطية لكاهان، عن صعوبات وصف لبرالية أوروبا في القرن التاسع عش، أكد كاهان على أن هناك “قلقاً من مخاطر اثنتان من الدول الاستبدادية من الشمال ومن الجنوب وأشار أن لبراليو بريطانيا وفرنسا وألمانيا من ثلاثينيات القرن الثامن عشر إلى سبعينياته في نهاية المطاف دعموا الاقتراع العام (١٤٠). ناقشت روابطاً بين المخاوف اللبرالية حول الديموقراطية و الدعم اللبرالي للإمبراطورية في الفصل السادس والثامن.[10]
يتناول حقوق الحرب والسلم لريتشارد تك السبل التي كانت تشغل السياسية الدولية التي وصفها تك بالخيال اللبرالي من غروتس مروراً بكانت، راجع أيضاً اللبرالية والامبراطورية لميهتا و “الشعوب المتفوقة” و”انهاء الاستعمار اللبرالية” لبارخ، و ماوراء المجتمع الفوضوي لكيني و “توسع اللبرالية” للينغ.[11]
على الرغم من تركيز ميهتا في كتابه المهم على بريطانيا في القرن التاسع عشر لكنه غالباً يشير إلى حجة واسعة تتعلق باللبرالية مشيراً على سبيل المثال للتقليد اللبرالي من لوك إلى مل (راجع اللبرالية و الإمبراطورية، ٤-٨).[12]
راجع الفصل الرابع لمزيد من انتقادات بينتام للإمبراطورية البريطانية لـ”انكارها العدل و الظلم و الابتزاز {و} الاستبداد” (القوانين الدستورية للمستعمرات والتجارة،٢٢٥).[13]
كما ناقشت في الخاتمة، بين مل وتوكفيل، لاحقاً في حياتهما المهنية، قلقاً متزايداً من الأخطار الأخلاقية والسياسية للسياسات الإمبريالية وحذرا من الظلم المستمر الذي بدا وكأنه جزء لا يتجزأ من العلاقات الاستعمارية، على الأقل في وجود السكان المستوطنين البيض. راجع أيضاً “البراءة من الإمبراطورية لمانتينا.[14]
الأولغارشية هي نظام سياسي تتولى السلطة فيه فئة قليلة من ذوي النفوذ والمال، معجم الرائد (المترجم).[15]
تختفي لغة توكفيل الساخرة في كتاباته عن الجزائر بينما تبدو لاذعة في نقاشه عن نفاق الأمريكيين في معاملتهم للهنود الحمر. أشير في الفصل السادس تمتع توكفيل بمراقبة فاخرة وغير مسؤولة في أمريكا ولكن في حالة الجزائر كان لديه تأثير بارز على السياسة لكنه قمع توجهاته المشككة. راجع أيضاً “العنف الاستعماري” لويلش. ٢٤٨-٥١.[16]
راجع القوانين الدستورية للمستعمرات والتجارة. بدأ بينتام في حججه المعارضة للاستعمار بخطبة حرروا مستعمراتكم! التي ألقاها في المؤتمر الوطني لفرنسا ١٧٩٣م، مبيناً عدم جدوى التابعيات البعيدة للدول الأوروبية (لندن، ١٨٣٠م) (الحقوق والتمثيل و الاصلاح،٢٨٩-٣١٥).[17]
 كانت أكثر انتقادات ديديرو للتوسع الإمبريالي الأوروبي حدة في اسهاماته التي نشرت دون اسمه في التاريخ السياسي الفلسفي للاستعمار والتجارة في جزر الهند الغربية لأببي راينال. جادل سانكار موثو أن “مرونة الأخلاق الشمولية لديديرو أتاحت له الدعوة إلى الحرية والكرامة لكل البشر ومراجعة مجموعة واسعة من الممارسات الثقافية والمؤسسات في العالم غير الأوروبي بأنها عقلانية و استجابات للاحتياجات والاهتمامات المحلية”. “اضاءات في الامبريالية،٧٦” راجع أيضاً أنثروبلوجيا التاريخ لبينو و ديديرو و دتشت.[18]
“فكر توكفيل” لبرلين ٢٠٤. لا تدعم ديموقراطية أمريكا حتى هذه القراءة المتفائلة كما سأناقش في الفصل السادس.[19]
راجع “الولايات المتحدة الأمريكية” لهارت، لمعالجة عداء بينتام للمطالبات الأمريكية، كان ذلك غالباً في مساهمات مجهولة لأعمال صديقه جون لين، اتفق بينتام لاحقاً مع الاستقلال الأمريكي و أبدى حماسته له.[20]
مذكرات جيرمي بينتام لجون بوارنغ، أعمال جيرمي بينتام ١٠:٦٣، راجع “الولايات المتحدة الأمريكية” لهارت.[21]
كما أظهر ديفيد ارماتج و أنثوني بيغدين –على الرغم استهلاك العلاقات مع الهنود الحمر الطاقة الامبريالية- كان المفهوم المنتشر أن الامبراطورية البريطانية هي مستوطنات لأرض بلا صاحب أو أرض بور بدلاً من حكم الغرباء ويؤكد هذا المفهوم على أن الامبراطورية تتكون من شعوب حرة و متساوية. راجع الأصول الأيدلوجية لارماتج و “نضال من أجل الشرعية”، راجع أيضاً حكام العالم لبيغدين، الفصل الخامس.[22]
 : مدينة في ولاية أوهايو، الولايات المتحدة. (المترجم).سينسيناتي[23]
يؤرخ التاريخ الامبراطوري المرحلة الإمبريالية “الثانية” بداية من خسارة أمريكا عام ١٧٨٣م وتنتهي قبل التدافع في اتجاه أفريقيا في نهاية القرن التاسع عشر. راجع زوال الإمبريالية لبيالي و لنظرة تقليدية للإمبراطورية البريطانية راجع الإيجاد لهارلو و لمراجعتها راجع “البحر الكاريبي والهند” لمارشال و “المفهوم البريطاني للإمبراطورية” لارماتج. يرى ارماتج ومارشال نقطة تحول مهمة عام ١٧٦٣م مع حرب السنوات الستة التي شهدت ظهور امبراطورية بريطانية متنوعة وعالمية (“بريطانيا والعالم”٤). [24]
“المفاهيم البريطانية” لبراون.[25]
“الأصول الأيدلوجية لارماتج و عقل الشعوب لويلسون. راجع أيضاً “المواطنة والإمبراطورية والحداثة” لويلسون. ١٧٤-٧٧. لكارن أوبراين و وصف مماثل للإمبراطورية البريطانية “حلم بريطاني عالمي يجلب السلام البريطاني العالمي و التجارة الحرة” (“البروتستانية والشعر”،١٤٧).[26]
أظهر ارماتج أن هذه الصورة كانت في الأصل ايدلوجية وليست هوية، كانت مساهمة في الحجة السياسية وليست مفهوماً معيارياً (الأصول الأيدلوجية،١٧٢). أشار ريتشارد كويبنر أن انشقاق الأمريكيين من جهة والاتحاد مع ايرلندا من جهة أخرى أظهر تغيرات هائلة في القوة النسبية للشعب الذي بمعني ضيق أو واسع يسمى بريطانياً، بينما الأمريكيون قبل الاستقلال كانوا خُمس “الشعوب الحرة تحت التاج البريطاني” أما الكنديون البريطانيون فهم يشكلون عُشر نسبة الأمريكيون البريطانيون (الإمبراطورية، ٢٩٥). [27]
