اللاكانية – بول روزن / ترجمة: فيصل الفرهود

اللاكانية – بول روزن / ترجمة: فيصل الفرهود

image1

المترجم: فيصل الفرهود

الفصل الثامن من كتاب (The Trauma of Freud)


يحتل التحليل النفسي مكانة فريدة في فرنسا هذه الأيام ، وهو أمر لا يعود إلى العدد الكبير من المنظمات التحليلية النفسية المختلفة أو بسبب العدد الكبير لممارسي هذه المهنة . ولكن مجموعة واحدة من عدد كبير من المجموعات تحل المكانة الأكبر في المنظمة العالمية للتحليل النفسي التي أنشأت عن طريق فرويد عام 1910 . وعلى الرغم من إقصاء جاك لاكان من المنظمة العالمية للتحليل النفسي في بداية الخمسينيات إلا أن هذا  كان مما دل على الأثر الذي أحدثه فيها ، فعلى الرغم من الإنقسام الكبير عند الحديث عن إلا أنه لا يزال رمزا أساسياً في تاريخ التحليل النفسي الفرنسي. يدين التحليل النفسي بحيوية ونشاطه في فرنسا الحديثة إلى الإلهام الذي نجح لاكان في إحداثه .

لا تكاد تجد مكتبات تمتلئ بالكتب الحديثة عن التحليل النفسي كما تجدها الآن في باريس .وإنما كان نشر الطبعة المتعددة المنتظرة لمراسلات فرينزي وفرويد لأول مرة باللغة الفرنسية قبل الألمانية والإنجليزية لهو إشارة إلى الإهتمام الخاص الذي يحضى به التحليل النفسي في فرنسا . ولم يجد التحليل النفسي أي مكان ليحضى بذات الإهتمام في الحياة الأكاديمية كما وجدها في فرنسا على الرغم من تكرار ذلك بصورة غير مختلفة جدا في الأرجنتين . إلى جانب أن التحليليين النفسيين يمتلكون شكلاً مميزاً من الرقي الثقافي . أحب لاكان أن يعتقد أنه حقق عودة لفرويد ، ومن خلال تجربتي في لقاء العديد من التحليليين النفسيين الأوائل الذين تعرفوا على فرويد شخصياً فأستطيع أن أؤكد على انني وبإستثناء من عاصروا فرويد فإني لم أقابل مجموعة تحليليين نفسيين مثيرين للإهتمام مثل من تجدهم اليوم في باريس .

ليس من السهل أن تستوعب كتابة لاكان ونظرياته وممارساته . لذلك عندما علمت أن للاكان أخ لا يزال حياً ، وهو راهب بينيديكتي ومثقف سابق ممن وثق بهم لاكان. ولقد بدت لي مقابلة أخيه فرصة لكي أضع يدي على إسهامات لاكان . وفي عام 1992 أجريت مقابلة مع مارك فرانسوا لاكان بينما كنت في باريس في رحلة قصيرة لإلقاء محاضرة . علمت أنه يعيش في دير قرب باريس ولكن إتضح بأنه إنتقل مؤخراً إلى نوتردام دي جاناجوبيا قرب مارسيليا .

كان هدفي من محاولتي لرؤية مارك فرانسوا خال من أي شكل من التحزب . تواجدت في باريس في عام 1991 وأوائل 1992 وكانت لفترة وجيزة في كلا المرتين . كنت أعلم مدى أهمية أعمال لاكان في الحقل في الفكري كدارس لتاريخ الأفكار ومهتم خصوصاً بالتحليل النفسي . أثر تعاليم لاكان تعدت حدود فرنسا منذ ذلك الوقت ولكن فقط عند تواجدي في فرنسا بدأت بإستشعار معرفتي الكافية التي تؤهليني لطرح بعض الأسئلة المعرفية .

في أحد الأيام علمت بأن أريكة لاكان إلى جانب بعض القطع الأخرى ستعرض للمزاد في باريس . حظيت وقتها بأحد أكثر المقابلات ظرافة وتجانساً مع جوديث ميلر وهي ابنة لاكان المفضلة من زواجه الثاني . كان من المقرر أن ألتقي بها في رو دي ليل وهو المكان الذي مارس فيه لاكان مهنته لسنين عديدة . في ذلك اليوم ذهبت على الأقدام من المكان الذي كنت أقيم فيه في منطقة القديس لويس إلى شقة لاكان القديمة ولكنني كنت لا أعلم إلى أين كنت متجهاً عندما أشار علي أحدهم إلى أن أتجه إلى قطاع سيينا على اليسار . وكما أفعل عادة في مقابلاتي فقد وصلت إلى وجهتي مبكراً خصوصاً عندما لا أعلم الطريق إلى وجهتي . وجدت الشارع بسهولة ثم نظرت إلى الترسبات على جدار الشقة تحيي ذكرى ممارسة لاكان لمهنته في هذا المكان. ولا أكاد أعلم تحليلياً نفسياً حضي بهذا التكريم غير فرويد نفسه . ذهبت إلى مقهى قريب لأتناول فطوراً متأخراً وأقرأ حتى يحين وقت موعدي.

 وفي الموعد المحدد اتجهت إلى رو دي ليل لأكتشف حين وصولي إلى البوابة الخامسة أنني لم أعطى رمز الدخول . وبعد حصولي على إذن الدخول صدفة إتجهت إلى البواب والذي إتصل على جوديث ميلر التي أخبرتني بحصول مشكلة عائلية في ذلك اليوم ولكنها ستأتي قريبا إذا ما كنت سأنتظرها . جاء معها ابنها لوك وامرأة اسمها جلوريا والتي عملت عند لاكان كسكرتيرة خاصة لمدة عام . قاموا بفتح الشقة لي وأروني الأناقة التي كانت تبدو عليها من قبل . لم أكن أعلم حينها لماذا لم توجد بعض اللوحات وقطع الأثاث . شعرت بالخجل من سؤالي ما إذا كانت الشقة ستتحول إلى متحف كما حصل لمنزل فرويد في حديقة مارسفيلد في لندن ، وهذا توجه كان ليكون أكثر جموداأ ليوافق إنسيابية الفكر الذي تمتع به لاكان .

كانت وظيفة لوك هي الترجمة الإنجليزية والفرنسية . وأتذكر حينها ذلك الشعور بالخجل الذي راودنا نحن الثلاثة عندما أرتني جوديث أحد اللوحات لأستنتج من لغتها الفرنسية بعد لحظات من النظرات الشكوكية أن الصورة كانت تجسيداً للنشوة الجنسية لرجل . أكثر ما صدمني مما تعلمته في ذلك اليوم كان عندما قام لوك بإلتقاط كرة لعبة الطاولة والتي كانت تحمل علامات عليها وأخذ يصف بكل دفيء وحب كيف أحب جده أن يسترخي بتلك الطريقة . كانت لحظة ودية وعابرة من جانب لوك ، شعرت حينها أنني بدأت بإستيعاب نظام لاكان المختلف عن الفرويدية الخطية التي كنت معتاداً عليها . أخذتنا جوديث بعدها إلى غداء ماتع وقام لوك بالمشي معي إلى محاضرتي .

عزمت على اللقاء بأخ لاكان في رحلة لاحقة لباريس ، وكنت أعتقد بأنني أصبحت على علم بوضع العائلة التي يتمحور حولها بحثي . وعلى الرغم من كل إحترام أكنه لحقيقة التجريد فلا يزال اعتقادي بأن المفاهيم تأتي من أرواح وعقول أناس حقيقين  . ليس من الإختزال أو عدم الإحترام أن أقوم بتقدير إلى السياق البشري الذي يحوي أصول أفكارهم . ومن خلال خبرتي بالتحليل النفسي خاصة ، فمن الصعب أن تدفع الإعتقاد بأن التحليليين النفسيين يعتمدون على ذاكرتهم الشخصية وحدسهم أكثر مما يحاولون أن يظهروا بالمحتفظين بإنحيازاتهم الشخصية لأنفسهم .

كان الوصول إلى بيرويز أسهل من الحصول على مترجم مرافق متمكن ومع ذلك أتى أحد الأصدقاء الباريسيين برفقة مؤهل للترجمة . كان جدول أعمالي في باريس ضيقاً لأن أطرح أي سؤال ورغم إقتراح مارك فرانسوا في رسالته بأن أستأجر سيارة لأتجه إلى الجنوب إلا أننا ذهبنا في السابعة صباحا عن طريق القطار لإستئجار سيارة تقلنا من المحطة قرب اكس اون بروفانس إلى الدير . كانت فوكلوز في الجنوب الفرنسي في ذلك الوقت من السنة تبدو جميلة بشكل غير اعتيادي مع إنتهاء موسم السياحة . كان الطريق إلى الدير متعرجاً جداً لأجد الدير يطل بشكل جميل في مرتفع على الوادي .

يمتد تاريخ نوتر دام دي جاناجوبيا إلى القرن العاشر ، مع وجود بعض أجزاءها مما بني في القرن الحادي عشر والثاني عشر . يمتلك البدنكتيون نظام رتب قديم  فرهبانهم لم يكونوا مراجع للمعرفة بل شواهد على الزهد والعمل المجهد . كانت السلطة البندكتية فاقدة تماما لأي شكل من المركزية وفقاً لأحد المؤرخين وهو مما وقف في إتجاه معارض لشخصية لاكان كما عرفتها . بنيت أجزاء من نوتر دام دي جاناجوبيا في القرن الثامن عشر ، ثم رممت في الثمانينيات والتسعينات مع الحفاظ على طرازها من خلال وجود حيطانها القديمة وأسقفها العالية . بدا لي بأنني أمام مجتمع ضيق إعتاد على صناعة أدوات طبية من أجل جراحات تقويم العظام .

طلب مني أن أدع السيارة في مكان غير مناسب ولكن أحد البوابين ساعدني في إعلامي بالمكان المناسب لأركن سيارتي . قال لي بأن عليهم أن يقفلوا أبواب السيارة لأنه “قد يتواجد أطفال غير أطفال المذبح هنا” ، ومع ذلك فقد أبقيت جهاز استماع في المقعد الأمامي . كان خليط الحداثة والتقليدية في زيارتي إلى مارك فرانسوا أخاذاً إن لم يكن مربكاً . قابلني رئيس الدير عند الباب بعد قرعي للجرس وهو يرتدي ملابس سوداء وصليباً كبير الحجم ، كان كما علمت فيما بعد معيناً من خارج الدير لرئاسته .

مما يمتاز به الدير أنه طلب منا إنتظار مارك فرانسوا في ردهة حديثة البناء ولم يكتمل بناءها بعد. كنت أستطيع ملاحظة وجود بعض آلات الحاسب والطباعة في وقت كان جهاز الإجابة في الدير جزءاً من آخر صيحات التكنلوجيا . سنحت الفرصة لي لأن أطلع على قاموس كاثوليكي على الرفوف ( لم يتفهم مرافقي المترجم السبب وراء تدويني للعديد من الملاحظات ، ككاتب فأنا أؤمن بأن الشيطان يكمن في التفاصيل ولكن لا معنى للشيطان في سياق مقابلتي مع مارك فرانسوا إلا المعنى العامي للكلمة)

إتضح أن مارك فرانسوا رجل منحني الظهر في الرابعة والثمانين من عمره والذي وافته المنية بعد فترة قصيرة في عام 1994 . وكان يبدو مصاباً بالجنف ويمشي متكئاً على عصا يرافقه راهب شاب مصطحباً معه وسائد لظهره . مازحني مارك فرانسوا بأنه كان صافي الذهن على الرغم من مشاكل ظهره . كان مارك فرانسوا أباً وهذا ما يعني بأن بإمكانه أن يقيم  قداساً ، كان الراهب الذي غادرنا لبرهة ليعود بمزيد من الوسائد كان راهباً لم يصل بعد لهذه الرتبة .

قدم مارك فرانسوا إلى المقابلة مستعداً ببعض الملاحظات التفصيلية ولكنني لا أذكره أضطر إلى الإعتماد عليها بعد الدقائق الأولى . كل ما قاله لي كان معتمدا فيه على ذاكرته . كان لاكان يكبر مارك فرانسوا بسبع سنين وهو من توفي في عام 1981 . توفي لاكان في اليوم الذي شهد الذكرى الخامسة عشر لتواجد مارك فرانسوا في الدير .غادر مارك فرانسوا باريس من أجل العيش في دير هاوتكامب خارج المدينة ومنذ عام 1992 إنتقل إلى العيش في المكان الذي كنا نجري فيه المقابلة.

قال لي مارك فرانسوا بأنه كان فيلسوفاً من سن الثامنة عشر ، كان يدرس الفلسفة في المعهد الكاثوليكي أثناء دراسته للقانون . من بين كل من درسهم كان توماس الإكويني بالنسبة له مميزاً . في الوقت الذي انضم فيه إلى الدير في عام 1926 كان أخاه طبيباً  “في مجال الطب والتحليل النفسي ” ، ولكن عندما كان مارك فرانسوا في سن الرابعة عشر وكان عمر جاك اثنان وعشرون قرر الإثنان أن “يجعلوا هدفهم في الحياة البحث عن الحقيقة ” .

كان هذا الموضوع مدخلاً لي للسؤال عن علاقة لاكان بالكنيسة الكالوثيكية . كان يستطيع مارك فرانسوا –كما قال- أن يتحدث عن الخطايا التي عملها لاكان، ولكن كانت للاكان ثقافة مسيحية شخصية عميقة . عندما بدأ في الدراسات الطبية توقف عن الممارسات الدينية ، فلم يعد يذهب إلى القداس ، كان يؤمن بالإله طبعاً ولكنه كان مخلصاً لعمله الطبي . إستفسرت عن إذا ما كان لاكان دائما مؤمن . “لا أحد يستطيع قول ذلك أو يجيب عن هذا السؤال” كان لمارك فرانسوا نظرته الشخصية في أخيه وكان يفهم مستقبله ولكن كان للإثنان رؤيتان مختلفتان عن الدين .

يجب أن نفصل عند الحديث عن إشكالية الدين بين أسرة لاكان وأتباعه من التحليليين النفسيين . فإليزابيث رودينيسكو تتحدث صراحة عن إلحاد لاكان ، وأنه قد عاتب نفسه لعدم منعه مارك فرانسوا من إختيار “أسلوب حياة راهن أبدي” . ومع ذلك فإن حياة الرهبان لاءمت مارك فرانسوا . أخبرتني رودينيسكو كذلك بأن مارك فرانسوا قدم إلى باريس بعد وفاة لاكان ليحيي قداساً بذكرى وفاته وقد حضره أبناء زوجتة الأولى فيما تغيب عنه أبناء زوجته الثانية . أقام لاكان زواجه الأول في كنيسة وقام بتعميد أبناءه . وهذا ما يجعلني غير متفاجيء من تمنيه –إستناداً إلى رودينيسكو- أن يحظى بجنازة كاثوليكية . ولو بدأت غير ملائمة في نظر مارك فرانسوا أو لأبناء زوجته الأولى فلم يكن ليقوم مارك فرانسوا بذاك القداس في ذكراه .

بدا لي طبيعياً من جهة تاريخية وتحليلية نفسية أن أستفسر عن القرابة المباشرة بين مارك فرانسوا وجاك لاكان . أبوهما كان بائعاً في باريس ، كانت لهما أخت تكبرهما بخمس سنوات ولا تزال حية . وهذا ما يعني بأن مارك فرانسوا كان أصغر الإخوة والأخوات سناً . وأكد لي بأن الثلاثة جمعتهم علاقة متينة .

سألته خصوصا عن أمه وكان رد مارك فرانسوا المباشر هو أنه ومن خلال فهم حياة لاكان فمنزلة أمه فيها كانت مهمة جدا . في خضم هذا الحديث أخبرني مارك فرانسوا أنه وفي عام 1932 أجرى لاكان إختبارا – يعني مارك فرانسوا إختبار أطروحة الدكتوراه عن البارانويا- أهداه إلى مارك فرانسوا (لم يخبرني مارك فرانسوا حينها أن أول إهداء كان لعشيقة لاكان) كان كلمات الإهداء إلى مارك فرانسوا مما جعل مايكل دي سيرتوا يصفها “بالغريبة”. “إلى الأب المبجل مارك فرانسوا لاكان ، الراهب البيندكتي لأبرشية فرنسا ، أخي في الدين..” . وفقاً إلى مارك فرانسوا “فالجميع” كان “متفاجئا” بسبب إهداءه والسرياليون خاصة كانوا مصدومين (وهم كانوا من أوائل من تصدى لفرويد في فرنسا) . حتى تلك اللحظة كان مارك فرانسوا مسترخ معي ، إفترضت أن لاكان إعتقد بأن الإهداء كان أمراً ستقدره أمه أكثر . )سيتضح بعدها أن هذه الأطروحة كانت هي الكتاب الوحيد للاكان في حياته ، وطباعته في فرنسا أتت بعد مقاومة ورفض من لاكان ، والكتاب لم يترجم إلى الإنجليزية حتى اللحظة) .

كان لوالدة لاكان نصيبها من التعليم الثقافي وكانت على درجة من النباهة ، أكّد مارك فرانسوا على إلتزامها المتين بالمسيحية وانها كانت تملك إيماناً عظيماً . كانت تستطيع متابعة أعمال لاكان بشكل جيد إلى أن أصبح تحليليا نفسياً وحينها لم تستطع إستيعاب ما كان يعمله . كانت مهنة لاكان ومذهبه أمراً جديدا على الجميع لدرجة منعتها من سبر أغوار أعماله . لم تنضم إلى أي جامعة ولكن تعليمها كان بفترة قبل عام1900 كانت حينها تدرس في مدرسة ثانوية جيدة . لم تكن مهتمة وقتها بالفلسفة ولكن في الأدب عموماً. عملت مطولاً في تجارة زوجها ومن أجل نجاح تجارة زوجها اضطرها ذلك إلى التخلي عن أي قراءة للشعر والروايات .

لم يكن زوجها مثقفاً على عكسها ،فقد كان يبيع الزيت في بوردو والصابون في نيس وكانت مشتركا في كرم في أورلينز . سألته ما إذا كان والد مارك فرانسوا شخصاً ناجحاً : “ليس تماماً ولكنه كان ناجحاً ، أحبه الجميع في عالم التجارة الذي كان يعيش فيه وكان يعرف تجارته تمام المعرفة ، لم يكن على علاقة وثيقة بالأديان ولكن بقية العائلة كانت متقاربة بسبب إيمانهم الديني” .

كان مارك فرانسوا قد إنضم إلى كلية ستانيسلاس وهي مدرسة للأولاد . وإتضح لي أنه لم يقرأ أول كتاب لأخيه “في البارنويا” فحسب ، ولكنه قرأ كل ما كتبه . كانت تبعدهم عن بعض مسافة خمسمئة كيلومتر ولكن هذا لم يكن له أثر على إطلاعهم بمؤلفات بعضهم البعض . كتب مارك فرانسوا مقالات في اللاهوت وكان لاكان يقرأها . كتب مارك فرانسوا ما يقارب ال60000 صفحة منذ عام 1950 في موضوع العهد القديم والجديد وساعد في ترجمة نسخة مسكونية من الكتاب المقدس . من كتبه “مفردات الكتاب المقدس” وهو كتاب يرصد مع سمات الكتاب المقدس ، لم يترجم إلى الإنجليزية فحسب بل إلى قرابة العشرين لغة .

تحدث فرويد عن الدين وكتب عنه لاكان بسبب فرويد . كان من المهم في نظر مارك فرانسوا أن نعلم أن لاكان كان يجيد الألمانية . صرح لاكان بأن أول أمر يريد إنجازه هو بأن يترجم مؤلفات فرويد إلى الفرنسية ترجمة صحيحة . أساس كل أعمال لاكان هو إيجاد المعنى الصحيح في مؤلفات لاكان . ولكن لاكان يعي بأن ما كان القديس توماس ليقوله في هذا الزمن سيكون مختلفا عن ما قاله في القرن الثالث عشر. إتخذ لاكان منهجاً مختلفا في قراءة فرويد ، اعتقد مارك فرانسوا بأن فرويد مر في فترات تغيّر كبير في مسيرته كمفكر  . كان يرى فرويد كلاأدري ولكن مارك فرانسوا إعتقد بأن هذا كان الجانب السيء فيه فقط وأنه على سبيل المجاز كان “يملك الكتاب المقدس على مكتبه” (وافقت مارك فرانسوا قوله وعلى الرغم من معارضة فرويد المتكررة إلا أنه كان أخلاقياً صارماً ، ولكن افكاره إستخدمت أيضاً لنقد الأخلاق اليهودية-المسيحية بشكل لم أتوسع في التحدث عنه مع مارك فرانسوا) .كان فرويد بوجهة نظر مارك فرانسوا محقا بنظريته في العصاب الوسواسي التي قد تفسر أحيانا سلوك الأشخاص مع الله . كتاب فرويد ” موسى والتوحيد” كان كتابا لافتاً للنظر .

لا أستطيع تذكر كيف قمنا بالإنتقال إلى الحديث عن آنا فرويد في هذه المرحلة ، ربما كان عن طريق علاقتها مع اليهودية وهي علاقة نقيضة لعلاقة أبيها مع اليهودية كما أعتقد ، ولكن مارك فرانسوا ظل على رأيه بانها كانت معارضة تماماً للاكان  .فقد حارب لاكان من أجل حريته طوال حياته وكان مارك فرانسوا يعتقد بأنه نال الحقيقة التي كان يسعى لها . كل نظرياته وأساس إعتقاده كانت على خلاف مع رؤى المنظمة العالمية للتحليل النفسي . (وكحال أغلب أتباع لاكان كانت إشارة مارك فرانسوا إلى المنظمة العالمية للتحليل النفسي مطبوعة بالنفور) ومع حلول العام 1992 أصبحت مدرسة لاكان على درجة من الأهمية في أنحاء العالم حتى جنوب افريقيا على سبيل المثال .

خص مارك فرانسوا دينيس فيسي بالذكر وهو يسوعي من بين الأشخاص الذين رافقوا لاكان، أكّد علي مارك فرانسوا بأن أقرأ كتابه “زمن الرغبة” . وأشار علي كذلك بأعمال الأب بيرنارت ولكن فيسي كان أبرز أتباع لاكان لأنه لم يردد أفكار لاكان فقط ولكنه نجح في تطويرها. ذكرت له  اسم فرانسوا روستانغ لأنني كنت أعلم بأنه يسوعي سابق ولكن مارك فرانسوا رفضه لأنه إعتزل كل ما يتعلق باللاكانية ولأنه قد يكون “مجنونا قليلاً” . على الرغم من ان مارك فرانسوا لم يكن تحليليا نفسياً ولكنه إستطاع إلتقاط أسلوب فرويد وحتى لاكان في وصم الطلاب السابقين بالإختلال العاطفي .

على الرغم من شروعنا في الحديث عن أسرة لاكان المباشرة ، وعن تلامذته الذين نجحوا وعن اولئك الذين لم ينجحوا . إلا أن مارك فرانسوا عاد للحديث عن العائلة التي نشأ فيها . كانت عندهم خادمة اسمها بولينا يعدونها فرداً منهم وهي من تولت تربية الأبناء . أرتني جوديث لاكان ميلر ألبوم صور للاكان تظهر فيه بولينا في صورة منه . كان من المعهود حينها أن يحظى الجميع بمربية على الرغم من أن مارك فرانسوا كان يعتقد بأن هذا النوع من الخادمات لم يعد موجوداً الآن .

رأى مارك فرانسوا بان “إكتشاف” فرويد للاوعي كان يعد ثورة كوبرنيكية في فهم الذات الإنسانية . لم يقرأ مارك فرانسوا كل ما كتبه فرويد لأنه لم يكن يقرأ الألمانية ولم تعجبه الترجمة الرسمية . كنت أحاول معرفة الكم الذي يعرفه مارك فرانسوا عن فيينا القديمة لأن فرويد على حد علمي كان مرتبطا بشدة بالأيام الأخيرة للإمبراطورية النمساوية-الهنغارية . ولكن مارك فرانسوا قال بأنه لم يكن على علم بحضارة فيينا.

سألته أيضاً عن كارل جي يونغ والذي كان يعدّ أعظم مهرطقي فرويد . بالنسبة إلى مارك فرانسوا ولاكان فإن يونغ فعل كل شيء إلا التحليل النفسي ، كان من الجلي أن مارك فرانسوا يعني بأنه ولاكان اتفقا على أن يونغ كان شخصا مثيراً للإهتمام في كل النواحي إلا في مجال إهتمامه الرئيسي وهو التحليل النفسي . بل إن مارك فرانسوا مضى إلى أبعد من ذلك واصفا يونغ -وهو من كان خلف الأبعاد الإيجابية في الفكر الديني- بأنه كان غريبا على الإرث المسيحي ، بل  إن مارك فرانسوا أصر على أن يونغ كان بعيدا عن المسيحية ويمثل إنحرافاً خطيراً عنها  .

كان من المستحيل علي أن ألا أفكر بالطريقة التي كان يطرد فيها المهرطقون من الكنيسة كما فعل فرويد تجاه يونغ بطرده هو وآخرين من التحليل النفسي . وفقاً للودفيغ بينسوانغر وهو أحد تلامذة فرويد السويسريين المخلصين فإن فرويد ألمح إلى نباهة يونغ العلمية وعندما سأل بينسوانغر فرويد لماذا إنفصل عنه أقدم تلامذته وأكثرهم موهبة ، يونغ وألدير على سبيل المثال ، أجاب فرويد ” لأنهم أرادوا أن يكونوا باباوات .. ” . كان فرويد قادرا على التهكم على نفسه وعلم أنه حاول بشكل أو بآخر أن ينشئ كنيسة جديدة .

وصف أحد أكثر تلاميذ فرويد إخلاصا هانز زاكس كيف صمم التحليل الإرشادي من أجل تمرين المحللين النفسيين المستقبليين : “لطالما اشترطت الأديان فترات تجربة وتعليم لمريديها المستعدين لوهب حياتهم كلها من أجل خدمة المجاوز والمفارق للطبيعية ، أو بصياغة أخرى ممن يرغبون في أن يكونوا رهباناً وقساوسة .. من الواضح بأن التحليل يحتاج إلى شيء يتوافق مع تعاليم الكنيسة ” . قارن فرويد مرة بين وضع التحليل النفسي والإعتراف الكنسي إلا أنه كان يتوقع أكثر من موضوع التحليل النفسي . “في الإعتراف الكنسي يقوم المخطيء بإخبارنا بما يعرف ، ولكن في التحليل النفسي فإن المصاب بالمرض العصبي يخبرنا بأكثر من ذلك ” . إعتقد لاكان بأن المحلل النفسي هو أشبه بالناسك الذي غامر في الصحراء . إن استطاعتنا تخيل ماذا كان يعني أن يقوم يهودي كفرويد بتأسيس كنيسة هو أمر مختلف وأكثر تعقيداً من أن نعي كيف لكاثوليكي كلاكان أن ينفصل عن كنيسة يهودية (فرويد) .

كان يونغ تلميذ فرويد الوحيد المهتم في إنتشال أي شيء له ارتباط بعلم النفس من المسيحية ، ولكن يونغ في رأي مارك فرانسوا كان مختلفاً عن فرويد ، وكنت أعلم ذلك سلفاً لأنني تحدثت مرة مع جماعة من أتباع يونغ في باريس والتأثير البسيط الذي أحدثوه على الحياة الثقافية الفرنسية على الرغم من أن هذا الوضع لم يتكرر في كل مكان آخر . كان مارك فرانسوا يكرر كلام فرويد من باب ربطه بلاكان من خلال إدانة يونغ لكتابته “أشياء حمقاء ومجنونة” . كان يونغ مذنبا بإحداث عدد من الإشكالات المربكة ، مفهوم يونغ عن اللاوعي الجمعي كان “فكرة مثيرة للإهتمام” ولكنها لم تكن ” مفهوما شديد الوضوح” . لو كنت تجرأت على طرح إشكالية يونغ لآنا فرويد في مقابلتي معها في منتصف الستينات فقد كنت سأتوقع منها أن تقول أمراً مشابهاً إلى جانب حديثها عن “المجدف” لاكان ، الذي ساعدت في طرده من المنظمة العالمية للتحليل النفسي عن طريق محاولتها الحد من نشاطاته التدريبية . كان لاكان يشاركها الرأي حول يونغ وفي إتفاق تام معها ومع أبيها فيما إعتقدوه . أشار مارك فرانسوا في سياق نقاشنا حول يونغ كمنحرف في التحليل النفسي إلى ما إعتقد أنه أحد أوائل إكتشافات أخيه وهي ” أهمية المرآة في بدايات الطفولة، كمرحلة نمو” .

لم أكن قد خططت لما تحدثنا عنه من مواضيع ، ولكن مارك فرانسوا انتقل إلى الحديث عن مغادرة لاكان لباريس ليعيش في الجنوب الفرنسي أثناء الحرب العالمية الثانية . (لا أعلم ماهي علاقة حديثنا عن مرحلة المرآة بتلك السنين المريرة ، إلا أن لاكان طرح فكرة المرآة لأول مرة في عام 1936 وبمراجعة لهذه الورقة قدمها عام 1949 تحت عنوان “مرحلة المرآة كمكون لوظيفة الأنا كما يظهر في تجربة التحليل النفسي” والتي أصبحت أشهر مفاهيمه التي قدم) . أشار مارك فراسنوا إلى كون زوجة لاكان الثانية كانت يهودية وأن ملفا رفع بحقها من قبل الشرطة . (تزوجت قبلها بالكاتب جورج باتيلي) وفقا لمارك فرانسوا فإن لاكان أخذ الملف في ما بعد ودمره . ظل لاكان وزوجته الثانية في جنوب فرنسا من بداية الغزو النازي حتى نهايته وقام وقتها بإستثارة بعض الأفكار . (أظن أن مارك فرانسوا كان يعني بأنه قام ببعض حالات التحليل النفسي أو الطب النفسي بما أنه كان حينها مختصا في هذا المجال لفترة طويلة) .

كان مارك فرانسوا في النطاق الإيطالي أثناء الحرب والتي كانت تعني كما فهمت أنه عاش في دير يقبع تحت سلطة القوات الإيطالية . أخبرني بأن أسقفا بولندياً كان يختبيء في الدير وأن الشرطة السرية النازية أتت لأخذه وللأسف فإن الألمان نجحوا في الوصول إلى البولندي الذي كانوا يتحرون عنه ولم يخبرني مارك فرانسوا بتفاصيل أكثر عن ذلك .

في أثناء حديثه هذا توقف لبرهة ليخبرني بأنه لم يكن يحب الصحفيين , ولا أعتقد أنه كان يشك إطلاقا بأنني لا أصنف تحت هذا الفئة بما أنني كنت أكتب حينها كبروفسور جامعة . وأظن بأنني ذكرت له مجموعة من الكتب التي ألفت . عبر مارك فرانسوا عن كرهه للصحافة كمجال بقوله أنه لطالما قبل بالصحفيين ما داموا يعلمون ما يفعلون .

تطرق مارك فرانسوا للحديث بعدها عن المدرسة الفرويدية في باريس والتي ترأسها لاكان منذ 1964 حتى 1980 عندما قام بحلها قبيل وفاته . شعر طلابه بمرارة هذا الفعل وشعر بعضهم بالخيانة وقام بعضهم برفع قضية على لاكان في المحكمة . قام لاكان بعدها وبمساعدة صهره جاك ألان ميلر بتأسيس منظمة المجال الفرويدي والتي لا تزال أكبر ممثل لتعاليم لاكان حتى هذا اليوم إلى جانب بعض المنظمات التابعة لها في العالم .

أشار مارك فرانسوا إلى لاكان بقوله أخي طوال المقابلة ، قد تبدو هذه الملاحظة أتفه من أن تورد ولكنني وجدتها إشارة قوية على الولاء الذي كان مارك فرانسوا يكنه للاكان . على العكس عندما قابلت ابنة ملينا كلينز عام 1965 فإنها كانت ساخطة ونافرة من أمها التي كانت تشير إليها بالسيدة كلينز . ولكن من وجهة نظر مارك فرانسوا فإن كون لاكان كان تلميذا لفرويد هو أمر ساعد على تطوير أفكاره فإنه لم يعد مجرد تابع له .

ولسبب ما ، شعر مارك فرانسوا بأنه أهمل الحديث عن نقاط مهمة ، فعاد للحديث عن ظروف طفولته المبكرة . لم يكن يعامل مارك فرانسوا بذات التعامل الذي حضي به لاكان الذي كان ينال “حباً عميقاً” . لم يحصل أي تنافس بين الإثنين فمارك فرانسوا كان هو الطفل الأصغر عمراً وجاك لاكان كان البكر . ظللت أسأله ما إذا كانت أمه قد عانت من تعامل لاكان مع الدين . “نعم فعلت ، ولكن ليس لأن لاكان لم يصبح راهباً ولكن لأنه نسي الدين. لقد كانت ساذجة جداً ورأت كل شيء بصورته الحسنة” . أما الأب فلم يكن يعلم شيئا عن عمل لاكان ولكنه كان يعي بأنه مثقف .

ربط مارك فرانسوا لاكان بشخصية راستينياك ، ففي عمر الواحد والعشرين كان لاكان يعيش في مونتمارتري وعزم حينها على “غزو” باريس ، وكقارئ لكل روايات بيلزاك فإن مارك فرانسوا كان يعتقد بأن لاكان قد قدم إلى حياة الباريسية المفعمة بالحيوية طالبا النجاح . كان متمكنا من مهنته كمحلل نفسي، وكان لطيفا مع الآخرين وقريبا من المرضى ومستمعا جيدا لهم . تعلم مارك فرانسوا من لاكان الكثير “وكان يفهمه” وليدلل على ذلك فقد أعطاني مارك فرانسوا اسم امرأة تم تحليلها نفسياً بنجاح عن طريق لاكان  .

وفقا لمارك فرانسوا والذي بدا لي هنا كتلميذ مؤمن بلاكان ، فإن الإشكال في التحليل النفسي الأمريكي بأنهم لم يمضوا إلى أبعد مما وصلت له المنظمة العالمية للتحليل النفسي (استعمل معي إختصار المنظمة دون تردد كما فعلت جوديث ميلر) . سخر مارك فرانسوا من الفكرة القائلة ” بأن هدف كل مهتم بالتحليل النفسي هو أن يصبح مغرورا .

كان أمراً ميؤوساً منه ومن التشويش من قبلي بأن احاول تصحيح مارك فرانسوا فيما اعتقدت بأنه أهمية علم نفس الأنا إنما تكمن في إنهاء التشاؤم القريب من العدمية والذي يحيط بالعلاج النفسي  ويلاحظ في بعض كتابات فرويد. إنه لمن الإنحياز المتأصل في الحياة الثقافية الفرنسية بأن يرى علم نفس الأنا الفرنسي والأمريكي كأمران متطابقان ، وكلاهما كانا سيهملان فيما يتعلق بالدعوة إلى الانسياق والتنميط إذا ما كنت سأصحح لمارك فرانسوا . في الواقع ففرويد هو من أسس لعلم نفس الأنا وآثار أفكاره الممتدة والتي فعلاً وافقت متطلبات أمريكا قد صححت الخلل التشاؤمي المبكر داخل فكر التحليل النفسي . كان لاكان يمتلك رؤية مأساوية للحالة الإنسانية وهي قريبة من أساس رؤية فرويد والتي قد تعتبر شكلاً علمانيا من عقيدة الخطيئة الأصلية ولكن وجهة النظر هذه لم تكن لتلقى رواجاً في الولايات المتحدة الامريكية .

وفقا للأسطورة الفرنسية عن تاريخ التحليل النفسي ،فإن لاكان رفض أن يقبل بالتفكير الإمتثالي للتحليليين النفسيين الأنجلو-أمريكيين . إستطاع لاكان أن يسك مصطلح علم نفس الأنا والذي لقي رواجاً في أمريكا على وجه الخصوص، ولكن للمصطلح مفهوم سيء السمعة في باريس . ومع ذلك بدا واضحاً كم الجهد الذي بذله لاكان ليكسب إعتراف المنظمة العالمية للتحليل النفسي . وإن كان قد فشل في منع حرمانه وعزله -وهو ما كانت ابنة فرويد آنا داعمة له- فإنه هذا لم يكن بسبب عدم محاولة لاكان . نستطيع أن نوفر تسويغا لسعي لاكان الحثيث من أجل إعتراف منظمة التحليل النفسي العالمية كقيامه بالإمتناع عن رئاسة مدرسته . ولكن عندما نعي تماما عدد الأفراد غير المهمين ممن كافحهم لاكان داخل المنظمة فسيظهر لنا سخف إتهامه للآخرين بالإنحناء للسلطة .

كان من الواضح إطلاع مارك فرانسوا على جديد كل ما يصدر في أعمال لاكان . ذكر بالتحديد كتاباً صغيراً صدر مبكراً عام 1969 وهو كتاب ركز على دور اللغة في فكر لاكان وهذا أمر حاصل منذ عام 1953 ، وكان مارك فرانسوا يعتقد بأن مقال لاكان عام 1953 في “وظيفة اللغة في التحليل النفسي” كان هو البداية لحبل أفكار لاكان المميز . كانت هناك وحدة داخل توجه لاكان التي جعلته يرى الإنسان “ككائن متحدث” .(مع أنني لم أعلم عندما التقيت بمارك فرانسوا تلك المرة أن لاكان قد قال في أحد محاضراته بأن “التحدث يجلب الإله” .عبر مارك فرانسوا كذلك عن شكه بعبارة نيشته في موت الإله ) . وفي موضوع الخطاب قاطعته سائلاً بما أنني أخبرت بأن والدا لاكان قد قدما للعشاء وأن الصمت كان حاضراً على طاولة العشاء . ولكن وفقا لمارك فرانسوا فإن والداه لم يذهبا هناك أبداً للعشاء .

توفيت أمه في عام 1948 ووالده عام 1960 . وفي هذه السنوات الأخيرة كان والد لاكان وحيداً جداً . عاش في ضاحية جيدة في غابة بولونيا . ومن حظه أنه استطاع أن يكمل عمله حتى نهاية عمره وكان يملك ابن أخ يساعده بشكل رسمي .

اخذني الحديث مع مارك فرانسوا جيئة وذهابا في موضوع حياة عائلة أخيه وعلاقتها بعمله . بما أن “فرويد” الذي بدا لي في كتابات لاكان – والذي كان يبدو لي أنه فرويد مارك فرانسوا كذلك- بدا لي متناقضا مع فرويد اليهودي الفيني الذي كنت أعرف . طرحت عليه سؤالاً ما إذا كان من الممكن أن نسقط فرويد من سياقه التاريخي . بدا لي بان الكثير من التحليل النفسي الفرنسي يغمره الطابع البحثي , ولكن مارك فرانسوا كان يعتقد بأن دراسة الفلسفة ممكنة فقط لمن كانت له معرفة بالتاريخ . وذكر لي كذلك بأن هذا ينطبق على أفكار العصور الوسطى أيضا ، وأن إيينا جيلسون قامت بدراسة القديس أوغسطين وديكارت من خلال سياقهم الثقافي. ذكر لي مارك فرانسوا بين إيينا جيلسون كانت تقيم في تورونتو (المكان الذي أعيش فيه) خلال الحرب العالمية الثانية .

وفي أثناء حديثنا عن تاريخ الأفكار , ذكر لي مارك فرانسوا بأن لاكان عندما طرد من المنظمة العالمية للتحليل النفسي أنه كان قد قارن نفسه بسبينوزا عندما طرد لأن أصوله يهودية . (صرح لاكان في تلك الأثناء قائلاً ” أنا لا أقول –مع أنه هذا ليس بمستحيل- بأن جمعية التحليل النفسي هي كنيسة . ومع ذلك فالسؤال يطرح نفسه ما إذا كانت الجمعية تحمل في ثناياها أصداء ممارسات دينية) . من خلال تعاملي مع مارك فرانسوا كان من الواضح بأنه تلميذ للتاريخ الفكري ، على سبيل المثال فقد ركز في حديثه على حقيقة أن القديس توماس قد علم بأرسطو ولم يعلم بأفلاطون وذكرني بأن الحوار الأفلاطوني يختفي تماما عند أرسطو .

