مجلة حكمة
الإيثار الفعال: أعظم خير يمكنك القيام به - بلخضر عبد الباسط

الإيثار الفعال: أعظم خير يمكنك القيام به – بلخضر عبد الباسط


  • تخيل أنك تسير في طريقك المعتاد الى العمل بجانب جسر تحته بركة، لتتفاجئ بطفل يتخبط غارقا فيها. تبحث عن الوالدين أو أي مرافق فلا تجد أحدا، لن يصمد الطفل طويلا. يمكنك إنقاذه بسهولة، لكنك ستفسد حذائك الثمين الذي إشتريته مؤخرا، و ستجعل بدلتك موحلة و مبللة، و بحلول الوقت الذي تنقذ فيه الطفل و تسلمه لأهله و تغير ملابسك تكون قد تأخرت عن عملك.

    ما الذي ستفعله في هذه الحالة؟ هل ستنقذ الطفل من الغرق؟ أم تعتبر نفسك غير مسؤول عن ما يحدث له؟

    غالبية الناس يجيبون بوجوب إنقاذه! لكن ماذا عن الحذاء الغالي و التأخر عن العمل؟ ستتسائل، كيف يمكن إعتبار حذاء و ساعات عمل سببا وجيها لعدم إنقاذ حياة الطفل؟

  • لكن للأسف هذا بالضبط ما يحدث كل يوم في العالم، يموت سنويا 5,2 مليون¹ طفل قبل بلوغهم خمس سنوات، 10 أطفال كل دقيقة، بمعدل 15 ألف طفل يوميا (تخيل ملعبا متوسط الحجم ممتلئ بالأطفال) ليس بسبب أمراض معقدة و مستعصية على العلاج، بل لأسباب بسيطة تسهل الوقاية منها و علاجها كسوء التغذية، الإسهال، الجفاف، الحصبة و الملاريا..

  • هل ترى أي فرق بين إنقاذ الطفل من الغرق و إنقاذ هؤلاء الأطفال؟ فكر في كل الأموال التي بذرتها على أشياء لا تحتاجها (ملابس و عطور فخمة، عطل باهظة.. بل حتى شراء المياء المعدنية رغم صلاحية مياه الحنفية) و التي كان يمكن أن تنقذ أطفالا من الموت حرفيا. الجميع مستعد لمساعدة الطفل الغريق لكن موت آلاف الأطفال لأسباب تافهة لا يثيرنا. لا يوجد أي مبرر مقبول لإستثناء معاناة أشخاص في مكان بعيد عنا، بالتالي فلا فرق بين الشخص الذي يمتنع عن تقديم مساعدات لهؤلاء الأطفال و من يمتنع عن إنقاذ الطفل الغريق.

    • يسرد فيلسوف الأخلاق الشهير بيتر سنغر “قصة البركة“² لينبهنا للترابط الموجود بينها و بين موت آلاف الأطفال يوميا لأسباب يمكن تفاديها، و يحيل الى مفهوم “Easy Rescue“الإنقاذ السهل” و الذي يعني أنه “إذا كان بإمكانك إنقاذ شخص بدون خسائر كبيرة من جانبك، فيجب عليك ذلك”. إذن كل من يرى وجوب إنقاذ الطفل من الغرق يجب أن يرى ضرورة إنقاذ هؤلاء الأطفال أيضا.

    • يحبذ غالبية البشر فعل الخير، و يحاولون فعل شيىء إيجابي لتقليل المعاناة في العالم، لكن لماذا يجب أن نكتفي بالقيام ببعض الخير المتقطع والعشوائي حين يمكننا القيام بشىء أعظم؟ تسمى الفلسفة النبيلة التي تتبنى هذه النظرة “بالإيثار الفعال” “effective altruism و يعتبر سنغر من روادها.

    “أن تكون متفرجا على المعاناة ليس خيارا مطروحا” جيم غرينباوم


▪︎التعريف:


• يعتبر الإيثار الفعال Effective Altruism³ فلسفة و حركة إجتماعية تستخدم الدليل و المنطق لتحديد أكثر الطرق فعالية لتحسين العالم و جعله مكانا أفضل، تشجع الناس على التفكير الأخلاقي و التصرف بناء على هذا التفكير. لعيش حياة أخلاقية، لا يكفي أن تمتنع عن الكذب و السرقة و القتل.. لكن يجب أن تشارك مواردك في حال إمتلاكك أكثر من إحتياجك مع أشخاص تعتمد حياتهم على ذلك.

• المفهوم مكون من كلمتين، الإيثار و هو عكس الأنانية و يعني الإهتمام بمصالح الآخرين بنفس قدر إهتمامنا بمصالحنا الشخصية. الفعالية و تعني القيام بأعظم خير ممكن بواسطة الوسائل المتاحة و تبرير ذلك بالمنطق و الأدلة النوعية بدل الإكتفاء بالحدس و الشغف.

▪︎ما الذي يفعله المُؤْثرون الفعالون؟

• يهتم المُؤْثرون الفعالون برفاه الآخرين، و يحاولون إستخدام أكثر الطرق فعالية للقيام بأكبر خير ممكن لتحسين العالم، عن طريق زيادة سعادة البشر و تقليل معاناتهم. فهم يتجنبون حياة البذخ ليتمكنوا من التبرع بأجزاء معتبرة من مداخيلهم (غالبا 10%) للمنظمات الخيرية الأكثر فعالية، يختارون المسارات المهنية الأكثر قدرة على التأثير الإيجابي، ينشؤون مؤسسات تطوعية ذات كفاءة و ميتا-مؤسسات لتقييمها و الدعاية لها، يناقشون و ينشرون فكرة الإيثار الفعال في محيطهم، و يتبرعون بأجزاء من أجسامهم كالدم و النخاع و حتى الكلى للغرباء.

“تتمثل ثروة الشخص الحقيقية في الخير الذي يقوم به تجاه هذا العالم” جبران خليل جبران

▪︎الفقر العالمي و إنتهاك حقوق الإنسان

• يزعم بعض ميسوري الحال أنهم لم يتسببوا في فقر و معاناة الشعوب الفقيرة، و بالتالي فهم غير مجبرين أخلاقيا على مساعدتهم، إن حدث و تبرعوا لهم فذلك من باب النافلة و ليس واجبا! يجادل الفيلسوف الألماني توماس بوغي⁴ Thomas Pogge أن إدعائهم خاطىء، و يعتبر الفقر و الجوع و انعدام الرعاية الطبية و غيرها في هذه الدول كإنتهاكات مباشرة لحقوق الإنسان، يتسبب فيها و بشكل مباشر النظام الإقتصادي العالمي بقوانينه و مؤسساته و الذي يساهم في تراكم ثروة الأغنياء ما يترتب عنه غالبا إفقار الدول النامية. مثلا، يُعتقد أن منظمة التجارة العالمية تساهم بشكل فعال في إنقاص الفقر العالمي و تحسين الإقتصاد العام، و هذا ما حدث فعلا بالنسبة للدول متوسطة القوة الإقتصادية كالصين و الهند و البرازيل.. لكن في المقابل لم تستفد الدول ذات الإقتصاد الضعيف من هذا النظام، بل بالعكس كانت ضحية لنقاطه العمياء، مما إستنزف ثرواتها و ساهم في تفقيرها.

• يدعي Pogge إمكانية بناء مؤسسات بقوانين أفضل بكثير من المعتمدة حاليا لتوزيع مقبول للثروة، لذلك فعدم تغييرنا للنظام الحالي يعتبر بشكل أو بآخر إنتهاكا لحقوق الإنسان. مثلا الحرب الأهلية في الكونغو و علاقتها بتجارة الألماس، حيث تتقاتل المليشيات لكسب المزيد من المناجم لبيع المزيد من الألماس لشراء المزيد من الأسلحة و هكذا.. يساهم النظام العالمي في هذه الكارثة عن طريق إستغلال هذه الحرب و تمويلها بشراء الألماس من قادة هذه المليشيات!

• يصبح إكتشاف الثروات في هذه البلدان لعنة و لا يعود عليها بالخير المنشود. مثلا غينيا الإستوائية ثالث مُصدر للبترول في جنوب صحراء إفريقيا، رغم ذلك فإنها تعاني من الفقر و إنتشار الأمراض.. ذلك لأن النظام الإقتصادي العالمي يسمح بشراء البترول من حكومتها الدكتاتورية و التي تكدس الثروة رغم علمه بذلك، و يساهم إذن في إنتهاك حقوق إنسان المواطن الغيني. نقطة أخرى و هي الإحتباس الحراري، والذي تتسبب فيه بشكل كبير الدول القوية إقتصاديا بينما تعاني الدول الضعيفة من ويلاته.

• ما يحاول Pogge قوله هو أن النظام الإقتصادي العالمي الذي يساهم في تراكم ثروة الأغنياء هو نفسه من يساهم في تفقير الدول النامية و إنتهاك حقوق سكانها، فلا يمكنك كغني التنصل من أي مسؤولية إتجاه الفقر العالمي، و يمكنك بدل ذلك محاولة تعويض ذلك عن طريق التبرع المباشر للقيام بأعظم خير ممكن لسكان هذه الدول.

“حينما أدركت إمكانية التبرع بثمن عضويتي الباهض في الصالة الرياضية لعلاج عمى الأطفال، الفكرة الوحيدة التي سيطرت علي هي؛ لماذا لم أفعل ذلك من قبل؟” الفنان رشال مالي

▪︎كيف يمكننا القيام بأعظم خير ممكن؟

• ما مقدار الخير الذي تقوم به المنظمات بالأموال التي تتلقاها من التبرعات؟ كانت الإجابة قبل سنوات على هكذا سؤال مستحيلة، حيث أن عملية تقييم الأعمال الخيرية و دراستها كانت جد محدودة، زيادة على كون غالبية التبرعات مبنية حصرا على العواطف، فأكثر من ثلثي المتبرعين لا يجرون أي بحوث قبل العطاء.⁵

• هذا ما دفع Elie Hassenfeld وHolden Karnofsky لإنشاء مؤسسة Givewell⁶ ، وهي ميتا-منظمة، تختص في تقييم المؤسسات الخيرية وفق معايير واضحة و محددة، حيث تستخدم نماذج لتحليل الفعالية من حيث التكلفة و تجري تجارب عشوائية مضبوطة RCT لدراسة التأثير على أرض الواقع و تقوم بمقابلات و زيارات مكثفة للجمعيات الخيرية.. لتقدم سنويا توصيات مبررة للمنظمات الأكثر شفافية و التي تقوم بأفضل خير ممكن بتبرعاتك.

• في تقريرها لهذا العام، تصدرت منظ8مة “دواء للوقاية من الملاريا” القائمة. فالملاريا تقتل 400000 شخص سنويا، غالبيتهم أطفال في جنوب الصحراء الكبرى الإفريقية. يمكن لتبرعك ب7 دولارات فقط أن يوفر الدواء الموسمي الذي سيقي طفلا من الإصابة بهذا المرض الطفيلي و يجنبه المعاناة، 5 دولارات كافية  لشراء ناموسيات تمنع البعوض من نقل المرض للأطفال..

• كما يمكن لدولار واحد أن يوفر المكملات الغذائية لنقص فيتامين A و الذي يتسبب في وفاة 200000 طفل سنويا.

• يعاني ملايين الأطفال في إفريقيا من الديدان الطفيلية، و التي نادرا ما تصاب بها الحيوانات في العالم المتقدم! تبرعك ب 100 دولار كفيل بعلاج 100 طفل و تحسين نوعية حياتهم.

“يعتبر التبرع بالمال بكفائة و ذكاء، في نفس درجة صعوبة كسبه” أندو كارنيجي

• تعاني حوالي مليوني إمرأة في إفريقيا، آسيا و أمريكا اللاتينية من ناسور الولادة Obstetric Fistula، وهي حالة طبية تلاحظ بعد الولادات الطويلة و المعقدة. حيث تتشكل فتحة بين المهبل و المستقيم أو المثانة، الأمر الذي يتسبب في تسرب مستمر للبول، البراز و الغازات عن طريق المهبل.

(https://youtu.be/hJHFifCmbuo يستحسن إضافة هذا الفيديو لتوضيح مخلفات المرض)

ذ دقيقة من وقتك و فكر في عواقب مرض بهذا الشكل على النساء في المناطق النائية!

• يمكن الوقاية من هذه الحالة و علاجها جراحيا بشكل فعال. هذا ما تقوم به مؤسسة الناسور الخيرية⁷ Fistula Fondation، بتوفير العلاج الطبي، الجراحي و النفسي للنساء المصابات بهذا المرض، حيث يمكن لتبرعك أن يقلب حرفيا حياة مئات الآلاف من النساء في 26 دولة و يعظم من سعادتهن.

• يدعم المؤثرون الفعالون القيم السامية كالعدل و الحرية و المساواة..و يسعون لترسيخها كونها ضرورية لبناء مجتمعات أفضل. كمثال للتغييرات الجيوسياسية؛ إكتشف سنة 2007 البترول و الغاز في غانا، لتباشر مؤسسة Oxfam⁸ جهودها للضغط على الحكومة، البنك الدولي و صندوق النقد الدولي لدعم حملة “البترول لدعم الزراعة”، لتنجح في توجيه 15% من عائدات المحروقات سنويا للإستثمار الزراعي و محاربة الفقر و المجاعة في البلد.

▪︎المسارات المهنية الأكثر تأثيرا

• ستقضي في المتوسط 80000 ساعة في عملك، كيف يمكنك إستخدام كل هذا الوقت الثمين لجعل العالم مكانا أفضل؟ دفع هذا التساؤل Will macaskill لإنشاء منظمة 80000 ساعة⁹ “80000 hours”  ، ففكرة وجود مسارات مهنية أكثر تأثيرا و فعالية من أخرى حفزته على دراسة هذه المسارات و مقارنتها تجريبيا ثم مساعدة الناس على إختيار أفضلها و التي تمكنهم من القيام بأعظم خير ممكن.

إختيار الوظيفة المناسبة أمر معقد، خاصة حين نأخذ في الإعتبار أننا غالبا ما سنقضي فيها بقية حياتنا. ستعتقد أن أفضل مهنة تأثيرا إيجابيا هي المشاركة المباشرة في القطاع الخيري، لكن هذا غير صحيح بالضرورة! حيث يمكنك القيام بخير أكبر بكثير في حال إنتهاج فكرة “Earn to Give” “الكسب للعطاء”، عن طريق التوجه الى القطاع الإقتصادي أو البنكي.. و الحصول على وضيفة بدخل عال ثم التبرع بجزء معتبر الى المنظمات الفعالة.

• تنوه هذه المنظمة الى تهافت الفكرة الدارجة “إتبع شغفك” لإختيار المهنة، لأن القرار غالبا ما يكون غير عقلاني و مبنيا على الحدس حصرا، كما أن شغفنا غير ثابت لأن أفكارنا تتغير بمرور الزمن، و تقدم بدلها 3 معايير¹⁰ لتوجيهنا الى المهنة المنشودة؛
1. إختر القضايا عالية الفعالية، تتميز هذه القضايا بكونها جد مهمة بالنسبة للتجربة البشرية، مع ذلك فهي مُهملة و لا تحظى بالدعاية الكافية. من الأحسن أن تكون قابلة للحل نظريا.
2. أحصل على النفوذ: كلما زادت قوتك، زاد تأثيرك الإيجابي، لذلك من الأفضل الإتجاه الى المناصب الإدارية و الإقتصادية العليا حيث يمكنك التاثير بشكل كبير.
3. إفعل شيئا لا يمكن أن يحدث بدونك؛ أن تعمل في المجال التطوعي يعني فقط أنك تأخذ منصب شخص آخر كان يمكن أن يحل محلك، لأن الطلب عال على هذه المناصب. أما اذا إكتسبت المهارات الكفاية للعمل في مجال بحثي أو إقتصادي، فإن فرص تعويضك من قبل شخص آخر بنفس أفكارك ضئيلة جدا.

(https://youtu.be/MKlx1DLa9EA من الأفضل إضافة هذا الفيديوا)

“بدلا من عبارة “إتبع شغفك”، فإن شعارنا لمهنة مُرضية هو: كن جيدا في فعل شيىء يساعد الآخرين بكفائة، أو ببساطة؛ كن فاعلا” بانجامان تود

من المسارات المهنية المرشحة؛¹¹

• البحث في مجال سلامة الذكاء الإصطناعي في الأوساط الأكاديمية و الصناعية.
• سياسة المخاطر البيئية.
• الوظائف الحكومية العليا .
• التخصص في العلاقات الصينية و الروسية.
• الأمن المعلوماتي.

• بخصوص الطب¹²، و على عكس المتوقع تعتبر المنظمة هذه المهنة ذات تأثير متواضع -رغم إرتفاع الأجر و الرضى العام للممارسين- كون دراستها جد مكلفة و تنافسيتها العالية، كما أن الأشخاص الذين من المحتمل أن ينجحوا في الطب غالبا ما يكون لهم تأثير أكبر خارج هذا التخصص، لذلك توصي المنظمة بالنظر الى مسارات أخرى أكثر كفاءة. بالنسبة للأطباء، أكثر المجالات تأثيرا هي البحوث البيوطبية، الصحة العمومية، السياسات الصحية و المناجمنت و إدراة الصحة، أو يمكنهم في حالة حصولهم على دخل الجيد ممارسة الكسب للعطاء.