حول المزيج بين الفخر والتخوف المنتشر بين الشعب البريطاني نتيجة للتوسع البريطاني السريع بعد انتصارات بريطانيا في حرب السنوات السبعة، راجع سباق الجزيرة لويلسون، الفصل الأول و المفاهيم البريطانية لبراون.[28]
حول الجهود البرلمانية لتنظيم نشاطات الشركة في ستينيات وسبعينيات القرن الثامن عشر، راجع شركة الهند الشرقية لفيلبس وشركة الهند الشرقية لساذرلاند.[29]
راجع “جونز والتوجهات البريطانية” لموخرجي و السير ويليام جونز.[30]
“هاستينغس باحثاً وراعياً” لمارشال.[31]
راجع خريطة البشرية العظمى لمارشال وويليامز،١٢٠-٢٣.[32]
راجع مناقشات النائب اليساري اميدي ديسجوبري –معاصراً توكفيل وتلميذاً لجي بي سيه- في الفصل السادس.[33]
 حول الثقة المتزايدة بالتفوق الأوروبي خلال توسع الإمبراطورية الأوروبية في القرن الثامن عشر، راجع المجتمع الهندي لفيليبس ووينرايت وخريطة البشرية العظمى لمارشال وويليامز٢٠١. أشار مارشال وويليامز إلى أن استخدام مصطلح المجتمعات “البربرية” لنقد الفساد الأوروبي اختفى في نهاية القرن.[34]
راجع اضاءات على الامبراطورية لموثو[35]
راجع “الأرجوحة الأخلاقية” لمارشال. أشار مارشال أن مناهض حكم الإعدام ويلبرفورس صوت لصالح اقالة وارين هستغنز و صاغ بيرك مذكرة اصلاح العبودية وصوّت لصالح إلغاء تجارة الرقي. راجع أيضاً افتتاحية مارشال لبيرك (كتابات وخطب ادواند بيرك) حيث يشير إلى كتيب مناهضة العبودية الشهير المعنون بـ”ألستُ رجلاً و أخاً؟” يقارن فيه ظلم بريطانيا في الهند و أفريقيا.[36]
كتب موليغان عن النهب البريطاني في الهند “عار السلاح البريطاني، خزي على الجنس البشري” (قصائد في العبودية والظلم)، شارك شكوكه مع كتاب معاصرون آخرون (منهم آدم فيرغسون و كنت وديديرو) حول صحة المعلومات الواردة من لأوروبا حول الدول “البربرية”. قال موليغان في حاشية “ظلل مدافعو العبودية حالة الزنوج في بلادهم  ولُمع وضعهم في جزر الهند الغربية…. بُنيت تقديرات خاطئة عن مساوئ الدولة “البربرية”، لنفترض أن الهنود والزنوج يطلقون علينا أحكاماً كالتي نطلقها وينظرون إلى الجانب المظلم من الصورة، قد ترونه نوعاً من الغطرسة عندما يقول “أحتقر هؤلاء الأوروبيون و أشفق عليهم” (٨٣).[37]
الأرجوحة الأخلاقية لمارشال،٧٢.[38]
راجع الأرجوحة الأخلاقية لمارشال،٩١.[39]
“التقرير التاسع للجنة المختارة”، كتابات وخطب بيرك ٥:٢٥٢.[40]
أظهرت منظمات مثل جمعية الغاء تجارة العبيد و من أجل حضارة أفريقية التي نشطت في أربعينيات وخمسينات القرن التاسع عشر(بأعضاء بارزين مثل توماس بكستون و تي بي ماكاولي) سبلاً ربطت فيها الحركات الإنجيلية والحركات المناهضة للإعدام القضايا الإنسانية بالمهمة الحضارية والاستعمارية.[41]
راجع آلات بمقياس الإنسان لآدس، تراجع الإعجاب بالصين كنموذج للازدهار والشرعية والعقلانية البيروقراطية قبل منتصف القرن الثامن عشر، بينما زعم فولتير بإعجابه وبالنظام السياسي الرشيد والسلمي للصين (بعد ثناء مشابه للايبنتز، كريستيان ولف والمبشرين اليسوعيين).[42]
يقول بوميرانز أن عدداً من الظروف المصادفة ساهمت في الثورة الصناعية الأوروبية الغربية المتسارعة والفريدة من نوعها في نهاية القرن الثامن عشر مثل قرب مناجم الفحم البريطانية لنقالات المياه والفائدة غير المتوقعة للمحرك البخاري في رطوبة المناجم البريطانية (كان للصينيين تقنية مشابهة لكنها لا تتضافر مع التجارب التي جعلها مجدية اقتصادياً في بريطانيا). الاختلاف الكبير لبوميرانز، المقدمة والفصل السادس.[43]
“الهند ١٨١٨م-١٨٦٠” لواشبروك،٣٩٧.[44]
الهند ١٨١٨-١٨٦٠” لواشبروك، ٣٩٧. الطبقية والمجتمع والسياسة لسوزان بايلي، طبقيات العقل لديركس، بينت جهود بريطانيا في فهم المجتمع الهندي مساهمة في (ليست مسؤولة بالكامل عن) صلابة النظام الطبقي، الانقسامات الطبقية، امتداد الطبقية لمناطق جديدة ومجموعات جديدة لم تعرف الطبقية من قبل. يصور سي آيه بايلي المجتمع الهندي بالحيوية والتعدد الذي لا تعترف به بريطانيا فضلاً عن النتائج الحكم البريطاني غير المقصورة و المباشرة في انشاء مجتمع هرمي بترتيب ثابت.(المجتمع الهندي والطبقية، ١١-١٢و ١٥٥-٥٨).[45]
راجع البشرة والعرق لويلر. أشار ستيبان أنه “بحلول منتصف القرن التاسع عشر، قد يتفق الجميع –في بريطانيا- على ما يبدو على أن العرق الأبيض متفوق على غيره”(فكرة العرقية،٤)، راجع أيضاً من الأمة إلى العرقية لهدسون واختراع التقدم لبولر حول اساءة استخدام نظرية التطور لداروين في خطابه التقدمي “الفكتوريون، ايمان مطلق بتفوقهم” (١٣).[46]
رسالة إلى غوبينو،١٢ نوفمبر/١٨٥٣م، الأعمال الكاملة لتوكفيل ٩:٢٠١-٢. أشار جورج فريديكسون أن توكفيل علّق بقدر كبير من اليقين عن أن نظريات غوبينو خبيثة أكثر من كونها خاطئة.(الخيال المقارن،١٠٥).[47]
انتقد مل في مبادئ الاقتصاد السياسي ايعاز اختلافات السلوك والشخصيات إلى الاختلافات الطبيعية الكامنة (الأعمال الكاملة،٣١٩-٢) للإشارة إلى الشعوب البدائية. راجع رسالة مل إلى تشارلز دوبنت وايت (٦/أبريل/١٨٦٠م)، الأعمال الكاملة ١٥:٦٩١ (بالفرنسية:ترجمتي).[48]
راجع “مل حول العرقية،٢٩” لفاروكاكس. يقول فاروكاكس أن مل زاد اصراراً على أن العرقية لاتهم إلا قليلاً (مل حول الجنسية،٤٧).[49]
آراء في الحكومة الممثلة (الأعمال الكاملة،١٩-٤٠٨).[50]
راجع اللبرالية والامبراطورية حول الطرق التي ميزت بها الشمولية اللبرالية (بالأخص لوك ومل) بين القدرات الأنثروبيالوجية والشروط اللازمة لصيرورتها. أُقر بأن القدرات عالمية لكن حُرم العديد من الشعوب من حقوقهم لأنهم لم يتمكنوا من استغلال هذه القدرات.[51]
كان جون ستيوارت مل مستعدٌ للحديث عن “القيمة الأخلاقية” غير المتساوية للإنسان، راجع الجزء الثاني. [52]
رسالة إلى أنطوني ديرموت،١٧/أغسطس/١٧٧٩م،مراسلات بريدية،٤:١٢١.[53]
error: المحتوى محمي