هل للحقيقة وجود .. أم لا؟ – ايريك شيمدت / ترجمة: متعب الزايدي

هل للحقيقة وجود .. أم لا؟ – ايريك شيمدت / ترجمة: متعب الزايدي

المقالة لـ ايدل شيمدت منتج ومخرج وكاتب أفلام وثائقية – مراجعة: نورة بنت طالب


هل للحقيقة وجود أم لا؟
هناك ضجة في عالم صناعة الافلام الوثائقية حول “هل الفيلم حقيقي أم لا؟” ، إذ أن الحقيقة تعتبر من مقـوّمات الفيلم الوثائقي، وهي بمثابة الدي إن أي له، إن الواقعية سؤالٌ أبدي يأتي في صيغة فنية تقوم على المصداقية والتلاعب على حدٍّ سواء، تتمثل المصداقية في نقل الحالة الإنسانية، ولكن السؤال هل تنتفي المصداقية عمَّا يكشفه الفيلم بشأن الحالة الإنسانية نتيجة التركيز على حرفية الفيلم؟

هناك مقولة في صناعة السينما تفيد بأن كل إيقاف للتصوير هو مشروع كذب، ومن ثم فإن صناعة الأفلام الوثائقية هي في جوهرها مفارقة تصوير للحقيقة مبني على هرم من الأكاذيب المتشابكة متقنة الصنع.

أصبحت الوثائقيات أكثر وضوحًا، تكمن المفارقة في أن التساؤلات حول مصداقية الأفلام الوثائقية من عدمها صارت تُسمع بصوتٍ عالٍ وبالمزيد من المثابرة والحماس وذلك بعد أن أصبحت صناعة الأفلام الوثائقية أكثر وضوحًا مع استخدام المخرجين لمجموعات كاملة من الأدوات السينمائية ، بدءًا من فيلم Catfish ووصولًا إلى فيلم Exist through Gift Shop، وامتدادًا إلى المثيرات المولّدة مثل Bruno و I’m Still Here، نهشت تلك التساؤلات – وأحيانًا الاتهامات – حول الحقيقة أو الكذب قطاع الأفلام الوثائقية وأربكته في السنوات القليلة الماضية. الأمر أشبه بأرجوحة الميزان، و”الحرفة” هي الطفل البدين الذي يثب على اللوح الخشبي في ساحة اللعب، لتُترك الحقيقة معلقة في الهواء.

وبالمثل، الحقيقة ذاتها هي اللؤلؤة في المحار التي يبحث عنها المخرجين دائمًا لجلبها وإظهارها للعالم: مثل علامة قابلة للاحتواء للحالة الإنسانية، ودليلٍ على تميز موضوعهم، وإقرارٍ بمساعيهم الخاصة.

(شاركت شخصيًّا في ندوات حول الأفلام الوثائقية حيث تناقش صنَّاع الأفلام مدفوعين بأسئلة الحضور حول مسألة ما إن كان تحرير حديث الشخص لإزالة لحظات التوقف والسعال والتمتمات ومحاولة اجترار الأفكار، يُعد خيانة للحقيقة أم لا؟ فأخذت أفكر “إن لم أتمكن من استشفاف المعلومات أو استخراج المشاعر خلال صناعة الفيلم نتيجة انزعاجي أو تمللي من تشتت المتحدث، فما الهدف من محاولة الحفاظ على هذه الحقيقة على حساب حقيقة أكبر بكثير؟)

إن كان ولابد من الاختيار بين البيان الصادق أو البوح العاطفي، فأقترح اختيار الأخير، وهو ما يقودني إلى محك الاختبار:
الحقيقة الجوهرية مقابل الحقيقة الحرفية

الحقيقة الحرفية:
(ذهب بوب إلى السوق)

الحقيقة الجوهرية:
(ذهب بوب إلى المتجر في منتصف الليل لشراء صندوق من مشروب البيرة لإدمانه على الكحول)

قد تكون كلتا المعلومتان صحيحتان، غير أن واحدة تُعد أساسية دون تحليل أو تبصر بينما الأخرى أكثر استبصارًا لما فيها من تحليل. أو قد يقول البعض أنها استبصارية بسبب أحكامها، ولكن أليست “الرؤى” و”الأحكام” هي واحدة ولا تؤخذ إلا بعين القاضي أو المُحلَّف؟ ومَن ممن يعمل في قطاع الأفلام الوثائقية سينكر مهنته الحقيقية كعالم نفسٍ هاوٍ؟ ألسنا جميعنا هنا.. لنطلق الأحكام؟

وهكذا .. اعتقد أنه يمكن ويجب أن يقال، أن صناعة الأفلام الوثائقية الجيدة، تتمثل في تقديم التحليلات اللازمة للكشف عن رؤى الإنسان، والحقائق الجوهرية. قد يكون الفيلم المؤلف من حقائق موضوعية حقيقيًّا تمامًا بالمعنى الأكثر صرامة, ولكن من المحتمل كذلك أن يخلو من الاستبصار الحقيقي، في حين لا يحقق أي مشاهدة نتيجة سعيه المتصلب للصدق.

الإصرار على الحقيقة الحرفية في كل مشاهد الفيلم الوثائقي, يَسلب من المخرج أدواته اللازمة لتأطير المعلومات والشخصيات، الحذف البسيط الممثل في تصفية تدفق المعلومات الإنسانية لاستخلاص كنوز الحقيقة الجوهرية لقصةٍ ما – لا يقدر بثمن، لم أرَ حتى الآن فيلمًا وثائقيًّا أثّر بي بشدة وتركني قلقًا بشأن المعلومات المُسقطة من روايته. لم أكن سأستمتع بفيلم The King of Kong لو أن المخرج أدرج سلالة أسرته بأكملها أو تاريخهم الطبي المفصل.

على العكس من ذلك، عندما كنت في بعض الأحيان أشاهد وثائقيات متعلقة بالسير الذاتية، وأفكر بأن “هذه المعلومة التي قد تجعل الفيلم أكثر شمولًا واكتمالًا” ولكني أتساءل، هل يمكن للمخرج أن يبين فقط ما أحتاج إلى معرفته لأفهم شخصية فيلمه أو موضوعاته الرئيسية؟ هل يمكنه أن يبتعد عن مادته للحظة ليشرح لي .. من يهتم بها؟

هذا لا يعني أن على صُنَّاع السينما تجاهل الحقائق الحرفية الموضوعية, ولكن يحدث أن تتطلب تصفية كنوز الحقيقة الجوهرية فنونًا سينمائية لتضخيم الشذرات: كالقطع المتعارض، والتكرار، والمحاذاة والسخرية, الحياة لا ترافقها دائمًا لقطات لرد الفعل أو تقصيص أو سياق يستخدمه طرف ثالث. لكننا نجد ذلك في الأفلام، وكل تلك العناصر تُضخم الحقيقة الجوهرية.

الحقيقة “البسيطة” هي هكذا: بسيطة. المخرج الوثائقي الذي يستمتع بما يقوم به يظل حكواتي، رغم أنه يتعامل مع الحقيقة. ولكن هل سبق وأن استمتع الجمهور بقصة حقيقية لمجرد سردها الدقيق للأحداث؟ ربما فقط في فيلم ريكي جيرفيه بعنوان The Invention of Lying.

تتذكر الجماهير الأفلام الوثائقية التي تبكيهم وتضحكهم وتحفز تفكيرهم وتشعرهم بالارتباط, لا ينتهي الجمهور من مشاهدة الفيلم وهو معجب بمصداقية العملية، الجماهير لا يهمها العملية المستخدمة في صناعة الفيلم، ولا ينبغي لها ذلك على الأرجح، ما لم تكن الحقائق الجوهرية ذاتها هي محل الكلام. لو أنهم يفكرون بالعملية، لحال ذلك دون استمتاعهم بأكل النقانق مثلًا كونهم منشغلين بالتفكير بطريقة صنعها!

متى تتفوق الحرفة على الحقيقة؟
وصدرت اعتراضات على أفلام مثل “Catfish ” من الكثيرين في مجتمع صناع الأفلام الوثائقية قائلين أنهم لم يصدقوا الواقع المُركب في الفيلم. في بعض الحالات، أتاهم شعور بأنه كان “متقنًا جدًّا” بحيث لا يمكن أن يكون حقيقيًّا.

ومن المثير للاهتمام ، لم أسمع هذا النقد من الجمهور العام، لأنه إما أن يجد الفيلم آسرًا أو غير ذلك، لأن نقدهم كان على غرار “ماذا في ذلك؟ من الذي لا يكذب في الفيس بوك؟” بدلًا من التشكيك في نزاهة السينمائيين.

ما أستخلصه شخصيًّا من نقد مجتمع الأفلام الوثائقية لفيلم Catfish هي أصوات المخرجين الذين يعرفون جيدًا أساس الصنعة، حيث ينظرون لهذا العمل بالتحديد ويلاحظون وجود قدر كبير من الحرفة الفنية، والكثير من الحذف الذي لا يمكن تجاهله. ونجدهم غير مستعدين للذهاب للجولة التي يرغب كل فيلم وثائقي أن يأخذك لها. لأولئك المنتقدين ـ بخصوص هذا الفيلم تحديدًا- أقول: هذه خسارة لكم! ولكن نقدهم يرشد إلى مسألة أكبر وأكثر أهمية: يجب أن يضع صناع السينما في الاعتبار الحقيقة القائلة بأن القفزات المعرفية والعاطفية التي يريدون من المشاهدين القيام بها قد تتسبب في إظهار شقوق بنائهم.

في فيلم السيرة الذاتية لهوارد ستيرن في بداية الفيلم حيث يؤدي ستيرن دور طالب في جامعة بوسطن، نراه ينظر مباشرة لآلة التصوير ويقول – مع تعديلي -: “يتحتم عليك أحيانًا وضع حد للتشكيك”.
(ملاحظة جانبية: أعتقد أنه من الجيد إدخال بعض الإشارات القافية التافهة إلى النقاشات رفيعة المستوى.)

للأسف ومع وجود جمهور متطور يفهم صناعة الأفلام الوثائقية، توجد نقطة انهيار حيث لا يقدر المشاهد على التوقف عن التشكيك, بغية التصديق من أعماق القلب. من يعلم أن كل إيقاف للتصوير هو إلى حدٍّ ما كذبة. عندما تنطفئ الأضواء، لنواجه الأمر: كلنا نرغب في التصديق.

يظهر أن المحنكون سيقولون: “نحن نعلم أنك، أيها المخرج، تؤيد الحقيقة الجوهرية، ونحن على استعداد لتناسي بعض الحقائق الحرفية للوصول لتلك الجوهرية .. حسنًا بعضنا مستعد. لكن لا تجعلنا نتساءل عن دافع تلاعباتك السينمائية، لأن ذلك سيحول دون تصديقنا لحقيقتك الجوهرية بأكملها، حتى أننا قد نغضب منك”, الأفلام التي تخرق هذا الاتفاق الضمني مع جمهورها تواجه مشكلة تتعلق بالدافع. لا تعد المسألة مرتبطة بما يظهر على الشاشة، بل بما يجري خلف الشاشة: الرجل الذي يختبئ خلف الستارة. تبًّا، لا تجعل هذا يظهر – ولا تجعلني أفكر في مكائده.

حينما يشكك الجمهور في حقيقتك الجوهرية، فهذه مشكلة. يقول جورج بيرنز عادةً: “الصدق هو كل شيء، وإن تمكنت من ادعاءه، فهذه دلالة على النجاح.”

 

 

المصدر

error: