الكاتبمحمد بوداس

مقدمة إشكالية:

في خِضم اشتغاله على نقد ظاهرة الدين، ركّز الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844م – 1900م) على المسيحية؛ نظراً لكونه سليل أسرة مسيحية، ولأن هذا الدين هو الأكثر سيادة في العالم الغربي. لكن هذا لا يعني أن نيتشه لم يهتم بدراسة الديانات الأخرى، سواء منها التوحيدية (وخاصة اليهودية)، أو الديانات الأرضية والفلسفات الشرقية كالبوذية والزرادشتية، والتي خصص لها كتاباً يحمل اسم نبيها بعنوان: “هكذا تكلم زرادشت”.

من هذه الأرضية، ننطلق لنطرح الإشكالية التالية:

  • أين يتجلى أذى الدين ومَكمن خطورته حسب فريدريك نيتشه؟
  1. السياق التاريخي والفكري لنيتشه:

وُلد نيتشه في ألمانيا وعاش فيها مرحلةً عرفت متغيرات عدة؛ حيث كانت الدولة الألمانية حديثة الوحدة على يد المستشار الحديدي بسمارك (1871م) بعد معارك داخلية وخارجية طاحنة، وهو الأمر الذي أثّر أشد التأثير في فكره. كما شهدت الساحة الألمانية في هذه الفترة شبه فراغ فلسفي بعد رحيل فطاحلة الفكر المثالي الألماني (هيجل، فيشته، وشلينغ)، ومُعلمه الروحي (أرتور شوبنهاور). كل هذه المتغيرات، إلى جانب عوامل أخرى، تركت بصمتها الواضحة على توجهات فريدريك نيتشه الفلسفية.

  • المرجعية اليونانية ونقد الأسس:

على غِرار المفكرين الآخرين من أصحاب المشاريع الفلسفية الكبرى، سلك نيتشه مسلكاً خاصاً به. وكما انطلق هيجل من فلسفات الإغريق محاولاً تجديد تراث الفلسفة، عَمِل نيتشه على تأسيس مشروعه الخاص منطلقاً بدوره من التراث اليوناني القديم؛ حيث ألّف رسالته للدكتوراه تحت عنوان “ميلاد التراجيديا”. ثم توالت بعد ذلك مؤلفات أخرى عَمِل فيها على نقد الإرث الفكري الذي تركه الآباء المؤسسون لحقل التفلسف، وفي مقدمتهم سقراط وتلميذه أفلاطون.

  • نقد الدين كركيزة فلسفية:

وكما يُقال: “نقد الدين هو أساس كل نقد”. لذلك فإن نيتشه، باعتباره فيلسوفاً عَمِل على تفكيك أفكار سابقيه من الفلاسفة، عَرّج على نقد موضوع الدين في عدة كتب، لعل أبرزها: “ضد المسيح”، “ما وراء الخير والشر”، “هكذا تكلم زرادشت”، و”إنساني مفرط في إنسانيته”.

وأثناء تطرقه لموضوع الدين، ركّز نيتشه على مسألة ظهور الدين، وتحليل المنظومة الأخلاقية التي يفرضها، بالإضافة إلى تفكيك مفهوم “الحقيقة” كما يقدمها الدين ورجاله.

  • ظهور الدين حسب فريدريك نيتشه: الدين كفلسفة ثورة: من الهامش إلى المركز:

يقول نيتشه في أحد مؤلفاته: “الدين هو ثورة الهامش على المركز”. ويقودنا تحليل هذا القول إلى استنتاج مفاده أن الدين يمثل ذلك الهامش الذي يسعى للتحول إلى مركز؛ ويتحقق ذلك عبر تغيير المنظومة الفكرية بأكملها من خلال رؤية الدين للحياة، والتي تتأسس دوماً على فرضية وجود فكرة سابقة ومُتعالية.

لقد عرف الإنسان منذ فجر التاريخ أشكالاً متعددة من المعتقدات؛ إذ يذكر الباحثون في مجال تاريخ الأديان أن الديانات “الطوطمية” (المرتبطة بالطبيعة والأسلاف) كانت من بين أولى العبادات التي عرفتها البشرية، لتتوالى بعد ذلك الأفكار والمعتقدات في انسجام تام مع السياق الزمكاني للإنسان.

  • التحول نحو الأحادية والتوحيد:

وصل الإنسان في مرحلة معينة من تطوره إلى تأسيس منظومة دينية تقوم على الأحادية، وهو ما شكّل ثورة في حد ذاته؛ نظراً لانتقال عقل الإنسان إلى مرحلة التفكير الأحادي الذي يبحث عن أصل واحد لكل شيء. فالاعتقاد بوجود إله واحد للعالم ليس سوى جزء من منظومة فكرية تؤشر على بلوغ الإنسان مرحلة إدراك الأحادية؛ وهو الأمر نفسه الذي نلمسه -على سبيل المثال- لدى أغلب الفلاسفة الطبيعيين اليونانيين الذين أرجعوا أصل العالم إلى عنصر واحد (كالنار، أو التراب، أو اللامتناهي).

بناءً على ذلك، فإن ظهور الدين في صيغته التوحيدية يُعد جزءاً من تطور العقل والفكر الإنساني؛ وهو الفكر الذي وظفته الطبقات المهمشة للثورة على الطبقات المركزية السائدة. يوضح هذا بشكل جلي أن الدين ليس سوى فلسفة ثورة في مرحلة تاريخية معينة كان فيها الإنسان بحاجة إلى غطاء فكري من هذا النوع. وتفرض هذه الرؤية ضرورة العمل على تطوير الفكر الديني وعدم جعله حاجزاً أمام تقدم الإنسان؛ فلما كان الدين كفكر ومعتقد قد نشأ في سياق تطور الفكر البشري، فإنه ليس من الصواب أبداً جعله نهاية المطاف وذروة التفكير الإنساني.

  • صراع الطبقي وثورة العبيد:

إن المتأمل في المجتمعات القديمة، كحال المجتمعات الحالية، يجد أن الطبقية هي القاسم المشترك بينها؛ حيث تنقسم المجتمعات بشكل تراتبي ديناميكي متقلب وغير ثابت. فكلما أتيحت الفرصة المناسبة، ثارت طبقة على أخرى، وغالباً ما يحدث هذا الحراك تحت غطاء “فلسفة الثورة” التي كانت تتجسد قديماً في الدين. وبحسب نيتشه، فقد ظهر الدين كفلسفة ثورة قادها العبيد ضد أسيادهم، في محاولة لقلب المنظومة السائدة وجعلها في صالحهم، وبالتالي تحويل الهامش إلى مركز.

  • النموذج المسيحي وتجلي الأسطورة:

يرى نيتشه أن تاريخ المسيحية يقدم تفسيراً واضحاً لظهور الدين؛ فالرسالة المسيحية ظهرت في فلسطين إبان الحقبة التي شهدت سيطرة الإمبراطورية الرومانية على معظم مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط. وحينها، تحالف الرومان مع يهود أورشليم لإيجاد صيغة تضمن استعمار روما للمنطقة دون التدخل المباشر في الشؤون الداخلية لليهود؛ حيث كان اليهود يتمتعون بشبه استقلال سياسي مع التبعية الكاملة لسلطة روما المتمثلة في وجود الحاكم الروماني.

وكحال المجتمعات القديمة، كان مجتمع أورشليم حاضناً لطبقات اجتماعية متعددة تنقسم بين أحرار وعبيد. وقد التقط هؤلاء العبيد شذرات من الأفكار التي تعبر عن بؤسهم، وصاغوا منها أسطورة تجسد في جوهرها معاناتهم؛ ومن هنا ولدت أسطورة المسيح في المخيال الشعبي، وتم توظيفها للثورة ومحاولة قلب البنية المجتمعية تحت غطاء ديني يستند إلى فكرة “وجود تأييد رباني من السماء”.

إن حكاية السيد المسيح في جوهرها تعبر عن معاناة أمة بأكملها، وهذا تماماً ما يلخصه قول نيتشه: “لقد ولدت أسطورة المسيح من معاناة الشعوب”.

  • الأخلاق الدينية حسب فريدريك نيتشه: نقد الأخلاق وسياق التطور العلمي:

تُعد الأخلاق من أهم الموضوعات التي أولاها نيتشه عناية خاصة؛ باعتبارها مجموعة من المفاهيم والمبادئ التي أطّرت المجتمعات البشريّة وتُؤطرها. وقد تميزت رؤيته لهذا الموضوع بفرادتها واختلافها الجذري مقارنة بباقي الفلاسفة الذين درسوا الأخلاق (مثل: سبينوزا، كانط، وماركس)؛ إذ ربط نيتشه الأخلاق برؤيته الفلسفية العامة المستمدة من النظريات العلمية التي توصل إليها مسار تطور العلوم خلال القرن التاسع عشر، ولعل أبرزها “نظرية التطور” القائمة على صراع الأنواع، والبقاء للأقوى والأكثر استجابة للمتغيرات والظروف الطبيعية.

وقد طغت النظرة النسبية على رؤية نيتشه للأخلاق؛ حيث اعتبرها مجرد مفاهيم ومبادئ من صياغة الضعفاء، صُنعت خصيصاً لتطويق قوة الأقوياء والتحكم فيها.

  • من “إرادة الحياة” إلى “إرادة القوة

من الصعب جداً فهم هذا الموقف النيتشوي دون ربطه بالسياق الفكري العام؛ فقد كان نيتشه متأثراً في بداياته بما توصل إليه معلمه الروحي أرتور شوبنهاور، الذي اعتبر “إرادة الحياة” هي المحرك الأساسي لهذا الوجود، وهي القوة السابقة والخارجة عن شرطي الزمان والمكان، وسبب كل معاناة، والمتحكمة في سلوك الكائنات بمختلف أنواعها. لكن نيتشه، الذي تفاعل عميقاً مع متغيرات عصره وسياساته، سرعان ما قلب منظومة مفاهيم معلمه شوبنهاور؛ واعتبر أن “إرادة القوة” -وليس إرادة الحياة- هي الأصل والمتحكم في الوجود.

وهذا شأن الفلاسفة أصحاب المشاريع الفكرية الكبرى؛ أولئك الذين يصوغون رؤية فلسفية شاملة تؤطرها مفاهيم خاصة بهم، لا يستقيم معناها ولا ينسجم إلا داخل منظومة مشاريعهم الفلسفية الخاصة.

  • تراتبية المجتمع ومفهوم “الإنسان الأعلى:

يرى نيتشه أن طبقية المجتمعات هي الصيغة الطبيعية للحياة؛ بمعنى أن التراتبية هي الأصل، وطالما أن القوة هي المحرك الفعلي، فإن الأقوياء وأصحاب الطموح هم الأسياد الطبيعيون. في المقابل، فإن من يصفهم نيتشه بـ “عاهات” المجتمع من الضعفاء والمهمشين، يسخرون طاقاتهم لكبح جماح أصحاب الإرادات القوية والرؤى الجامحة؛ فيعمدون إلى قلب المنظومة عبر صياغة مفاهيم أخلاقية لا غاية لها سوى كسر شوكة الأقوياء.

وتستمد هذه المفاهيم مرجعيتها في غالب الأحيان من عاطفة الشفقة؛ فأخلاقيات مثل: الشفقة، والخير، والتسامح، والحب، ليست في نظر نيتشه سوى حواجز تعيق التطور البشري نحو غايته القصوى المتمثلة في “الإنسان الأعلى” (Übermensch). هذا الإنسان المتفوق هو القوي الذي يذيب التناقضات، ويرتقي بالبشرية لتصل إلى غايتها الأسمى، لتصبح الإنسانية -بتعبير نيتشه- تعيش من أجل إدراك هذا النموذج الأعلى.

  • الحقيقة ورجال الدين في منظور نيتشه: الحقيقة الدينية في مواجهة الفكر العلمي

ظهر الدين بوصفه مانحاً للحقيقة في زمن كان فيه الإنسان بحاجة إلى تفسير الوجود تحت غطاء ديني. لكن مع تطور الزمن، وما رافقه من قفزات علمية بفضل مجهودات العلماء في مختلف التخصصات، لم تعد هناك حاجة إلى الحقيقة الدينية التي باتت تتعارض مع المكتشفات العلمية الحديثة.

إن الحقيقة الدينية تنطلق دائماً من أساس إطلاقي؛ أي افتراض وجود حقيقة متعالية يستأثر بها الإله بمختلف تمثلاته بين الأديان. وهذا المنطلق يتعارض تماماً مع منطق العلم التطوري والنسبي؛ فالعلم لا يعترف بما يسمى “الحقيقة المطلقة”، بل يقوم كلياً على النسبية والتطور المستمر مع تدفق الزمن.

  • نيتشه والموجة الوضعية في القرن التاسع عشر:

تشكل موقف نيتشه من الدين تحت تأثير ما توصل إليه العلم خلال القرن التاسع عشر، ولا سيما الفلسفة الوضعية التي رأت أنه لا صوت يعلو فوق صوت العلم، وأن المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والاختبار كفيل بتبيان الحقيقة وإن كانت في صورتها النسبية. وهكذا، سار نيتشه على غرار مفكري القرن التاسع عشر ورواد مدرسة الشك (مثل سيغموند فرويد وأوجست كونت)، معتبراً أن الإنسان لم يعد بحاجة إلى الأطروحات الدينية المليئة بالخرافات والتناقضات، بل عليه الإنصات إلى صوت العلم الذي قد يكون خافتاً في بداياته، لكنه يغدو الفيصل في النهاية.

  • نقد رجال الدين وإعلان “موت الإله:

انسجم موقف نيتشه من رجال الدين مع موقفه الرافض للدين ككل؛ فلم يقتصر على رفض مؤسسة الكهنوت وخدامها، بل ذهب إلى أبعد من ذلك برفض فكرة الألوهية من أساسها. ويتجلى هذا بوضوح في مقولته الشهيرة: “لقد مات الإله ونحن من قتلناه” التي وردت في كتابه “هكذا تكلم زرادشت”.

إن “قتل الإله” في هذا السياق يمثل دعوة صريحة من نيتشه للإنسانية للتوقف عن الإفراط في الانشغال بالعالم الآخر (الميتافيزيقي)، والالتفات بدلاً من ذلك إلى هموم العالم الواقعي والعمل على تطويره. والانصراف عن العالم الآخر كفيل بإسقاط جل الأصنام تلقائياً؛ تلك الأصنام الكبرى التي أبدعها الإنسان في مرحلة تاريخية معينة كفكرة الألوهية، ومكانة رجال الدين، والطقوس والشعائر، وصارت اليوم معتقدات متجاوزة.

  • خلاصة عامة:

يتسق موقف فريدريك نيتشه من المنظومة الدينية مع رؤيته الفلسفية الشاملة القائمة على الرفض التام لكل ما يقع خارج حدود الحياة الأرضية. وقد تجسد هذا الموقف في دعوته الفلسفية إلى مجابهة مشكلات العالم الواقعي وإصلاحها، بدلاً من الغرق في قضايا ميتافيزيقية متعالية. ولعل إعلانه الرمزي عن “موت الإله” يلخص غايته الأسمى في تحرير الإنسان من الأوهام، وإعادة الاعتبار للذات الإنسانية وقدرتها على صياغة قيمها الخاصة.

شاركنا رأيك