لمحة عامة
يُعتبَر باد فينيرابيليس اليوم بمثابة أوّل مؤرّخ لانجلترا، ومع ذلك فإنّه قد كان قبل كل شيء، بالنسبة إلى القرون التي تلته مباشرة، مؤلّفَ بعض الكتب التقنية التي أسّست الثقافة الأدبية والتاريخية، بل والعلمية للعصر الوسيط الأعلى، كما أيضا الشارح الكبير للكتاب المقدس، ذاك الذي جمّع ولخّص ونقل مجموع التأويلات التي عملها آباء الكنيسة.
| تحرير | هارفي صافون |
| ترجمة | فتحي المسكيني |
1. راهب دجارّو[1] والتقنيات الأدبية
وُلد باد فينيرابيليس نحو 673 في المملكة الانجليزية في نورثأومبريا[3]. وعندما بلغ سنّ السابعة من العمر، سُلّم إلى دير ويرموث[4]، الذي تمّ تأسيسه قبل ذلك ببضع سنين من قِبل بينيديكت بيسكوب[5]. وقد تمّ إرسال الشاب باد فينيرابيليس بشكل مبكّر إلى الدير التوأم لدجارّو، الذي لا يبعد كثيرا عن مصبّ (نهر) التيد[6]. هاهنا أكمل تعليمه، وقُلّد منصب الشماس أو نائب الكاهن[7]، ثمّ منصب الكاهن عندما بلغ سن الثلاثين. كلّ حياته قضاها في هذه الناحية الصغيرة من الدير في نورثأومبيا. وهو لن يترك دجارّو إلاّ للقيام بثلاث سفرات قصيرة، هي لن تقوده إلى أبعد من يورك. ويبدو أنّ باد لم يتألّم كثيرا من هذا الحصر في مكان واحد. فقد اهتمّ بالبلدان البعيدة، لكنّ ما كانت كتب الدير قد علّمته إياه في شأنها يبدو أنّه أرضاه واكتفى به. وهو لطالما شكر رئيس دير دجارّو أنّه قد حمل معه مخطوطات عديدة من سفراته في القارة (الأوروبية) وأنّه قد سمح بذلك إلى الإخوان بمزاولة الآداب والعلوم في حياة العزلة داخل الدير.
ومهما بدت لنا نورثأمبريا هامشية حينما نكتشفها على خارطة أوروبا، فإنّها قد لعبت في الثقافة الغربية، حوالي سنة 700 م، دورا يتخطى بكثير أهميتها السياسية. كان الغزو العربي قد بلغ إلى جنوب أوروبا؛ وكانت إيطاليا ممزّقة بين اللومبارديين[8] والبيزنطيين؛ وكانت الثقافة الغالية-الرومانية[9] القديمة قد انهارت تحت السيطرة الفرنجية. وعلى مسافة من هذه الفتن الكبرى وأعمال الخراب، وجدت الإمارات الأنغلوسكسونية نفسها، وهي حديثة العهد بالتنصير، في ملتقى تيارين روحانيين قويين، تغذّى كلّ واحد منهما بمصادر قديمة: الملكية الإيرلندية الآتية من الشمال والغرب، والتأثير الروماني الممتدّ انطلاقا من كنتوربيري[10].
في دجارّو، تمّ تكليف باد فينيرابيليس بتكوين الرهبان الصغار. فبالنسبة إلى الأولاد الذين كانوا يفدون على الدير والذين كانوا يمتلكون بعض الموهبة لطلب العلم، كان يجب تلقينهم تلك الوسائل التي وراء كل ثقافة، ألا وهي اللغة اللاتينية والخطابة الكلاسيكية. وفي بداية مسيرته كتب باد ثلاث مقالات تستجيب لهذه الحاجة: في فنّ الأوزان[11]، وفي الأنماط والاستعارات[12]، وفي قواعد الإملاء[13]. أمّا الأمثلة التي بها تمّ تدعيم هذه المصنفات المدرسية فهي مستقاة كلها من الكتاب المقدس أو من آباء الكنيسة. وبهذا المعنى فإنّ باد هو (مفكّر) “حديث”: هو لا يدّعي أن يجعل من تلاميذه الصغار، حتى في لغتهم، معاصرين لشيشرون أو قيصر.
إنّ التحكّم في اللغة والتقنيات الأدبية لم يكن يسمح، لوحده، بفهم النصوص المقدسة. فقد كان يجب علاوة على ذلك أن يكون ثمّة تحضير نحن نسميه اليوم تحضيرا “علميا”. كان يجب على قرّاء الكتاب المقدس، الذين يجدون أنفسهم دونما انقطاع في مواجهة مع الوقائع العينية للعالم الطبيعي، أن يمتلكوا معرفة معيّنة بالسماء، وبالظواهر العلوية وبالأرض وبأجزائها. وهو ما خصّص له باد فينيرابيليس كتابه في طبيعة الأشياء[14]، الموجّه هو الآخر إلى تلبية حاجات التعليم المدرسي.
ومع ذلك، فإنّ الكتاب المقدّس هو فضلا عن ذلك كتاب تاريخ؛ فهو يحصي أجيالا من الناس، ويقدّم شهادة على تطوّر شعب ما، ويذكر صعود إمبراطوريات وسقوطها وتعاقبها. هاهنا يختلط الحاضر والماضي والمستقبل إلى حدّ أنّه يصعب في بعض الأحيان أن نميّز بين ما يخصّ هذا العصر أو ذاك. ومن دون معارف جيدة بالتقويمات الزمنية، كان أتباع باد يواجهون خطر الضياع في مسعاهم. وإلى ذلك تنضاف ضرورات الطقوس والشعائر، التي كانت تحدّد إيقاع الحياة الرهبانية. وكان تحديد تاريخ عيد الفصح[15]يتطلب إثبات تناظر بين سنة شمسية، هي سنة التقويم اليوليوسي[16]، وسنة قمرية، هي سنة التقويم اليهودي. وفي الكنيسة نفسها، كان مشكل حساب الأعياد يثير مجادلات حادة، مثل تلك التي حدثت في الإمارات الأنغلوسكسونية، وتواجه فيها الرهبان القادمون من أيرلندا والمبشّرون الذين أرسلتهم روما. من أجل الاستجابة إلى هذه الحاجة المزدوجة، كتب باد في أوّل الأمر مختصراً مدرسيا، هو كتاب الأزمان[17]، ثمّ كتابا أكثر اكتمالا وتفصيلا، هو كتاب حساب الزمان[18].وقد استعمل المؤلف بشكل واسع أعمال بلين[19] وماكروب[20] وإزيدور[21] وخاصة كتابات المؤرخين النصارى عن المواقيت. وقد نجح في صهر هذه العناصر المتباينة في تأليفية فرضت سلطتها في الغرب لقرون عديدة.
في كل هذه الأمور، لم يكن باد فينيرابيليس يرى سوى أعمال تحضيرية. وإنّما لتفسير الكتاب المقدّس هو قد خصّص القسم الأعظم من جهوده. فهو قد شرح عددا كبيرا من كتب العهدين القديم والجديد، وخاصة سفر التكوين (I-XX)، أسفار الملوك، نشيد الأناشيد، أناجيل مرقص ولوقا، أعمال الرسل، سفر الرؤيا. أمّا تفسيره فهو مجازيّ ورمزيّ في أساسه. ومن أجل أن يزاول هذا النمط من التفسير من دون أن يضلّ، هو يريد أن يكتفي بالتأويلات التي اقترحها الشراح الكبار في حقبة آباء الكنسية، وخاصة أغسطين وغريغوار الكبير، ولكن أيضا أومبرواز[22] و جيروم[23]. وإنّ آثاره التي تبدو في شطر كبير منها تلبيسا أو تضمينا، هي غير شخصية بشكل متعمّد.
ومع ذلك، فإنّ باد فينيرابيليس أبعد ما يكون عن مجرّد ناسخ أو حتى مجرّد منتحل. إذْ رغم تعمّده التخفّي وراء غيره، فإنّ شروحه ترشح عن عدد كبير من الصفات والمزايا التي تكوّن الروح العلمية. كان باد يعرف كيف يجد وثائقه؛ وهو ماهر في تجميع الببليوغرافيا المناسبة لموضوعه. وهو يفهم جيّدا أهمّية هذا العمل التمهيدي إلى حدّ أنّه يشرّك قرّاءه فيه: وبدلا من أن يحجب مصادره، هو يقوم بإحصائها في مقدّماته ويشير إلى حدود اقتباساته في هوامش شروحه. بل هو ينبّه حتى الناسخين المستقبليين إلى أن يكرّروا هذه الإشارات بكل عناية. وإنّ مشاكل النقد النصّي ما هي بغريبة عنه، وهو هنا له ملامح السبّاق والرائد. وهو شديد الانتباه إلى الترجمات المختلفة للكتاب المقدّس ولعلاقتها بالأصلي. وكانت الصيغ المتباينة للنص الواحد في النسخ المختلفة تثير انتباهه؛ وهو ينبّه طلبته غليها، ويضع الخطوط العريضة لنظرية في أخطاء النسخ. وفي حقيقة الأمر، هو يختار سلطاته المرجعية: إنّه لا يهاب أبدا صاحب مصنّفات مختلفة مثل إيزيدور[24]. وهو لا يتردد في مناقضة هذا الرأي أو ذاك من آراء أغسطين.
أمّا في مستوى بناء تأليفيات جامعة فإنّ مزايا باد فينيرابيليس ليست أقلّ ظهورا. فهو ماهر في توحيد اقتباساته وإقامة توازن بينها من أجل بلورة عمل متجانس يعكس الملامح الحاسمة في عقله الفطن: من تمييز واعتدال وتعقّل. وهذه المزايا تنعكس في لغته وفي أسلوبه: إنّ لاتينيته واضحة بشكل عجيب. فهو يتحاشى المبالغات في الزركشة وأشكال التكلّف والتصنّع التي سادت في عصره. وإنّ ذوقه الأدبي إنّما يتميّز أيضا عن أذواق النماذج التي كان يحاكيها: فهو ليس له لا بريق أومبرواز ولا بديهة جيروم ولا ميل أغسطين إلى النكت ولا هفوات غريغوار.
2. باد فينيرابيليس: المؤرّخ الأوّل لانجلترا
حتى ولو أنّ راهب دجارّو كان يعتبر “اجترار” الكتاب المقدّس بمثابة مهمّته الأولى، فإنّه لم يكن في تقديره أنّ تاريخ الخلاص سوف ينتهي مع موت الرسول أو الحواريّ الأخير. ففي نظره، كانت أحداث العهد القديم والعهد الجديد تتواصل في صيرورة الكنيسة، ولاسيما كنيسة بلده. وهذه القناعة قادت باد فينيرابيليس إلى كتابة سيرة حياة عدد كبير من الشخصيات المقدّسة، من قبيل القسّ بينيديكت بيسكوب[25] والأسقف كوتبارت[26]. وهو على الخصوص قد ألهمت أحد آثاره الذي نال شهرة دائمة، نعني كتابه التاريخ الكنسي للأمّة الانجليزية[27]. ويمكن القول إنّ هذا التاريخ، الذي منح باد ميدانا حيث كان أقلّ اضطرارا لاحترام المرجعيات المكرّسة، هو قد سمح له بأن يطلق المقدار الكامل لمواهبه: مهارته في اكتشاف المصادر وقدرته على نقدها وملكات التأليف عنده. وليس أنّه يجب أن نقابل- كما فعل ذلك المحدثون لمدة طويلة- أصالة “أب التاريخ الانجليزي” والنزعة المحافظة لشارح الكتاب المقدس. ونحن نرى اليوم بشكل أفضل، أنّ راهب دجارّو إنّما إبّان دراسة الكتاب المقدّس هو قد تعلّم المناهج والمصطلحات وحتى التقنيات الأدبية التي هيّأته بشكل رائع لكتابة هذا “التاريخ الكنسي للأمّة الانجليزية”.
هذا العنوان يكشف عن أصالة العمل ويميّزه عن عمل أوسيب دي سيزاري[28]، الذي هو نموذج كل المؤرخين الكنسيين: إنّ الكنيسة التي أعاد راهب دجارّو رسم ولادتها وتطوّرها هي تجد جذورها في مُزْدَرَع محلّي وتتماهى شيئا فشيئا مع شعب بعينه. ولا يبدو باد فينيرابيليس أقلّ طرافة متى قارناه مع مؤرخين آخرين للممالك البربرية الحديثة العهد بالمسيحية: غريغوار دي تور[29]و فريديغير[30]بالنسبة إلى الإفرنج وبول دياكر[31] بالنسبة إلى اللومبارديين[32].إنّ راهب دجارّو يتفوّق عليهم ليس فقط بمنهجه ومواهبه الأدبية، بل أيضا حتى بتصوّره لعمله وعظمة الإطار حيث أعاد تنزيل موضوعهفهو قد افتتح تاريخه بذكر بريطانيا الرومانية، ومن ثمّ هو مدّ جذور الممالك البربرية الصغيرة ذات المصائر العظيمة التي سرد لنا أصولها، في ماضٍ كلاسيكي.
في حياته، لا يبدو أنّ شهرة باد قد تجاوزت فعلا حدود بلدته الصغيرة نورثأومبريا[33]. ولكن بعد سنوات قليلة من وفاته، أصبح باد مشهورا. أطلق عليه ألكوين اسم المعلّم باد[34].وتمّ تشريفه بلقب “الموقّر”. وطيلة ما يقارب أربعمائة سنة، كان باد فينيرابيليس أحد معلّمي الغرب الوسيط. ولم يقلّ تأثيره إلاّ في القرن الثاني عشر. فقد صار الوصول إلى المصادر التي كان بوجه ما يقوم مقامها، أوسع وأيسر، وظهرت مجادلات جديدة، تتطلب جهازا فكريا جديدا.
المراجع
أعمال باد الموقّر
– « Opera omnia », in Patrologia, J.-P. Migne éd., t. XC-XCV ; “Opera” (éd. Critique en cours de traduction), in Corpus Christianorum, Series Latina, Brepols, Turnhout, 1955 sqq. ; Historia ecclesiastica gentis Anglorum, C. Plummer éd., Clarendon Press, Oxford, 1896 (réimpr. 1946)).
المراجع الأخرى
– Bède,His Life, Times and Writings. Essays in Commemoration inthe Twelfth Centenary of his Death, A. H. Thompson éd., Clarendon Press, Oxford, 1935.
– Famulus Christi. Essays in Commemoration of the Thirteenth Centenary of the Birth of the Venerable Bede, G. Bonner éd., S. P. C. K., Londres, 1976.
الهوامش
[1] – باللاتيني: Beda Venerabilis . وهو ما يعني حرفيا: باد الموقّر (وقد تشير العبارة أيضا إلى رئيس محفل ماسوني).
[2] – Jarrow – دجارّو، بلدة بريطانية تقع على نهر التاين (Tyne) في انجلترا. تأسّس فيها دير القديس بولس منذ سنة 681.
[3] – Northumbria
[4] – Wearmouth
[5] – Benedict Biscop
[6] – Tyde
[7] – diacre
[8] – les Lombards. اللومبارديون، باللاتينية، – Langobardi كانت قبيلة جرمانية من منشأ استكندنافي، حكمت إيطاليا ما بين 568 و 774.
[9] – gallo-romaine.- الغال، بالفرنسيةGaule،وباللاتينيةGallia ، هو الاسم الذي أطلقه الرومان على المنطقة التي يسكنها الغاليون وهم شعوب سلتية. كانت تمتد على شمال إيطاليا وفرنسا وبلجيكا. هزم الرومانيون الغاليين في إيطاليا في القرن الثالث قبل الميلاد، وأدخلوهم ضمن رعايا روما. ونجح الرومانيون خلال القرن الثاني قبل الميلاد في السيطرة على الشريط الغالي المطل على البحر الأبيض المتوسط. لم يسيطر الرومانيون على جميع دولة الغال إلا في عصر يوليوس قيصر، بين عامي 58، 51 ق.م.
[10] – Contorbéry
[11] – باللاتيني في النص: De metrica arte
[12] – باللاتيني في النص: De schematibus et tropis
[13] – باللاتيني في النص: De orthographia
[14] – باللاتيني في النص: De natura rerum
[15] – عيد القيامة عند النصارى
[16] – التقويم الذي وضعه يوليوس قيصر عام 46 ق. م.
[17] – باللاتيني في النص: De temporibus liber
[18] – باللاتيني في النص: De temporum ratione.
[19] – Pline
[20] – Macrobe
[21] – Isodore
[22] – Ambroise
[23] – Jérôme
[24] – Isidore
[25] – Benedict Biscop
[26] – Cuthbert
[27] – Historia ecclesiastica gentis Anglorum
[28] – Eusèbe de Césarée
[29] – Grégoire de Tours
[30] – frédégaire
[31] – Paul Diacre
[32] – Lombards
[33] – Northumbria
[34] – Beda Magister
[35] – Hervé SAVON
