الثقة المفرطة: كم نسينا قوة التواضع والقنوت – جاكوب بوراك / ترجمة: عبير أسامة

الثقة المفرطة: كم نسينا قوة التواضع والقنوت – جاكوب بوراك / ترجمة: عبير أسامة

jacob-burak-intro

جاكوب بوراك

الثقة المبالغة

كم نسينا قُوة التواضع والقنوت

جاكوب بوراك ا ترجمة: عبير أسامة


 

قال قطب الإعلام تيد تيرنر في عام 1990 في لحظة من الوفرة النرجسية “لو كان لدي القليل من التواضع, لكنت شخص كامل” وبينما كان تيرنر أكثر تواضعاَ في ذلك الحين, تولد اليوم العديد من رجال الأعمال الذين يُظِهرون غطرسة مُماثلة.

 

لماذا يجب علينا أن نتواضع؟ قال أرسطو, “الإنسان بطبيعته ميال إلى المعرفة.” التواضع الفكري هو نوع معين من التواضع, حيث يمكنك أن تكون شخص أصيل ونزيه بشأن معظم الأشياء ولكنك لا تزال تتجاهل القيود العقلية الخاصة بك. يعني التواضع الفكري الاعتراف بأننا لا نعرف كل شيء, وما نعرفه، لا ينبغي أن نستخدمه لصالحنا. عوضاَ عن ذلك, ينبغي علينا البحث عن مصادر الحكمة التي نفتقدها والاعتراف بأننا ربما أحيانا ننحاز إلى التصديق حول مدى ما نفهم.

 

خلقت شبكة الانترنت ووسائل الإعلام الرقمية معرفة ومعلومات لا حد لها في متناول أيدينا, فقام ذلك بجعلنا كُسالى, وفتح فضاء يستطيع أن يملأه الجهل. على موقع The Edge، أوضحت عالمة النفس تانيا لومبورزو من جامعة كاليفورنيا كيف يمكن للتكنولوجيا بإن تزيد من أوهامنا بشأن كمية الحكمة التي قد نمتلكها. و قامت أيضا بمناقشة الطرق التي نصل بها إلى المعلومات حول قضية معينة بأنها قد تكون حساسة اتجاه طريقة تفكيرنا. فكلما زادت سهولة استذكار صورة أو كلمة أو عبارة كلما اعتقدنا أننا تعلمناها بشكل ناجح, وهذا خاطئ لإننا نقوم فيه بالكف عن الاستيعاب الكامل للقيمة المعرفية ذات المجهود الكبير.  على سبيل المثال, تعرض الألغاز بخط غير ملائم وذلك يمكن أن يشجع الناس إلى بذل جهود إضافية لحلها. لكن مع ذلك, يخالف هذا النهج طبيعة تصاميم المواقع والتطبيقات التي تستوطن شاشاتنا, حيث فيها يقوم الدماغ باستيعاب المعلومات بطريقة بسيطة وسلسة.

 

ماذا عن جميع التعليقات والمحادثات التي تحدث على الانترنت؟ حسناَ, قدرتك على التعلم منها تعتمد على سلوكك اتجاه الأشخاص الآخرين, فالأشخاص المتواضعين فكرياَ لا يقمعون أو يخفون أو يقومون بتجاهل نقاط ضعفهم. في الواقع، يرون نقاط ضعفهم مصادر للتطور والتقدم الشخصي, ويستخدمون المجادلات كفرصة للتحسين من وجهات نظرهم. الأشخاص المتواضعين بطبيعتهم يميلون إلى أن يكونوا أكثر انفتاحا وأسرع حلاَ للخلافات, بحيث أنهم يدركون أن أرائهم الخاصة قد تكون غير صحيحة. أظهر عالم النفس كارول دويك في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا انه اذا كنت تعتقد بإن الذكاء شيء يمكن تطويره من خلال الخبرة والعمل الجاد فقط, من المحتمل أن تبذل المزيد من الجهد لحل المشاكل الصعبة، مقارنة مع أولئك الذين يعتقدون ان الذكاء صفة وراثية وغير قابلة للتغيير.

 

يعتمد التواضع الفكري على القدرة في تفضيل الحقيقة على الحالة الاجتماعي. فهو في المقام الأول يدعو إلى الالتزام بالسعي نحو الأجوبة والاستعداد التام لقبول الأفكار الجديدة, حتى ولو كانت تتعارض مع وجهات نظرنا. عند الاستماع إلى الآخرين، نحن نتعرض لخطر اكتشاف أنهم قد يعرفون أكثر مما نعرف, ولكن الأشخاص المتواضعين يرون أن التطور والتقدم الشخصي هدف في حد ذاته, فنحن سنفوت الكثير من المعلومات المتاحة حولنا إذا ركزنا فقط على أنفسنا وعلى مكانتنا في هذه الحياة. 

 

في الطرف الآخر من المقياس تقع الغطرسة الفكرية, التوأم الشرير للثقة المفرطة. تنبع الغطرسة من التحيز الأناني, وتميل إلى المبالغة القصوى في أهمية الشخص, وتتجاهل دور الصدفة تماماَ ودور التأثير النابع من تصرفات الناس في حياتنا. وتجعلنا نقوم بإسناد النجاح لأنفسنا فقط والفشل للظروف. يعتبر التحيز الأناني منطقي حيث تعد تجربتنا الشخصية هي أكثر ما نفهمه من أي شيء. ولكنها تصبح مشكلة عندما تكون التجربة ضعيفة لتشكيل رأي جاد. فأظهرت الدراسات أن بعض الأشخاص يجدون صعوبة في ملاحظة بعض الأمور الخاصة بهم، في حين انه يسهل عليهم جدا ملاحظتها في الآخرين.

 

ومن منظور تطوري، يمكن أن يُنظر للغطرسة الفكرية كوسيلة لتحقيق السيطرة من خلال فرض رأي واحد على الجميع. لكن فالوقت نفسه, يستثمر التواضع الفكري الموارد العقلية في المناقشة والعمل نحو اتفاق الجميع في الرأي. يُمول مركز ازدهار التنمية البشرية في ولاية كاليفورنيا المساهم في مساعدة الشباب وتحويلهم إلى بالغين ناجحين سلسلة من الدراسات الهامة عن التواضع الفكري. تقوم فرضيتهم على أن التواضع والفضول والانفتاح هم المفتاح لحياة رغدة ومرضية. تقترح واحدة من أبحاثهم مقياس لقياس التواضع وذلك من خلال دراسة أسئلة تدور حول إذا ما كان الناس دائما متواضعين بطبيعتهم أو أن ذلك التواضع يعتمد على الظروف فقط. والإقرار بان آرائنا وآراء الغير تختلف على حسب الظروف, وذلك في حد ذاته، خطوة هامة نحو تقليل الثقة بالنفس المبالغ فيها بأننا دائماَ على حق.

 

في مجال العلوم، تعد الحاجة أم الاختراع، والتواضع والدها. يجب على العلماء الاستعداد عن التخلي عن نظرياتهم لصالح تفسيرات جديدة وأكثر دقة وذلك من أجل مواكبة الابتكار المستمر. العديد من العلماء الذين قدموا نتائج مهمة في وقت مبكر من حياتهم المهنية يجدون أنفسهم ممتنعين من قبل الأنا عن تحقيق اختراقات جديدة. في مدونته الرائعة ناقش الفيلسوف دبليو جاي وود أن العلماء المتواضعين فكريا هم أكثر عرضة لاكتساب المعرفة والبصيرة من أولئك الذين يفتقرون إلى هذه الفضيلة. فالتواضع الفكري، كما يقول، “يقوم بتغيير العلماء, بطرق تسمح لهم بتوجيه قدراتهم وممارساتها بشكل أكثر فعالية.”

 

قال ألبرت أينشتاين “ المعرفة ليست عبارة عن معلومات، فمصدر المعرفة الوحيد هو التجربة والخبرة” ويوافق على ذلك لازلو بوك رئيس قوقل, وقال في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز أن التواضع هو واحد من أهم سمات التي يتطلع لإيجادها في المرشحين، إلا أنه يصعب العثور عليها بين الأشخاص الناجحين، لأنهم نادراَ ما يواجهوا الفشل. وأشار بأنه “دون التواضع, أنت غير قادر على التعلم.” قد يبدو ذلك ساخراَ بعض الشيء, بحكم كونهم شركة تقوم على تقديم المعلومات بشكل فوري لعملائها. ربما يعد التواضع شيء موجود بك دون إدراكك له.

 

 


المصدر

error: المحتوى محمي