وفي حديثنا عن أعمال أخيه ، ذكر مارك فرانسوا بأنه يعتقد بأن أعمال أخيه تغيّرت كثيراً أثناء حياته . على سبيل المثال ، فإن مفهوم “الواقعي” ،وهو مما تستحال معرفته لا أنه غير معروف فقط ، ومفهوم “الرمزي” يحيلان إلى مجال اللغة والخطاب. وبالنسبة إلى مفهوم لاكان “الخيالي” ففيه تغيّرت قناعاته تماماً . (كما في مفاهيم فرويد في “الأنا ،الهو ، الأنا العليا” وهو ما يبدو جذابة أحياناً في أعين الطلاب المبتدئين . أعتقد بأن هذه المفاهيم قد تفهم كطريقة مختصرة لحصر ما ينبغي على رواد التحليل النفسي أن يسهموا به )

إختار مارك فرانسوا في هذه اللحظة أن يبتعد عن الحديث عن لاكان كمفكر وتساءل بتعجب عن الطريقة المثالية التي كان يختار فيها ملبسه. في وقت مقابلتي مع مارك فرانسوا لم يكن حينها يرتدي ملابس الرهبان بل كان يرتدي ملابس أقرب للباس النوم . ومع ذلك فقد كان معجباً بالطريقة التي أصبح فيها لاكان أحد أكثر الأشخاص أناقة في باريس. اعتقد مارك فرانسوا بأنه أقدم على مخاطرة بقبوله رؤيتي ولكنه لم يندم عليها .

تحدث مارك فرانسوا عن ما اعتقد أنه المبدأ الفلسفي في “إكتشاف” اللاوعي . كانت لمفردة “العلاقة” عند مارك فرانسوا مكانة خاصة كما يقول : “لا يكون الشخص ما هو عليه الآن إلا من خلال علاقته بالآخرين”  ، تحدث عن صورة الإله كقرين لا كإنسان واحد مستقل . وفي هذا السياق تحدث عن كيف يجدر بعقيدة الثالوث أن تفهم ، فلا يستطيع أي شخص أن يكون أباً دون ابن . ما يجعل الأشخاص حقيقيون هي علاقتهم ببعضهم البعض وترابطهم المتنامي ، العلاقة بين الأنا والأنت هي ما تنتهي بتكوين الإنسان . وفقاً لمارك فرانسوا فإن تضائل العوائل التقليدية أنتج العديد من الإشكاليات الصحية كالإدمان على سبيل المثال ، زمننا هو زمن الأفراد وهو ما كان مارك فرانسوا يتأسف عليه .كان مارك فرانسوا يعيش بالطبع داخل مجتمع الدير ، كل المجموعة انتقلت إلى بيرويز ليفروا من السياح المحتشدين حول باريس . الدير التي عاش فيها سابقاً لإثنا وعشرون سنة كانت تقع في “ألبس” .

استمر مارك فرانسوا في التنقل في حديثه بين شؤون العائلة والإشكاليات اللاهوتية . من جهة فقد اعتقد بأن اختيار جوديث ميلر لجاك الاين كان يعني بأن صهارته  جعلته تابعاً مهماً للاكان . وفي الوقت نفسه فقد كان مارك فرانسوا بشكل فريد أحد تلامذة لاكان بإستثناء أن مارك فرانسوا كان مستلهماً للجانب الكاثوليكي في فكر لاكان . لا يمكن أن يفسر وجود الإله المسيحي وأب المسيح رياضياً . إنه الإله نفسه من تربطنا به هذه العلاقة الضرورية الحاصلة دون شرط فهمنا العاطفي أو الفكري . كان مفهوم الإله عند مارك فرانسوا معارضاً لمفهوم الإله الذي يخبرك بما يجب عليك أن تفعل ، على العكس كان الإله هو الأب الذي يحررك من قيودك. عندما ينال الشخص حياته فعليه في المقابل أن يتخلى عنها ، عندما يقبل الفرد في أن يكون ابنا للإله فإنه يصبح حينها أخاً (لغيره). وبدون ذلك لا يستطيع الفرد حينها أن يحب الإله كما يعتقد مارك فرانسوا .

حاول جاك لاكان أن يقرأ العبرية ، ولكن دراسة التلمود كان لتكون أمراً صعباً ، فهو كتاب مليء بالكثير من الأشياء المثيرة للإهتمام وقابل للكثير من التأويلات على عكس العهد الجديد . (لم يشر مارك فرانسوا لإصطلاح المسيحية التقليدية للتلمود كأصل لضلال اليهود) ولكنه أقر بأن كل قرن يقرأ العهد الجديد بطريقة جديدة وإستحالة إعادة تكرار القراءة نفسها هي أمر مثير للإهتمام . أضاف مارك فرانسوا ” الحرية هي أهم شيء ولا تكون حراً حتى تصبح مسؤولاً عن الآخرين”

تكفلت العناء لأتعلم ما بدا لي أنها معلومات أولية عن فكر لاكان ، على الأقل كما يرويها مارك فرانسوا . كل ما يعنيه مفهوم أهمية مرحلة المرآة هو إشارة لأهمية الآخر لتطور الشخصية في بداية أمرها . أشار العديد من المعلقين على أن فرويد وعلى عكس الفكر التحليلي النفسي اللاحق قد اتخذ رؤية أنانية ، وهذا يتضمن أكثر من مجرد إدانته المشهورة للأخلاق المسيحية ، على سبيل المثال عندما أراد أن يظهر وأن القول المأثور ” أحب جارك” هو غير واقعي وغير مرغوب في الوقت ذاته كمبدأ أخلاقي . سلم فرويد بوظيفة التنشئة في الأم ، فيما كانت رابطة الابن وأبيه هي ما أسهب فرويد في الحديث عنه في كتاباته.  في دراسة تاريخية نشرت عام 1918 تحدث فرويد عن والد أحد مرضاه الذكور بقوله “هو أول الكائنات إلتقاء به وأكثرها بساطة والذي ينسجم مع نرجسية الطفل الصغير ويحتل مكانة مهمة في طريقه لإكتشاف هويته .  اعتقد فرويد ذلك الحين أن أول إرتباط للطفل وأكثرها بدائية هو مع أبيه لا أمه . لم يكن فرويد ينفي دور الأم في تحليله النفسي لمريضه ، ولكنه فهم الأم إما كغاوية في حالة تتعرض لعقدة أوديب أو كجزء من صراع البالغ مع الشذوذ الجنسي . خالف يونغ فرويد قبل الحرب العالمية الأولى في موضوع دور الأم مما جعل آخرين في الحركة كساندر فيرينزي يتحول إلى توجه مختلف استقاه من فرويد نفسه .

ايريك ايريكسون على سبيل المثال كان ممن قاموا بإبراز أثر الأم الإيجابي ، وايريكسون الذي يظل عمله غير معروف في فرنسا –على الرغم من أنه كان أول تحليلي نفسي مختص بالأطفال- قد حاول أيضا إدخال الأخلاق المسيحية في تعاليم التحليل النفسي . أخبرني دي دبليو وينيكوت في لندن -وهو شخصية معروفة في باريس- بأن الكتب الوحيدة التي ندم هو على عدم كتابتها كانت مؤلفات ايركسون .

لاكان وعن طريق تقديمه “لمرحلة المرآة” قد حاول بطريقته الخاصة أن يقوم بتطوير ذاتي أو ما يطلق عليه في شمال أمريكا “بالعلاقات البينية” . كنت قد كتب عن ايريكسون كما كتبت عن فرويد ، في معرض الحديث عن قدرة تلامذة فرويد على الإتيان بإستنتاجات مختلفة عن الأستاذ نفسه (فرويد) وهذا مما أظهر إمكانيات فرويد كشخص مؤسس لحقل معرفي ، وهي وجهة نظر قريبة مما اعتقده مارك فرانسوا وهو أحد أتباع أخيه . أصبح ايريكسون  مؤمناً مسيحيا وهو ما لم يعلم عنه مارك فرانسوا، ومن خلال فهمي فإن “الآخر الكبير” بشكله المطلق عند لاكان كان هو الإله . كنت أعتقد قبل بداية مقابلتي مع مارك فرانسوا بأنه من المستحيل أن يفهم لاكان بشكل مستقل ، ولكن قد تعطى له ولأخيه أهمية من خلال علاقتها مع بعضهما البعض .

كان الدير الذي يعيش في مارك فرانسوا حاله كحال بقية الأديرة في فرنسا مغلقاً بعد الثورة الفرنسية . وإلى وقت قريب نسبيا كانت نوتردام دي جانوغبيا لا تمتلك ماء أو مراحيض ولم يكن يعيش فيها إلا راهب أو راهبان قبل اعادة افتتاحها . والآن تحوي داخلها ثلاث وثلاثون عضواً بالإضافة إلى رئيس الدير نفسه . على الرغم من إغلاق الأديرة في فرنسا في نهاية القرن الثامن عشر وهو ما حدث أيضا في النمسا وبافاريا التي اعتبر فيها اليسوعيون خارجين عن القانون ، وفي عام 1833 عاد أول الرهبان إلى فرنسا ، ابتدأت في عام 1905 أعمال إعادة إعمار نوتردام دي جانوغبيا . لم أحصل على هذه المعلومات من مارك فرانسوا بل عن طريق أخ يرتدي الجينز والصنادل والذي كان يقيم على شؤون مارك فرانسوا وهو من جلب له الوسائد الإضافية وأرادنا أن نبقى لتناول العشاء .

للأسف فقد اضطررنا للعودة إلى باريس تلك الليلة ، ولم نستطع البقاء لتناول وجبة طعام . ولكن سنح لنا الوقت للتجوال حول أجزاء من الدير والتي حوت فسيفساء من القرن الثاني عشر . ولأنها كانت زيارتي الاولى لدير فلم أتمالك نفسي عن سبر أغوار كل ما هو حولي . كنا نسمع “نجمة المساء” تغنى  ، كان جو الدير ساكناً ولطيفاً كأرض من السلام . أخبرنا الأخ المرافق لنا بأن مشاكل الظهر التي يعاني منها مارك فرانسوا ظهرت بسبب حادث دراجة تعرض له ، وأن عوارض آلامه لم تظهر حينها .

على الرغم من تأكيد مارك فرانسوا على أنه لا يريد إلقاء اللوم على جاك-ألين ميلر ولكن إمتعاضه منه بدا واضحاً. كان من المؤلم أن لا يعلم مارك فرانسوا عن لوك ابن جاك-ألين ميلر اللطيف والذي كان معجباً كغيره بلاكان . أثناء مغادرتنا للدير بسقفه ذي القرميد الأحمر كان من الصعب أنا أتجنب الإعجاب بإرتباط مارك فرانسوا المتين بأخيه الأكبر .

من الغريب أن لا تجرى مقابلات عديدة مع مارك فرانسوا بالنظر إلى دوره المهم في حياة لاكان . سألته بشكل مباشر ما إذا كان قد تحدث مع أي شخص آخر ، وحينها أخذ مارك فرانسوا بالتملص ، على حد علمي فإن الشخص الوحيد الذي تأكدت من تعاونه معها هي راودينسكو والتي كانت حينها قد نشرت مجلدان في تاريخ التحليل النفسي في فرنسا والتي كان يحتل فيهما لاكان مركزاً مهماً بالطبع . ولاتزال سيرة لاكان الذاتية التي ألفتها قيد الطباعة . إذا لم يكن قد قدم أحد من الخارج لمقابلة مارك فرانسوا فإن هذه دلالة على حجم التابو العاطفي الذي يحوم حول شخصية لاكان . أعتقد بأنه من الأفضل لو كنت أقل جهلا بأفكار لاكان عندما قابلت مارك فرانسوا إلا أن ما استفدته من هذه المقابلة كان مهماً وكبيرا .

في الوقت الذي أجريت فيه المقابلة مع مارك فرانسوا لم يكن التحليليون الباريسيون حينها على ثقة بما سأخرج منه في هذه المقابلة . ولكنني علمت حينها من مقابلتي لإبن فرويد الأوسط عام 1965 بأنك لا تستطيع التكهن بما يمكنك أن تخرج به من أفراد الأسرة . (خرجت من مقابلتي تلك بفصلين لكتابي الإلتقاء بعائلة فرويد) لقد كنت متفاجئا من درجة الثقافة التي حضي بها مارك فرانسوا .

من وجهة نظر عقلاني باريسي ، فإن قول رودينسكو يصدق على مارك فرانسوا من أنه حكم على نفسه بالمؤبد في حياة الرهبنة . ومن وجهة نظر فرويدية مباشرة ، كان من الغريب أن يتخلى شخص في ريعان شبابه -كالشاب الذي أخذنا في جولة حول الدير- عن الحياة “الطبيعية” من أجل حياة مليئة بهذه القيود . ومع ذلك فإن مفهوم الطبيعي هو على قدر من التعقيد حاله كحال مفهوم الإلحاد . أتذكر قصتان عن آخر لحظات فولتير ولا أستطيع التأكد من صحة أي منهما ولكنهما يبدوان صحيحة لي . سؤل فولتير ما إذا كان يؤمن بالإله فأجاب :”هذا ليس بالوقت المناسب لإصطناع الأعداء” فأخبروه بأن الله سيغفر له فأجاب :”إذن فهذه وظيفته” .إن وصف لاكان بالملحد يحيلنا ضمناً إلى الوقوف على رؤية “لطيفة” للإله ، ينبغي أن يكون الإلحاد في البلدان الكاثولوكية باعثا على البحث والتمحيص ، بدلاً من أن يعني خاتمة لوصف علاقة لاكان بأعظم ما يشغل العقول . وجدت في عيادة آنا فرويد جوا تقليديا متزمتا في منتصف الستينات على عكس ذلك الشعور بالحماس الثقافي الذي أورثه لاكان لباريس .

من الجلي أنني تأثرت كثيرا بتجربتي كاملة في دير ماك فرانسوا . قبل هذه التجربة لم أستمع إلا لنشيد جورجي مسجل ، والآن أعتقد أنني أصبحت على دراية أكبر بسبب تميز لباس لاكان المشابه لرجال الدين الذي صمم له بواسطة إيفان سان لوران .في معرض الحديث عن ما قدمه لاكان وعن الحركة التي نجح في تأسيسها ، ذكرت بأنه من الصعب أن لا نفكر فيه كشخص يصح عليه أن يصنف في تصنيف أشبه باللاهوتي . أحد من ساعدني على الوصول إلى مارك فرانسو وطلب مني أن لا أشكره على الملأ ،لأنه خاف من عقوبة محتملة من قبل الحزب الأكثر تقليدية من أتباع لاكان .

 لطالما حضر الخلاف في تأريخ التحليل النفسي عن أهمية اصول فرويد اليهودية ، فقد بدا للبعض بأن الحديث عن السياق الديني التي ظهرت منه أفكار فرويد قد يعني إنتقاصا منها . أعتقد بأن الجذور الكاثوليكية للاكان كما وصفها مارك فرانسوا بطريقته الخاصة تعطي رؤية مهمة لطبيعة تعاليم لاكان . ومع ذلك فإن الحديث عن مدى النفور الذي شعر به مارك فرانسوا تجاه عائلة جوديث ميلر إضافة إلى المحاكمات القضائية الطويلة بين أبناء لاكان حول إرثه تجعل عدم وصفنا لمعاناة العائلة بالمأساوي أمراً صعباً .

بدت لي عملية الوصل بين لاكان ومارك فرانسوا إنتصاراً بشرياً . وجد مايكل دي سيرتوا إهداء عام 1932 الذي يقدم فيه أطروحة لاكان المسماة “غريب” . وفقا لتفسير سيرتوا فإن الدين كان يقصد به هو الطائفة الدينية ، بينما الأخوة في الدين أشارت إلى ما أطلق عليه سيرتوا “الأخوة التي لا تعتمد على القرابة بل على التشارك في التراتبية”. إعتقد سيرتوا بأن عبارة لاكان كانت أشبه بإختلاس من رسالة لإدجار ألين بو . وما وضعت في أبرز الأماكن إلا لتكون محجوبة عن الرؤية ، ولكن إبراز السمات البندكتية هو ما لم يلاحظه سيرتوا مسبقاً. في إصدار عام 1975 كان الإهداء حينها مبسطاً ” إلى أخي ، الأب المبجل مارك فرانسوا لاكان ، راهب أبرشية فرنسا .” توصل سيرتوا إلى العديد من أوجه التشابه بين الترتيب البندكتي ومدارس لاكان في باريس ، وأنا لا أستطيع إدعاء معرفة ذلك ولكنني أعتقد بأنه من المفيد أن تنشر مقابلتي مع مارك فرانسوا لما تفيدنا في فهم ارث أخيه الفكري .

كنت منبهرا منذ بداية إطلاعي على فرويد بالإحتفاء الثقافي الحضاري المتباين للتحليل النفسي ، وقد كتبت محاضرة في بداية الستينات عن سمعة فرويد في بريطانيا مقارنة بأمريكا . ومع إتساع حدود معرفتي الآن فإنني أصبحت على علم ولو كان بسيطاً بما حدث في فرنسا ،ايطاليا ، ألمانيا ، الأرجنتين ، روسيا ، إسرائيل ،المكسيك ،إيرلندا وحتى الصين إلى جانب الهند . ومع ذلك فقد ظلت سمعة فرويد في فرنسا فريدة من نوعها . فعندما أِشرف رودلف نورييف على الموت من مرض الإيدز في باريس كان ينقل عنه تردده فيما إذا كان ينبغي عليه أن يلجأ إلى التحليل النفسي . تأثير فرويد وصل إلى درجة غير مسبوقة في ذلك الوقت . ويبدو لي – دون إنتقاص من فرويد أو الدين- أن التحليلي النفسي أصبح الآن يلعب دوراً مماثلاً لدور القسيس الذي يستدعى للمحتضر حال وفاته .

 كان المكان محتشداً في محاضرتي التي ألقيتها عام 1992 تحت العنوان المستفز ” ما هي مشكلة التحليل النفسي الفرنسي ؟ ” وكانت في الكلية العالمية للفلسفة والجمعية العالمية لتاريخ الطب النفسي والتحليل النفسي في باريس . لم يكن العنوان المثير للجدل لمحاضرتي هو ما جذب الحضور ولكن كانت الندوة المميزة التي تجمع أربع تحليليين نفسيين ليقوموا بمناقشة ملاحظاتي . وللأسف فإنها أثبتت من وجهة نظري إستحالة الخروج بتصريح متسق لأن التحليليين النفسيين الأربعة اقتسموا النقاش للحديث عن رؤاهم الشخصية. ولكن تم إخباري وقتها أنه وعلى عكس ما توقعت فإن محاضرتي لمست وتراً حساساً . لأنه وبعد سنين من وفاة لاكان شغلت البقية شكلاً من الشكوكية تجاه ما ينبغي عليهم عمله  .

ذهبت في عام 1992 مسلحاً بنسخة من محاضرة لاكان الأولى بيدي وأرغب الآن بالإسترسال في الحديث عن ذلك النص . إخترت ذلك الكتاب لأتحدث عنه ببساطة أكاديمية ، فالمفكرون التأريخيون من امثالي يفضلون الإنطلاق من البداية ، بالتالي بدت لي تلك المحاضرة خيارا منطقيا لأنطلق من خلالها . أعي تماماً بوجود نسخ مختلفة لم تنشر لمحاضرات لاكان ، فقد شاهدت مرة في مدن معزولة مثل روزاريو وتوكومان في الأرجنتين مجموعة كاملة من تدوينات غير رسمية لمحاضرات لاكان . المشكلة المزعجة في النسخ المدونة أنها تشعرني بأنني أقف على رمال متحركة ، وأنا أعي خطر إصطناع رجل قش ولكن تلك المحاضرة الأولى ظهرت في حياة لاكان وهذا ما يجعلني أشعر بأنني مجبر على أن أفعل كل ما بوسعي بالمادة الجاهزة للطباعة . أرغب في تكرار التعبير عن خيبة أملي من عدم ترجمة أطروحة لاكان الطبية في ذهان جنون العظمة للإنجليزية على الرغم من إصدارها باللغة الإسبانية . أعتقد بأن أغلب تلامذة لاكان سيودون البدء من هناك ولكن قد يكون هذا الإقتراح تحذلقاً مني . في حالة فرويد ، فهناك ما بين 20.000 إلى 40.000 من رسائله ستطبع مستقبلاً في أربع وعشرون مجلداً من النسخ المتوسطة. لذلك فهناك روح تجريبية تشغل كل من يعمل في هذا المجال .

يجدر بي أن أصرح بهدفي هنا : فأنا مهتم بتاريخ التحليل النفسي كجزء من الحياة الفكرية بشكل رئيسي . أدعي بأنه ومن خلال مراجعة محاضرة لاكان الأولى يستطيع الشخص تعلم القليل عن هذا الموضوع .  قد يعترض علي بأنني مخطئ وأن على الفرد بدلاً من ذلك أن يدرس تلك المحاضرة كجزء من فهمه لما هو جديد ومثير للإهتمام في توجه لاكان . لن أنازع في حقيقة أن أعمال لاكان تمثل أحد أكثر الأمور إثارة للإهتمام داخل الإرث التحليلي النفسي. ولكن ينبغي أن أوضح بأنني أقرأ محاضرة لاكان الأولى كجزء من التأريخ الفكري والثقافي .

قال نيتشه مرة بأن على من أراد أن لا يرد لمعلمه جميل صنعه بأن لا يتحداه في شيء. دعوني أقوم بطرح بعض الملاحظات على محاضرة لاكان الأولى والتي كانت مخصصة لورقة فرويد في تقنية التحليل وهي مقالات لفرويد يحفظها كل مهتم بالتحليل عن ظهر قلب . وهي مما يدرس للمرشحين في أنحاء العالم . ولكنني أود توجيه بعض النقد لتوجه لاكان ثم سأقوم بتدعيمه ببعض الأمثلة الجديرة بالملاحظة . وما سأقوله ينجر على كثير من الأعمال النابعة من خلال التحليل النفسي الفرنسي ، وليست محصورة بهذه المحاضرة للاكان . وأرجو في الوقت نفسه أن لا يغفل عن قراءة تقديري وإعجابي بحيوية التحليل النفسي الفرنسي .

بادئ ذي بدء ، أنا أعتقد بوجود مشكلة عامة وهو ما قد يصح وصفه بتقليدية التحليل النفسي وهو شكل من الخمود التاريخي . عندما قابلت أخ لاكان قمنا بالتحدث كما ذكرت سالفاً عن كيفية مرواغة جيرسون المعاصر للقرون الوسطى لهذا الشراك . )في بداية إهتمامي بالتحليل كنت أعتقد بأن تهمة التقليدية ينبغي أن توجه لهاينز هارتمان ، والذي حاول بشدة إعادة ترتيب أفكار فرويد  دون إستعمال أي مادة تاريخية . ولكن أسلوبه هذا أصبح عتيق الطراز الآن وهو أمر لا يعود إلى مجرد إمتعاض لاكان من توجهه هذا ) لا يوجد أي دافع في أغلب مؤسسات التدريب التحليلي على وضع أوراق فرويد في التقنية في أي سياق تاريخي صحيح . قمت بإبراز هذا الإشكال لأول مرة قبل 20 عام ومع تقادم الزمان بت أشعر بأنني لا أملك الوقت الكافي بعد الآن . كان فرويد لا يزال منخرطاً في الكتابة حتى بعد وصول مشاكله مع ألدير إلى ذروتها على الرغم من علم فرويد بالصراع المتنامي بينه وبين يونغ . هدف فرويد الرئيسي في رأيي أن يقوم على الرغم  من تردده في الحديث عن مواضع متعلقة بالتقنيات علناً ، هو أن يقوم بوضع أسس لأسلوبه في التحليل تجعلها قابلة للتفريق عن أي من تلاميذه “المنحرفين” . وهذا السياق التاريخي لا يزال مهملاً في فهم أوراقه البحثية المتعلقة بالتقنية .

تتفاقم إشكالية التقليدية عن طريق ما أعتبره المؤلفات الثانوية إعتباطياً والتي تبرز في محاضرات لاكان . وهذا إشكال عام داخل التأريخ التحليلي النفسي والذي يصدق على فرنسا أكثر من غيرها لوجود إتصال في تاريخ التحليل النفسي لا نستطيع التغاضي عنه . أسهب فرويد في الحديث عن التقنيات من خلال مؤلفاته اللاحقة ، ولكنها تستلزم الكثير من التدقيق من أجل تتبع أي المؤلفات حضيت بأهمية فيما يتعلق بما كتب . في الوقت نفسه فمن المهم أن نكون متنبهين ليس للتطور التاريخي فحسب للتقنيات التحليلية ، ولكن للقطيعة التي حدثت كذلك . ليست الإتصالية فحسب من تتطلب منا الإهتمام ولكن القطيعة كذلك . قد تكون أوضح الأمثلة على حدوث هذه القطيعة ما يظهر في مذكرات بيتر جاي عن فرويد المنشورة عام 1988 والتي تنال رضاً تاماً في باريس كما ذكرت ذلك عدة مرات سابقاً ، لم يقم جاي بالإستشهاد حتى بإسم ويلهيلم ريتش . كما نعرف فإن ريتش كان أحد مثيري المشاكل في تاريخ التحليل النفسي ولكنه مع ذلك أحدث إسهامات مؤثرة في مبحث التقنية . على سبيل المثال فقد أصر على أهمية البحث عن التحولات السلبية وعن المغزى والمعنى في التواصل غير الشفهي ومن غير المتوقع أن يهمل في أي قراءة تاريخية . أسلوب جاي في تجاهل ريتش هو من أسمى سمات الأسس التحليلية للمقاربات التاريخية .

دعوني أشحذ سكيني في الحديث عن محاضرة لاكان . (سأحيل في حديثي إلى ترجمة نورتن الإنجليزية ولكنني حاولت أيضا أن أطابقها على النسخة الفرنسية) . يقوم لاكان مستهلاً المحاضرة بالإشارة إلى اهمية مقالة فرويد “التحليل المتناهي واللامتناهي” والتي ظهرت قرابة العام 1934 كما يخبرنا لاكان بدلا من التاريخ الصحيح وهو 1937 .فارق الثلاث سنين هذا لا يعد أمراً هيناً لهؤلاء الذين أخلصوا العناية والدقة في الحديث عن مرحلة فرويد المتأخرة. ألم يكن من الأجدر أن يضاف التاريخ الصحيح في الهامش خلال فترة المراجعة أو الترجمة ؟

يشير لاكان بعدها إلى مايكل بالينت مستعيرا أحد الإصطلاحات التي استعملها ، ويصفه قائلاً :” من الريكمان الأخير ، أحد أندر الأرواح التي حضيت بقليل من الأصالة النظرية في الحلقات التحليلية النفسية منذ وفاة فرويد” . على أي أساس يستطيع لاكان أن يبرر وصفه هذ لريكمان ؟ . قام فرويد بداية بتحليل ريكمان ثم حلله ساندور فيرينزي لاحقاً وأخيرا ميلينيا كلاين. وفقا لدونالد وينكوت فإنه وبسبب حادثة سابقة لريكمان فإن فرويد قد نصحه أن يعدل عن فكرة أن يصبح تحليلياً نفسيا . عندما كتب إرنست جونز عام 1932 لفرويد عن ريكمان بأن ” على الذهان أن يعتبر غير قابل للعلاج” فأنا أعتقد بأنه كان يردد رأي فرويد نفسه . قد يكون الإثنان على خطأ بالطبع ولكن إستثناء لاكان لريكمان في هذا المدح الغريب يبدو لي في حاجة للتبرير بدلا من قبوله . أشار وينكوت على سبيل المثال إلى الفائدة المعدومة التي ظهرت في مؤلفات ريكمان غير المنشورة بعد فحصها وقراءتها بعد وفاة ريكمان .

يقول لاكان في بداية ندوته “التاريخ ليس هو الماضي ، بل هو الماضي المؤرخ في الحاضر ..” ، فكرة لاكان هذه جيدة ولها تأثيرها البالغ ولكنها لا تزال في حاجة إلى مراجعة . ولنأخذ مثالا ناقشناه سالفاً وهو ما إذا كانت عبارة أن ريكمان مجرد روح نادرة “حضيت بقليل من الأصالة النظرية ” في حاجة إلى أن تدعم ببحث علمي من قبلنا لا من قبل لاكان بالطبع . لا نستطيع ببساطة قبول ما قاله لاكان بإيمان وإذعان . فلقد تم محي إسم فيكتور تاوسك على سبيل المثال من كتب التاريخ عندما كنت في صدد كتابة كتابي عن فرويد وتاوسك الذي أضر بإسم تاوسك في التأريخ بسبب الطريقة التي أعددت بها الكتاب ، وبسبب الفضيحة التي حدثت بعد نشر الطبعة الأولى للكتاب في عام 1969 فإنه من الممكن أن بعض التحليين التقليديين كانوا أقل إحتمالا من أن يقوموا بالإشادة بتاوسك بعدها .

تأريخ التاريخ داخل الحاضر هو أمر قد مفزع . استثناء جاي لريتش في كتابه “حياة لعالمنا” كان شكلاً غير مقبول من محاكمة التاريخ بقوانين الحاضر ، اغلب كتاباتي كانت موجهة لحماية المنبوذين في التحليل النفسي والذي يعني مواجهة كيف تم تأريخ التاريخ حتى الآن . (يقوم جون كوينسي آدمز في فلم “صداقة” في خطابه أمام المحكمة الأمريكية العليا بالترحيب بإمكانية حدوث حرب أهلية بسبب الإختلافات العرقية ومع ذلك فلا أحد سيقوم بإختيار إمكانية موت 600.000 جندي ) عندما تحدث لاكان عن إعادة كتابة التاريخ فيجب علينا أن نتنبه إلى أن رواية 1985 لجورج أوريل لا تستوفى والتي توجد فيها ما يشبه دوائر الحقيقة التي تمتص فيها الماضي . إعتمد ستالين على إعادة كتابة التاريخ من أجل محي الماضي وهو ما يجدر به أن يكون هدفاً للمثقفين التأريخيين من أجل تفادي الدعاية الأيديولوجية .

يقوم لاكان بذكر إسم بيرقلر وهو كما أعتقد ممن نسيت أعماله بشكل غير ملائم ، ولكنني لا أعلم بوجود أي سبب وجيه يجعل لاكان يذكر اسمه في معرض الحديث عن أوراق فرويد في التقنية .

ولكن ومن أجل أن نتحدث عن نقطة أكثر موضوعية فإن لاكان يتحدث عن حالة لوسي ار وهي حالة تم “حلها تماماً” كما يدعي لاكان .وأنا لا أريد حتى ان أحيل إلى نص فرويد في دراسته للهستيريا مع براور الذي لا يتعمق فيه . ما الذي يعنيه الزعم بأن حالة ما تم حلها تماماً ؟ البشر ليسوا أحجيات يتم حلها كما يقوم فرويد بتصوريهم أحياناً (وهنا أعتقد بان توجه يونغ الإكلينكي مفيد في هذا الموضوع ) . لماذا لا يسترسل لاكان -وهو الذي يشكك في كتابة التاريخ- في الحديث والتعاطي مع الحالات التي يواجهها التحليل النفسي ؟ شعرت منذ أمد بأن المؤلفات معزولة تماما عن إعادة التحليل النفسي المقام لمرة وثانية وثالثة ورابعة وإلى حد كبير فإن المحللون النفسيون يجدون النتائج التي يبحثون عنها ، وبعضهم قد يتوقع منه أن يثير بعض المواد الإكلنيكية المتعارضة في المريض نفسه . (من المؤسف أن الأسئلة والأجوبة من الجمهور في ندوة لاكان محذوفة تماماً) .

يتحدث لاكان عن “التوبيخ” الموجه لفرويد فيما يتعلق بتسلطه ، ولكن يبدو لي بعدها بأن لاكان لا يقوم بفعل أي شيء حيال هذا الإصطلاح . ولكنه يقوم بالتحذير من الحاجة للشك السليم ببعض الترجمات لنصوص فرويد . وهنا أعتقد بوجود كثير من الخلط . فعلى سبيل المثال هناك عدد كبير من الترجمات الفرنسية لنص فرويد القصير “الرفض” المنشور عام 1925 . ويبدو لي بأن كان على هذه الورقة المكونة من خمس صفحات أن تجلب الكثير من الإهتمام في فرنسا على عكس أي بلد آخر في العالم . ولكننا نعلم عموماً بأن كل الترجمات هي تأويلات بالضرورة ، وأعتقد بأن الإشكال في اللغة الإنجليزية يكمن في أن الحاجة للترجمات الجديدة تجر إلى جعل نصوص فرويد أكثر قدسية من أي وقت مضى ، فيما يبدو في كثير من الحالات بأنه يجدر أن تبذل الطاقة البشرية في إستيعاب موارد خطأه والبدء في بالتفكير بمسارات مختلفة .

يتحدث لاكان عن ريتشارد ستيربا واصفاً كتابته في عام 1934 بأنها “أسلوب غريب في نهاية مقالة شنيعة ولكنها تظل صادقة ..” (هنا يبدو لي لاكان في أكثر لحظاته ولعاً في حبه للمفارقات وهو مما شاركه فيه ثيودور اتورنو بشكل مختلف في التحليل النفسي ، فقد قال ثيودور اتورنو مرة لا يوجد شيء حقيقي غير المبالغات) . كان ستيربا تحليليا فينيا متعلماً يحمل إهتماماً خاصاً بالفن والموسيقى ، ولكن رأي لاكان بورقة ستيربا يبدو لي مفاجئاً . مما لا شك فيه بأن لاكان كان يبدو مبهماً بشكل هزلي وأرجو أن يكون انطباعي هذا لا يجعلني أبدو كمتحذلق محدود الخيال . اعتقد بأن الشنيع من المقالات غير جدير بالذكر خاصة إن كانت فكرتها مقدمة “بأكثر الأساليب غرابة” . القول بأن ورقة ستيربا كانت صحيحة تماماً في هذا السياق كان الهدف من وراءه أن تطبع بلمحة من المدح مع إعتقادي بأنه ومن منطلق فكري تاريخي فأنا لا أجد داعياً لإستنثاء هذه الورقة . في عام 1934 كان ستيربا بالكاد عضواً كبيراً في حلقة فرويد وأعتقد بأن كثيراً من الأعمال كانت أجدر تاريخيا لتكون محل إهتمام .

يبدأ لاكان في الفصل الخامس بالتلميح بشرحه لما أسماه “الفقرة الرئيسية” من ورقة فرويد “ديناميكية الإنتقال” . لا أعتقد بوجود بشيء اسمه “بالفقرة الرئيسية” في المقال حالها كحال القول بأن حالة من الحالات تم حلها بالكامل. يستطيع لاكان أن يبدأ بتعظيم ورقة فرويد في الرفض بقوله “بأن هذه الورقة تظهر مجدداً القيمة الأساسية لكل نصوص فرويد” . كل كلمة تستحق أن تقاس من الزاوية التي تميزها ، من خلال لهجتها من خلال نبرة معينة وهي تستحق أن تكون عرضة لأكثر منطق التحليل دقة وصرامة”. إختيار لاكان لهذه الورقة يبدو لي كما ذكرت سابقاً هو تمييز غير مبرر تاريخياً ولكنها الآن جزء من الحياة الفكرية الفرنسية . أيضاً لم يقتنع لاكان بمواصلة تمييز فرويد في هذا المقال عن بقية أتباعه . ” من هذه الجهة التي تميزها بالتحديد جمعت  بغموض من قبل تلاميذه ” يبدو لي أنه لا مسوغ للاكان لينتقد أتباع فرويد الذين وعلى الرغم من كل عيوبهم إلا أنهم حافظوا على تقدير موزون لمقالة فرويد في “الإنكار” مقارنة بلاكان نفسه .

ولأكمل نقدي ، يقول لاكان في حديثه عن الرجل الذئب ” المريض لا يعاني من الذهان إطلاقاً” ما الذي يجري هنا ؟ ما الذي يعنيه قوله بأن الرجل الذئب لا يعاني من الذهان اطلاقاً ؟ يكمل لاكان إضافة الإشكاليات بقوله : ” هو يعاني من الهلوسة فقط ، وقد يتعرض للذهان فيما بعض ولكنه في هذا الوقت عندما يعاني من هذي التجربة العقدية المحدودة والتي يصبح فيها غريباً عن طفولته محطماً بالكامل. في هذه المرحلة من طفولته فلا شيء يعطي أحدا المبرر ليصنفه كمصاب بالإنفصام الشخصي ولكنها بالفعل ظاهرة ذهانية هذه التي نتعامل معها .” تفسير هذه الجمل يحتاج منا الصبر ،ولكنني أريد التنويه إلى أن مرحلة الطفولة إكتسبت حالة لاهوتية عند لاكان. يستحق الذكر أن لاكان في إستحضاره لحالة الرجل الذئب ذكر فيه بأن فرويد قد أخطأ في تشخصيه له وأنه كان مصابا بالإنفصام . ( على الرغم مما كتبه فرويد عن عدم تعامل التحليل النفسي مع الإنفصام ، إلا في حالة واحدة عام 1920 التي عالج فيها فرويد شخصياً مريضاً شخصه في رسالة كمصاب بالإنفصام )

يقوم لاكان في ذات الوقت بالإحالة لأحد مقالات ارنست كريس. هل من الممكن أن نعلم بالجهاز التحريري الذي يستطيع إرشادنا إلى مكان الإحالة بالضبط في ورقة كريس ؟ تستطيع عائلة كريس أن تساعدنا في ذلك بالطبع ، على الرغم أنه تم إخباري بشكل غير رسمي بأن لاكان كان يحيل إلى إسهام كريس في إصدار عام 1952 في المجلة العالمية للتحليل النفسي. تعرض جايمس ستراتشي للمضايقة مؤخراً  بسبب طبعته الفريدة لنصوص فرويد ، ولكنه ما كان ليسمح لنفسه بأن يكون بنفس درجة كسل محرري لاكان .

كان لاكان قاسياً على آنا فرويد وإلى تاريخ هذه المحاضرة فلم تكن قد حاولت إقصاءه من المنظمة العالمية للتحليل النفسي . كان فرويد يتهكم بالطبع عندما قال “كل النقاشات المتأخرة التي تأخذ الأنا من موضوع التحليل ليكون حليفا للمحلل في العمل التحليلي النفسي العظيم ..” الكتابة بالأحرف الكبير تظهر إمتعاض لاكان من أي توجه يقوم بالتعامل مع الأنا كوظيفة مستقلة . (في الحقيقة  فإن هيرتمان هو من الذي قام بهذه التوجه في باريس وليست آنا فرويد التي إقترحت أستقلالية الأنا) . إستمر لاكان بالإشارة إلى توجه آنا فرويد كتوجه “ثقافي” متعارض نوعاً ما مع توجه فرويد مثل كتابه مستقبل الوهم على سبيل المثال . ميلينا كلاين كتوجه متعارض مع آنا فرويد كانت توصف بإمتلاكها لمزايا “لغريزة الجانب الحيواني فيها” . ( أشرت سالفاً لهؤلاء المهتمين بتقلبات تاريخ التحليل النفسي أن عليهم أن يتنبهوا إلى ميل التحليليين النفسييين البريطانيين إلى إنكار وصف فرويد لأعمال كلاين بالهرطقة ، لأن إتهام فرويد هذا قد يلطخ موقفهم ومكانتهم التحليلية النفسية ).

يملك لاكان العديد من الأمور المثيرة للإهتمام لتقال في حق آنا فرويد وميلينا كلاين . ولكنه يقول ” علينا أن نقبل نص ميلينا كلاين كما هو ، وهو مقال وصفي لتجربة” . لا أعتقد الآن بأنه “يجب” علينا أن نقوم بشيء من هذا القبيل ، فقد تكون ميلينا كلاين معارضة لآنا فرويد والمبدأ الذي يقول بأن عدو عدو هو صديقي هو مبدأ قديم ، ولكن هذا لا يجعل من توجه لاكان بخصوص نصوص كلاين مفهوماً . ( أثر كلاين كبير في باريس هذه الأيام مع انه وعلم حد علمي فلا وجود لمراكز تدريبية للتحليل النفسي خاصة بها في باريس ) . نجحت كلاين في إنجاز العديد من المساهمات لتاريخ التحليل النفسي ، ولكن ما الذي نجنيه من القول بأنه “يجب” علينا أن نقبل نصها كمقالة وصفية لتجربة ؟ ما هي دوافع القول بأن أي عمل لتحليلي نفسي قد يتعامل معه ببساطة “كتجربة” ؟ يبدو بأن لاكان ينسى إقتراحه السابق من خلال مفهوم تأريخ الأشياء في الحاضر . يجب أن تعرض كلاين للإختبار حالها كحال أي كاتب في تاريخ التحليل النفسي ، ووصف أي من اعمالها “بالتجربة” لا ينتهي إلا إلى إخفاء الطابع غير الموضوعي الحتمي في مقترحها . المكانة الغريبة التي يحتلها توجه كلاين في فرنسا هذه الأيام قد تعود إلى تأثير لاكان .

يحيل لاكان من خلال صفحات قليلة إلى اوتو فينشيل ، هانز ساك ، ساندر رودو و فرانز الكساندر . ولكنني أتساءل كم عدد الذين يستطيعون التفريق بين هؤلاء الكتاب الأربعة من داخل التحليل النفسي الفرنسي ويظهر إيجابيات وعيوب توجه كل واحد منهم ، إن غياب المعرفة الجيدة تجعل من ذكر الأسماء اعتباطاً منفذا للتحايل . (إلتقطت جوليا كريستيفا هذه العادة للأسف وهي حشر أسماء العديد من التحليليين النفسيين المختلفين ) . يشير لاكان أيضا إلى ورقة لجيمس ستراتشي والتي يصفها لاكان بالمقالة التأصيلية .وهي ورقة معروفة بالفعل ولكن أليس من الأجدر أن تعرض للنقد بعد وصفها بالتأصيلية من قبل شخص بموقع سلطة ؟ لا يستطيع لاكان في رأيي أن يتخلى عن كيفية تقديمه للتحليل النفسي عن طريق قوله ” هناك عدة طرق لتقديم هذه الأفكار ، أفكار لها حد حالها كحال كل الأفكار الدوغمائية” (إستعمل لاكان في تلخيصه للتحليل النفسي مثال الدوغما) . الإشكال أن القراء في فرنسا حالهم كحال البقية في العالم لا يلقون بالاً للطابع التاريخي في محاضرة لاكان عند إختياره من من الكتاب سيستشهد به .

لا يكاد يذكر اسم كارل جي يونغ في التحليل النفسي الفرنسي ولم يكتب حتى الآن في التجاهل الذي يحضى به في فرنسا .(ذكرت سالفاً كيف كان بول ريكور يكرر ما قاله يونغ في كتابه فرويد والفلسفة) يذكر لاكان اسم يونغ في مواضع غامضة لا تهدف إلا التشكيك في دوره في التاريخ الفكري . على سبيل المثال ، يذكر لاكان الحاجة للتمييز بين الذهان والعصاب. وهذا تاريخياً مما كان يونغ على علم به وهو تحليلي نفسي مؤهل حاله كحال لاكان . كان يونغ حساساً لهذه الإشكالية قبل الحرب العالمية الأولى وهي مما كان فرويد يحاول الوصل بينها من خلال صكه للمصطلح “الإضطراب العصبي النرجسي” بدلا من الذهان . (تحداني مرة ألان تايسون المترجم الرسمي لمقالة فرويد في النرجسية أن أحاول وأتتبع التشابك في تمييز فرويد نفسه عن يونغ في موضوع النرجسية لأن تايسون لم يستطع استيعاب الكثير من مراوغات فرويد الجدلية) . عندما يتحدث لاكان عن “الإنحلال اليونغي” في التمييز بين الذهان والعصاب فلن يستطيع أحد استيعاب ما يعنيه بذلك حقاً . فمن التضليل لما حدث ذلك الوقت قول لاكان : “تستطيع الآن أن ترى كما أأمل الفارق بين إدراك فرويد ويونغ لمكانة الذهان . هناك تشابك بين مجالي الرمزي والتخيلي(عند يونغ) ، بينما عند فرويد فالصياغة التمهيدية للمقال تمنحنا القدرة على تحديد الحد الفاصل بين الإثنين بوضوح”

كما أشرت سالفاً بأن آنا فرويد ولاكان كانا يرون يونغ مهرطقاً . ولكن لاكان في هذا النص يحاول دس تفريقه بين التخيلي والرمزي داخل كتابات فرويد . في الواقع فإن فرويد لم يقم بالتمييز بين الذهان والعصاب حتى عام 1920. مما يؤسفني قوله فإن لاكان ليس أهلا للثقة في الحديث عن يونغ كما كان عند الحديث عن كلاين .

 يتحدث لاكان عن مقالات رائدة لساندرو فرينزي بأنها “فقيرة تماماً” . في الحقيقة هي وكما أعتقد بأنها كانت أحد أعظم الورقات في تاريخ التحليل النفسي ، ولكن وبسبب موقف لاكان الجامد من علم نفس الأنا فقد حط من شأن محاول فرينزي المبكرة لمعالجتها. لا أزال أحاول تذكير الآخرين بقصة كان اريك اتش اريكسون يحب قولها وهو أحد مبتكري علم نفس الأنا . يحب أحد أبناء التحليليين النفسيين أن يسأل ما هي مهنته التي يريد عندما يكبر ، والطفل يجيب بقوله “مريض” . (لم يظهر لاكان أي بوادر رغبة في تخصيص الأهمية العامة للنموذج التحليلي النفسي للمريض) .

وأثناء تعرض فرينزي لهذا النقد فإن لاكان يتحدث عن مايكل بالينت واصفها اياه بالصديق العزيز ، على الرغم من أن بالينت هو أحد أكثر أتباع فرينزي وفاءً . وكل أعمال بالينت يعود جزء من فضل شهرتها في فرنسا عن أي مكان آخر إلى لاكان . علاقة بالينت بفرينزي هي أحد أكثر الأشياء صعوبة إن لم تكن إستحالة لأن يفهمها قاريء ندوة لاكان .

يخصص لاكان جزءا خاصاً عن بالينت تلميذ فرينزي ، في عنوان كان يحمل “أزقة مايكل بالينت العمياء” والذي كان من تسمية المحررين (مع موافقة لاكان عليها  غالبا) ومجدداً يشار فيه إلى بالينت “بصديقنا” . ولن يجد القاريء كما أعتقد في ملاحظات لاكان أي شيء يشير إلى السبب الذي يميز أعمال بالينت في تاريخ الفكر التحليلي النفسي . ولكن لاكان يحدد سب وصفه هذا بقوله أنه كان يحاول تقديم فرع معاصر محدود في علاقته بالتجربة التحليلية التأصيلية . بالتالي فإن لاكان حاله كحال فرويد والعادات والتقاليد في الفكر التحليلي النفسي ، كان يحاول الإلتزام بالموقف اللي راهن عليه فرويد في البداية من قبيل الولاء . (حاول العديد من أشهر المنشقين من أمثال ويلهيلم ريتش وساندور رادو وكلاين أن يحافظوا على ولاءهم المطلق ) .

يعلق لاكان أنه وإلى عام 1930 كان فرينزي يوصف إلى حد ما بالولد الشقي للتحليل النفسي . لا يحالف الحظ لاكان في قوله هذا لأن فرينزي وهو المتوفى عام  1933 لم يكن يشكك في مواقفه من قبل فرويد أو أي أحد آخر غيره إلا في آخر سنين حياته . ربما أن بالينت كان يحلم بدور فرينزي بأثر رجعي بالنظر إلى الصعوبات التي واجهها مع جونز وآنا فرويد . ولكن حتى عام 1930 كان فرينزي يعتبر واحداً من أكثر مفسري فرويد ثقة . وبما أن لاكان يشير إلى بالينت بصديقنا العزيز فأنا سأترك هذه المسألة للمؤرخين المفكرين للتحري في التقاطعات بين بالينت ولاكان في ورقة بالينت . ( صعوبات سياسة المنظمة العالمية للتحليل النفسي لعبت دورا هنا ، لأن لاكان كان يلقى دعماً من بالينت وهذا ما جعل بالينت يستشرف مصيراً مماثلاً لمصير فرينزي كخائن في خضم معارك لاكان مع المنظمات. شعرت آنا فرويد بالمرارة من فرينزي أكثر من ما فعلت بسبب فرويد نفسه ) .

 يشير لاكان في أدبيات التحليل النفسي بلا توقف إلى ورقة لألكساندر وأخرى لهيرمان نونبيرغ وأخرى لرودولف ليفانستاين . ومشكلتي مع ذلك أن هؤلاء الثلاثة لا يقفون على المستوى ذاته تاريخياً. فمن الضروري أن يوضع ما كتبه ألكساندر في سياق تطوره النظري. أيضا يجب علينا أن نعي الولاء المفرط الذي كان يمتلكه شخص بغيض مثل نونبيرغ . ( إرتكب نونبيرغ احد أشهر زلات اللسان في تاريخ التحليل النفسي عندما قال عن مريض بأنه “أسيء علاجه” . يبدو لي أنه من السهل أن نرى التضاد بين هذين الإثنين وليفانستاين . فلا يملك ليفانستاين –محلل لاكان النفسي- أي منزلة تستحق الحديث عنها إلا في فرنسا ، بينما يعد أحد أقل كتاب التحليل النفسي أهمية في كل مكان آخر في العالم . في سبيل حفاظ لاكان على تقليديته فهو لا يقوم بأي إطراء لأي فكرة ليونغ حتى عندما إستشهد به فرويد كما فعل في كتاب موسى والتوحيد . قام لاكان بإعطاء ادوارد بايبرينغ حقه وإستشهد بنونبرغ مجدداً ثم نزل إلى مستوى آخر عندما تطرق للحديث عن غير مؤهل مثل ويلي هوفر . وخشية أن يعتقد بأن حكمي على هوفر لا أساس له فأود أن أستشهد بأحد أتباع يونغ وهو البريطاني مايكل فوردهام الذي يوافقني على رأيي في هوفر .

يقوم لاكان في مرحلة ما وعن وعي منه بتفسير حلم لفرويد عن طريق علاقة فرويد بزوجته. لم يكن لاكان سباقاً في الإلتفات إلى جانب مهم من مشاعر فرويد عن زوجته ولكنه أيضا كان على علم بردود فرويد على أولئك المثاليين الذين كانوا يترددون عليه .كان لاكان صريحاً بقوله وأننا بعد خمسة عشر سنة على وفاة فرويد لا يجب علينا أن نقبع في  الحديث عنه في مستوى السيرة الذاتية . قد لا يكون من السيء أن ألخص توجهي من خلال قولي بأن لاكان ولو كان عن لاوعي منه فهو يعد شخصاً كاثوليكياً ، حتى ولو لم أحب فكرة الولوج إلى حياة الشخص الخاصة عن طريق الإستشهاد بهذه السمات . فكرتي الرئيسية هي بأن مشاعري تجاه ندوة لاكان الأولى والتي عبرت عنها بصعوبة هي ممثلة عن توجه متعجرف تجاه فرويد في فرنسا .

دعوني أستشهد ببعض الامثلة الأخرى  من كتّاب أحمل لهم التقدير مثل جان لابلانك الذي إقترح من خلال إيمانه بفكرة عبقرية اللغة الفرنسية بأن يقوم بإعادة إنتاج فرويد في فرنسا بشكل فرويدي . من المتأخر جداً أن نبدأ في التفكير في مصطلحات مثل ” النص ، النص كاملا ً ولا شيء سوى النص” . أرجو أن لا أبدو مفتقراً للتواضع ولكنني أستطيع كتابة كتاب صغير بتفسيري لورقة التقنيات لفرويد لأنتهي بنتيجة مختلفة تماماً عن توجه لاكان ، ومع ذلك فإنني سأظل أعتبر مفكراً تاريخي ،وستظل ندوة لاكان الأولى على الألسنة إلى زمن أبعد مما ستتذكر فيه أي كتاب سأكتبه . أنا لا أدعي الأصالة كمنظر ولكنني لا أزال أتمسك بمجال تاريخ الأفكار .

أستطيع إستحضار مثال آخر من كاتب أكن له التقدير وهي جوليا كريستفا التي قامت بكتابة مقدمة مطولة للترجمة الفرنسية لمذكرات هيلينا دوتش . وبما أني قمت بكتابة مذكرات هيلينا دوتش بمساعدتها فإنني قمت بمتابعة مقدمة كرستيفا لأنها ساعدت إلى جانب لاكان وسيمون دي بوفوار في إبقاء إسم هيلينا دوتش حيا في فرنسا. تحدثت كريستيفا أثناء كتابتها عن حياة هيلينا عن تعرضها للتحليل النفسي بواسطة فيكتور تاوسك . عندما ذكرت هذا الخلاف علناً لأول مرة في باريس انفجر الحضور ضاحكين . حكاية كتاب “الأخ الحيوان” كانت معروفة جدا في فرنسا إلى حد لم أحتج فيه إلى توضيح موضع الخطأ عند كريستيفا . عند أول نشر لكتاب ” الأخ الحيوان” في باريس أغلب التكهنات كانت تتحدث عن فرويد وحالة إنتحار مشهورة في حلقته ولكن تصريح كريستيفا بأن تاوسك قام بتحليل هيلينا دوتش نفسياً هي أحد أكثر التقلبات صعوبة للإستيعاب  إلى حد أخاف أن تكون ممما يعد من الإستخدام المشبوه للتحليل النفسي في الحياة الفكرية الفرنسية . (ذكاء وجمال وجاذبية كريستيفا هي مما يسلط الضوء على هذا التخبط)

تعج مذكرات لويس ألتوسير “المستقبل يعيش إلى الأبد” بجو الثقافة الفرنسية . على الرغم من إلتزامه الماركسي إلا أن ألتوسير يقبل فرويد بشكل كامل تقريباً. حديث ألتوسير عن حياته المأساوية هو أمر من المستحيل أن يغفل عنه ، وقد تكون جذور المشاكل في حياته ترجع إلى سوء التعامل معه طبياً وهو ما فشل في إستيعابه إلى حين وفاته على الرغم من أنه كان جزءاً من التحليل لعقود من حياته . لا يزال ألتوسير ساذجا فيما يتعلق في بالحديث عن فعالية المنهج الفرويدي .على الرغم من تعامل ألتوسير مع الأطباء النفسيين كأنهم شكل من الأخوة الدينية ، إلا أنه وكشخص يساري فهو لا يقوم بالتشكيك بأي من الفرضيات الرئيسية للإطار الفكري الفرويدي الذي يتعامل معه كمسلمة أيديولوجية . يبدو ألتوسير في مذكراته غير ناقد للإصطلاح والمعتقدات الفرويدية . إتهم رايموند ارون ألتوسير مرة بأنه يحمل “صيغة خيالية عن الماركسية” وهو ما أظنه ينطبق على صيغته للفرويدية . يحملنا ألتوسير على الشك بأنه وكلما كان الفيلسوف الفرنسي عظيماً فإنه سيكون على إتصال أقل بالوجود القائم على الحس المشترك . لام فرويد مرة الحس المشترك بكونه مسؤولا عن أغلب مشاكله في الحياة ، ولكنني أجد قابلية الأفكار لحمل طابع من الإدمان فكرة مخيفة . (تؤكد زيارة فوكو لألتوسير إبّان وجودة في المصحة النفسية على أثر القراءة الخاطئة الواسعة لفرويد) .

مع وجود العديد من الحديث المطول ليقال عن صعوبات كتابة تاريخ التحليل النفسي، ولكنني أريد الحديث عن مثال فرنسي واحد وهو اتو رانك أحد المفضلين سابقاً عند فرويد. مارس التحليل النفسي في باريس لأكثر من عشرة أعوام من منتصف العشرينات وحتى نهاية الثلاثينيات ، وكان محاطا بحلقة من الكتاب والفنانين والمحللين حوله. (ساعدتني زوجته الاولى في تتبع قصة التحليل النفسي في بداياته في فرنسا) ومع ذلك إلا أن حضور اتو رانك في باريس تم تجاهله في الجزء الثاني من كتاب اليزابيث رودينسكو “تاريخ التحليل النفسي في فرنسا” . كان رانك غير فرنسي مثله مثل العديد من التحليلين النفسيين الأوائل في باريس ، ولكن أثره محي عن كتاب رودينسكو لأسباب مختلفة عن إسقاط اسم ريتش من كتاب جايز في فرويد .

دعوني أختم حديثي بملاحظة جريئة . عندما أكون في فرنسا أحدث نفسي أحياناً بأن الفرنسيون في هذه السنوات القليلة يقومون بإرتكاب كل الأخطاء التي حدثت في تاريخ التحليل النفسي خلال المئة عام الماضية. فأنا لا أسمع أي إنتقاد لإستعمال الأريكة ضمن العلاج النفسي ، أو عن إستمرار التحليل النفسي لمدة طويلة مع محلل نفسي واحد .أشار أشخاص مثل يونغ ورانك أيضاً منذ مدة طويلة إلى الطابع الإستبدادي المضمن في الإجراءات العلاجية الموصى بها بواسطة فرويد ، وهي إشارة إستوعبها جان بول سارتر بشكل بديهي لأسباب عديدة . كما أشرت مسبقا فإن يونغ لا يزال ذا أثر بسيط في فرنسا. حدة فولتير لم تكن من سمات يونغ . كان التوجه المنطقي عند ايريك فروم إلى جانب ايركسون أكثر قبولاً في فرنسا على الرغم من كون ايركسون هو من أشار منذ مدة بعيدة إلى إمكانية التحليل النفسي من أن يكون حارماً شديد الحساسية للحس ، وهي ملاحظة تشكك بشكل بسيط في الوضع التحليلي التقليدي .

ينبغي علي أن أضيف إلى أنني عندما قمت بتقديم بعض أفكاري عن إشكاليات التحليل النفسي الفرنسي في عام 1992 قمت حينها بالإستشهاد بلاكان فيما وصفته بالأمر الشنيع من قبل وهو ما دفع المحلل النفسي الجالس بجانبي إلى التمتمة قائلا “هذا خطأ” بينما في مقابلي كان يجلس محلل نفسي استطعت من رؤية الفكرة تراوده ” كيف تجرؤ ، شخص بلا قيمة من مكان لا يذكر تأتي لتنتقد”

من الجميل أن تطلع على ندوة لاكان الأولى لتجده على إلمام بالقديس اوغسطين مثله مثل سارتر. (يذكر اسم ارسطو في هامش محاضرات لاكان اكثر من أي شخص آخر متبوعاً بديكارت ، هيجل وسقراط) . لطالما إعتقدت بدور سارتر وسيمون دي بوفوار في قبول فكر فرويد في فرنسا ، حتى ولو غفل عن ذكره. يلمح لاكان في محاضرته إلى سارتر ، وأنا أشك بأنه يوصي بالتنبه إلى نقد سارتر لفرويد كما يجب. أعتقد بأن تصوري لإشكاليات التحليل النفسي الفرنسي تشير إلى مدى الإبتذال في توجهي . ولكنني أرى أنه ينبغي علينا كمثقفين بأن لا نسمح بإغفال هذا الشكل من التشويه الذي أشرت إليه في حديثي عن ندوة لاكان الأولى .

مما هو غني عن البيان والتوضيح هو أنني لم أقبل بهذا البحث في ندوة  لاكان الاولى إلا من باب إعتقادي بأن لاكان كان مستحقاً للجهد المبذول في هذا البحث. فلقد كان مسؤولا عن نشوء التحليل النفسي الفرنسي ، وقام بترقية مجتمع من الدرجة الثانية ليصبح أحد أكثر مصادر التحليل النفسي المعاصر أصالة. وهو أمر مماثل لما قام به جونز في المجتمع البريطاني ولكنه حقق ذلك بواسطته منظما وبمساعدة من كلاين بينما نجاح لاكان كان عائداً إلى خصوبة أفكاره والتي وجدت لها أثراً في الحياة الفكرية الفرنسية ككل. أعاد لاكان الفلسفة والتحليل النفسي معاً لذكرى الفرويدية المبكرة . ولكن هذا الأثر الناجح للتحليل النفسي الفرنسي لن يمنعنا من التنبه إلى مواطن النقص فيها .

لن يعلن القرن القادم نهاية التحليل النفسي إطلاقاً . ولكن الأهداف التي حققت مما ذكرنا وجوانب التحليل النفسي مثل هجوم فرويد على المسيحية كانت ثورية. ولكن التشظي كان حاصلاً أيضاً وهذا ما جعل هذا الجزء من تاريخ التحليل النفسي معزولاً بعض الشيء. ينبغي علينا أن نتنبه في الوقت ذاته إلى تيار الأفكار المتجدد داخل فكر التحليل النفسي دون أي لجوء إستبدادي إلى ما يرى بأنه الإتجاه السائد لذلك التقليد. قد يبدو أن ما كتبته هنا عن التحليل النفسي الفرنسي يحمل طابع التوبيخ بينما هو في الواقع محاولة للتعبير عن الإثارة المتحصلة في دراسة تاريخ التحليل النفسي . سيجد الدارسون في المستقبل كثيرا من العمل بإنتظارهم في السنين القادمة . لم أجد رسالة لفرويد سببت لي ضجراً ويستطيع المؤرخون الفكريون أن يجدوا لهم أمراً أسوأ من العمل على مجال صنعوه بأنفسهم .

 قدمت اليزابيث رودينسكو خدمة جليلة لتعريف العالم بالتحليل النفسي الفرنسي . كتابها عن فرويد بجزأيه هو مقدمة رائعة عن حالة إستلهام مميزة لتعاليم فرويد . يهدف عمل رودينسكو لأن يتوسع مدى هذه الأفكار إلى خارج فرنسا من خلال لاكان أكثر منظري التحليل النفسي الفرنسي شهرة ، من يكتب بلغة صعبة محكمة وبمساعدة حكاية روديسنكو سيستطيع القاريء من إيجاد موطيء قدم له في عالم قد يبدو لأول وهلة مقلوبا رأساً على عقب .

بدت فرنسا بداية الأمر غير قابلة للإستجابة لأعمال فرويد وهي البلد الذي ذهب فرويد له للدراسة ، ولفترة طويلة اعتقد علم النفس الفرنسي وعلم الاعصاب بأنهم لن يحتاجوا الإضافة التي ستقدمها تعاليم التحليل النفسي. وصف عمل فرويد بأنه أجنبي ، له جذوره الألمانية وحتى هذا اليوم لا توجد طبعات أصلية لأعماله بالفرنسية .

ولكن منذ الثلاثينيات بدأ لاكان في قيادة التحليل النفسي في مسار غير مألوف في فرنسا . حينما قام بطرح نظرية مرحلة المرآة والتي يبدأ الطفل فيها بتعلم إمكانية وجوده المستقل وفي الوقت نفسه متورطا في وجود أشبه بالوهمي ، بدأ لاكان حينها بإصطلاح فكرة وجدت لها أثراً شائعا . حتى ومع سوء الفهم الشائع للاكان إلا أن مفكرين كدي وينكوت إستجابوا لإلهامه .

كان لاكان عازماً على تجنب الإستبدادية المضمنة في كثير من مراكز تدريب التحليل النفسي ، تعرض هو ومجموعته للطرد من منظمة التحليل النفسي العالمية عام 1953. على الرغم من عزم لاكان على إخضاع تجاربه بطرق مختلفة في جدول زمني لرؤية المرضى ، إلا أنه فشل في إرضاء الأميرة ماريا بونابارت. قامت آنا فرويد بدعم صديقتها القديمة ماريا فيما طرد لاكان .

عانى لاكان لسنوات ليعود إلى أيام منظمة التحليل النفسي العالمية ، وحتى هذه الأيام فإن أعضاء في مجموعته في باريس إلى جانب تحليلين نفسيين فرنسيين آخرين يتكلمون بإستخفاف بالعقلية البيرقراطية التي تستحوذ على منظمة التحليل النفسي العالمية. أصبح لاكان مكرسا من أجل شكل من الثورة الدائمة داخل حقل التحليل النفسي ليقوم فيما بعد بحل أول الجمعيات التي قام بتأسيسها بعد تركه لمنظمة التحليل النفسي العالمية . كان سبب حله لهذه المجموعة التي قام بتأسيسها بسبب بعض الإعتراضات من قبل بعض أعضاءها المؤثرين ، ولكن لاكان كان عازماً على الحفاظ على نوع من الإبتكار الذي رأى بأنه عامل أساسي لإستعادة التحليل النفسي لحيويته ونشاطه .

تعلم رودينسكو بالقصة التي قامت بتسجيلها – كانت والدة رودينسكو تنتمي إلى ما أسمته بالجيل الثالث من التحليل النفسي في فرنسا .لا تقوم رودينسكو بربط التحليل النفسي في فرنسا بتقاليد علم النفس الفرنسي فحسب ، ولكن إلى بعض من الحركات الفكرية مثل السريالية ، والماركسية ، والوجودية . لم يكن فرويد يمتلك أي تلامذة في فرنسا غير الأميرة ماريا بونابارت . أغلب من قام بتدريبهم كان حالهم كحال الاميرة ماريا بونابارت لم يكونوا من قاطني باريس، وعاجزون عن إستجلاب تعاليم التحليل النفسي إلى داخل مركز الثقافة الفرنسية . كانت الأحداث في عام 1968 مؤذنة بحدوث تحول جذري في حظوظ التحليل النفسي الفرنسي ، بسبب إضافة فرويد ضمن المواد الأساسية للملتحقين في الجامعات في المدارس الثانوية . وفي جامعة السوربون المعاد بناؤها جذب التحليل النفسي العديد من الطلاب  ممن لم يسعوا بالضرورة إلى الطب النفسي ولكنهم أرادوا فهم الثقافة المعاصرة بشكل أفضل. وبحلول عام 1990 أصبح عدد جمعيات التحليل النفسي قرابة الستة عشر جمعية في فرنسا وفقاً لرودينسكو .

كتاب “لاكان ومعاونيه” هو بحث لرودينسكو يحمل الكثير من التفاصيل والعناية لا أكاد أجد فيه أي خطأ كبير ، ومن يحوم حول الأخطاء الصغيرة هو أشبه بمن يلتفت إلى الشجرات منفردة ويغفل النظر إلى الغابة إجمالاً. رسمت رودينسكو بنجاح خطوط إستقبال التحليل النفسي في فرنسا ، ولا أعلم بعمل مثيل له عن أي ثقافة قومية تقبلت أفكار فرويد ، بإستثناء كتاب ناثان هايل “فرويد والأمريكيين” . وللقراء ممن يهمهم فهم الجانب الفرنسي لفرويد فأنا لا أعلم أي نقطة إنطلاق لهم أفضل من كتاب “لاكان وشركاه” .

error: المحتوى محمي