مجلة حكمة
Analytic philosophy الفلسفة التحليلة

 هل يمكن لـ الفلسفة التحليلية أن تكون نسقية، وهل يجب أن تكون؟

Can Analytical philosophy be Systematic, And ought it to be!

الكاتبمايكل دامييت
ترجمةقدور اعويسي

لا يحيل مصطلح ‘الفلسفة التحليلية ‘ على مدرسة بعينها، بل على مزيج مدارس تشترك في بعض الافتراضات الأساسية، لكن يختلفون فيما بينهم على كل نحو ممكن. وككل الحركات كانت أشد نزاعاتها داخلية؛ إذ لما كنت طالبا في أكسفورد في أواخر 1940 كانت فلسفة رايل Gilbert Ryle)) هي المهيمنة، ورغم حقيقة أن رايل قد ابتدأ مساره بوصفه نصيرا لفلسفة هوسرل، ونشر في عام 1929 مراجعة نقدية، لكنها محترمة جدا، لكتاب ‘الكينونة والزمن’ Sein und Zeit ، فإنه في الوقت الذي كنت فيه طالبا، لم يكن الخصم هو هيدجر؛ إذ لم يكن يُنظر إلى هيدجر إلا باعتباره شخصية للهزل، وكان عبثيا للغاية بحيث لا يمكن أخذه على محمل الجد؛ أي بوصفه تهديدًا للفلسفة كما تمارس في أكسفورد. بل كان الخصم هو كارناب؛ لأنه هو الذي نظر إليه في تصور رايل تجسيدا للغلط الفلسفي، وقبل كل شيء، بوصفه نصيرا لمنهجية فلسفية غير سديدة. بالتأكيد، فإن كارناب الذي علمنا رايل أن نرفضه، كان مجرد رسم كاريكاتوري لكارناب الحقيقي، ولكن هذا التحيز كان قوياً للغاية، لدرجة أني استغرقت عدة سنوات لأدرك أنه يوجد الكثير مما هو جدير بالدراسة في كتابات كارناب.

 لا إمكان لتوضيح أكثر حيوية للتقابل بين المناخ الفلسفي الذي نشأ فيه معاصري البريطانيون، وذاك الذي تطور فيه الفلاسفة الأمريكيون من الجيل نفسه: ففي الولايات المتحدة قبل كارناب بوصفه قائدا للمدرسة التحليلية، وأكثر الممارسين الأمريكين للفلسفة التحليلية تأثيرا، من كوين إلى من دونه، جمع كان تكوينهم الفلسفي كارنابيا، ولا يمكن فهم فكرهم إلا بوصفه نتاجا لجهد بالغ من فحص وتصحيح بعض عقائد كارناب الأساسية.

يؤثر الاختلاف في التقليد بين الفلسفة التحليلية كما مورست في أوروبا وبريطانيا، والفلسفة كما تمارس في الولايات المتحدة الامريكية، بقوة على السؤال الذي يتعين علينا فحصه. وسيكون من السخافة توجيه السؤال: “هل يمكن للفلسفة التحليلية أن تكون نسقية؟” إلى مؤلف البناء المنطقي للعالم Der logische Aufbau der) Welt ). ذلك أن قليل من الفلاسفة الأميركيين اتبعوا معلمهم عن كثب، لدرجة أنهم أنتجوا أندادا لهذا العمل، مثل بنية المظهر لنيلسون جودمان ((Nelson Goodman’s Structure of Appearnce؛ فمعظمهم متفقون مع كواين(Quine) ، على عد الفلسفة شبيهة بالعلوم الطبيعية؛ أي بوصفها جزءا من نفس المشروع العام مثل العلوم الطبيعية. أما في الجهة الأخرى في دوائر الفلسفة الإنجليزية التي يهيمن عليها فيتجنشتاين ((Wittgestein المتأخر أو أوستين (Austin)، فإن الإجابة المقدمة لهذا السؤال كانت صارمة: لا؛ إذ بالنسبة لهم، فإن المسعى في جعل الفلسفة نسقية، هو الخطأ الأساس الذي تأسس على سوء فهم كامل لطبيعة الفلسفة؛ يكمن السبب فيما أعتقد أنه الاكتشاف الأساس الذي أعلنه فتغنشتاين في كتاب الرسالة لطبيعة الفلسفة: إن الفلسفة ليست علما؛ يستعمل ‘العلم’ هنا بمعناه الواسع ليشمل أي تخصص (مثل الفن والتاريخ) يسعى للوصول إلى الحقائق وتأسيسها؛ فمن منظور فتغتشتاين المتقدم والمتأخر ليس هذا موضوع الفلسفة. تسعى الكمياء لاكتشاف الحقائق الكميائية، ويسعى التاريخ لاكتشاف الحقائق التاريخية، بيد أن المحصلة الناجحة للفلسفة ليست هي عدد من القضايا الصادقة التي لم يكن صدقها معلوما قبلا؛ إذ ليست تتعلق الفلسفة بتأسيس حقائق عامة، وليست حتى حقائق يمكن الوصول إليها بالاستدلال العقلي، بل تتعلق بتقويم بعض أضرب سوء الفهم؛ أي سوء الفهم الذي لدينا لمفاهيمنا.

 ويعني هذا سوء فهمنا للغتنا، لأن امتلاك مفهوم ما يعني إتقان جزء معين من اللغة؛ ذلك إن اللغة الإنسانية أداة لتعقيد هائل، وإتقاننا لها هو بالأساس إتقان ضمني؛ إننا نستطيع استعمالها في الممارسة، لكن متى حاولنا إعطاء موقف تفسيري لهذه الممارسة، فإننا نرتكب خطأ شنيعا، لأن طبيعتنا الإنسانية تأملية؛ أي أننا نحاول تفسير كل ما نلاحظه، غير أننا لا نكتفي بقدرتنا على الاستعمال العملي للغة في المعاملات العادية في الحياة، بل نحاول صياغة فرضيات حول المبادئ العامة التي تعمل اللغة وفقًا لها؛ أو نعتبر اللغة، خطأ، أنها مجرد لباس خارجي يلبسه الفكر، ونحاول نزع هذا اللباس الخارجي والتغلغل إلى الفكر الخالص الذي تحته.

ومتى قمنا بهذه العملية، كنا مثل متوحشين يحدقون في آلة ليس لديهم الخلفية لفهم كيفية عملها، فنشكل مفاهيم خاطئة وخيالية للطريقة عمل لغتنا. ومثل كل الأفكار، فإن هذه المفاهيم الخاطئة نفسها يعبر عنه في اللغة؛ غير أن اللغة متى وضعت لتخدم مثل هذه الغاية، فهي مثل محرك يتسابق وهو غير متصل؛ فهي لا تقوم بأي عمل، حتى العمل الخاطئ؛ إنها لا تصدر حتى في قضايا يمكن نفيها واستبدالها بقضايا صادقة، ولكنها تعبر فقط عن أنواع خاصة من الحيرة الفكرية التي لا علاج لها إلا بصبر متسع بالمعنى الذي يعالج به الطبيب المرض.

 هذا العلاج هو العمل الخاص بالفيلسوف؛ ويتكون جزء كبير منه، من لفت انتباه المريض إلى الحقائق الفعلية والمملة في الغالب حول استعمالنا للغة؛ أي الحقائق التي يدركها بالفعل، لكنه تجاهلها في الإثارة الناتجة عن الصورة المضللة التي استحوذت على ذهنه.

 إذا كانت هذه هي طبيعة الفلسفة، فواضح أنها لا يمكن أن تكون نسقية؛ لا يمكن أن توجد وسيلة يمكن من خلالها منع أي سوء فهمmisunderstanding) ) ممكن، قبلا. يجب التعامل مع كل سوء فهم كما نواجهه. وحتى وإن كنا مهتمين باجتثاث بعض المفاهيم الخاطئة المحددة، فلن نحقق ذلك من خلال استبدال نظرية صحيحة بنظرية خاطئة، لأننا لا نعمل في مجال يقتضي النظرية بالإطلاق؛ إذ ما نسعى لإنجازه هو استبدال رؤية واضحة برؤية مشوهة. ما يجب رؤيته ليس من شأن الفلسفة، بل من اختصاص العلم والملاحظة التجريبية؛ ليس من شأن الفيلسوف أن يقول ما يجب أن يرى أكثر مما يقوله طبيب العيون؛ فما يحاول الفيلسوف منعه هو حالة ذهنية حيث يفسر كل ما يُرى بشكل مشوه.

إن الفيلسوف، بقدر ما يكون من واجبه أن يذكر بما يجب أن يُرى، فإن الحقائق التي يتعين عليه أن يذكرها لن تكون تلك التي اكتشفها الفيلسوف، بل حقائق معروفة من قبل للجميع، وهو يذكر بها فقط لأنها لا تتناسب مع النظرية أو النظرية الزائفة التي تتجسد فيها الحيرة المفاهيمية. غير أن هذا التذكير بالحقائق المعروفة، وخاصة الحقائق المتعلقة باللغة، لن يوفر بذاته معالجة كافية للحيرة، لأنه حتى تزال الحيرة، ستفهم بشكل خاطئ؛ يجب على الفيلسوف أن يتصارع مع المنطق المغري الذي ولّد سوء الفهم بشكل قهري في المقام الأول، أو الذي يدافع به عن نفسه ضد النقد. غير أن تفكر الفيلسوف لا ينتهي، مثل تفكير عالم الرياضيات، إلى نظريات يستطيع أن يعلنها بعد أن يفك التشابك وتنفصل الأشياء عن بعضها البعض يكون قد انتهى من عمله، عندها نرى العالم بشكل صحيح. ومع ذلك، لا يوجد شيء يمكننا أن نذكره كنتيجة لعمل الفيلسوف؛ فالرؤية غير المشوهة ليست في حد ذاتها موضوعا للرؤية.

أما علة رفض أوستين للنسقية في الفلسفة، فهي أضعف من فتغنشتاين، وتحتاج إلى قليل انتباه؛ فمن وجه، لم تعد تبدو مغرية على الإطلاق.  ومن وجه أخر، لأن ممارسة أوستن فشلت إلى حد أكبر من الفلاسفة الآخرين، في التوافق مع منهاجيته الرسمية؛ لقد كانت وجهة نظره الرسمية هي أنه يجب حل المشكلات الفلسفية من خلال الاهتمام بالاستعمالات الفعلية للكلمات: لذلك، قد نبدأ بدراسة استعمالات الكلمات دون التركيز على المشاكل التي ستنحل بنفسها، أي ستتلاشى إذا أنجزنا عملنا بطريقة مرضية.

 الفلسفة من هذا المنظور، ليست علاجا، بل دراسة تجريبية؛ يجب علينا أن نصف بالتفصيل، استعمالات محددة لكلمات محددة. لكنها ليست دراسة نسقية، لأن نتائجنا ستتحول إلى نظرية استنتاجية مرضية من الناحية الجمالية، لأنها تشكل في حد ذاتها مجموعة من الحقائق الخاصة المترابطة بشكل فضفاض، خاصة مثل تلك المذكورة في المعجم.

لقد بدأت بملاحظة أن مصطلح ‘الفلسفة التحليلية’ يشمل أعمال فلاسفة لهم وجهات نظر ومقاربات مختلفة، بيد أنه بالرغم من أن هذه الاختلافات كانت ملفتة في الماضي، فإن ملاحظتي ربما لا تنطبق على المشهد المعاصر، بصرامة، بقدر ما تنطبق على أي وقت في الماضي.

يوجد تقارب كبير للغاية بين الفروع المختلفة للفلسفة التحليلية؛ وكان هذا التقارب بسبب ثلاث وقائع متعالقة:

أولهم، المعرفة والعناية الواسعة بأعمال فريجه (Frege)؛ فإلى حدود عام 1950، كان تأثير فريجه على الفلسفة التحليلية عظيما للغاية، ولكن هذا التأثير كان في معظمه ثانويا؛ أي منقولا من فلاسفة، وإن كانوا مؤثرين، إلا أنهم قلائل، هم الذين درسوه بشكل مباشر – تشرش(Church) ، وكارناب، وراسل(Russell) ، وقبلهم، فيتجنشتاين؛ إذ كانت تعاليم فريجه في الغالب، تصل إلى الآخرين كما يفهمها هؤلاء الكتاب فقط، ولم تتمايز بوضوح عن آرائهم الخاصة.

 والآن، بعد ربع قرن من الزمان، ونصف قرن من وفاة فريجه، يعترف كل طالب فلسفة جاد في بريطانيا أو الولايات المتحدة بأن الدراسة الشاملة لكتابات فريجه بوصفها أمرا ضروريا لتكوينه الفلسفي.  وقد أحدث التحول في المنظور ـ-ليس المنظور التاريخي فحسب – إلى الاعتراف بفريجه بوصفه منبع الفلسفة التحليلية، بدلا من افتراض أنها بدأت مع راسل، أو مع فيتجنشتاين، أو مع حلقة فيينا، وقد كان لهذا الاعتراف تأثير قوي وجامع.

ثانيهم أن أعمال الفلاسفة الأميركيين المعاصرين أصبحت في الوقت الحاضر أكثر تأثيراً في بريطانيا مما كان عليه في أي وقت مضى: فلأول مرة منذ أن كنت في أكسفورد، وربما للمرة الأولى منذ كان تأثير هيجل هو السائد هناك، أصبحت الأعمال التي تم إنجازها في الفلسفة أبعد من كامبريدج تحتل مركز الصدارة.

 وأخيرا، كسبب أو نتيجة للسببين الأولين، تغير محور الاهتمام داخل الموضوع؛ فلعدة عقود، كان علم النفس الفلسفي هو أكثر فروع الفلسفة حيوية في بريطانيا؛ أي دراسة الأسئلة المتعلقة بالدوافع، القصد، والمتعة، وما شابه ذلك، أما الآن فقد أصبحت فلسفة اللغة.

لقد كان الاسم الشائع لضرب الفلسفة الذي يمارس في أكسفورد هو ‘الفلسفة اللغوية’ (Linguistic philosophy)؛ ولكن هذا لا يعني أن أتباعها عملوا بشكل أساسي على الأسئلة المتعلقة باللغة، مثلما أن اسم ‘الوضعية المنطقية’ لا يعني أن المساهمة الرئيسة لأعضاء تلك المدرسة كانت في المنطق. وكما كان المنطق بالنسبة للوضعيين أداة وليس مجالا للدراسة، فإن دراسة اللغة بالنسبة للفلسفة اللغوية كانت في معظمها وسيلة وليست غاية، ويرجع هذا الأمر، في جزء منه، إلى الفكرة القائلة بأنه لا توجد حاجة إلى مذهب عام حول اللغة يعتمد التحقيق بأدوات لغوية في المفاهيم الإشكالية، فلسفيا. وفي الجزء الأخر، إلى فكرة القائلة بأن مثل هذا المذهب كان ضروريا، لكنه تحقق بالفعل. لن تجد أي من الفكرتين الكثير من التأييد الآن؛ إذ يُنظر إلى فلسفة اللغة على أنها ذلك الجزء الأساسي التي تقوم عليه باقي [فروع الفلسفة]، وهو، أيضا، الجزء الأكثر خصوبة للتحقيق فيه في الوقت الحالي.

لا يعد هذا الاتجاه في الفلسفة التحليلية حديثا، إلا فيما يتعلق بالفلسفة البريطانية؛ فهو يمثل تحيز الفلاسفة البريطانيين للمدرسة الأمريكية. وأود أن أعرب عن تعاطفي الكامل مع هذا الاتجاه. ولست أرغب بقولي هذا بتأييد مذاهب معينة شائعة حاليا بين الفلاسفة الأمريكيين في مجال اللغة، من قبيل الكليانية اللغويةlinguistic holism) ) ورفض التمييز الجوهري بين المعنى والإحالة (Sense and reference) ، ونظرية السببية في الإحالة، أو دلاليات العوالم الممكنة (Possible-Words semantics) والتي تبدو لي كلها خاطئة، كليا أو جزئيا، غير أني أؤيد فقط توجهها العام. ولأتمكن من تقديم أسبابي لهذا، يتعين علي وضع السؤال الآتي: ما الذي يميز الفلسفة التحليلية، وكل مظاهرها، عن المدارس الأخرى؟

سيكون التعريف المختصر هو: الفلسفة التحليلية هي ما بعد فريجه؛ لقد كان الإنجاز الأساس الذي حققه فريجه هو إبدال وجهة نظرنا في الفلسفة؛ أي إبدال نظرية المعرفة، باعتبارها نقطة البداية في الفلسفة، بالمنطق؛ ويشمل المنطق، عند فريجه، ما أسماه سابقوه بالمنطق، ولكن في جزء خاص منه فقط؛ كما شمل تحديدا، ما يسمى الآن ‘فلسفة اللغة’ philosophy of language)). قد يبدو هذا غريبا بالنسبة لفريجه، لأنه كان يستعمل دائما كلمة Sprache” بمعنى ‘اللغة الطبيعية’، وكان يزدري اللغة الطبيعية بشدة؛ بيد أن هذا الازدراء، وإن كان مسوغا تماما، لأنه كان يعتقد أنه يتعين علينا بهدف الدراسة الفلسفية الجادة استبدال اللغة الطبيعية بلغة رمزية خالية من نواقصها، فإن عمل فريجه ستكون له الأهمية التي يدعيها، فقط إذا كانت محصلة اللغة الصورية أكثر كمالاً؛ أي لإنجاز الشيء نفسه الذي نقوم به عادة باللغة الطبيعية، وإذا كان الأمر كذلك، فإذا كنا في دراسة اللغة الصورية ندرس المثال (النموذج المثالي) الذي تسعى إليه اللغة الطبيعية، ولكنها تفشل في تحقيقه. وبالتالي، يمكننا أن نصف الفلسفة التحليلية بأنها الفلسفة التي تتبع فريجه في قبول أن فلسفة اللغة هي أساس فروع الفلسفة الأخرى.

إن فلسفة اللغة بالنسبة لفريجه، وللفلاسفة التحليليين اللاحقين، هي أساس كل فلسفة أخرى، لأنه فقط، بتحليل اللغة يمكننا تحليل الفكر. تختلف الأفكار عن مضامين الذهن(The mind)  في كونها قابلة للتواصل؛ إذ من طبيعة الفكر أن أتمكن من نقل الفكرة التي لدي إليك، بدلا من أن أكون قادرا على إخبارك بشيء ما شبيها بفكرتي. ومن طبيعة الفكر ليس فقط أن يكون قابلا للتواصل الجزئي، ولكن أن يكون قابلة للتواصل الكلي بوسيلة اللغة. وبالتالي فإنه حتى نفهم الفكر، يجب أن نفهم الوسيلة التي يعبر بها الفكر. متى حاول الفيلسوف، بالطريقة التي ذكرتها آنفًا، أن يجرد الفكر من لباسه اللغوي، وينفذ إلى جوهره العاري الخالص، فإنه لن ينجح إلا في خلط الفكر ذاته، بالعناصر الداخلية الذاتية للتفكير.

 إننا ننقل الأفكار باللغة، لأننا نحوز فهما ضمنيا لكيفية عمل اللغة؛ أي فهما للمبادئ التي تحكم استعمال اللغة؛ وهذه المبادئ، التي تتعلق بما هو معاين في استخدام اللغة the employment of language)) دون الاستعانة بأي اتصال مفترض بين ذهن وذهن آخر، سوى الوسيط اللغوي، هي التي تمنح عباراتنا المعاني التي تحملها؛ ولتحليل الفكر، فمن الضروري أن نوضح هذه المبادئ التي تنظم استعملنا للغة، والتي ندركها ضمنيا بالفعل.

إن لهذه المهمة جانب عام وجانب خاص. ففي جانبها العام؛ نعنى بالمبادئ الأساسية لتفسير كيفية عمل اللغة، وهذا يشكل فلسفة اللغة التي هي تلك النظرية الفلسفية التي تشكل الأساس لكل ما تبقى. أما في جوانبها الخاصة، فقد نعنى بتحليل الأفكار المتعلقة بهذا الموضوع أو ذاك، أو التي تنطوي على مجموعة محددة من المفاهيم؛ وهذه هي فروع الفلسفة التي تنبثق من الجذر الأم.

وما لم يكن تفسيرنا العام للغة على المسار الصحيح، فإن التحليل الذي نقدمه في فروع معينة من الفلسفة لأنواع خاصة من العبارات، أو صيغ خاصة من التعبير قد يكون معيبا، ولهذا السبب تكمن فلسفة اللغة في أساس البنية بأكملها. ولا يعني هذا بالطبع أنه يجب أن يتوقف العمل على أجزاء أخرى من الفلسفة حتى يتوصل إلى فلسفة كافية للغة.

 لم يدعي فريجه نفسه أن المهمة الوحيدة للفلسفة هي تحليل الفكر، وبالتالي تحليل اللغة ـ وقد ترك ذلك لفتجنشتاين ليعبر عنه في كتابه ‘رسالة منطقية فلسفية’؛ ولكن بممارسته في الفرع الخاص من الفلسفة الذي عمل فيه؛ أي فلسفة الرياضيات، لم يترك مجالا للشك في أن هذه كانت وجهة نظره؛ والأسس ذاتها التي قاوم بها تدخل الاعتبارات النفسية فيما أسماه ‘المنطق’؛ بمعنى أن الفكر موضوعي ومشترك بين الجميع، في حين أن العمليات الذهنية خاصة وذاتية، هي التي ساقها لإبعادها عن فلسفة الرياضيات.

تتم الدراسة الفلسفية للرياضيات بتحليل لغة الرياضيات؛ وحده المرء الذي يصر على الخلط بين الفكر والعمليات الذهنية الداخلية، قد يتصور أن هذه العملية تنطوي على صرف انتباهنا من مواضيع الرياضيات                      (The objects of mathematics) إلى تجربة النشاط الرياضي؛ إذ التجربة لا تدخل في هذا الأمر بإطلاق، وفيما يتعلق بالمواضيع الرياضية، سيحتاج الفيلسوف إلى التحدث عنها بالطريقة التي يكون من الضروري القيام بها حتى يتمكن من تقديم وصف مناسب للغة الرياضية.

لا يتعين الفرق بين عالم الرياضيات وفيلسوف الرياضيات في أن الأول يعنى بالمواضيع الرياضية، بينما يعنى الثاني فقط بالتجارب الداخلية لعالم الرياضيات، بل إن عالم الرياضيات يعنى بإثبات صدق أو كذب العبارات الرياضية، في حين أن الفيلسوف يعنى بالطريقة التي يتم بها إعطاء المعنى. ولا يوجد سبب للافتراض بأن فريجه كان سيتبنى موقفا مختلفا تجاه أي فرع آخر من فروع الفلسفة، لو اختار العمل فيه.

حاولت في الملاحظات السابقة عرض بعض التصورات الأساسية التي دعا إليها فريجه في منهجه الفلسفي، تصريحا أو تلميحا، والتي يمكن أن يقال عنها أيضا ببعض المعقولية، أنها مشتركة بين جميع ممارسي الفلسفة التحليلية؛ ولكن حتى لو كنت قد نجحت في ذلك، فإن تأثير هذه المعتقدات المشتركة على عمل الفلاسفة التحليليين المختلفين كان جد مختلف في الممارسة العملية.

لقد قدم كل من فريجه وفيتجنشتاين المتقدم، مساهمات مباشرة في فلسفة اللغة، ولكن عندما نصل إلى حلقة فيينا، فإننا نتعامل مع فلاسفة لم تعد عنايتهم بفلسفة اللغة في ذاتها، بل لأنهم رأوا فيها ترسانة تمكنهم من استخراج أسلحة تسلحهم للقتال في مجالات أخرى من الفلسفة. لقد كان مبدأ التحقق بالنسبة لهم بمثابة سيف يمكنهم أن يقتلوا به عددا لا يحصى من التنانين الميتافزيقية؛ ولكن الآن، عندما ننظر إلى الوراء، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن أن نستحدث من هذا المبدأ فلسفة متسقة للغة، أو نظرية للدلالة؛ إذ لم تكن هذه الفلسفة في ذاتها حتى موجزا لنظرية للدلالة، بل كانت محصلة يزعم أنها تترتب عن نظري لم يتم حتى صياغة الخطوط العريضة بوضوح.

 وإذا كان هذا يقال عن الوضعيين، فإنه يقال أيضا عن مدرسة ‘اللغة العادية’ التي سادت لفترة في أكسفورد؛ لقد تخلوا عن شعار ‘الدلالة هي منهج التحقق’ (Meaning is the method of verification) لصالح الشعار المقتبس من فيتجنشتاين، ‘الدلالة هي الاستعمال’ (Meaning  is use) ولكن في حين أن الشعار السابق كان يلمح إلى نظرية موحدة للدلالة؛ أي إلى مفهوم أساسي يمكن من خلاله تقديم نموذج عام لفهم العبارة، فإن الشعار الأخير كان يستعمل لرفض فكرة إمكانية وجود تفسير موحد. ولم يكن مقبولا سوى في بعض الحالات الخاصة. فالنظرية العامة كانت شرارة مستقبلية، استحدثت من آمال الفيلسوف الباطلة في العثور على نمط حيث لا يوجد نمط. كل ما ينبغي للفيلسوف أن يحاول فعله هو تفسير ‘استعمال’ كل عبارة، واحدة تلو الأخرى؛ لأن هذا هو ما يمكن فعله.

الآن، أياً كان التفسير الصحيح للغة، فإن هذا التصور الاستعمالي للغة يمكن أن ندرك للتو أنه خاطئ؛ لسبب واضح هو أننا لا نتعلم العبارات واحدة تلو الأخرى؛ فهو يناسب شفرة من الإشارات التي تتعلم دلالة كل منها على حدة، ولكن ليس اللغة. ليست هنالك حاجة لتنبيه على ذلك لأي شخص، ناهيك عن مدرسة من الفلاسفة الذين كانوا يفخرون باهتمامهم باللغة، بأننا نفهم العبارة بفهم الكلمات التي يتكون منها، والمبادئ التي انتظمت وفقها. ولكن الحقيقة هي أنه لا توجد صياغة لمذهب الخصوصية الكلية (total particularism)  الذي دعت إليه هذه المدرسة من شأنها أن تتناسب مع هذه الحقيقة الأساسية؛ لأن العبارات، وليس الكلمات، هي التي لها ‘استعمال’ بالمعنى المقصود؛ أي العبارات التي من خلالها، بتعبير فيتجنشتاين، ‘نتحرك في لعبة اللغة’.

 بهذا، يجب أن يمثل أي تفسير عملي للغة، إتقان اللغة بوصفها مكونة من فهم بعض المبادئ التي لا تتعلق بعبارات فردية تامة، حتى لو كانت تتكون فقط من مبادئ تتعلق بالكلمات الفردية وأنماط بناء العباراة. وسيفضي فهم مثل هذه المبادئ إلى معرفة ‘الاستعمال’ الذي يمكن أن تتكون منه أي عبارة معطاة في اللغة، ولكنها لن تكون مكونة من هذه المعرفة. السؤال هو: ما هي المبادئ التي يشكل الفهم الضمني لها فهم اللغة؟  وفي الإجابة على هذا السؤال لم يكن لدى مدرسة ‘اللغة العادية’ أي شيء لتساهم به تقريبا.  

أفضى رفض العموميات، والتركيز على ‘استعمال’ كل عبارة على حدة إلى تقديم تفسيرات جد سطحية للاستعمال في أحايين كثيرة، حتى عندما كانت دقيقة؛ لقد كانت سطحية لأنها وظفت مفاهيم نفسية ودلالية ليس من حق نظرية الدلالة أن تفترض أنها مفهومة، حيث يتوقع تفسيرها؛ فماذا يمكن لأي شخص أن يفعل بعد كل شيء سوى استحضار مثل هذه المفاهيم إذا قدمت له عبارة مركبة وطُلِب منه وصف ‘استعمالها’؟ لذلك فإنهم يوظفون مثل هذا التصور بدون قيد، للتعبير عن موقف، أو نقل اعتقاد، أو رفض سؤال، دون أدنى وعي بأن من مهام فلسفة اللغة هو أن تفسر ما يعنيه القيام بأي من هذه الأشياء.

ولا أدل على هذا من الاستعمال الثابت لمفهومي الصدق والكذب بوصفهما لا يحتاجان إلى تفسير؛ فهذه مفاهيم لها موطنها في نظرية الدلالة التي لن تتضح كليا إلا عندما نفهم الدور الذي يجب أن تلعبه في نظرية صحيحة لدلالة للغة؛ ومع ذلك فقد وظف هذين المفهومين في وصف الاستعمال، ودارت النزاعات حول ما إذا كان ينبغي تطبيقها على هذه الجملة أو تلك، أو في ظروف معينة، أو في كل الظروف، لا فقط كما لو كانت العلاقة بين الصدق والدلالة واضحة، بل كما لو لم يكن هناك شيء يمكن معرفته، وبالتالي لا يوجد شيء يمكن قوله عن تلك العلاقة.

وعلاوة على ذلك، أفضت الخصوصية  إلى السطحية، لسبب آخر يمكن التعبير عنه إجمالا بالقول: إنها رسخت تجاهلًا مقصودا للتمييز بين الجوانب الدلالية والتداولية (أنا شخصيا لا أهتم بمصطلحات ‘الدلالية – التداولية’؛ ولكن هذا لأنني أعتقد أنه يحجب الفرق بين عدة تمييزات متمايزة)؛ فإذا طلب من أي شخص لا يحوز فهما نظريا، أن  يفسر دلالة عبارة من قبيل: ‘إما أنه أخوك أو ليس كذلك’ أو ‘أعرف أنني هنا’،  فإنه سيكون ميالا للبدء بالتمييز بين ما تقوله العبارة حرفيا، وبين ما قد يسعى شخص ما إلى نقله بالتلفظ بها في ظروف معينة؛ غير أن الاستعمال، من وجهة نظر مذهب ‘اللغة العادية’ التقليدية، هو وحده المشروع؛ لأنه هو الذي يشكل استعمال العبارة، وإذا تعذر تصور أي ظروف، مهما كانت غريبة، يمكن من خلالها التلفظ بعبارة لغرض فعلي، وبالتالي، فإن العبارة التي لا استعمال لها، لا دلالة لها.

أما بالنسبة للتصور الأول- وهو الذي يقول بحرفية الدلالة- فقد كان زائفا؛ لأنه نتاج غير  مشروع لمحاولة بناء نظرية الدلالة بواسطة مفاهيم عامة.  لقد كان هذا بالطبع أكثر من أي شيء آخر، هو الذي دفع المراقبين المعارضين إلى تكوين انطباع مفاده أن أنشطة فلاسفة ‘اللغة العادية’ لعب. (عبث جاد)

بالطبع، لم يكن من الممكن للناس العقلاء أن يتبنوا مثل هذه المنهجية الزائفة الجامدة؛ ونتيجة لهذا، فبدلا من المفاهيم الدلالية العامة التي استبعدت في إطار الاهتمام الأصلي بالاستعمال الفعلي في الأصلي لعبارات فردية ، اخترع فلاسفة “اللغة العادية” أنفسهم مفاهيم مثل مفهوم الاقتضاء (Presupposition)، أو مفهوم الاستلزام حواري (Converstaional implicature) أو التمييز الذي وضعه أوستن بين الإنجاز والقوة الإلقاءية، إلخ. وفي هذه العملية، اختفت فلسفة ‘اللغة العادية’ دون أن يلاحظ أحد ذلك تقريبا؛ لقد انتهى زمنها ليس بضجيج، بل بصرخة مكتومة؛ وكانت اللحظة مواتية للهجوم المضاد الأمريكي.

لقد كانت مذاهب فلسفة ‘اللغة العادية’ صورة كاريكاتورية غير مبتذلة لوجهة نظر فيتجنشتاين المتأخر التي أشرت لها سابقا؛ أقصد شعار ‘المعنى هو الاستعمال’. وليس بمكنة أحد الادعاء بأن فيتجنشتاين قد أهمل فلسفة اللغة في مرحلته المتأخرة، وأنه وظف أفكاره حول الدلالة فقط بوصفها أداة للتخلص من مسائل في مجالات أخرى من الفلسفة؛ لأن مقاطع كبيرة من التحقيقات الفلسفية  كرست بشكل مباشر لفلسفة اللغة؛ يتحدد الاختلاف الواضح بين تصوره للاستعمال، وتصور مدرسة اللغة العادية،  في أنه لم يتصور بشكل قاطع وصفًا للاستعمال باعتباره دعوة مطلقة للمفاهيم النفسية والدلالية؛ يمكن رؤية ما قصده بالاستعمال بسهولة في التشبيه الذي رسمه في التحقيقات مع موقف استعمال الأموال؛ ذلك إن فهم الدلالة؛ أي الدلالة الإصلاحية للعملة المعدنية يتضمن فهم مؤسسة المال؛ وما يكون مطلوباً لنقل هذه الدلالة إلى شخص قدم من مجتمع لم يكن يعرف المال، هو وصف الممارسة كلها التي يتجسد فيها نقل العملات المعدنية، وبالتالي فإن مثل هذا الوصف مطلوب أيضا إذا شئنا تفسير ما ندركه ضمنيا عند إدراك دلالة العملة المعدنية.

لا يفترض وصف مؤسسة المال التي من شأنها أن تخدم هذا الغرض وجود أي مفاهيم اقتصادية؛ بل إنه سيقدم وصفا لما يحدث بالفعل باصطلاحات معاينة من قبل شخص يجهل هذه المفاهيم. وبنفس الكيفية، فإن ما تصوره فيتجنشتاين على أنه يشكل وصفًا لاستعمال اللغة يتضح من خلال ‘ألعاب اللغة’ التي وصفها في الكتاب البني (Brown book) وفي كتب أخرى. تعرض في هذه الألعاب، لغة بدائية أو شذرات لغة يتصور أنها موجودة في عزلة، لكنها تستعمل عمليا؛ فما يوصف هو مركب الأنشطة التي يتشابك معها تلفظ العبارات في اللغة؛ ومرة ​​أخرى، لا يستحضر الوصف مفاهيم نفسية أو دلالية، ولكنه مُصاغ بالكامل مما هو معاين خارجيا.

يوضح لنا هذا المفهوم للعبة اللغة ما يعده فيتجنشتاين وصفا كافيا لكيفية عمل لغة فعلية بأكملها: يتكون مثل هذا الوصف، مرة أخرى، من وصف للعبة اللغة التي لعبت اللغة دورا فيها، ويختلف من حيث المبدأ عن تلك التي وصفها فيتجنشتاين، فقط في تعقيدها الهائل. من المهم أن نلاحظ الفرق بين هذه الفكرة ومفهوم نظرية الدلالة التي يمكن اشتقاقها من فريجه. يتفق كلاهما على أن المطلوب هو وصف المبادئ الاصطلاحية التي تحكم ممارسة المتكلم باللغة، وهو وصف لا يستحضر تصور العبارة التي تعبر عن فكرة، بل يعرض بدلا من ذلك، ما يجعل أي عبارة معطاة تعبيرً عن فكرة معينة.

بيد إن مؤسسة اللغة بالنسبة لفريجه مستقلة؛ تعبر العبارة عن الفكر بفضل قدرتنا على اشتقاق شرط صدقها في حالة معينة، من تركيبها من الكلمات المكونة لها؛ ولا يمكن فهم مفهوم الصدق إلا بفهم مختلف الأنماط العامة للممارسة اللغوية التي تتكون من التلفظ بعبارة ما، مع شرط الصدق معطى، وفقًا لاصطلاح أو أخر الذي يحدد الفعل اللغوي المتأثر بالتلفظ – مثل الإقرار بأن الشرط الذي يجعل صدق العبارة قد تحقق، ، أو التساؤل عما إذا كان قد تحقق. وبناء على هذا، فإن قدرتنا على الانخراط في أنشطة غير لغوية ليست متعلقة، أشد التعلق، بقدرتنا على التحدث بلغة مثل تلك التي لدينا؛ نستطيع التحدث باللغة نفسها، إذا كنا نوعا من الأشجار العاقلة والحساسة، التي يمكنها ملاحظة العالم ونطق الكلمات، ولكنها لا تشارك في أي نوع آخر من الفعل.

ومن وجه آخر، بالنسبة لفتغشتاين، فمن الضروري للغتنا أن تتشابك توظيفاتها مع أنشطتنا غير اللغوية. فما يضفي معنى على العبارات اللغوية في لعبة اللغة التي يصفها، هو تعالقها المباشر بأفعال أخرى؛ يطلب البناء، مثلا، عددًا معينًا من الحجارة لها شكل معين، فتمرر له. وما يجعل من الصعب علينا أن ندرك أن الاستعمال، بهذا المعنى، هو الذي يعطي الدلالة لعبارات لغتنا الفعلية، أو بالأحرى، هو ما يتكون منه دلالتها، هو تباعد الاتصال بين الأنشطة اللغوية (مثال النشاط الذي أنخرط فيه الآن) والأنشطة غير اللغوية؛ ومع ذلك، فإن هذه الاتصال هو ما يمنح لكلماتنا دلالتها التي تحملها.

إن هذه الفكرة، رغم كونها مدهشة لأنها تعبر عن حدس أولي وأساسي، فإنها تظل في نظر فتغشتاين مجرد برنامج عام. وبالفعل، لم يكمل  فريجه مهمة تقديم مخطط عام لنظرية الدلالة من النوع التي يفضله؛ ومعلوم أن مناقشته لمفهوم المعنى قد قدمت حججا كافية لتثبت أننا نحتاج لنظرية للمعنى  (Theory of  sense)،  وليس مجرد نظرية للإحالة(Theory of referene) ، غير إنه لم يقدم أي نموذج عام لما ينبغي لنا أن نستنتجه من فهم المتكلم لمعنى كلمة تنتمي إلى مقولة منطقية معينة؛ كما أنه ليس من الواضح إلى أي مدى كان يعتقد أنه من الممكن إعطاء وصف غير محدد للاصطلاحات التي تحكم الأنواع المختلفة من الفعل اللغوي مثل الإقرار (Assertion)، أو كيف يمكن صياغة مثل هذا الوصف، إن وجد. وبالرغم من هذه الثغرات، فإننا نمتلك مخططا عاما للموقف الذي يجب أن تفترضه نظرية فريجه للدلالة، هذا المخطط واضح كفاية لنتمكن من مناقشة مدى معقولية الادعاء بأنه يمكن بهذه الوسيلة تقديم تفسير كاف لوظيفة اللغة.

 بيد أننا نفتقر إلى مثل هذا المخطط لنظرية الدلالة التي فضلها فيتجنشتاين؛ فنحن لا نعرف كيف نبدأ لبناء مثل هذه النظرية؛ إذ تكمن الصعوبة في تلك العبارات التي يمكن تصنيفها عادة بأنها تقريرية.  يهدف الأمر، قبل كل شيء، إلى تحصيل (استنباط-استخراج) استجابة غير لفظية مباشرة، بينما يهدف السؤال إلى تحصيل استجابة لفظية. ومن المؤكد أنه، في الواقع، قد يفشل التلفظ بهذين النوعين من العبارات إلى تحصيل الاستجابة التي يهدف إليها، ففي حالة الأوامر يجب أن يتضمن الوصف الكافي للمؤسسة اللغوية عبارة عامة للتبعات المترتبة عن فشل المستمع في الاستجابة بالطريقة المطلوبة. غير أن التلفظ التقريري، في الحالة العامة، لا يهدف إلى تحصيل استجابة محددة؛ فالكيفية التي يستجيب بها المستمع ستعتمد على أشياء كثيرة؛ وخاصة على رغباته ومعتقداته القائمة. ولكن هذا لا يعني نفي أن الإقرار غالباً ما يكون له تأثير على السلوك، وعلى السلوك غير اللفظي في الأمد البعيد، ولكنه يثير الشك حول إمكانية تقديم وصف لمعاني العبارات التقريرية بشكل مباشر من حيث ارتباطها بالأنشطة غير اللغوية. ولم يكن فيتجنشتاين يقصد مجرد تقديم بعض الملاحظات حول ما يعطي للغتنا، في نهاية المآل، دلالتها. ولو كان هذا كل ما يدور في ذهنه، لكان من الممكن استيعابه ضمن إطار فريجه. سيتقرر التعالق بين اللغة والواقع غير اللغوي في هذه الحالة، بالمبادئ التي تحكم شروط صدق عباراتنا؛ ومن ثم يمكن تفسير التأثير الذي قد يحدثه الإقرار على سلوك الشخص بشكل غير مباشر من خلال فهمه لهذه التعالق، مع مراعاة احتياجاته وقدراته على الفعل.

 ولكن من الواضح من عدة فقرات في التحقيقات أن فيتجنشتاين كان يقصد، في هذا الصدد، معارضة مفهوم فريجه للدلالة، بشكل قاطع. وعلى وجه الخصوص، يجب رفض مفهوم الإقرار بوصفه نمطا من الفعل اللغوي الموصوف بطريقة موحدة فيما يتعلق بشروط صدق أي عبارة تستعمل للإقرار. إن صعوبتنا ليست تحدد فقط في أن فيتجنشتاين لم يعطنا سبب مقنع لرفضها، بل إنه لم يقدم لنا أي تلميح لما يجب أن يحل محلها.

استمدت الخصوصية التي كانت علامة بارزة في المذهب الرسمي لمدرسة ‘اللغة العادية’ مصدرها من فتغنشتاين، على الرغم من أنها قد أصبحت أقل وضوحًا في ممارستها.  لقد كانت جزءًا من مذهب فريجه القائل بأنه نظرا لأن العبارة هي أصغر وحدة لغوية يمكن بواسطتها قول أي شيء، فإن دلالة الكلمة يجب أن يُفسَّر من خلال الدور الذي تلعبه في تحديد دلالة أي عبارة قد ترد فيها؛ ذلك أننا نشتق دلالة أي عبارة خاصة، من معاني الكلمات التي تتكون منها، لكن التصور العام  (The general notion)لدلالة العبارة يتقدم على تصور دلالة الكلمة. لم يعترض فيتجنشتاين أو أي شخص آخر على هذه الفكرة.

هب الآن، أننا جوبها بمهمة تقديم وصف عام لدلالات تعبيرات لغة ما، يمكننا البدء بتقسيم عبارات اللغة إلى مقولات كبيرة على أساس الأنواع المختلفة من الأفعال اللغوية – الإقرار، السؤال، الأمر، إلخ – التي تتلفظ؛ لأنه إذا كان من المفترض أن نعد دلالة العبارة هي الأسبق، فمن الطبيعي أن نفكر أنه من الأفضل أولا أن نميز بين أنواع دلالة العبارة كما تمتلكه الجمل المستخدمة لأغراض مختلفة للغاية. الآن، ستكون هنالك لحظتين لفهم دلالة أي عبارة معطاة؛ الاعتراف بها بوصفها منتمية لمقولة معينة، وفهم مضمونها الخاص الذي يميزها عن العبارات الأخرى في المقولة نفسها. وبالتالي، إذا كانت إحدى العبارات تستعمل للأمر، وأخرى للتعبير عن أمنية، فيجب أن نعرف هذه الحقائق حول المقولات التي تنتمي إليها، إذا أردنا فهمها؛ ومعرفة ذلك تتضمن معرفة ماهية الأمر أو التعبير عن أمنية. ولفهم هاتين العباريتن، يجب علينا أيضا فهم مضامينها الفردية: يجب أن نعرف أي أمر تنقله الأولى وأي أمنية تعبر عنها الثانية؛ وسيحدد ذلك في كل حالة، من خلال تكوين العبارة من الكلمات المكونة لها.

تكمن الصعوبة الآن في أنه إذا كانت العبارات في كل مقولة تحوز نوعا مختلفا من دلالة العبارة عن تلك الموجودة في أي مقولة أخرى، وإذا كانت دلالة الكلمة تتكون من مساهمتها في تحديد دلالة العبارة التي تتضمنها، فيبدو أنه يتعين على الكلمات في العبارة الأمرية أن تكون لها دلالة من نوع مختلف تماما عن الكلمات نفسها عندما تظهر في العبارة التمنية؛ وهذا محال؛ ويتمثل المخرج هذه الاستحالة، من خلال الحقيقة البديهية القائلة بأن معظم الكلمات في أي عبارة تعمل على تحديد، ليس المقولة التي تنتمي إليها، ولكن مضمونها الفردي مقابل مضمون الأعضاء الآخرين في المقولة نفسها، وينضاف إلى ذلك فكرة أن المضمون الفردي للعبارة يحدد بطريقة موحدة، بغض النظر عن فئتها.

 وهكذا، يبدو من الطبيعي أن نقترح أنه بما أننا نعرف المقولة التي تنتمي إليها كل عبارة، فإننا نعرف المضمون الفردي للعبارة الأمرية بمعرفة الظروف التي سيتم فيها طاعة الأمر الذي تنقله، وأننا نعرف المضمون الفردي لعبارة تمني بمعرفة الظروف التي سيتم فيها تحقيق الأمنية التي تعبر عنها. وبهذه الطريقة، يمكننا أن نحدد المضمون الفردي لعبارة من معظم المقولات الأخرى، بربطها بظروف معينة، وتعتمد مدلول هذا الارتباط على المقولة المعنية .

وبالتالي نصل إلى التمييز الأصيل الذي رسمه فريجه، بين معنى العبارة والقوة Kraft)) المرتبطة بها. تربط مكونات العبارة التي يحدد معناها الوقائع الذرية، بالعبارة؛ أما الخاصية التي تحدد قوة التلفظــ، فإنها تحدد المدلول الاصطلاحي للفظ فيما يتعلق بتلك للوقائع الذرية (أي وفقا لما يقره المتكلم بأن الوقائع الذرية موجودة، ويسأل عما إذا كانت موجودة، ويأمر بأن تحدث، ويعبر عن أمنية في أن تحدث، وغير ذلك).

يصعب أن نرى كيف يمكن أن تكون نظرية نسقية للدلالة للغة ممكنة، دون الاعتراف بالتمييز بين المعنى والقوة، أو بتمييز مشابه. وسواء كانت المقولات التي استعملتها بوصفها أمثلة نموذجية – الإقرارية- الاستفهامية، الأمرية، التمنية – مشروعة، أو يجب استبدالها ببعض المقولات الأخرى، فهذه مسألة ثانوية؛ في هذا المقام، يصبح التساؤل عن صحة هذا التصور الذي رسمته لمعنى العبارة أمرا عرضيا؛ ما يبدو ضروريا هو أنه يجب أن يكون لدينا بعض التقسيم لمتلفظات لعبارات إلى مجموعة محددة من المقولات، وذلك وفقا لنوع الفعل اللغوي الذي ينجزه اللفظ؛ يجب أن يكون لدينا تصور محدد لمعنى العبارة، بوصفه مكونا من دلالتها، وقادرا على أن يكون مشتركا بين العبارات التي تنتمي إلى مقولات مختلفة. ينبغي أن يكون هذا التصور للمعنى قادرا على منحنا فهما جوهريا لأهمية التعبير بالعبارة. وأخيرًا، يجب أن يكون ممكنًا، لكل مقولة من مقولات العبارات الجمل، تقديم تفسير موحد للفعل اللغوي الذي يتم تحقيقه من خلال التعبير بعبارة تنتمي إلى هذا المقولة، وذلك بالاعتماد على معناها بوصفه معطى. ولا أعتقد أننا نمتلك، في الوقت الحاضر، أي تصور لكيفية ظهور نظرية المعنى للغة إذا لم تتوافق مع هذا النوع.

على أن هذا المفهوم بالذات هو الذي يهاجمه فيتجنشتاين؛ إذ لم يقف عند حد رفض الدعوى القائلة بأن كل العبارات التقريرية تشكل مقولة واحدة يمكن إعطاء تفسير موحد لها، بل ينفي إمكان التوصل إلى أي قائمة قابلة للمسح لأنماط الفعل اللغوي. وهذا يعني بالتحديد نفي التمييز بين المعنى والقوة المتاح لتبسيط مهمة تفسير دلالة العبارات بالتمييز بين مكونين مختلفين لدلالتها. يجب أن تقدم نظريتنا في الدلالة، لكل عبارة فردية، تفسيرا مباشرا للدلالة الاصطلاحية للتلفظ بتلك العبارة، بدلا من الاعتماد على تفسير، مشتق من وصف عام لاستعمال عبارات تنتمي إلى مقولة عامة. ولسنا نعرف كيفية صياغة نظرية للدلالة تتوافق مع هذا المبدأ، وهذا ما يفضي إلى إهمال الفرق بين الاعتبارات الدلالية والتداولية التي لاحظتها في ممارسة فلاسفة اللغة العادية.

إن المنهج الفلسفي غير النسقي الذي سار بمقتضاه فيتجنشتاين يجعل من الصعب أن نتيقن قصده؛ هل كان يقصد نظرية ما في الدلالة تختلف كليا عن تلك التي اقترحها فريجه؟ أم أنه رفض كليا فكرة نظرية نسقية للدلالة؟  

لا ينبغي علي أن أحاول الإجابة على هذه الأسئلة بنفسي؛ إذ أحسب أنه من الأفضل التعامل مع أعمال فيتجنشتاين المتأخرة مع وضع التأويلات المختلفة المحتملة في الاعتبار، دون محاولة تحديد التأويل الصحيح؛ إذ غالبًا ما نجد أفكاره مثمرة ومحفزة في جميع التأويلات الممكنة لها. لكن حقيقة الأمر هي أنه على الرغم من قوة وعمق العديد من مناقشاته لمسائل تفصيلية في الفلسفة، بما في ذلك مسائل اللغة، فإننا لسنا نعرف كيف نستخرج من كتاباته المتأخرة أي فلسفة لغة عامة متماسكة.

 ليست الفكرة القائلة بأنه لا يمكن أن توجد نظرية نسقية للدلالة، والتي تنسب إلى فتغتشتاين، مجرد موقف انهزامي في هذه المرحلة من البحث، بل إنها تتعارض أيضا مع الحقيقة البديهيةـ التي أكدتها ليس فقط المدرسة اللغوية الحديثة بقيادة تشومسكيChomsky))، بل أيضا فتغشتاين؛ و التي تفيد أن أي شخص يتقن لغة معينة قادر على فهم عدد لا نهائي من عبارات تلك اللغة؛ يتكون هذا العدد اللانهائي أيضا من عبارات لم يسمعها من قبل قط؛ ولا يمكن تفسير هذه الحقيقة إلا بافتراض أن كل متكلم لديه فهم ضمني لعدد من المبادئ العامة التي تحكم استعمال كلمات اللغة في العبارات. وإذا وجدت مثل هذه المبادئ العامة التي يفهمها كل متكلم ضمنيا، والتي تعمل على إضفاء دلالتها المختلفة على كلمات اللغة، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن أن يكون هنالك أي عائق نظري يجعل هذه المبادئ صريحة؛ وستشكل العبارة الصريحة لتلك المبادئ التي يعد فهمها الضمني اتقانا اللغةـ بالتحديد نظرية كاملة لدلالة اللغة.

ومن جهة أخرى، إذا كان ما قصده فيتجنشتاين هو نظرية للدلالة من نوع جديد تماما، فلا يوجد دليل كاف في كتاباته، يمكننا من إعادة بناء الخطوط العريضة العامة لمثل هذا النوع الجديد من النظرية.

 مما لا شك فيه أنه إذا توافرت خلفية كافية من معتقدات ورغبات كل من المتكلم والمستمع، فإن إصدار عبارة تقريرية غالبا ما سيكون له تأثير على السلوك غير اللغوي للمستمع، ويسجل التزام المتكلم بمسار عمل معين. غير أنه بما أن هذه التأثيرات وهذا الالتزام إنما يتوقفان على الخلفية المتغير، فيبدو من المستحيل فهم كيف يمكن بناء نظرية للدلالة تفسر دلالات العبارات التقريرية استنادا على التعالق المباشر بين التلفط بهذه العبارات، والسلوك غير اللغوي للمتكلم والمستمع؛ ويعني هذا ببساطة أن الألعاب التي ابتكرها فيتجنشتاين لتقديم وصف لبعض أجزاء صغيرة من اللغة، لا تبدو نموذجا واعدا لتفسير نسقي للغة كلها؛ وإذا كانت كذلك في النهاية، فإن فيتغنشتاين نفسه لم يُظهر لنا كيف يمكننا أن نسترشد بهذه النماذج.

لقد كان فتغنشتاين أثناء حياته شخصية مثيرة للجدل، حتى بين أنصار المدرسة التحليلية؛ إذ اعتقد البعض أنه مكتشف المنهج الصحيح القاطع في الفلسفة؛ ذلك أنه هو الذي رسم، بالنسبة لهم، المسار الذي يتعين على كل من يرغب في التفلسف أن يسلكه من الآن فصاعدا، إذا كان لإسهامه أي قيمة. أما بالنسبة للآخرين، فقد كان عمله مشوشا، وأفكاره خاطئة، وتأثيره كارثيا. ولا يمكن لأي شخص غير متحيز نكران قدرته الفكرية الشخصية التي كانت عبقرية؛ ومن المؤسف أن هذا لا يحدد بأي حال من الأحوال قيمة مساهمته في الفلسفة، لأن العبقرية قد تقود الانسان في كثير من الأحيان إلى مسار خاطئ، كما قد تضعه على مسار صحيح لكنه لم يكتشف بعد.

والآن فقط، وصلنا إلى لحظة حيث بدأ من الممكن التوصل إلى تقييم يمكن الإجماع عليه لعمل فتغنشتاين، على الأقل بين أعضاء الفلسفة التحليلية؛ إن رأيي الشخصي هو أنه سيُنظر إليه بوصفه مصدرا خصبا للغاية لأفكار فلسفية المهمة، وعميقة في كثير من الأحيان؛ ومن بينها بعض الأفكار الأساسية لفلسفة اللغة. غير إن عمله لا يشكل، كما أعتقد هو وأتباعه، وكما فعلت أعمال فريجه بلا شك، أساسا متينا للعمل المستقبلي في الفلسفة. ومن بين أفكار فيتجنشتاين العامة الكبرى، والتي تتعلق بالخطوط العريضة الرئيسة التي يجب أن تتخذها نظرية ناجحة للدلالة، سيكون من المستحيل في الوقت الحاضر اختيار أي منها من شأنه أن يحظى بالإجماع.  غير أني أعتقد أننا نستطيع اختيار بعض الأفكار التي من المجمع عليها أن أي محاولة لبناء نظرية للدلالة يجب أن تتوافق معها ومع الحجج القوية التي قدمها فيتجنشتاين لدعمها.

إحدى هذه الأفكار هي رفض المفهوم الذي وضعه فريجه، وفيتجنشتاين نفسه في كتابه رسالة منطقية فلسفية، والذي يقول إن معاني عبارتنا تُعطى من خلال الشرط الذي تجعلها صادقة أو كاذبة بشكل قاطع، لصالح مفهوم آخر مفاده أن المعنى يجب أن يُفسَّر في إطار ما يُؤخذ على أنه تسويغ justifying)) التلفظ. هذه الفكرة هي التي تكمن في صميم ملاحظاته حول مفهوم اتباع قاعدة(following a rule)  ونقده لمفهوم التعريف الإشاري الخاص (ما يسمى بحجة اللغة الخاصة‘private’ language argument’))، والتي يترتب عليها، كنتيجة لازمة، الطابع الاجتماعي المتأصل في اللغة؛ إن دور اللغة بوصفها وسيلة للفكر، يأتي في المرتبة الثانية بعد دورها بوصفها أداة للتواصل؛ فهي لا تستطيع أن تخدم الغرض الأول ما لم تخدم الثاني؛ ولأنها تخدم الغرض الثاني فإن جوهرها يتجسد في ممارسة اجتماعية، أو مجموعة من الممارسات الاجتماعية، وأن تكون ملكية مشتركة لمجتمع مثل مؤسسة للمال.

ولكن على الرغم من أن هذه الأفكار هي التي يتعين على أي محاولة مستقبلية لبناء نظرية الدلالة أن تتفق معها، فإن عمل فيتجنشتاين لم يقدم أساسا لأي محاولة من هذا القبيل. فمن ناحية، لا ينبغي لنا أن نقلد مثاله في أسلوب التفلسف؛ إذ لم يكن هذا الأسلوب نتاجا لشخصيته الفريدة فقط، بل وأيضا لمبادئه العامة حول طبيعة الفلسفة ذاتها. وكما أوضحت في وقت سابق، فإن هذه المبادئ العامة تقوم على الدعوى القائلة بأن الفلسفة لا تهتم بأي موضوع يمكن وضع نظرية نسقية له؛ فهي لا تسعى إلى إزالة الجهل أو الاعتقاد الفاسد، بل إلى إزالة الحيرة المفاهيمية، وبالتالي، فليس لها شيء إيجابي يمكن أن تضعه محل ما تزيله. وينطوي هذا المفهوم على أن النظرية النسقية لدلالة اللغة مستحيلة. ومن ناحية أخرى، يمكن النظر إلى استحالة النظرية بوصفها المقدمة الوحيدة التي يمكن أن تستمد منها أطروحة فيتجنشتاين حول طبيعة الفلسفة.

 وعلاوة على ذلك، وكما أشرنا سابقا، يبدو أن بعض المقاطع في التحقيقات تقدم أسسا محددة لنفي إمكانية وجود نظرية نسقية للدلالة، وهي تلك المقاطع التي تطعن في شرعية أي تمييز يتوافق مع التمييز الذي وضعه فريجه بين المعنى والقوة. سنخطأ إذا خلطنا بين رفض التمييز بين المعنى والقوة، وبين استبدال التفسير التقليدي للدلالة الذي يقوم على شروط الصدق، بتفسير بديل يقوم على تسويغ التلفظ؛ فاستبدال مفهوم الصدق بمفهوم التسويغ بوصفه المفهوم المركزي لنظرية الدلالة، يتوافق كليا مع الاحتفاظ بتمييز يماثل التمييز بين المعنى والقوة؛ ورفض هذا التمييز الأخير هو الذي يثير التساؤل حول إمكان نظرية نسقية للدلالة.

لست متأكدا من أن فيتجنشتاين كان يعتقد أن التفسير النسقي لعمل اللغة أمر مستحيل. ولكن إذا كان هذا صحيحا، فإنه سوف ينكر بالطبع الادعاء بأن أياً من أفكاره قد وفرت إرشادات لبناء مثل هذا التفسير النسقي، ولكنه على العكس من ذلك سيرى أن هذه الأفكار لابد وأن تمنع أي شخص من القيام بأي مشروع من هذا القبيل. ولكن حتى لو لم يكن صحيحا، فإنه يظل من الواضح أنه في حين نستطيع أن نستخرج من عمله الشروط التي لابد أن تستوفيها أي نظرية ناجحة للدلالة، والتحذيرات من محاولة بناء مثل هذه النظرية على أسس معينة، فإنه لا يقدم لنا أي مخطط لما قد تبدو عليه نظرية صحيحة للدلالة، أو أي استراتيجية أو رسم تخطيطي لاستراتيجية بناء مثل هذه النظرية.

ولهذا السبب أقول إن عمل فيتجنشتاين، على أهميته الجوهرية، لا يزودنا بأساس للعمل المستقبلي في فلسفة اللغة أو في الفلسفة بشكل عام. لقد ذكرت بالفعل أسبابي لافتراض أن النظرية النسقية للدلالة لابد وأن تكون ممكنة: وحتى لو ثبت في النهاية أنها غير ممكنة، فمن المؤكد أننا لا نملك في الوقت الحاضر بصيرة كافية حول ما يجعل ذلك مستحيلا، وبالتالي فسوف نتعلم الكثير مما هو ذو قيمة كبيرة إذا واصلنا في الوقت الحالي مساعينا لبناء مثل هذه النظرية.

إذا صح هذا التحليل، فإن المهمة الملحة التي يُطلب من الفلاسفة القيام بها الآن هي ابتكار ما أسميته ‘نظرية نسقية للدلالة’ (Systematic theory of meaning) أو لنقل، تفسير نسقي لكيفية عمل اللغة لا يضع أي افتراضات مسبقة أو أي مفاهيم دلالة بوصفها مفهومة قبلا، حتى تلك المفاهيم المألوفة مثل مفاهيم الصدق والاقرار. سيتخذ مثل هذا التفسير بالضرورة شكل نظرية، لأنه من الواضح أن إتقان اللغة ينطوي على فهم ضمني لمجموعة كبيرة من التعالقات المتبادلة، ولا يتكون فقط من عدد من القدرات العملية المعزولة من حيث المبدأ. لم نتفق بعد على الصيغة العامة الذي يجب أن تتخذها مثل هذه النظرية للدلالة؛ بيد أننا نفهم، بفضل فريجه في المقام الأول ما يكفي عن بالبنية النحوية العميقة للغتنا، أو متطلبات نظرية الدلالة، بحيث يمكننا أن نشرع في هذا التحقيق كمشروع جماعي، على غرار الكيفية التي تكون فيها التقدمات في العلوم أيضا نتيجة لجهد تعاوني.

تنطبق هذه الملاحظات مباشرة على فلسفة اللغة فقط، وليس على فروع الفلسفة الأخرى؛ لكنني أتحدث بوصفي عضوا في المدرسة التحليلية للفلسفة، والتي لاحظت بالفعل أن المبدأ المميز لها هو أن فلسفة اللغة هي أساس باقي فروع الفلسفة. ولا يعني هذا أن العمل في جميع فروع الفلسفة الأخرى يجب أن ينتظر إكتمال نظرية مرضية الدلالة؛ لا يتماثل البناء النظري مع البناء المعماري، لأننا، في الحالة الأولى، لا نحتاج إلى إكمال الأساس قبل أن نبدأ العمل في الطوابق العليا. لكن هذا يعني، فيما أعتقد، أن صحة أي جزء من التحليل الذي يتم إجراؤه في جزء آخر من الفلسفة لا يمكن تحديدها بالكامل حتى نعرف بيقين معقول ما هي الصيغة الذي يجب أن تتخذها نظرية صحيحة للدلالة في لغتنا.

أزعم أننا قد بلغنا الآن إلى وضع حيث يمكن فيه للبحث عن مثل هذه النظرية للدلالة أن يتخذ طابعا علميا أصيلا؛ يعني هذا، على وجه الخصوص، أنه يمكن أن تتم بطريقة، لا تمنع نشوء النزاعات، لكن يمكن أن حلها بما يرضي الجميع، وقبل كل شيء، يمكننا أن نأمل إيصال هذا البحث في غضون وقت محدود إلى نتيجة ناجحة.

 إن تاريخ الفلسفة نفسه يغري بشدة لتبني وجهة النظر التي عبر عنها مرارا، والتي تفيد أن الفلسفة لا تبلغ نتائج نهائية متفق عليها؛ ولكن توجد أمثلة، على قلتها، مضادة لهذه الأطروحة؛ أي أمثلة على حلول لمشاكل كانت محيرة في الماضي، وقبلت الآن بوصفها جزءا من المعرفة الراسخة؛ وكمثال على ذلك، لسنا بحاجة إلى النظر إلى أبعد من حل فريجه الذي حل مشكلة منطق العمومية بواسطة تدوين المتغير الكمي The quantier-variable))    لا أدعي أنني أعرف ما إذا كانت الأجزاء الأخرى من الفلسفة ستتخذ طابعا علميا مماثلا بمجرد أن نتوصل إلى مفهوم متفق عليه للدلالة، أو أنها ستستمر في الاستكشاف فقط بالطريقة الأكثر عشوائية التي كانت تقليدية في الفلسفة لعدة قرون.

لقد لاحظت أني انزلقت إلى مناقشة ما إذا كان العمل المستقبلي في الفلسفة، من منظور المدرسة التحليلية، يمكن ويجب أن يكون نسقيا أم لا، بمعنيين مختلفين لـلنسقية.  فمن جهة، يكون التحقيق الفلسفي نسقيا إذا كان يهدف إلى صياغة نظرية مترابطة، مثل الأنساق الفلسفية العظيمة التي قدمها في الماضي فلاسفة مثل سبينوزا(Spinoza)  أو كانطKant) ). ومن جهة أخرى، يكون التحقيق الفلسفي نسقيا إذا كان يتبع لمناهج بحث مجمع عليها، وتقبل أو ترفض نتائجه وفقا لمعايير مجمع عليها. هذان المعنيان اللذان يمكن أن يوضع فيهما السؤال حول ما إذا كانت الفلسفة يمكن ويجب أن تكون نسقية أم لا، هما معنيان مستقلان عن بعضهما البعض؛ معظم العلوم الطبيعية، وربما كلها، نسقية بكلا المعنيين. لكن التاريخ مثلا لا يكون نسقيا إلا بالمعنى الثاني، أي أنه هناك مناهج ومعايير مجمع عليها لاختبار ما يُزعم أنه نتائج لهذا التحقيق، وليس بالمعنى الأول، لأن البحث التاريخي لا تصدر عنه أي نظرية مترابطة. عندما كانت الفلسفة في الماضي نسقية، فقد كانت نسقية بالمعنى الأول فقط، وليس بالمعنى الثاني.

 لقد قدمت وجهة النظر القائلة بأنه، على الأقل في فلسفة اللغة، يجب على الفلسفة أن تكون نسقية بكلا المعنيين. يتطلب موضوع هذا الجزء من الفلسفة نظرية مترابطة، وقد وصلنا إلى مرحلة في تحقيقاتنا تم فيها تأسيس الحد الأدنى الذي يجعل من الممكن للبحث المستقبلي أن يسير وفقا لمناهج مجمع عليها نسبيا، وأن يتم الحكم على نتائجه وفقا للمعايير المقبولة.

بالنسبة لأولئك الذين يقدرون ذلك، فقد كان دائما بمثابة استنكار أن الفلسفة خلال الجزء الأكبر من تاريخها، فشلت في أن تكون نسقية بالمعنى الثاني، إلى الحد الذي أصبح فيه السؤال ‘هل يمكن أن يوجد تقدم في الفلسفة؟’ سؤالا أزليا؛ فإذا نظرنا في الفلسفة كما وصفها معظم ممارسيها بوصفها أحد أهم قطاع يبحث عن الحقيقة، فمن المدهش إذن أنها، لم تنجح خلال كل تاريخها الطويل بعد، في إرساء منهجية ومعايير مقبولة، وبالتالي مجموعة من النتائج النهائية المحققة. (بناء على الافتراض نفسه، من المتوقع أن تسمح الحقائق المكتشفة بالبحث الفلسفي لنفسها، بالترتيب في نظرية أو نسق مترابط؛ أي أن الفلسفة يجب أن تكون نسقية بالمعنى الأول من المعنيين، لأن الترابط المتعدد بين جزء من الفلسفة وجزء آخر هي مسألة تجربة فلسفية مشتركة؛ ولكن هذا التوقع لا يثير أي استنكار، لأنه، كما أشرنا سابقا، فإن عمل فلاسفة أفراد أفضى في كثير من الأحيان إلى إنشاء مثل هذه النظريات أو الأنساق).

يجب أن نتوقع من أي نشاط يهدف إلى تأسيس الحقائق أن يكون نسقيا بالمعنى الثاني، لأن مفهوم الحقيقة يقتضي، تحديدا، أن يكون الصدق خاصية موضوعية للقضايا (The propositions) التي تتعلق بها، وبالتالي فإنه حيثما بدا أن المعايير المتفق عليها بشكل عام لصحة أي قضية غير موجودة، فإننا بطبيعة الحال سنشك في أن القضية لا يمكن افتراض أنها قادرة حتى على امتلاك خاصية الصدق. (ومع ذلك، فإن الانتقال من القول بأنه لا يوجد معيار متفق عليه يمكن من خلاله الحكم على صحة القضية ما، إلى القول بأنه لا يوجد مفهوم موضوعي للصدق يمكن تطبيقه على هذه القضية، هو انتقال غير يقيني؛ إذ تظل المسألة لم تحل بعد داخل نظرية الدلالة – والتي كما ذكرت سابقا، هي موطن مفهوم الصدق- ما هي العلاقة الدقيقة بين مفهوم الصدق وقدرتنا على التعرف على قضية بوصفها صادقة ما).

في كل الأحوال، حتى لو لم يؤد الفشل الظاهر للفلاسفة في جعل موضوعهم نسقيا بالمعنى الثاني إلى الشك فيما إذا كان من شأن الفلسفة أن تصل إلى الحقيقة بإطلاق، فإن المشروع بأكمله يبدو بلا جدوى إذا كان هدفه لا يمكن تحقيقه، أو على الأقل، تحقيقه على نحو يرضي معظم ممارسيه. فما الجدوى من إجراء أي تحقيق إذا لم يكن من الممكن معرفة متى تتحقق نتائج هذا التحقيق؟

 تظهر الفلسفة، في هذه الحالة، وضعا غير موات عند مقارنتها بالرياضيات؛ إذ يبدو أن كلاهما يمثلان قطاعات مختلفة في طلب الحقيقة، ويبدو أن كلاهما يتقدم فقط بالاستدلال العقلي، لكن الرياضيات جمعت مجموعة كبيرة من النتائج الراسخة، بينما يبدو أن الفلسفة لا تولد شيئا سوى خلافات لا نهاية لها. هذا الوضع المعيب هو الذي يجعل مثل هذا المفهوم للفلسفة مغريا، على الرغم من أنها لا تهتم على الإطلاق بتأسيس قضايا صادقة، كما هو الحال مع فيتجنشتاين؛ وبناء على هذه النظرة، قد يكون هناك بالفعل تقدم في الفلسفة؛ أي أن الفلاسفة قد أصبحوا أفضل في علاج الحيرات المفاهيمية، دون أن توجد أي مجموعة من المذاهب الراسخة التي تُظهر هذا التقدم.

لقد نافحت في هذا المقال عن وجهة نظر أكثر تقليدية لتصور طبيعة الفلسفة، من وجهة نظر فيتجنشتاين؛ أي وجهة النظر التي تقبل أن تكون الفلسفة طالبة للحقيقة. وإذا قبلت هذه الدعوى، فإن حقيقة فشل الفلسفة طوال تاريخها الطويل في تحقيق منهجية نسقية إنما يتطلب تفسيرا واضحا؛ ولن أحاول هنا تقديم تفسير مناسب لهذه الحقيقة المذهلة؛ فمن فيتجنشتاين نفسه لدينا تشبيه مذهل يوضح كيف يمكننا أن ندعي أن التقدم يحدث في الفلسفة، حتى لو لم يتبق سوى القليل من الأمور المستقرة؛ فهو يقارن النشاط الفلسفي بمهمة إعادة ترتيب الكتب في مكتبة كبيرة بشكل عشوائي، وفي تنفيذ مثل هذه الترتيب يمكن اتخاذ خطوة حيوية بوضع عدد من المجلدات معا على رف واحد، حتى لو بقيت هناك مؤقتا فقط، وعند اكتمال الترتيب النهائي لا يبقى أي من تلك الكتب على ذلك الرف أو معا على أي رف.

لا تعتمد القوة التوضيحية لهذا التشببه على مفهوم فيتجنشتاين الخاص لطبيعة الفلسفة، ويمكن تطبيقه، وإن بقوة أقل على بعض العلوم؛ لكن هذا لا يفسر لما يكون التشبيه أكثر ملائمة عند تطبيقه على الفلسفة مقارنة بأي تخصص فكري آخر؛ ومن المفترض أن التشبيه يكون أكثر ملاءمة للموضوعات التي لا تزال في مراحلها المبكرة؛ لذا فإن ما يحتاج إلى تفسير- وهو التفسير الذي قلت بالفعل إنني لن أحاول تقديمه- هو كيف حدث أن الفلسفة، رغم أنها قديمة قدم أي موضوع آخر، وأقدم بكثير من معظم التخصصات الأخرى، ظلت لفترة طويلة ‘في مراحلها المبكرة’.

إن المراحل المبكرة من أي تخصص تتميز بأن ممارسوها لم يصلوا بعد إلى رؤية واضحة لموضوعه وأهدافه. وإذا كانت الأطروحة التي دافعت عنها في المقال صحيحة، فإن الفلسفة لم تخرج من مرحلتها المبكرة إلى مرحلة النضج إلا مؤخرا جدًا: وكانت نقطة التحول هي عمل فريجه، ولكن الإدراك الواسع لأهمية ذلك العمل كان عليه الانتظار لمدة نصف قرن بعد وفاته، وحتى الآن لا يزال مقتصرا فقط على المدرسة التحليلية. قد يبدو مثل هذا الادعاء للوهلة الأولى سخيفا، إلى أن نتذكر أن المنطق بوصفها موضوعا يكاد يكون قديما قدم الفلسفة، وأنه لم ينضج إلا مع عمل فريجه. إن ما أعطى الفلسفة وحدتها التاريخية، وما ميزها على مر القرون بوصفها موضوعا واحدًا، هي مجموع الأسئلة التي حاول الفلاسفة الإجابة عليها: كان هناك تباين قليل نسبيا فيما تم الاعتراف به على أنه يشكل مشكلة فلسفية.

إن ما تقلب بشكل كبيرا فهو طريقة وصف الفلاسفة لمجموع المشاكل التي يحاولون التعامل معها، ونوع التفكير الذي قبلوه بوصفه إجابات لهذه المشكلات. ففي بعض الأحيان زعم ​​الفلاسفة أنهم كانوا يبحثون بوسائل عقلانية خالصة في الخصائص الأكثر عمومية للكون؛ وفي أحيان أخرى، كانوا يبحثون في عمل الذهن البشري؛ وفي أحيان أخرى، كانوا يقدمون تسويغات، عند وجودها، لمختلف دعاوينا بالمعرفة المتعلقة بأنواع مختلفة من المواضيع. ولم يتم تحديد الهدف الصحيح للفلسفة إلا مع فريجه: أولا، أن هدف الفلسفة هو تحليل بنية الفكر؛ وثانيا، أن دراسة الفكر يجب أن تميز بشكل حاد عن دراسة العملية النفسية للتفكير؛ وأخيرا، إن الطريقة الصحيحة الوحيدة لتحليل الفكر تتلخص في تحليل اللغة. وكما زعمت، فإن قبول هذه المبادئ الثلاثة مشترك بين المدرسة التحليلية بأكملها؛ ولكن خلال الفترة الفاصلة بين زمن فريجه والآن، كانت هناك داخل تلك المدرسة العديد من التفسيرات الخاطئة والتحريفات لتعاليم فريجه الأساسية، واستغرق الأمر ما يقرب نصف قرن منذ وفاته حتى ندرك بوضوح ما تنطوي عليه المهمة الحقيقية للفلسفة، كما تصورها.

إني أعلم أنه من المعقول أن تقابل كل هذه الدعاوي بالتشكك، لأنها وضعت عدة مرات في تاريخ الفلسفة. ولقد دام الافتراء التي أحدثه افتقار الفلسفة إلى منهجية نسقية لفترة طويلة، إذ كان هاجسا مستمرا للفلاسفة بمعالجة هذا الافتقار، وكان وهما متكررا أنهم أنهم نجحوا في القيام بذلك؛ كان هوسرل Husserl)) يعتقد بحماس أنه يمتلك أخيراً المفتاح الذي سيفتح كل باب فلسفي. وكان تلاميذ كانط Kant)) ينسبون إليه إنجاز ابتكار منهجية فلسفية صحيحة؛ وكان سبينوزا يعتقد أنه يفعل للفلسفة ما فعله إقليدسEuclid) ) للهندسة؛ وقبله كان ديكارتDescartes) ) يفترض أنه اكتشف المنهج الفلسفي الوحيد السليم.

لقد ذكرت بضعة أمثلة فقط من بين العديد من الأمثلة على هذا الوهم؛ وبالنسبة لأي شخص خارج الفلسفة؛ فإن الرهان الأكثر أمانا هو أنني كنت أعاني من وهم مماثل عندما قدمت الدعوى نفسها التي ادعاها فريجه. ولكي أفعل ذلك، لا أستطيع أن أقدم سوى الرد العادي الذي يتعين على أي نبي أن يقدمه لأي متشكك: الزمن كفيل بالإخبار. (الأيام حبلى، وستلد كل غريب).