▪︎التقمص العاطفي و الإيثار الفعال

• يميل البشر عموما الى معاملة الغرباء أسوء بكثير من أعضاء مجتمعهم، يمكن أن نفهم و نفسر ذلك تطوريا، كون الأخلاق تطورت داخل مجموعات صغيرة لتساهم في تماسكها و بالتالي بقائها.
يلعب التقمص العاطفي¹³ دورا مهما في الإيثار، و يعرف “بالقدرة على الفهم و الإحساس بما يشعر به الآخرون”، يجب أن ننوه الى وجود فرق بين الشعور بأحاسيس الآخرين و فهمها، فالأول عاطفي أما الثاني فله بعد معرفي. البعد العاطفي للتقمص مفيد في غالبية الأحيان و يصل الى أقصاه اذا تمكنا من التماهي مع الفرد عن طريق التعرف عليه و التواصل معه، حيث يميل الناس الى التعاطف و العطاء أكثر اذا شاهدوا مثلا صورة طفل من نفس بيئتهم و عرفوا إسمه و عمره و بعض المعلومات عن معاناته، بينما إخبار الناس بمعطيات إحصائية عن معاناة آلاف الأطفال من الجوع و العطش لا تؤدي الى نفس التأثير، حيث نحتاج الى درجة عالية من البعد المعرفي للتقمص.

• لا يحتاج المؤثرون الفعالون الى ذلك الشعور العاطفي الغامر ليتصرفوا، بل يمكن أن تؤدي العاطفة غير المعقلنة الى نتائج عكسية، ففي دراسة¹⁴  طريفة عرضت صورة طفلة مرفوقة بإسمها و عمرها، ثم أخبر المشاركون أنها في حاجة الى دواء باهض تكلفته 300000 دولار لإنقاذ حياتها، مجموعة ثانية عرضت عليهم صور 8 أطفال مع ذكر جميع معلوماتهم و قيل للمشاركين أن 300000 دولار هو المبلغ اللازم لإنتاج دواء لعلاجهم. طلب من المجموعتين التبرع و النتيجة أن المجموعة الأولى التي عرضت عليهم صورة الطفلة الواحدة تبرعت أكثر من مجموعة 8 أطفال! غالبا لأنهم تمكنوا من التعاطف مع الطفل الواحد لكنهم لم يتمكنوا من التعاطف كفاية مع 8 أطفال.
هذه النتيجة غير مرضية و غير مبررة تماما بالنسبة للمؤثرين الفعالين، و تثبت أن النوايا الحسنة حصرا غير كافية لإحداث تأثير ملموس، إذا كان الشق العاطفي للتقمص مسؤولا عنها فيجب إعادة النظر فيه.

• يعتبر المُؤْثرون حياة الغرباء في نفس درجة حياة من يحبونهم، حيث يمكنهم فصل أنفسهم و لو جزئيا عن منظوراتهم الشخصية و النظر الى القضايا الأخلاقية من منظور الكون” the point of view of the” universe” فيهتمون بإحصائيات الأشخاص المحتاجين للمساعدة بدل الإستثارة العاطفية الناجمة عن مساعدة شخص واحد بعينه، يدعي سنغر في كتابه “أعظم خير يمكنك القيام به”The most good you can do” أن هذا راجع الى قدرات عالية في التفكير المجرد، و يستدل بأبحاث¹⁵ Joshua Greene في علم نفس الأخلاق و نظريته “Dual process theory“، حيث يُشَبه الطريقة التي يتخذ بها معظم الناس أحكامهم الأخلاقية بعملية إلتقاط صور بكامرا تأتي عادة في وضع التصوير الأوتوماتيكي، و لكن يمكن تغيير إعداداتها الى الوضع اليدوي. فعندما نواجه مواقف تستدعي القيام بأحكام أخلاقية، عادة ما يكون لدينا رد فعل سريع و حدسي يخبرنا بأن شىء ما خاطىء و عادة ما ينتج عنه أحكام جيدة في الضروف العادية، تماما مثل الوضع الأوتوماتيكي للكاميرا و التي تنتج صورا مقبولة في ضروف الإنارة العادية. لكن في حالات نادرة و معقدة يمكن أن تضللنا و من الأفضل أن ننتقل الى الوضع اليدوي بوضع الحدوس جانبا و التفكير ببطىء و عقلانية، تماما مثل تغيير الكاميرا الى الوضع اليدوي في الظلام. تم تصميم الكاميرا الأوتوماتيكية لتمكن أشخاص غير محترفين من التصوير الجيد في معظم الضروف، و هكذا تطورت حدوسنا الأخلاقية، لكن يمكن أن نتجاوزها في بعض الحالات خاصة تلك التي تحتاج الى الوضع اليدوي الأخلاقي. يمكن أن يكون المؤثرون الفعالون أكثر قدرة على إستخدام هذا الوضع للقيام بأحكامهم الأخلاقية، هذا لا يعني أنهم آلات حسابية باردة بدون شغف و لا ينقص من قيمة التعاطف، هم فقط أكثر عقلنة لعواطفهم.

“لا يكمن أفضل أمل لدينا في المستقبل في جعل الناس يفكرون في البشرية جمعاء كأسرة، هذا غير ممكن. بدل ذلك يجب أن ندرك حقيقة أنه حتى و إن لم نتعاطف مع الغرباء البعيدين عنا، فحياتهم لها نفس قيمة حياة من نحبهم” عالم النفس بول بلوم.

▪︎الإيثار و السعادة

• تشير معظم الدراسات الى وجود علاقة متبادلة بين العطاء و السعادة، فالمتبرعون عادة ما يكونون أكثر سعادة من غيرهم كما أن السعداء عادة ما يتبرعون أكثر.
إستعمال المال لشراء الرفاهيات لن يجعلك أسعد مثل إستعماله في مساعدة الآخرين، فصرف المال على المحتاجين يحسن الرفاه العام، في دراسة ضخمة¹⁶، سؤل أشخاص من 136 دولة مجموعة أسئلة منها “هل تبرعت بجزء من أموالك لجمعية خيرية الشهر الماضي” ثم طلب منهم تقييم درجة سعادتهم على مقياس من 10 درجات، النتيجة ترابط قوي بين العطاء و إرتفاع التقييم الذاتي للسعادة لدرجة أن الفرق بين المتبرعين و غير المتبرعين في درجة السعادة مساوي للفرق الناتج عن مضاعفة الدخل! و المدهش أن هذا التأثير الإيجابي على الصحة النفسية موجود أيضا عند المتبرعين بكليتهم لأشخاص غرباء¹⁷!

•يساهم العطاء أيضا في تجاوز تكيف المتعة ¹⁸Hedonic Adaptation و هو أن يرغب الإنسان في هدف معين، فيرتفع مستوى سعادته بعد بلوغه، ثم يعود بعد مدة الى مستوياته العادية. بمعنى آخر نحن نميل الى العودة الى مستوى ثابت من السعادة بمرور الزمن مهما حققنا من رغبات، فتصبح الأشياء التي رغبنا فيها بشدة غير قادرة على إسعادنا، فنرغب في أشياء أخرى و هكذا دواليك! ممارسة العطاء الدائم و الإمتنان وسيلتان فعالتان لتجاوز هذا الميكانيزم الخفي للحصول على سعادة مستدامة.

  • بالنسبة لدراسات الدخل المالي و الرضى العام¹⁹، فتثبت و بشكل دائم أن زيادة الدخل بالنسبة للأشخاص ذوي الدخل المنخفض تساهم في زيادة سعادتهم حتى يصلوا الى عتبة الأمان المالي بسد حاجياتهم الأساسية، و هذا متوقع. غير المتوقع هو كون أي زيادة في الدخل بعد هذه العتبة لها تأثير طفيف أو ليس لها أي تأثير ملحوظ على درجة السعادة!

    • يمكن لهذه الدراسات أن تفسر إدعاء معظم المتبرعين بأنهم يحضون بمعنى عميق لحياتهم و شعورا غامرا بالرضى و الهناء. بالنسبة لتقديرهم العالي لذواتهم، يرجع ذلك في الغالب الى حياتهم الأخلاقية و التي تستلزم رغبتهم في جعل العالم مكانا أفضل. فلا يمكن أن يمتلك الشخص العقلاني تقديرا مقبولا للذات بينما يتجاهل مصالح الآخرين و معاناتهم. بتعبير آخر وجود تناسق بين قيم و أفعال المُؤْثرين الفعالين يعزز من تقديرهم لذواتهم.

    ” أعتقد أن الحياة التي أنقذها بتبرعي هي حياتي الخاصة” شارلي بريستر

    • يجب أن ننوه الى أن الإيثار الفعال لا يستلزم بالضرورة التضحية بالمصالح الشخصية، حيث لا ينظر الى المتبرعين السعداء كأشخاص أنانيين، بل ينظر عادة الى نتائج أعمالهم بدل نواياهم، فالشعور بالرضى و الإنجاز بفعل الخير لا يقلل من قيمته. يقول سنغر أنك اذا كنت محفزا بفكرة جعل العالم مكانا أفضل عن طريق القيام بأعظم خير ممكن، فأنت تمارس الإيثار الفعال. إذا تصادف ذلك مع زيادة في سعادتك و تحسن في نوعية حياتك فذلك جيد للجميع، عصفوران بحجر واحد.

 

 

 

▪︎هل بعض القضايا أفضل من أخرى؟

• يعرض سنغر²⁰ بعض توصيات المنظمة الشهيرة Rockefeller Philanthropiy Advisor. ثم ينتقد جوابهم على سؤال “ما هي القضية الأكثر إلحاحا للعطاء الآن” بعبارة “من الواضح أنه لا توجد إجابة موضوعية على هذا السؤال!” و يجادل بوجود إجابة موضوعية مُلزِمة. فلنفترض أنك تريد التبرع بمبلغ مالي معتبر لأفضل قضية ممكنة، متحفكم المحلي يطالب بمساعدات لإعادة تهئيته، في نفس الوقت يصلك ايميل لمنظمة تطالب بمساعدات لعلاج عمى الأطفال الناتج عن عدوى الرمد الحبيبي Trachoma، كما ترى يمكن لتبرعك إما أن يحسن التجربة الفنية لسكان مدينتك أو يوفر علاجا لآلاف الأطفال مع تحسين نوعية حياتهم و عائلاتهم. الخيار الأفضل واضح، أليس كذلك؟

  • التوقف عن التبرع للفنون لن يهدد وجودها عكس حياة آلاف الأطفال الذين تعتمد حياتهم على ذلك.

    في عالم يتمتع فيه الجميع بما يكفي من حاجياتهم الأساسية، لن تكون هناك مشكلة في التبرع لدور الأوبرا و المتاحف، لكن للأسف و كما يعلم الجميع نحن لا نعيش في هكذا عالم!

    “إذا لم يكن الفن موجها للقضايا الإجتماعية، سينغمس في الملذات تماما مثل الجنس بدون حب”

    الفنان جيف كونز

    • وجود قضايا أفضل موضوعيا لا يعني أبدا سهولة تحديدها، مثلا هل الأولوية لعلاج عمى الأطفال أم لإشباع جوعهم؟ دعم برامج تعليم النساء أم حمايتهم من الإغتصاب؟ التبرع للحد من التغير المناخي أم لمواجهة خطر “المتفردة- Singularity” في الذكاء الإصطناعي؟ كما ترون فإن الإختيار بين هذه المجالات جد معقد و إشكالي خاصة مع محدودية الموارد، توجد بعض الطرق الواعدة للموازنة بين التكلفة و النجاعة، على غرار طريقة المعتمدة من منظمة الصحة العالمية DALY (سنوات الحياة الصحية المفقودة) لمقارنة و إختيار القضايا الأكثر إلحاحا و فعالية، لكنها جد خلافية. لا يعود السبب في صعوبة المقارنة بين هذه القضايا الى نوع من النسبية الأخلاقية، بل هو راجع أساسا لعدم وفرة المعلومات و الحقائق الكافية للتقرير المبني على الأدلة²⁰.

    ▪︎الإيثار الفعال و معاناة الحيوانات

    • يموت كل عام ملايين الحيوانات في المزارع، ليس لإطعامنا بل قبل أن نتمكن حتى من ذبحها! بسبب الضروف السيئة التي تعيش فيها، و يقتل البشر كل شهرين عدد حيوانات -بإعتبار الأسماك- مساوي لعدد البشر الذين عاشوا على هذا الكوكب -108 مليار- منذ وجود نوعنا!²¹

    • يتبادر الى الذهن مع معرفة هذه الحقائق الصادمة سؤالان، الأول معرفي “هل تعاني الحيوانات مثل البشر؟” و الثاني أخلاقي “هل معاناة الحيوانات مهمة بقدر معاناة البشر؟”

    يجادل سنغر في بأن معاناة الحيوانات مهمة بقدر معاناتنا، ويزعم أن اللاإكتراثيين بخصوص آلام الحيوانات فقط لأنهم ليسوا من جنسنا مخطؤون بإنحيازهم الحصري و الإعتباطي الى نوعنا، و يصف ذلك بالتمييز بين الانواع²² Speciesism و يزعم أنه في نفس درجة التمييز العنصري و الجنسي، لأن العامل المشترك بين هذه التحيزات كونها لا تكترث بأولئك الذين ليسوا “نحن”!

    يعتبر معارضون آخرون أن البشر كائنات أكثر عقلانية، إستقلالية و إدراك للذات من الحيوانات الأخرى، هذا يبرر إعطائنا لقيمة أكبر لمصالحنا على حساب مصالحها.

    لكن هنالك بعض البشر بقدرات أقل من بشر آخرين، قارن مثلا جنينا بشريا حديث الولادة بكلب بالغ أو بين شمبانزي و بعض المصابين بإعاقات فكرية!

    حقيقة وجود حيوانات في نفس المستوى الفكري لبعض البشر أو متجاوزة له في بعض الأحيان تهدم حجة التفوق الفكري و الإدراكي للبشر، بمعنى آخر نحن نخطىء أخلاقيا في حق الحيوانات حين نقلل من وزن مصالحها مقارنة مع مصالح بعض البشر²³.

    “كل الحجج التي تهدف الى إثبات تفوق البشر تفشل في تجاوز هذه الحقيقة المرة؛ معاناة الحيوانات في نفس درجة معاناتنا” بيتر سنغر

    • حين تتضح الصورة، يجب أن نبدأ في محاولة التقليل من معاناة الحيوانات أو على الاقل الموازنة بين مصالحنا و مصالحها. يجادل بعض المؤثرين الفعاليين ان تقليل معاناة الحيوان من بين أولويات الإيثار الفعال، ذلك راجع للكم الضخم للآلام اليومية مقارنة بالكلفة المنخفضة نسبيا لإحداث تغيير دلالي. يتم ذلك على الأقل عن طريق تشجيع الناس على التقليل من تناول اللحوم و التصدي القانوني للمزارع المنتهكة للمعايير الأخلاقية..

    “نحن نراهن حرفيا بمستقبل كوكبنا رغبة في الهامبرغر” بيتر سنغر

▪︎الإيثار الفعال و الأخطار الوجودية

• يدعونا الفيلسوف البريطاني ديريك بارفيتDerek Parfit الى تخيل 3 سيناريوهات ممكنة²⁴:

1- السلام العالمي التام.
2- حرب نووية تقتل 99% من البشر.
3- حرب نووية تقتل 100% من البشر.

• مؤكد أن السيناريو الثاني أسوء من الأول، و الثالث أسوء من الثاني. لكن أي فرق بين السناريوهين أكبر؟
يظن غالبيتنا ان الفرق بين 1و2 أكبر من الفرق بين 2و3، لكن لسنغر²⁵ رأي آخر حيث يجادل ان الفرق بين 2و3 أكبر بكثير! لأنه يتضمن فناء الحياة البشرية تماما (بما في ذلك البشر المولودين و الأجيال القادمة المحتملة) مع الأخذ في الإعتبار التحسينات الحتمية التي كانت ستطرأ على التجربة البشرية بفضل التقدم المعرفي و الأخلاقي المستمر، كما أن الأرض ستضل قابلة للعيش على الأقل لملايين السنين. هذا ما يجعل إنقراض البشر واحدة من أسوء الكوارث أخلاقيا إن لم يكن أسوأها.

• إذا كنا مهتمين بجعل العالم مكانا أفضل، فلا يجب أن نهمل خطرا صغيرا قد يؤدي الى كارثة عظمى، قد تكون إحتمالية إنقراض البشر ضئيلة في الوقت الراهن، لكن ذلك شيىء سيىء جدا لدرجة تبرر وجود فرع للموضوع في حركة الإيثار الفعال. إذن ماهي الاخطار الوجودية الأكثر إلحاحا؟ و كيف يمكن مقاومتها؟

• تحدد وكالة ناسا NASA²⁶ إحتمال حدوث تصادم بين الأرض و نيزك عملاق ب “مرة كل 100000 سنة أو أقل غالبا”، فرص هذا الإصطدام بحساب بسيط هي 1/1000 خلال القرن القادم، لذلك يوجد برنامج مدعوم من NASA لبحث و تتبع الأجرام المرشحة لتشكيل خطورة، إذا حدث الآن و إكتشفنا شيئا قد يهدد وجودنا فنحن لا نمتلك التكنولوجيا الكافية لتجنب الكارثة! هذا ما يبرر التبرع و البحث لإنشاء هذه التكنولوجيا.

“إنقرضت الديناصورات لأنها كانت تفتقر الى أبهام اليد، و الى القدرة العقلية لبناء برنامج فضائي” عالم الفلك نيل دغرايس تايسون.

