اللائكية الفرنسية: التجانسية والجنسانية – مارثا نوسباوم / ترجمة: فاطمة الشملان

اللائكية الفرنسية: التجانسية والجنسانية – مارثا نوسباوم / ترجمة: فاطمة الشملان

Nussbaum_Martha2

د. مارثا نوسباوم


فلنتأمل بقرب أكثر الحالة الخاصة لفرنسا. فعلى العكس من الأمم الأوروبية الأخرى، فرنسا متسقة إلى حد معين. فباعتبار تاريخها المناهض للكنسية والالتزام القوي للائكية، محظور على الدين أن يحدد معالم المجال العام، ويُسمح للمجال العام أن يزدري الدين على العكس من اللادين.

يؤدي هذا الالتزام إلى تقييد مدى عريض من الظواهر الدينية، يجري كله باسم فصل الدين عن الدولة، ولكن إذا ما نظرنا عن كثب، فإن تلك التقييدات غير متكافئة وتمييزية. تحظر المدارس غطاء الرأس الإسلامي واليهودي (اليرمولكا) مع العديد من الصلبان المسيحية “الكبيرة”. ولكن هذا عبء غير متكافئ البتة، فأول قطعتين من الثياب هما فريضتان دينيتان للحريصين من تلك الديانات، بينما الثالث ليس كذلك: لا يخضع المسحيين تحت أي فرض ديني للبس أي صليب كان، فما بالك بواحد “كبير”. إذن هناك تمييز متأصل في النظام الفرنسي.

هل ستكون العلمانية الفرنسية مقبولة إذا ما مورست بطريقة منصفة؟ وفقا للقانون الدستوري الأمريكي، لا يمكن للحكومة تفضيل الدين على اللادين أو العكس. فعلى سبيل المثال كان اعلان جامعة فيرجينيا عن أنها ستستخدم رسوم الطلبة لتمويل كل المنظمات الطلابية الأخرى (السياسية، البيئية، إلخ) ولكن ليس الأندية الدينية أمرا غير دستوري. (Rosenberger v. Rector and Visitors of the University of Virginia,515U.S.819[1995])

علي أن اعترف بأني أفضل هذا التوزان على اللائكية الفرنسية ؛ حيث أعتقد أنها أنصف للأناس المتدينين. هذا الفصل ليس كاملا حتى في فرنسا: حيث سيظل الحريق المشتعل في الكنيسة يُطفئ من قبل المطافئ العامة؛ ولا تزال الكنائس تحصل على الماء العام والمجاري العامة. ومع هذا يظل حجم ونوع الفصل الذي تأمر به فرنسا يبدو غير منصف في ضوء المبدأ الذي دافعتُ عنه ولو كان هذا الفصل مفهوم تاريخيا.

فلنتأمل الآن لغة القانون المحظر للنقاب. إنه يمنع ” ارتداء لباس مصمم لإخفاء الوجه”

(porter une tenue destinée à dissimuler son visage)

ثم تأتي القائمة الطويلة من الاستثناءات:

إن المنع المشروح في الفقرة الأولى لا ينطبق على لباس موصوف أو مشرّع من قبل إدارة تشريعية أو تنظيمية، إذا كان مبررا بدواعي صحية أو مهنية، أو إذا كان مُتبنى في سياق الممارسات الرياضية، المهرجانات أو الأداء الفني أو التراثي.

[L’interdiction prévue à l’article 1er ne s’applique pas si la tenue est prescrite ou autorisée par des dispositions legislatives ou réglementaires, si elle est justifiée par des raisons de santé ou des motifs professionals, ou si elle s’inscrit dans le cadre de pratiques sportives, de fêtes ou de manifestations artistiques ou traditionnelles.]

إن ردة فعل المرء الأولى لهذه القائمة الزاخرة هي أن القانون حاول أن يشمل كل مناسبة ممكنة لتغطية الوجه عدا النقاب. وبالتأكيد لو مضينا في قائمتي للحالات الموازية، فسنجد أغلبها تتعامل مع: المتزلجين والمتزحلقين رياضيا، الأطباء وأطباء الأسنان من حيث المتطلبات المهنية، وكمامتي في المكتب من باب الوقاية الصحية، واستخدامات مسرحية متنوعة للقناع من قبل “الأداء” الجمالي والتراثي. لا أعرف ما يحصل لي في شيكاغو خلال الشتاء، ولكني متأكدة من أني سأستثنى على أساس الصحة (santé). إلا أنه من الجلي مع هذا، بأنك لا تحصل على اتساق في المبدأ عبر صف ببساطة كل شيء كاستثناء للمبدأ عدا الشيء الوحيد الذي لا يعجبك حقا.

للفرنسيين رد على هذا. حيث أنهم لا يعفون أي مناسبة دينية أو دافع لتغطية الوجه. إلا أنهم في حالة اللبس النظامي للمدرسة قد فعلوا: حيث أظهرت تلك الصلبان “الصغيرة” تفضيلا للغالبية المسيحية. (وبالمثل إن حظر غطاء الرأس للمسلمات في الدول الأخرى التي تُعفى الراهبات في زيهم الكامل هو عدم اتساق وصيغة من تفضيل الغالبية.) من وجهة نظر مبدأنا عن الليبرالية المتكافئة، فإن سياسة اللائكية برمتها مغلوطة، حيث أنها تمنح امتيازا للادين على الدين وتقيد التعبير الديني دون مصلحة قاهرة للدولة (عدا اللائكية نفسها). لكننا لا نطرح هذا السؤال في هذه المرحلة وإنما نسأل عن الإنصاف ضمن الأديان. هل يعني تطبيق هذا الحظر على كل الأديان بأنه محايد حقا_ على العكس من الزي الرسمي للمدرسة؟ حسنا، بالتأكيد، بالرغم من أن كلمة نقاب لم ترد في التشريع، فإننا نفهم جيدا وبشكل تام بأن هذا هو كل ما في الأمر. ويُظهر واقع أن القانون كان سخيا جدا في الإعفاءات الثقافية والمهنية الأخرى بأن الفرنسيين ليسوا قلقين من الممارسة بعينها إلا حين تكون ظاهرة دينية. ولكن مع هذا، أليس ذلك متسق وإلى حد ما مع تطبيق محايد لسياسة اللائكية؟

إن المعضلة التي نحن بصددها الآن هي عدم امتلاك دين آخر لزي من هذا النوع تحديدا. إذن ما فعله القانون هو أنه انتقى شيئا ذي أهمية مركزية على الأقل لبعض من أعضاء ديانة واحدة وإسقاط عبء ثقيل عليه، دون إسقاط ذات العبء على الممارسات المركزية والعزيزة للديانات الأخرى. وبالفعل، يبدو من الجلي بأن المرء لن يُغرّم إذا أشر بصليب على نفسه في مكان عام، أو انشاد ترنيمة دينية أثناء ما يسير المرء في الشارع، أو لارتداء أي نوع من الزي الديني عدا النقاب: رداء الكاهن، الراهبة، لباس الحسيدية، الزي الزعفراني للكهنة الهندوس_ يبقى كل أولئك غير مدينين. إذن هو محايد في جانب، وغير محايد على الإطلاق في جانب آخر. في هذه المرحلة سيلوذ المدافعون عن الحظر عادة إلى واحدة من الجدليات أو الأخرى، قائلين بأن النقاب، على عكس أكثر صفات الثياب، هو خطر أمني وعائق للعلاقات الطبيعية بين المواطنين، وهكذا دواليك. ولكن واقع أن الحكومة لا تلقي لتلك المنطقيات بالا جلي في أنها تسمح باستثناءات عديدة لهذا الحظر. حتى الحفلة التنكرية العمومية، حيث يغطي مئات من البشر وجوههم، تتلقى دفاعا صريحا في ذاك الصرح. إذن من الواضح أن الحكومة لا تفكر بأن الأمن يوفر مصلحة قاهرة لصالح التقييد: الذي يُنفخ غالبا ببوق من المصالح الواهية جدا وحتى تافهة. وبذا أختم بأن الحظر الفرنسي ليس محايدا حقيقة، بل محايد بالدرجة الذي به زي المدرسة الرسمي محايدا. غير أن الاعتراض الواضح هو أن العلمانية الفرنسية لا تسمح بحرية فسيحة للالتزام الديني، ويمكننا إضافة التحيز على هذا الاعتراض.

فبشكل عام، يستعرض القانون الفرنسي انحيازا لصالح الطريقة السائدة والمألوفة للحياة الفرنسية، أيا كانت تلك الطريقة. واضح للعيان أن الشعب الفرنسي متغاير، وكانت سياسة النقاب موضعا لكثير من الجدل. ومع هذا لا يبدو مستغربا رؤيته معبرا عن بعض من معايير المجتمع السائدة. لقد حاجت التاريخية جوان سكوت بشكل مقنع وحصيف (فيما يتعلق بغطاء الرأس، قبل أن يأخذ النقاب موقعا مركزيا بزمن)، إن الجدال عن اللباس الإسلامي يختزل الإصرار الدوغمائي للطريقة الفرنسية لتصبح المرأة امرأة، حيث تُستعرض الجنسانية بشكل عرضي كصيغة من المبادرة الفردية والتعبير الشخصي الذاتي. هذا الفهم الجنساني عن الأنوثة يُؤخذ على أنه “عصري،” ويؤخذ كل شيء سواه على أنه رجعي، قمعي، ومُهدِد:” كان التعارض بين الثقافة الفرنسية والإسلامية أيديولوجي البناء اختزل الواقع المعقد إلى بسيط، أي إلى فئات تعارضية.” بالطبع هذه الطريقة من التفكير معيبة بشكل كبير لأنها تفتقر للاحترام الحقيقي والفضول. إنها تمنح مساحة للمألوف وتمنع نفس الاهتمام والحرية لغير المألوف.

إن الأمم الأوروبية تختلف بطرائق عدة، ولكل منها تاريخ متفرد يمكن أن يُسطر له كتاب بأكمله بطريقة متلونة. ومع هذا، تشترك كلها بالاهتمام بالتجانسية التي تسوقهم إلى ارتكاب بعض من الأخطاء المُقلقة في المحاجة العمومية. لو كان تلك الأمم جزرا معزولة، كما رأت المستعمرات الأمريكية الأولى نفسها، لكان سبب سعيهم لمساحة منعزلة يمكنهم من خلالها الارتباط مع أناس من شاكلتهم مفهوما أكثر على الأقل، أي نوع من النظير الوطني للمجتمع المسور. كان المتدينون في ماساتشوستس مجتمعا مسورا بهذا المعنى، مبعدين الممتعضين والمهرطقين، والذين فيما بعد أرادوا السكنى في مكان آخر. حتى الترتيب كان مقلقا، لأنه لم يوفر حرية فسيحة. لقد قلنا إن الكرامة الإنسانية لا تتطلب الحرية فقط بل الحرية الفسيحة. إن البشر كائنات باحثة، وحتى الناس الذين يبدؤون متفقين مع بعضهم ينتهون مختلفين مع بعضهم أثناء سعيهم لإيجاد معنى للحياة بطرقهم الخاصة. لقد حالت ماساتشوستس دون بقائهم إذا ما خالفوا الغالبية. إن الأمم الأوربية مماثلة لمتديني ماساتشوستس بطريقة لا تريح، منكرة على الأقليات مساحة متكافئة.

لو كان كل ما فعلته تلك الأمم هو امتلاك سياسات هجرة تفضل أولئك الذين على شاكلتهم، سيكونون على أي حال يقومون بفعل ما تقوم به كل الأمم حول العالم طوال الوقت. يمكننا أن نفكر بأن تلك السياسات شائكة، ويمكننا وعلينا أن نجادلها؛ لكن الدول المعنية لن تعامل مواطنيها بإجحاف على الأقل. إلا أن ذلك ليس الحال في أوروبا، فكل الأمم الأوروبية متعددة مسبقا، لأن جميعها قد أدخلت، بل سعت، إلى عمال لتوفير مقادير مهمة للمصلحة الوطنية. حيث يشمل الاتحاد الأوروبي على مبدأ ملتزم لحرية حركة العمال ضمن الأمم، بما فيها حرية حركة العديد من ذوي البشرة الداكنة و/أو المسلمين إلى أراض يسودها الشقر والمسيحيين. إن الالتزامات بأسباب المصلحة الوطنية ومن ثَم معاملة الناس بشكل غير متكافئ لفشل أنكى من الفشل في ادخالهم منذ البدء. فمتى ما دخلوا، فإن المجتمع مجتمع متعدد، ويجب أن تُخلق جهود لمعاملة الكل باحترام متساو.

بالتأكيد يحق للمجتمعات اتخاذ إجراءات تستقر بها كنه قيمها وثقافتها السياسية في وقت تزايد الهجرة. أحد الإجراءات الجلية، والتي تستخدمها معظم لأمم، هو التوجيه المدني الفرضي- في كل من المدارس العامة والخاصة والدينية التي تسعى لنيل اعتماد.

وفي هذا، لم تفعل الولايات المتحدة جيدا كما يمكنها، حيث وبالرغم من حكم المحكمة العليا بفرض التربية المدنية على المدارس الخاصة والأجنبية، فإن التعليم المنزلي مجاز بمتطلبات رخوة للغاية، مما أسفر عن نمو العديد من اليافعين دون فهم لتنوع مجتمعهم أو كنه قيم الاحترام والمساواة التي تجعله متماسكا. كما يمكن للمجتمعات الإصرار على عدم التفرقة في المساحة العمومية وتعريف المساحة بشكل عريض، شاملة محلات التجزئة برمتها وأي أبنية مؤجرة تحوي أكثر من عدد قليل من الوحدات. وبهذا يحمون المساحة العامة كمساحة يلتقي فيها المواطنون المتنوعون ببعضهم البعض على أرضية متساوية. فلا يمكن للأقلية أو الأغلبية، بدخولهم تلك المساحة، عزل أنفسهم عن الالتقاء بأولئك المختلفين. على التفرقة في المساحة العامة أن تكون غير قانونية وهي حقا كذلك، وعلى الأقلية كما الأغلبية الامتثال لقوانين عدم التفرقة فيما يخص المباني العامة. بالإضافة إلى أن على كل الأمم التشديد على القيم الخالصة للتوجيه والاختبار الوطني. يمكن للأمة أن تستخدم بذكاء الأعمال الفنية العمومية، الحدائق العامة، المهرجانات الشعبية، والخطاب السياسي لتذكية جذوة المشاعر المرتبطة بالقيم السياسية الصميمة، وهو مشروع حاسم لاستقرار تلك القيم، كما استبصر القادة الناجحين من ابراهام لينكون إلى مارتن لوثر كينغ الابن. تلك جميعها خطوات إيجابية؛ لا تتطلب أيا منها حظرا للممارسات الدينية الشخصية والطوعية، كما لا تتطلب أيا منها إلقاء أعباء إضافية على الأقليات.

التحيز بشع، وبالفعل كما قال كانط، يصلح لأن يترشح كصيغة أولية للسقوط الأخلاقي. علينا ألا نسمح للتحيز في قوانيننا ومؤسساتنا، وعلينا أن نحاول تجنبه باستماتة في تعاملاتنا الغير رسمية مع من يشاركوننا المواطنة. نملك فرصة تجنبه فقط إذا ما حاولنا بكل ما أوتينا من قوة قيادة الحياة المجربة*

 

 


*كناية عن مقولة سقراط ” الحياة التي لم تُجرّب هي حياة لا تستحق العيش لبشر”. (المترجمة)

error: المحتوى محمي