مجلة حكمة
هل تدار حروب الشرق الأوسط اليوم بعقول الجنرالات أم بأشباح الفلاسفة؟

هل تدار حروب الشرق الأوسط اليوم بعقول الجنرالات أم بأشباح الفلاسفة؟

الكاتبيوسف أودمين

نغوص بعيداً عن ضجيج الأخبار السطحية لنفكك شيفرة المواجهة الكبرى بين “الغرب” و”إيران” من منظور فلسفي وإستراتيجي خالص.

​لماذا يُوصف كلاوزفيتش بأنه “أرسطو الحرب” وكيف تحول كتابه “عن الحرب” إلى واقع نعيشه؟

ما هي إستراتيجية “شلل الأجهزة” التي يطبقها محور المقاومة، وكيف واجهت “مطرقة” الغرب بـ “سيولة” صن تزو؟

وكيف تنبأ ميشيل فوكو وريمون آرون بتحول السياسة إلى “حرب مستمرة” بوجوه رقمية وهجينة؟

قراءة في تداخل الفكر العسكري الكلاسيكي مع جيوبوليتيك القرن الحادي والعشرين.

الفيلسوف كلاوزفيتش بزي عسكري إيراني

فلسفة الشلل في المواجهة الأخيرة والنزاع بين “المطرقة” و”السيولة

لا يزال كتاب “عن الحرب” للجنرال والمنظر البروسي كارل فون كلاوزفيتش (1780-1831) يمثل “أورغانون” الفكر العسكري الحديث. هذا الرجل الذي لُقب بـ “أرسطو الحرب” لم يضع مجرد قواعد تكتيكية، بل صاغ فلسفة وجودية للنزاع المسلح، معتبراً إياه ظاهرة إنسانية تخضع لمنطق العقل السياسي. وفي ظل التصعيد الراهن بين القوى الغربية وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها الإقليمية من جهة أخرى، نجد أن المفاهيم الكلاوزفيتزية الكلاسيكية تخضع لعملية “أجرأة”  دقيقة تعيد تعريف الصراع الدولي في عصر السيولة الجيوسياسية.

أولاً: الثالوث وتأصيل الغائية السياسية

انطلق كلاوزفيتش من مبدأ “الغائية” الأرسطي، مؤكداً أن الحرب ليست فعلاً عبثياً بل هي “استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. في المواجهة الإيرانية-الأطلسية، نلاحظ انضباطاً شديداً لهذا المبدأ؛ فكل ضربة عسكرية هي “رسالة مشفرة” تهدف لتحقيق غاية سياسية محددة (كالردع أو تحسين شروط التفاوض). الحرب هنا تدار عبر “الثالوث الشهير”: عاطفة الشعوب (المحرك)، مهارة الجيش (الأداة)، وعقل الحكومة (الموجه). وأي خلل في توازن هذا الثالوث يعني السقوط في فخ العنف غير المجدي.

ثانياً: مركز الثقل وإستراتيجية الشلل

يعد مفهوم “مركز الثقل” أعمق مساهمات كلاوزفيتز؛ فهو “مصدر القوة والحركة الذي يعتمد عليه الخصم، والذي إذا ضُرب انهار البناء بالكامل”. وفي تحليل حديث للباحث المغربي الشرقاوي الروداني، تظهر أجرأة هذا المفهوم في سعي الأطراف لضرب “الجهاز العصبي” للخصم بدلاً من “عضلاته”.

إيران، عبر إستراتيجية “الحروب الهجين”، لا تهدف لتدمير الجيوش النظامية فحسب، بل لضرب مركز الثقل النفسي والسياسي لدى الخصم، مما يؤدي إلى “شلل الأجهزة” وفقدان القدرة على المبادرة. إنها عملية “تفكيك” لمنظومة الردع من الداخل، تجعل القوة العسكرية الكلاسيكية تقف عاجزة أمام عدو “غير مرئي” ومتعدد الجبهات.

ثالثاً: “الاحتكاك” وضباب الحرب الرقمي

فسر كلاوزفيتز فشل الخطط العسكرية بمفهوم “الاحتكاك؛ وهو مجموع الصعوبات التي تجعل “البسيط صعباً”. اليوم، يتجلى الاحتكاك في تعقيد البيئة الجيوسياسية وتداخل المصالح الدولية. فرغم التفوق التقني، يواجه الفكر العسكري الغربي “احتكاكاً” ناتجاً عن الفاعلين من غير الدول ، مما يحول الحرب الخاطفة إلى استنزاف طويل. هذا “الضباب” لم يعد ناتجاً عن نقص المعلومات، بل عن “تخمتها” وصعوبة التنبؤ بردود فعل الخصم في بيئة مشبعة بالتهديدات غير المتماثلة.

رابعاً: النزاع بين “المطرقة الكلاوزفيتشية” و”سيولة صن تزو

لا يمكن فهم المشهد المعقد في الشرق الأوسط دون استحضار المواجهة بين مدرستين فلسفيتين: المدرسة الغربية التي يمثلها كلاوزفيتش، والمدرسة الشرقية التي وضع أسسها الحكيم الصيني صن تزو في كتابه “فن الحرب“.

بينما يراهن العقل العسكري الغربي على “المطرقة الكلاوزفيتزية”؛ أي استخدام القوة النارية الهائلة والتفوق التقني لسحق مركز ثقل الخصم، تتبنى إيران وحلفاؤها “إستراتيجية الماء” عند صن تزو. إنهم يطبقون حرفياً وصيته: “كن غامضاً لدرجة الخفاء، وتصرف بلا أثر”. فبدلاً من المواجهة الجبهوية المدمرة، تعتمد إيران على “الخداع الإستراتيجي”، واستنزاف العدو بضربات متفرقة، وتجنب المعركة الفاصلة. إنها معركة بين “الصلابة” التي تسعى للحسم، و**”السيولة”** التي تسعى للإنهاك؛ حيث يجد الغرب نفسه أحياناً كمن يضرب الماء بمطرقة.

خامساً: مراجعة نقدية (من ريمون آرون إلى فوكو)

إذا كان الفيلسوف ريمون آرون قد رأى في كلاوزفيتز منقذاً للعقلانية في العصر النووي، مؤكداً أن “السياسة يجب أن تظل القائد”، فإن الواقع الحالي يفرض تساؤلاً جوهرياً: هل لا تزال السياسة تقود الحرب؟

إن “أجرأة” الحرب اليوم تكشف عن صراع بين منطقين: منطق “الحرب المحدودة” الكلاوزفيتزي الذي تسعى إليه الحكومات، ومنطق “الحروب الأبدية” التي تتغذى على الأيديولوجيا والفاعلين من غير الدول. هنا تبرز أهمية العودة لـ ميشيل فوكو الذي قلب المقولة معتبراً أن “السياسة هي استمرار للحرب بوسائل أخرى”، مما يعني أننا نعيش حالة “حرب دائمة” لكن بوجوه ديبلوماسية واقتصادية ورقمية، حيث يتم استخدام أدوات الدولة كجزء من المعركة المستمرة.

خاتمة

إن المواجهة الحالية في الشرق الأوسط هي مختبر حقيقي لفلسفة الحرب الكلاسيكية والحديثة. فبين “مركز الثقل” الذي يحاول الجميع حمايته بمطرقة كلاوزفيتز، و”السيولة” التي يطبقها محور إيران بذكاء صن تزو، يظل النزاع فعلاً “أرسطياً” بامتياز؛ يبحث عن غايته في السياسة ويجد وسيلته في القوة. إن فهمنا لهذا النزاع يمر حتماً عبر فهم تلك القواعد الخالدة التي صيغت وسط دخان الحروب الغابرة، لترسم ملامح صراعات القرن الحادي والعشرين.


قائمة المراجع والمصادر

المصادر الكلاسيكية

  • كلاوزفيتش، كارل فون. عن الحرب ترجمة أكرم ديري وهيثم الأيوبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر
  •  (The Art of War). ترجمة رؤوف شبايك.صن تزو. فن الحرب

الدراسات الفلسفية والنقدية

  • أرسطو. السياسة. ترجمة أحمد لطفي السيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
  • آرون، ريمون. كلاوزفيتز: فكر الحرب. باريس: غاليمار، 1976.
  • فوكو، ميشيل. يجب الدفاع عن المجتمع. ترجمة الزواوي بغورة، دار الطليعة، بيروت.

الدراسات الإستراتيجية المعاصرة

  • الروداني، الشرقاوي. مقالات في الجيوبوليتيك والأمن القومي (تحليلات حول إستراتيجية إيران والردع).
  • بوب، روبرت. القصف من أجل النصر: الإكراه الاستراتيجي في الحرب