• من الأخطار الوجودية الأخرى؛ الحرب النووية، جائحة عالمية طبيعية مثل جائحة كورونا أو ناجمة عن إرهاب بيولولجي، التلوث و الإحتباس الحراري، خروج النانو تكنلوجيا عن السيطرة (gray goo)، أبحاث الفيزياء القادرة على إنتاج مواد غريبة شديدة الكثافة و أخيرا خطر المتفردة في الذكاء الإصطناعي.. تستحق كل هذه الأخطار على الأقل إلتفاتة لسوء نتائجها الصارخ.
لكن إذا كانت مواجهة خطر إنقراض البشر بهذه الأهمية فلماذا لا يحظى الموضوع بالزخم المطلوب؟ يقول الفيلسوف السويدي Nick Bostrom²⁷ أن ذلك راجع لعدة أسباب من بينها أنه لم يسبق لنا أبدا كبشر أن واجهنا خطر الإنقراض في تاريخنا الحديث، كما أن إفتقار الموضوع لضحايا مُعَّيَنيين و مسؤولين مباشرين ينقص من تأثيره النفسي..

• يزعم العديد من المؤثرين الفعالين أن تقليل الأخطار الوجودية هو أكثر القضايا إلحاحا لأنه يتضمن خسارة عظمى غير قابلة للتعويض، لهذا وجب ان يكون من بين أولوياتنا، مع ذلك فإن ندرة الموارد و محدوديتها، و وجود الكثير من المعاناة البشرية و الحيوانية.. يعني أن كل دولار موجه لقضية الأخطار الوجودية هو دولار ناقص من غذاء الأطفال الفقراء و علاجهم الشحيح أصلا! لهذا فالقضية جد إشكالية و لا وجود لحل نهائي²⁸.

▪︎العمل الخيري في العالم العربي

“لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” حديث شريف

يعتبر العطاء سلوكا متجذرا في الثقافة العربية²⁸، فتاريخ المنطقة العربية حافل بفعل الخير. ففي إستبيان “العطاء العربي” ³⁰Arab Giving Survey تَبين أن 9  من أصل 10 أشخاص قاموا بالتبرع السنة الماضية. يلعب الدين الإسلامي دورا محوريا، حيث يشجع على فعل الخير عن طريق الصدقات، الزكاة و الأوقاف ..

مع ذلك، يمكن أن نلحظ بسهولة غياب التنظيم و الفعالية، حيث أن غالبية التبرعات فردية و عشوائية، و غير مبنية على الأدلة، و بالتالي فهي لا تستهدف أعظم خير ممكن. يرجع ذلك أساسا الى نقص المنظمات الخيرية الشفافة، و ووجود فجوة شك و ريبة بينها و بين المحسنين -حيث يفضلون التبرع لمسجد الحي بدلا عنها- زيادة على غياب التأطير القانوني و التحيزات السياسية..
“أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربا أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا..” حديث شريف

• يمكن لأموال المحسنين أن تصرف بطريقة أكثر فعالية بكثير، و هذا ما يتمناه الجميع. فشعوبنا من أكثر الشعوب عطاء و مع ذلك فإن تأثير المبادرات الخيرية غير كافي. لذلك فنحن بحاجة ماسة الى الإرتقاء من العمل الخيري الكلاسيكي الى نسخة مقبولة ثقافيا من الإيثار الفعال، ذلك ممكن عن طريق تأسيس جمعيات شفافة و ذات كفائة عالية لكسب ثقة المحسنين بالإستعمال المثالي لصدقاتهم الدورية و المبالغ الضخمة و السنوية للزكاة، و سن قوانين تنظم و تحمي الأوقاف، كما نحتاج الى ميتا-منظمات عربية لتقييمها و الدعاية لها. بالنسبة للمسارات المهنية، فإن بيئتنا و ثقافتنا العربية تستلزم معاييرا مغايرة للمعايير الغربية، هذا ما يشجع على إنشاء جمعيات تدرس المهن من منظور عربي لترشح أفضلها.

  • في تقرير مركز مراقبة النزوح الداخلي³¹ IDMC لهذا العام بلغ عدد النازحين في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا 12,5 مليون نازح. يرجع ذلك الى صراعات جد معقدة، يختلط فيها الإستبداد بالطائفية، الحرب الأهلية، إستنزاف الثروات، الإرهاب و إنهيار مؤسسات الدولة.. حيث تصدرت كل من سوريا، اليمن، ليبيا و العراق القائمة بسبب تهجير نسبة معتبرة من سكانها، نتيجة للعنف و غياب الأمن، نقص فرص العيش الكريم و تدني الخدمات الأساسية. فالصراع السوري في عامه العاشر، و رغم وجود بوادر لحل الازمة إلا أن النزاع اليمني هو أكثر النزاعات حدة في العالم. ويستمر نزوح سكان المدن الليبية حيث وصل بهم الأمر الى الهروب الى أعالي الجبال و السواحل الغربية، في نفس الحين يواصل الإحتلال الصهيوني تهجيراته القصرية و هدمه للمنازل مما أجبر الكثير من العائلات على الفرار.

    “يستمر العنف، الصراعات و الكوارث في تهجير ملايين الأشخاص من مساكنهم كل عام، لم يسبق في التاريخ أن سجلنا عددا من النازحين أكثر مما نفعله اليوم” أليكساندرا بيلاك، مديرة IDMC

    • مقارنة مع باقي البقع الجغرافية، يمكننا ببساطة أن نلحظ غياب المؤسسات الشفافة و الحيادية القادرة على التدخل الفعال لمحاولة حل هذه الصراعات.

    هنا يأتي دور المُؤْثرين الفعالين، فبإمكانهم إنشاء منظمات ديبلوماسية شفافة و حيادية للضغط على مختلف أطراف النزاع لمحاولة الوصول الى حلول ترضي الجميع. و السعي الى إعادة إعمار المدن المدمرة عن طريق نزع السلاح، الإستثمار في البنية التحتية و تنشيط الإقتصاد المحلي و التمنية على المدى الطويل. كما نحتاج أيضا لجمعيات خيرية منزوعة التحيزات السياسية لمساعدة اللاجئين و تزويد مخيماتهم بخطوط الماء و الكهرباء، الصرف الصحي و الرعاية الطبية..

    • هذا لا ينفي وجود جمعيات عربية مقبولة الفعالية³² على غرار؛ مؤسسة الوليد بن طلال السعودية، دبي للعطاء، الصندوق الكويتي للتنمية الإقتصادية، مؤسسة ساويرس للتمنية في مصر، التعاون الفلسطينية، أيادي الخير القطرية و مؤسسة آغا خان في جنيف..

    “ويطعمون الطعام على حبه مسكينا و يتيما و اسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء و لا شكورا”

    الآية التاسعة من سورة الإنسان

 

▪︎هل عالمنا اليوم أسوء من أي وقت مضى حقا ؟

• من السهل أن نقتنع بأن عالمنا اليوم محكوم بأشخاص غير مبالين بمعاناة الآخرين و مستعدين لزيادة آلام جميع أشكال الحياة لتعزيز مصالحهم الشخصية، فالحروب الطاحنة في سوريا، ليبيا و العراق، القضية الفلسطينية و تعقيداتها غير القابلة للحل نظريا في المستقبل القريب، الحروب الأهلية، المجاعات و الأمراض في إفريقيا و آسيا مقابل تكدس ثروة الشركات الرأس مالية العملاقة، جائحة كورونا العالمية.. كل هذا يجعل العالم يبدو كأنه أسوء من أي وقت مضى، لكن هذا غير صحيح.

• من المؤكد وجود الكثير من المعاناة غير المبررة في هذا العالم، مع ذلك فإن فرص أي شخص حي اليوم في موت عنيف من قبل شخص آخر أقل مما كانت عليه في أي وقت مضى من تاريخ نوعنا! ففكي كتابه “التنوير الآن” يجادل عالم النفس و الإستعراف ستيفن بينكر Steven Pinker بالإستعانة بالأرقام و الإحصائيات الموثوقة بأن معدلات الصحة، السلام و السعادة.. في إزدياد ملحوظ في العالم اليوم، و يعزو ذلك لإنتشار قيم التنوير كالمنطق و العلم و الإنسانية.. فالحياة أصبحت حاليا وبالأدلة أفضل بكثير و في مختلف النواحي بالنسبة للغالبية العظمى من البشر.
سبب النظرة التشاؤمية التي يحملها معظم البشر عن عالم اليوم راجع بشكل أساسي الى تحيزاتنا المعرفية التي تشوه رؤيتنا للواقع، و التي يغذيها الإعلام و يضخمها بحكم أن عرض أخبار السلام و الهناء لن تجعل من تجارة الإعلام مربحة و لا مشوقة.

“إذا كان عليك أن تولد في لحظة تاريخية معينة، و لم تعرف مسبقا من ستكون، لم تعرف ما اذا كنت ستولد لأسرة غنية أو لأسرة فقيرة، ولا في أي دولة، ستكون رجلا أو إمرأة. إذا كان عليك أن تختار إختيارا أعمى لحظة لتولد فيها، ستختار هذه اللحظة، الآن” باراك أوباما.

▪︎بارقة أمل

“لم يفقر أحد أبدا بسبب العطاء” آن فرانك

• يقول سنغر -في ختام كتابه- لكل من يشعر أن النضال من أجل عالم أفضل ميؤوس منه؛ حقيقة إنخفاض عدد الأطفال الذين يموتون ب 10000 طفل كل يوم و جهود المؤثرين الفعالين لحمايتهم من الحصبة و الملاريا و الإسهال و تحسين نوعية حياتهم.. يجب أن تعيد بعض التوازن الى الصورة و تشجعنا على بذل المزيد من الجهد لجعل العالم مكانا أفضل.

• في النهاية، يجب أن ندرك ان المؤثرين الفعالين ليسوا ملائكة، فأغلبهم يعيش حياته في طيف محصور بين الحياة الأخلاقية المقبولة و المثالية، و الكثير منهم يتحدون أنفسهم للقيام بخير أعظم بمرور الوقت. حاول أن تكون منهم، و لا تكتفي بحياة رتيبة حيث تستهلك الموارد و تخلف القمامة فقط! و اتخذ من مبدأ جعل العالم مكانا أفضل هدفا أسمى لحياتك.


المصادر؛

إعتمدت في كتابة هذا المقال بشكل أساسي على كورس بيتر سنغر “Effecvie altruism” على كورسيرا، كتابه أعظم خير يمكنك القيام بهthe most good you” can do” و مجموعة من محاضراته.

[1]https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/children-reducing-mortality
[2] https://www.thelifeyoucansave.org.au/child-in-the-pond/
[3] https://www.effectivealtruism.org/articles/introduction-to-effective-altruism/
[4] https://www.cambridge.org/core/journals/ethics-and-international-affairs/article/world-poverty-and-human-rights/A647319E9BEE481BAABCADD0B982D89D
[5] https://trust.guidestar.org/2015/08/31/money-for-good-2015-theres-22-billion-up-for-grabs/
[6] https://www.givewell.org
[7] https://fistulafoundation.org
[8] https://www.oxfam.org/en
[9] https://80000hours.org
[10] https://www.coursera.org/learn/altruism
[11] https://80000hours.org/career-reviews/
[12] https://80000hours.org/career-reviews/medical-careers/
[13] [20] [23] [25] [27] [28] The most good you can do by peter singer
[14] https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1002/bdm.492
[15]https://www.researchgate.net/publication/6212127_Why_are_VMPFC_Patients_More_Utilitarian_A_Dual-Process_Theory_of_Moral_Judgment_Explains
[16] https://www.nber.org/papers/w16415
[17] https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/j.1600-6143.2005.01148.x
[18] https://journals.sagepub.com/doi/abs/10.1177/1948550612473489
[19] https://www.pnas.org/content/107/38/16489
[21] {36:30} https://youtu.be/3d8yape5xrc
[22] https://www.peta.org/about-peta/faq/what-is-speciesism/
[24] https://www.effectivealtruism.org/articles/ea-global-2018-psychology-of-existential-risk/
[26] https://cneos.jpl.nasa.gov/sentry/torino_scale.html
[29] http://www.psjp.org/resources/philanthropy-in-the-arab-region/
[30] https://www.arabgivingsurvey.com
[31] https://www.internal-displacement.org/global-report/grid2020/
[32] https://www.afd.fr/en/ressources/philanthropy-arab-world