مشكلة اللغة – تيري ولفرتون / ترجمة: بندر الحربي

مشكلة اللغة – تيري ولفرتون / ترجمة: بندر الحربي


مشكلة اللغة

مع الأسماءِ تبدأ اللغة، فهي التي تجسدها، إنها تعني باللاتينية “صنع شيء”.نعم، إننا نصنع الأشياءَ من خلال تسميتها وفصلها وتمييزها من بين الأشياء المختلطة، مع الأسماء نمنحها التميز، ومع الأسماء نؤكد أن هذه التفاحة تحديدًا متميزة عن التفاح المتبقي في الوعاء. ولكن ماذا لو كان هذا الفصل مبهمًا؟ أين تلك الكلمة التي يمكن أن تدل على التشابه الأساسي بين التفاحة والوعاء؟

إننا نمنح أنفسنا القوةَ بالأسماء، عندما أسمي نفسي فإنني أعلن أنني (لستُ أنتَ)، فنحن نحتشد داخل أسمائنا كالمنازل القاتمة في الليلة المظلمة، أو نبحث عن الآخرين المشابهين لنا. لقد اختُرِعت اللغةُ كأداة للتفرقة، وأخذت تتطور باستمرار وبتعقُّد، أما الصفاتُ فإنها تعزز أكثر ماهية الأسماء – التفاحة الحمراءُ ليست هي التفاحة الخضراء، وكلمة (فوجي) مختلفة تمامًًا عن (ماكنتوش)، والصفات تعني الخصوصية : وعائي يحوي تفاحًًا، ووعاؤك ليس كذلك. إن مخزون بضاعتي ككاتبة يقوم على غربلة المعجم بدقة عالية، ويبحث عن كلمة واحدة، تلك التي يمكن أن تصف هذا ولا يقوم مقامها كلمة أخرى، وهذا يفسر لماذا هيريجيوان كلسا معلمي الكونداليني اليوغا يفضل الموسيقى عن الأدب، فالنغمات الموسيقية لا تلتصق بالأذن؛ كل صوتٍ يفتح الكثيرَ من الاحتمالات لجميع الأصوات، يحملنا إلى الوراء، إلى أصل الصوت الكوني، فالصوت عديمُ الشكل، والموسيقى يمكن أن تستدعي حالة الدهشة، في حين أن اللغة إقصائية، هذا وليس ذلك، يمكن أن يقول الشخص إن عمل الكاتب يقع في مجال الفصل.

الأفعال باغية، دائمًًا ما تفعل، وتفعل، وتفعل. هناك الكثير من الأسماء يقوم عليها الفعل، يمكن أن أستيقظ أو أمشي أو أعمل، يمكن أن أسبح أو أتسلق أو أغضب، يمكن أن أعدَّ أو أجثو أو أقترن، يمكن أن أرفرف أو أطير أو أتعثر، يمكنني القيام بالفعل طوال الوقت. ولكن ليس هناك أسماء متنوعة للكينونة، يمكن فقط أن (أكون) أو (لا أكون) بلا اختلاف في الدقة أو تفاوت في الدرجة؛ ولهذا فإن اللغة تحدد الواقع، وعندما لا يكون هناك مفردات لا يسعنا الإحاطة بالاحتمالات، أين هذه الاحتمالات في الكينونة؟

الأفعال في اللغات الهندوأوروبية تحدد علاقتنا بالزمن، صيغة الفعل تفصل بين المضارع والماضي، وبين الماضي والمستقبل، تحاول أن تقنعنا أن هناك نمطًا زمنيًّا للأحداث، طبيعيًّا وقابلاً للتتبع، كما لو أن هناك منطقًا للقيام به، إذا قلتُ لك: (غدًا سأغضب)، فسوف تعتقد أنني مضطربٌ ذهنيًّا، ولكنني لستُ كذلك، إنه فقط الإمساك باللغة في تركيبة الوقت، ولا أستطيع أن أتخيلها خارج هذا الإطار. المفعول به اسم وقع عليه فعل الفاعل، بقوة غير متوازنة بوضوح، في جميع أنحاء العالم، الناس والأشياء مصنوعة من المفعول به التي يقوم بها الآخرون، إنني أتخيل أن بعضنا وُلد ليكون فاعلاً، والآخر مفعولاً به، أحدهم يمكن القيام بشيء لا يستطيعه الآخر! إننا جميعًا فاعلون في جملنا بصمت، ولكن ما هو قانوننا الكبير في النص الأكبر؟

يقال: إن الحال جوابٌ على أسئلة: كيف، وأين، ومتى، وبكم؟ هل عمل المفعول به بطيئًا أو سريعًا؟ في كل مكان، أو بعض الأماكن على وجه الخصوص؟ وهل يتكرر أم يحدث لمرة واحدة؟ ماذا نعرف عن هذه الأسئلة؟ وهل إجاباتها نهائية؟! ليس فقط تركيب اللغة هو المشكلة هنا، فعلى سبيل المثال في اللغات المختلفة، نجد كلمة (كرسيّ) في اللغة الإنجليزية تعزى إلى نوع من الأثاث، ولكنها بالفرنسية تعني “وميض”، وكلمة ضباب تعني “بخار الماء” في الإنجليزية ولكنها تعني “سماد” في الألمانية، وكلمة “أعلى” هي بنفس معناها في البرتغالية والإسبانية، ولكنها في الإسبانية تعني أيضًا “ظرف”، وهناك أيضا كلمات تبدو أنها ترمز إلى الثقافة الكلية: فكلمة واحدة في لغة هاواي تعني (اللقاء الجماعي، وعملية العلاج المرتبطة بطقوس الأديان، والعلاج الجماعي، ودروس الاستشارات الأسرية، وقاعة المدينة، والمحكمة الصغيرة) وهناك كلمة تايلندية تعني (إخماد العطش الروحي والعاطفي، والإحياء) أو تلك الكلمة التركية التي تعني (أنت أحد هؤلاء الأشخاص الذين لا يستطيعون الإقامة في هذه المدينة). هل يمكن لهذا السياق أن يترجم؟ كيف يمكن أن نحلم بالتواصل بهذه اللغات؟

ولكن لا يجب علينا السفرُ لمواجهة صعوبة الإحاطة، فسوء الفهم أقرب إلينا، يمكن لشخص ما أن يقول: “أنا احبك” ويعني بها: “أنا هنا من أجلك، بغض النظر عن الزمان والمكان وسوف تكون عزيزًا على نفسي”، ولكن آخر يلفظ نفس هذه الكلمات، ويمكن أن تعني “يخامرني شعورٌ يجعلني أرغب في البقاء بجانبكَ، ولكن لا أستطيع أن أقول إلى متى!” حتى قبل الولادة، فإن الأطفال مجهزون بوسائل التواصل، لإرسال واستقبال الرسائل من خلال الحركة والاستجابة الحسية دون الاستعانة بالمفردات، ملاحظة التوائم في رحم الأم أظهرت أن لديهم لغة ومن ضمنها مسك اليدين، والقبل، واللعب، وضرب بعضهم البعض.

الحيوانات أيضًا لديها وسائل اتصالات، ومن بينها الصوتية، أو بالرائحة، بالإضافة إلى حركة البدن، كما أن النحل لديه لغة عن طريق الرقص، والنظرية تقول: إن بعض أجزاء الجسم في الحيوانات تنمو لتعزز قدرتهم على حمل الرسائل. والأكثر من ذلك أن كل حركة الآن مفهومة لتحمل ليس فقط معنى محددًا، ولكن مجموعة متقنة من المعاني تقوم على السياق، مثلاً: حركة ذيل الكلب يمكن أن تعني اللعب أو الغضب أو الاسترخاء أو الإذعان . البشر فخورون بتعقُّد لغة تواصلهم، ولكن زيادة الكلمات تُستخدم ليس فقط لبناء الجسر إلى المعنى ولكن لتشكل عاصفةً من الغموض، مثل التشويش الذي يصبح ضارًًّا حتى يتوق الشخص لمساحات كبيرة من الصمت، والتبلد الذي لا ينتهي لإزالة السموم من الأذنين والعينين أو الطمع بالقدرة على أداء رقص النحل والإشارة التي نحن مكتفون منها. ومع هذا، لا تستطيع الكاتبة أن تكون صامتة، ويجب أن تعود إلى الوراء، إلى تلك الحروف القديمة والأصوات الحلقية، وتلك الإشارات المحطمة، وتشحذ العلامة المتشابكة، والمقاطع التالفة، تميِّز وتفصِل وتعزل عمر الصفحات؛ على أمل خافت أنها إذا قطعت بعمق أكبر فإنها يمكن أن تحصل على شيء ما يمكن إدراكه.


عن الكاتبة: تيري ولفرتون. روائية أمريكية، وكاتبة مذكرات، وشاعرة، صدر لها العديد من الأعمال الأدبية، حصل كتابها “الحياة والفن في بناء المرأة” على لقب أفضل الكتب لعام 2002 في استطلاع صحيفة لوس أنجلوس تايمز.

error: