ماهي الفلسفة العربية؟ – بيتر آدامسون / ترجمة: فاطمة الشملان

ماهي الفلسفة العربية؟ – بيتر آدامسون / ترجمة: فاطمة الشملان


يحتوي العالم الإسلامي على مدى فسيح من التراث الفكري

لنعترف بأنه من الضحك أن مجالا أكاديميا لا يسعه حتى تقرير ما يسمي به نفسه. بل يستدعى السخف أن يكون الأمر بهذا الشيوع في الحياة الجامعية: اجتماع لجنة مطول ومسخر لمعرفة ماهي الأشياء التي يجب على اللجنة إعادتها والمشادة حول اسم الكرسي المُتبرع به والنقاش الجياش المحمول على أين يجب أن توضع الفاصلة. في حين يمكن أن تقع الخلافات الفكرية الجادة حول نزاعات على المصطلحات. أحد تلك الخلافات العارمة هي في مجال تخصصي، والذي يمكن أن يُسمى “الفلسفة العربية” أو “الفلسفة الإسلامية” بحسب من تسأله. إن الآراء حول المسألة تسري عميقا لدرجة أنه حين شاركت تحرير كامبريدج كومبانيون للفلسفة العربية مع ريتشارد س. تيلور قبل عدة سنوات، اقتصرت تعليقات إحدى مراجعات الكتاب بشكل حصري تقريبا على التذمر من العنوان.

إن هذا عجيب، فعبارة “الفلسفة العربية” تحتم نظريا ألا تكون محل نزاع إطلاقا. إذ هي تشير مباشرة إلى نصوص فلسفية مكتوبة باللغة العربية. صحيح أنها تملك عقبة معتبرة في أن الناس يميلون لخلط “العربية” كمرادف لـ “عربي”، في حين أن غالب الكتابات الفلسفية المكتوبة بالعربية لم يكتبها عرب. إن الاستثناء الشهير لهذا هو الكندي، والذي لُقب بشكل صريح “فيلسوف العرب” منذ العصور الوسطى. غير أن الفارابي وابن سينا بمثل شهرته، وهما المفسرين اللاحقين للفكر الأرسطي اللذين كتبا بالعربية بيد أنهما أتيا من آسيا الوسطى. ومع هذا لعله يبدو مستهجنا أيضا أن يُعرّف مجال بمقتضى اللغة حصريا. إذ أن هذا ليس دارجا في أجزاء أخرى من تاريخ الفلسفة. بل ننزع للحديث بمقتضى التطورات الثقافية (“الفلسفة التنويرية”) أو كما في الغالب بمقتضى الترتيب الزمني المحض (“الفلسفة القديمة والوسطى والحديثة”) أو نمتد للحدود الجغرافية؛ “الفلسفة الهندية” من الهند ومكتوبة بلغات عدة وعلى الرغم من أن يمكن للـ “الفلسفة الصينية” أن تكون توجها لغويا غير أني اتخذها للإشارة إلى فلسفة قادمة من الصين وليس فلسفة مكتوبة بالصينية.

لما إذن تصنعون من “الفلسفة العربية” استثناء، عدا عن إيصال فكرة أنه يجب على العاملين في هذا المجال أن يتقنوا العربية؟ إن الإيعاز المسكوت عنه هو أن اللغة مرتبطة بميلاد هذا التراث أساسا، والذي علينا فهم بأنه بدأ منذ تُرجمت الأعمال الفلسفية اليونانية إلى العربية منذ أوائل القرن الثامن الميلادي. لذا حين يعترض الناس على هذه العبارة، مالم يكن لأنهم يعتبرون أن “العربية” تعني “عربي”، فإنهم يعترضون على فكرة أن كل فلسفة في الثقافة الإسلامية خرجت من ارتباط بالحكمة اليونانية ومستخلصاتها إلى اللغة العربية.

” إن سبب الحديث عن فلسفة في العالم الإسلامي هو تجنب الاقصاء المسبق لمواضيع محل بحث، كما لو أنها إشكالات أناس آخرين.”

هؤلاء النقاد هم أنصار “الفلسفة الإسلامية”. يريدون التأكيد على مركزية وخصوبة الإسلام الفلسفية، وللإقرار بأن وإن كان العديد من المفكرين موضع التساؤل قرأوا أرسطو واليونانيين الآخرين بترجمة عربية، فإن اهتمامهم الراسخ كان رسالة القرآن. يُرجح أن يملك المعجبون بالـ “الفلسفة الإسلامية” فهما أوسع لما يتوجب على الباحثين في المجال قراءته: ليس أعمال المفكرين الأرسطيين أمثال ابن سينا وابن رشد فحسب، وإنما كتابات المتكلمة والمتصوفة. وفي توقدهم للصورة العامة سيشيرون إلى أن الأدب الفلسفي كُتب بالفارسية بدلا من أو مع العربية أثناء تبلور التاريخ الإسلامي. لقد كتب ابن سينا مسبقا مختصرا لفلسفته بالفارسية في عمل من أجل أحد رعاته، ونرى بتزايد رموزا أمثال ” السهروردي” مؤسس تراث “الاشراق” الفلسفي الذي كتب باللغتين العربية والفارسية، وإن كانت النصوص الفارسية تعج بالكلمات العربية المستقاة مباشرة من مصطلحات ابن سينا. ولذا فإن الباحث الذي يجد ” الفلسفة العربية” عبارة ملائمة هو قابل لأن يتخصص في مفكرين من العصور الأولى، منذ بداية حركة الترجمة وحتى القرن الثاني عشر ميلادي. يمكن لحاملي عبارة “الفلسفة الإسلامية” أن يعملوا على هذه الحقبة كذلك، ولكن الأحرى أن يكونوا مهتمين بالتطورات اللاحقة كفكر السهروردي أو حقبة الدولة الصفوية في إيران حين كانت لا تزال الفلسفة تُكتب بالعربية والفارسية. وفي الحالات المتطرفة سيمضي هذا المعسكر إلى درجة تعريف هذا المجال بالـ ” الفلسفة الفارسية” أو “الفلسفة في إيران”، وللإيعاز بأن الفلسفة الإسلامية تبناها مقيمو فارس الكبرى.

منظوري الشخصي هو أن كلا طرفي النقاش يملكان حجة، مفاد القول كذلك أن كلاهما على خطأ جزئيا. فكما حاججت في موضع آخر، يمكن للباحثين في هذا المجال أن يجدوا اهتماما جما بنقاشات المتكلمة الإسلامية، وحري بهم على العموم أن ينظروا لأبعد من الارتباط المباشر بالفلسفة اليونانية في الترجمة العربية. وبذا، فإن المدى الذي يعتبر “الفلسفة العربية” تمثل استمرارا للفلسفة القديمة التي غدت عربية الآن عوضا عن يونانية أو لاتينية هو مدى ضيق بشدة. علاوة على أن حتى النصوص التي ترجع في النهاية إلى الفكر الهيليني خُطت غالبا بلغات ليست عربية، بالفارسية بشكل كبير وبالسريانية والعبرية. ولذا يبدو من المستغرب تعريف مجال المرء على أنه يشمل فلنقل تهذيب الأخلاق لابن مسكويه (مختصر عن تهذيب النفس أخلاقيا المكتوب بالعربية ويعج بالمواد المستقاة من أرسطو) ولا يشمل أخلاق ناصري للطوسي (مختصر ليس عن الأخلاق فحسب ولكن عن السياسة وتدبير المنزل المكتوب بالفارسية والذي يعج بمواد مستقاة من ابن مسكويه). كما أخذت شروحات ابن رشد الشهيرة لأرسطو والمكتوبة بالعربية شروحاتها من ابن جرشون بالعبرية.

ولكن وكما يظهر المثال الآنف أيضا، إنه من الضيق جدا الحديث عن “فلسفة إسلامية”، لأن العديد من الرموز ذات العلاقة مسيحية أو يهودية. في الواقع غالب من ترجم العلم الهيليني من اليونانية إلى العربية مسيحيون وظفهم أعضاء من النخبة المسلمة للقيام بالمهمة. كما أن لدينا ظاهرة كالتي تدعى “مدرسة بغداد” للفلاسفة الأرسطيين، الذين سبقوا مشروع ابن رشد في كتابة شروحات لأرسطو. وبالنظر إلى الشارحين القدامى لعمل أرسطو، فإن ابن رشد ومدرسة بغداد من قبله بذلوا طاقات عظيمة في شرح كل جملة للأعمال الجوهرية مثل الفيزياء لأرسطو ورسالاته المنطقية. وبالاستثناء الجلي للفارابي، كل أعضاء مدرسة بغداد مسيحيين. وبالمثل هو ابن العبري الذي استقى بعد بضع قرون لاحقة من ابن سينا ومفكرين بعد ابن سينا ليكتب ملخصا فلسفيا موسوعيا بالسريانية. من الجلي أن وصف رموزا كهؤلاء بالـ “الفلاسفة المسلمين” محكوم بالفشل، ومع هذا من الجلي أيضا بأن هؤلاء ينتمون لهذا الفرع من تاريخ الفلسفة.

لهذا السبب فإني وآخرين في المجال انجذبنا في السنوات الأخيرة نحو العبارة التي تحوي كلمات أكثر وإشكالات أقل “فلسفة في العالم الإسلامي”. هو توجه أرحب يقصد عمدا، على الأقل بالنسبة لي، ضم أعمال كُتبت بالعبرية والفارسية والسريانية كما العربية، وليشمل رموزا يهودية ومسيحية كما المسلمة. المراد هو أننا ندرس مخرجات منطقة محددة جغرافيا وسياسيا وليس مجموعة لغوية أو دينا أوحدا. وأقر بأنه يمكن لهذا الاقتراح أن يحمل استثناءات شائكة. ماذا سنقول عن مفكرين يعملون في أماكن وقعت تناوبا تحت الحكم المسيحي والإسلامي مثل أنطاكية أو طليطلة؟ خصوصا حين يأتي الأمر للفلسفة اليهودية، فإن التفريق يشمل بشكل اختلاقي مفكرين يعملون في شبه جزيرة الأندلس قبل “سقوط الأندلس”، في حين يقصي نظريا أولئك الذين عملوا في المنطقة نفسها بعد السقوط أو هاجروا من إسبانيا والبرتغال إلى أجزاء أخرى من العالم النصراني اللاتيني. الحلو لا يكمل، غير أن الحالات الشائكة تبدو أقل هنا والأهم هو أن العبارة توعز إلى حس من الشمول عوضا عن الإقصاء. إن سبب الحديث عن “فلسفة في العالم الإسلامي” هو تجنب الاقصاء المسبق لمواضيع محل بحث، كما لو أنها إشكالات أناس آخرين. تلك هي الطريقة التي اقترح بها عدم جعل الحبة قبة. الآن يمكننا المضي إلى أمور أهم، مثل تفسير وترجمة نصوص قدر الإمكان من هذا التراث الرحب، وخلال فعلنا هذا نضع الفواصل في مواضعها الصحيحة.

بيتر آدامسون

25 مارس 2019

المصدر

error: