الوعي (مسرحية في فصل واحد) – دافيد دوبرينر / ترجمة: ناصر الحلواني

الوعي (مسرحية في فصل واحد) – دافيد دوبرينر / ترجمة: ناصر الحلواني

دوبرينر الكيمائي مسرحية الوعي

يوهان فولفجانج دوبرينر ، كيمائي ألماني


يتخيل دافيد دوبرينر ([1]) لقاء مع عقول عظيمة

الشخصيات:

 

تقع أحداث المسرحية عام 1829، في نادي أعضاء هيئة التدريس، في جامعة جينا.


 

جوته: سيد دوبرينر! يسعدني أن أقدم لك السيد هيجل.

 دوبرينر: إنه لشرف لي أن أحظى بلقائك، سيد هيجل. لم أعلم أنك تحاضر هنا، في جامعة جينا؟

هيجل: لقد استهللت حياتي المهنية هنا، لكني مستقر الآن في برلين. إنما عدتُ إلى جامعة جينا، فقط من أجل إلقاء محاضرة عن الوعي . إضافة إلى أنني ربيب وصديق السيد فون جوته، وسعادتي بالغة لرؤيته مجددا. وأنت، هل تحاضر هنا؟

دوبرينر: أوه، أنا أستاذ للكيمياء هنا. اكتشفت بعض التماثلات بين حالات ثلاثية محددة من العناصر الكيميائية، والتي أطلق عليها اسم “الثلاثيات”([2]). كما اكتشفت مبدأ جديدا، يمكن به إحداث تفاعل بين عنصرين كيميائيين بواسطة عنصر ثالث لا يتأثر بهذا التفاعل. كما أنني، أيضا، ربيب وصديق السيد فون جوته. حسنا، ما الذي ستخبرنا به عن الوعي؟

هيجل: حسنا، إن الوعي([3]) خاصية للعقل، والعقول البشرية الفردية ليست إلا عواكس صغيرة لما يشعه العقل الإلهي. بحسب هذا المعنى، فإن مجمل الوعي الإنساني مرتبط بالخالق، وبالتالي، فإن كل العقول تتشارك في المثال المطلق. غير أننا في حالتنا الراهنة من التطور، لم نعد واعيين تمام بهذه الارتباط.

جوته: أيا عزيزي هيجل، بفكرتك عن “المثال المطلق”، تتحدث كما لو أن العقل هو الواقع الوحيد. لكن، أي خالق هذا الذي يذهب إلى خلق كون بأكمله من المادة إذا كانت غايته الوحيدة أن يكون متعاليا، بصعوبة، في نظر أحد مخلوقاته؟ وبالتأكيد، ففي الوقت الذي يحقق فيه دوبرينر اكتشافا مذهلا في معمله، من خلال الملاحظة الدقيقة لخصائص مادية تماما، فإنه أقرب إلى الإله كأي قديس أو صوفي كان؟

دوبرينر: أشكرك على هذه المقارنة اللطيفة، ويجب عليَّ القول إنك كنت قريبا من نقطة جنون إلهي عندما تصورت فكرة تأسيس روايتك “التجاذب الاختياري”([4]) على اكتشافي الكيميائي للثلاثيات. من التجاذب الكيميائي إلى التجاذب النفسي ـ يا للألمعية! لكنها تتحدث عن أن حقيقة أن جذور الحياة، وبالتالي الوعي ، يجب أن ترسخ عميقا في المجال المادي.

هيجل: نعم بالتأكيد. يجب التفكير في الإله كطبيعة متعالية، وكملازم للعالم معا. غير أن الوعي ذاته ينشأ كتطور لاحق في تاريخ الكون. نحن الآن في المرحلة اللاحقة. إن دور الوعي في التاريخ الآن هو تحقيق حالة أعلى، وهذا هو التعالي. الوعي ، بالتأكيد، ليس شيئا ماديا. لكنه حقيقي كجسدك، وهو شيء يجب عليك الاعتراف بوجوده كواقع، في الحقيقة، هو أكثر واقعية من أي ظاهرة مرت بك. الموضوعات([5]) تفترض ضمنا وجود أشياء.

جوته: لا أوافق. أعتقد أن الأشياء والموضوعات وجهان لعملة واحدة. إننا نَخبُر أنفسنا بنحو ذاتي والآخر كموضوع، لكن كل شيء، وصولا إلى أصغر ذرة، له نموذج إثارة أوّلي للقصد، والذي يتمثل في الإحساس في عالم النبات، وفي الحيوانات يشتمل على الوعي .

دوبرينر: أنا على استعداد لقبول ما تقول، جوته ـ كفرضية مساعدة. لكني كعالِم لا أرى دليلا على وجود إله، وإذا لم يكن هناك مثل هذا، فعليَّ أن أقبل أصلا أرضيا لكل ظاهرة تمر بي، مهما بدت غير مادية بالنسبة لوضعنا المعرفي الآني.

هيجل: هل أنت جاد في نصحنا برفض أي قوة موجِهة في تقدم الحضارة؟ هل تدعي أن حياة المسيح، وسقراط، وأفلاطون، كانت نتيجة لمحض مصادفة ـ ثمرةُ عمليةٍ طبيعيةٍ، ربما؟ بواسطة عقول مثل هؤلاء المعلمين العظماء، واستلهاما من أعمال الجدل المنطقي، فإننا الآن على أعتاب فهم الواقع المطلق ـ الفكر الخالص!

جوته: هيجل، يجب أن أعترض عليك في هذه النقطة. أود القول أن ليس هناك وجود لذلك الفكر الخالص، وإن سبق أن كان موجودا، فسيكون باردا مثل جثة. إن المبدعين العظماء في مجال الرياضيات البحتة ـ فيثاغورس، وديكارت، ونيوتن، وليبنتز ـ كانوا مخلوقات من لحم ودم. نظرية فيثاغورس([6])، ونظام ديكارت الإحداثي([7])، وحساب التفاضل والتكامل لنيوتن وليبنتز ـ كل هذه النظم الأكثر تجريدا انبثقت من الدافع إلى حل المشكلات. رغبت جميعها في خدمة البشرية، والبرهان على جديتها هو المدى الذي شهدنا تطبيق هذه النظم عليه، بنجاح باهر، منذ ذاك الحين، وخاصة مع بداية عصرنا العلمي الحالي.

دوبرينر: والممتع، دفقة البهجة الداخلية التي صاحبت، بالتأكيد، اللحظة الملهمة لبذر مناهجهم، والتي من المؤكد أنها كانت بمثل شدة بهجة الفنانين العظماء حين يتصورون أعمالهم العظيمة.

هيجل: أنا لا أنكر أنه قد يوجد بعض الجوانب العاطفية لعملية الإبداع، لكنها ليست جوهرية. أولئك الرياضيين كانوا ملهَمين حقا. لقد صعدوا سلَّم جدل الأفكار إلى عالم الروح. وهناك عثروا على إجاباتهم، الموجودة مسبقا في عقل الإله.

جوته: كيف تعلم ذلك؟

هيجل: صديقي العزيز، كيف يمكن للأمر أن يكون غير ذلك؟ انظر إلى تاريخ البشرية بأكمله، وإلى التاريخ الطبيعي الذي شكَّل أرضيته. ذلك التقدم، الذي واجه نكسات مثل الثورة الفرنسية، لا يزال مستمرا. هل يمكن لذلك كله أن يكون بلا معنى؟

جوته: لكن إن كنا بصدد البحث عن معنى، بنحو علمي، علينا، فقط، أن نقبل تفسيرا ما، إن كانت هناك أسباب قوية لفعل ذلك. هيجل، إنك تفترض عالما روحيا متعاليا، أبدي ولا ينتابه التغيير، نتوق إليه نحن البشر، وإن كان بشكل مناسب، ومع العديد من الانتكاسات. لكنني لا أرى دليلا على هذه النظرية في العالم الواقعي ـ الذي يشكل العقل الإنساني جزءا منه فقط، وليس من الحتمي انه الجزء الأهم.

هيجل: هل يمكنك أن تقدم طرحا أكثر معقولية للتقدم؟

جوته: سأصدمك، فلتتهيأ إذن.

(زوى الاثنان الآخران فمهما بابتسامة)

 جوته: كل النظريات، صديقيَّ العزيزين، رمادية، لكن شجرة الحياة الذهبية تظل خضراء دوما، والحب والرغبة هما جناحا الروح لفعل الأعمال العظيمة! الحب الرومانسي الحقيقي هو أعلى نقطة في خبرتنا الحياتية! فقط، حينما يصل العشاق بحبهم إلى الكمال، يعاين البشر ما هو إلهي. بحسب مصطلحاتك، هيجل، فإن هذه المقابلة، بين “الفرضية ونقيضها” قد تحقق توليفتها في شكل رضيع إنساني ـ توليف يجمع داخله عناصر كلا من الأب والأم، لكنه، في الوقت ذاته، شيء جديد تماما. ذلك هو النموذج الأصلي لجدلك. والجسد سابق على العقل، بمثل ما المشاعر سابقة على التفكير. والسابق على الإنسان هو الحيوان ـ الذي يتصرف بطرق عاطفية مماثلة.

دوبرينر: يمكنني الذهاب بهذه النظرية بضع خطوات إلى الوراء، إذا سمحت لي. يسبق وجود الكائن الحي وجود العُضيَّة الخلوية([8]). وقبل العضيات الخلوية كانت الجزيئات الكيميائية المعقدة([9])، وقبل الجزيئات كانت الذرة. بالنسبة لنا، نحن العلماء، لم ننتهي عند ذلك. قبلما يغرب هذا القرن، ربما نكون قد اكتشفنا بنية الذرة. حينئذ، سيكون ما نكتشفه سابقا عليها.

هيجل: أنتما تتحدثان كما لو أن كل شيء في الكون قد نشأ، بشكل ما، عن مادة أولية. كيف يمكن ذلك؟ ما دور الله في ذلك كله؟

جوتة: ربما يكون الإله أنثى وهو في سبيله إلى ولادة نسخ متطورة من ذاته.

هيجل: لم أسمع قط مثل هذا الهراء!

جوته: ربما لأنك لم تدرس النصوص الصينية القديمة، أو الألواح السومرية القديمة، أو أخذت معتقدات فيثاغورس بجدية. هل ترفض القديس فرنسيس([10]) باعتباره انحرافا؟ كل هذه المصادر ـ وأنا متأكد من أن هناك الكثير غيرها ـ تضفي المصداقية على هذا الرأي. إن ما يزعجك أنك خلال جهودك لبناء نظام شامل، حتى قبل أن تدقق النظر في الفلسفة الغربية والتاريخ، قلت لنفسك: لابد وأن كل ما حدث هنا، في عالمنا الغربي، هو نتيجة لإرادة الله. ثم قمت ببناء منهجك حول هذا الرأي المتحيز، وعممته ليشمل الكون كله!

هيجل: ألا تؤمن بالله، جوته؟

جوته: بالتأكيد لا أؤمن بالإله الذي يقف ساكنا، بعيدا عن خلقه، محددا مسار التاريخ، مثل نابليون في المعركة هنا.

هيجل: إني أتفق معك في ذلك. إن الإله يعمل من داخل عقولنا، التي ليست سوى شذرات من عقله. من خلال التفكير، الذي يعمل بمقتضى قوانين ديالكتيكية، تشق الحضارة طريقها قُدما، أو بالأحرى إلى الأعلى. نحن أحرار، ولكن، فقط، في حدود قانون الإله، الذي يتجلى في الدولة. في حالة الطبيعة، نحن عبيد رغباتنا. حتى روسو كان قد اقترب من ملاحظة ذلك. نحن في حاجة إلى دول قوية يحكمها قادة مستنيرون. عندها فقط نكون أحرارا بالفعل. كما أن الحروب بين الدول تصبح ضرورية أحيانًا؛ لتوسيع نطاق الحضارات الأكثر تقدمًا. فكّر في التقدم البشري في عهد السلام الروماني([11]).

دوبرينر: ماذا؟ إن موقفك الوثني تجاه الدولة سينتج، في المستقبل، الكثير من مثل نابليون، الذين سيجتاحون أوروبا، وبالكاد أنقذت الأصل! لكن، على الأقل، نحن واضحون الآن. يقول هيجل خوضوا حروبا. بينما يقول جوته مارسوا الحب. إذا كان علي أن أختار، كنت أقول مارسوا الحب لا الحرب.

جوته: لكن هذه ثنائية زائفة. هناك قطبية كونية من الجاذبية والتنافر، حاضرة في كل الأشياء. في الحياة، بل حتى في المادة الخاملة. ويوجد، أيضا، مثير ثالث أطلق عليه: “التكثيف”. إنه الدافع للدمج، والتعقيد، والنمو ـ إذا شئت، للتعالي. وباعتبارنا كائنات ذات درجة عليا من الوعي ، الذي يتضمن الضمير، نعرفُ ما يجب علينا القيام به، في علاقاتنا بالكائنات الحية الأخرى. يجب ألا نؤذيها، حتى لو كانوا بغيضين بالنسبة لنا. يجب أن نؤكد الحياة العادية والحب الشخصي. ولكن يجب علينا، أيضًا، أن نعمل على تحسين حياة إخواننا من البشر، وهذا ما أسميه “الحب الاجتماعي”.

هيجل: لكن هذا مأخوذ بشكل مباشر من العهد الجديد. إذا قبلت ذلك، فعليك، أيضا، أن تعتبر حقيقة الثالوث المقدس: أن الآب، والابن، والروح القُدُس هو الأطروحة، التي تنفيها الفرضية النقيضة، مما يؤدي إلى انبثاق التوليف خلال جدل التجاوز([12])، الذي ينفي النفي. يدل هذا على أن الألوهية تفترض الشكل الجدلي. مثلما أن المثلث هو الأقوى والأكثر استقرارًا، بين الأشكال، في الطبيعة، كذلك هو في أمور ما وراء الطبيعة.

دوبرينر: هيجل، أنت لم تفهمني تماما هنا. كل هذا مجرد تخمينات. لقد قبلتَ نظرية جوته، والتي لشدة غرابتها ترتكز على ملاحظة العالم المادي، وحاولتَ دفعها إلى قالب مستمد من الهامات مريبة لمؤلفي عصر ما قبل العلم، ودمجتها بأفكارك الخاصة حول عملية التفكير. بعد ذلك، ستقوم بتطويع فكرتي عن الثلاثيات، لتضمها إلى مضيفك الجدلي. وقد منحك جوته مثلثًا آخرًا لتلعب به حسبما يقتضي الحال: الجاذبية، والتنافر، والتكثيف.

جوته: لكن الفكر العملاق، المعترف به عالمياً، للبروفيسور هيجل، لا يمارس ألعابا. إنه بعيد عن ذلك. حيث يؤكد اكتشافه للقانون الأساسي للفكر شهرته الراسخة، بغض النظر عن تطبيقاته. ولكن فيما يتعلق بالفكر، أود الرجوع إلى موضوعنا الأصلي، إلى أي مدى يسمو الوعي عن الشخصي. صحيح أننا عندما ننظر إلى الطبيعة، فإننا لا نرى شيئًا معزولًا أبدًا، وإنما يتعلق كل شيء بآخر قبله، أو بجانبه، أو تحته، أو فوقه. وما أدركه في أي لحظة، لا يزيد عن جزء صغير مما أعرفه. لكن الشك ينمو مع المعرفة. إضافة إلى ذلك، فكل الأشياء مؤقتة.

هيجل: ها أنت الآن، جوته، تبدو، إلى حد ما، شبيهًا بذلك الكاره للبشر شوبنهاور ـ الذي حاول، بالمناسبة، استدراج طلابي إلى شبكته الكئيبة، بإلقاء محاضراته في نفس توقيت محاضراتي. وغني عن القول أنه فشل.

دوبرينر: سيد هيجل، ليس لتفاؤلك أو  لتشاؤم شوبنهاور مكان في البحث الموضوعي عن الحقيقة. يجب علينا التعامل مع الطبيعة كما هي، وأن نحاول تحليل أسرارها خطوة بخطوة. عندما تكشف التجربة عن رد فعل غير متوقع، نكون في حاجة إلى أن نكررها عدة مرات، في ظروف مختلفة. عندها فقط يحق لنا طرح فرضية عقلانية حول ما حدث. هذا أمر منطقي.

جوته: لكن يا سيد دوبرينر، إن الحقيقة الموضوعية ليست هي الحقيقة الوحيدة. هناك أيضًا الحقائق الذاتية، التي ندركها في جمال الطبيعة والفن. يجب علينا أن نستمع إلى أغنية صغيرة واحدة،  على الأقل، كل يوم، وأن نقرأ قصيدة جيدة، وأن نرى صورة واحدة رائعة، وإذا أمكن، أن نتحدث ببضع كلمات معقولة. بالتالي، ربما يكون علينا، بناء على ذلك، أن نقول إن هناك حالات مختلفة من الوعي؟ أحدها عاطفي، والآخر عقلاني.

هيجل: حسنًا، إن دفقة المشاعر، التي تندفع إلى وعينا، تنبثق من  أجسادنا وتتصف بأنها حيوانية. وقد تكون جيدة أو سيئة. هذا ما يحدده ضميرنا. إن ذواتنا العقلانية وحدها هي ما تعرف إذا كانت نزعة غريزية معينة متوافقة مع الهياكل الاجتماعية التي تحيط بنا وتوحدنا مع غيرنا. ولكن على الرغم من  أن وعينا، بمعنى ما، منقسم، فيجب اعتبار أن الخط الفاصل بين النصفين المنقسمين يمتد أفقيًا وليس عموديًا. الذات العليا هي العقلانية، والذات الدنيا هي العاطفية.

دوبرينر: أنت تضع الذات العقلانية في مرتبة أعلى من العاطفية، لكنك لا تقول شيئًا عن عقلانية النظم الاجتماعية التي يجب أن يوليها ضميرنا اهتمامه، والتي يجب أن تكون ردود أفعالنا العاطفية متوافقة معها. هل يتحتم على قوانين وعادات أي مجتمع أن تجسد الأفضل للمواطنين الذين ينظمونها؟ لا أعتقد ذلك.

جوته: باعتباري عضوا في الطبقة الأرستقراطية، فإنني أحظى بامتيازات كبيرة. عندما أستيقظ في الصباح يمكنني أن أقرر القيام بأي شيء يعجبني. إذا كان هناك شيء مرهق يلزم القيام به، فيمكنني، ببساطة، أن أطلب من الخادم القيام به. يمنحني النظام الاجتماعي السائد حرية كاملة، بينما يمنح خادمي القليل جدًا؛ حيث يجب أن يبقى على استعداد دائم لتلبية أوامري. من الواضح أن هذا بعيد عن أن يكون نظاما اجتماعيا مثاليا. ومع ذلك، أظن أن أي بديل سيكون، على الأرجح، أسوأ منه ـ وأنا لست حريصًا على أن يتم اقتيادي إلى المقصلة. لذلك، فإن ضميري يعلمني أنه من أجل أن يكون الوضع متسما بالتبادل الإنساني، يجب أن آخذ على عاتقي مراعاة رفاهية خدمي الشخصيين، والقرويين الذين يخدمونني. سوف أساعدهم دائمًا، وأنقذهم من المشاكل، إذا استطعت.

هيجل: ترعاهم طوال الوقت.

دوبرينر: لكن جوته راعي. حتى لك أنت ولي أنا أيضا. من منحنا وظائفنا هنا؟

جوته: حسنًا، في حالتكما، كنت مجرد وسيط. أنا صديق الدوق. إنه تنفيذ لما يسميه الإنجليز “شبكة الصبي القديم”([13]). ولكن في حالتكما، فإن ما اتسمت به محاضراتكما ومنشوراتكما من ألمعية، هو ما أدى، في وقت لاحق، إلى قرارنا بتوظيفكما.

هيجل: أشكرك، جوته. لكن دعني الآن أعود إلى الوراء، وأحاول تحليل اختلافاتنا حول طبيعة الوعي . يبدو أن كلاكما يرى الوعي أشبه بازدهار كائن حي، له جذور عميقة في العالم المادي، وبالتالي هو موجود في العالم المادي خارج المجال الإنساني.

دوبرينر: أنت محق، إلى حد ما، بروفيسور هيجل. حقا، إن درجة التقارب في تفكيرنا رائعة، بالرغم من اختلافنا في نقاط البدء بنحو جذري. ولكن هناك اختلافات. أنا وجوته نرغب في تحسُّن أحوال الجنس البشري، لكنني ذو خلفية متواضعة، وأمارس عملي كعالم من منظور نفعي. جوته، إلى أعماقه، رومانسي وشاعر. يرى العالَم من منظور الفن، وأراه أنا من منظور العلم.

جوته: (مبتسما) هذا بيان شامل تقريبا، لكن دعونا لا نراوغ. يبدو أن الفن والعلم متفقان في أن الوعي ينبثق من العالم المادي. على الفلسفة، الآن، أن توضح بالضبط لماذا نحن مخطئون!

هيجل: إني أقبل التحدي. إن إجابتي قد تم أعدادها، من أجلي، من قِبَل سَلَفي: كانط. وقد أقرَّ ـ كما فعل أرسطو ـ بأن الحيوانات تظهر ما يؤكد أن لديها معيارا للإدراك العملي. بالتالي، لابد وأن لديها عقولا من نوع ما، وبالتالي: وعيا من نوع. أمَّا ما لا تملكه، كما هو واضح، فهو العقل المحض، كما لا تملك أي شعور بالأخلاقية، التي تصدر عنه. يمكنهم الحكم على ما قد يكون أكثر أو أقل فائدة لهم، بالتأكيد، ولكن لا يمكنهم الحكم بما هو صواب أو خطأ. إنهم لا يملكون ضميرا. إن  الشكل الأعلى للوعي، والقادر على التفكير المجرد وإصدار أحكام أخلاقية، موجود في مكان واحد فقط على هذه الأرض؛ وهذا في عقل الإنسان. هنا فقط نجد الوعي الحقيقي.

جوته: هيجل، لقد ارتقيت إلى بمستوى فكرتك إلى درجة أعلى وأوضح، لذا، أصبح من السهل علي الآن تصويب مدفعي! إن على الطيور، والبهائم، والنحل جميعها، مثل البشر، أن تخرج نسلها إلى العالم، وأن تعتني به، حتى ينمو، لتحل هذه الذرية محل والديها. في غضون هذه العملية، يجب عليهم جميعًا، مثلنا، أن يحققوا السلام مع جيرانهم؛ من أجل تأمين مساحة خاصة داخل قبيلتهم. هذه هي أخلاقهم، وأخلاقنا أيضا.

دوبرينر: لكن هذه مجرد غريزة. إنهم لا يتصرفون بوازع أخلاقي. فليس لديهم خيار حيال ذلك.

هيجل: بالضبط.

جوته: لم أنتهي بعد. لقد أثرت للتو مسألة الإرادة الحرة، سيد دوبرينر . يبدو أنك تتخذ الموقف الشائع؛ الذي يرى أن السلوك البشري يتحدد ذاتيًا([14]) بشكل فريد، ولكن سلوك الحيوانات الأخرى يتم تحديده من خلال شيء نسميه “الغريزة”. نحن نرسخ هذه التسميات عن الإنسان والحيوان؛ لتعزيز تحيزنا بأننا مختلفون بشكل تام ونهائي، ولكن لا يمكن للأمر أن يكون كذلك. فأي شخص لديه علاقة عاطفية مع حيوان، يعرف أنهما، من حيث الشخصية،  يختلف كل منهما عن الآخر، مثلما هو الحال بين البشر. إذا كانوا مجرد أشخاص آلييين، كما افترض ديكارت([15]) نظريا، فإنهم سيتصرفون جميعًا بنفس الطريقة. هناك تفسير أبسط وأكثر إرضاء يبين السبب وراء أنهم يبدون أشبه بنا كثيرًا ـ كائنات تحب، وتكره، وتتصرف أحيانًا بعقلانية، وأحيانًا بخُبث طوية، ولكن دائمًا في مظهر الضابطة لنفسها. إنهم مثلنا. ونحن مثلهم. إضافة إلى ذلك، أتنبأ أنه قبل مرور عدة سنوات، سيثبت بعض عباقرة العلم قانونًا طبيعيًا يربط بين الأنواع، ويُظهر كيف أنها قد نشأت عن بعضها البعض، وبلغت أوج تطورها في الكائنات الإنسانية. لكن الجنس البشري شأن رتيب. يقضي معظم الناس الجزء الأكبر من وقتهم في العمل؛ من أجل توفير أسباب العيش. وإلى أن يتمكن العلم من توفير الوسائل التي تحقق لنا الاندماج بين العمل والعيش،  وتجعلهما يحققان لنا المتعة والرضا، فلن نكون قد تقدمنا ​​إلى ما هو أبعد من الحياة البريَّة. هذا ما يقول لي وعيي.

 


الهوامش:

([1]) دافيد دوبرينر: مهندس معماري، وهو مؤلف المسرحية [المحاورة، في رأيي]، وأحد أقارب الكيميائي يوهان فولفجانج دوبرينر، إحدى شخصيات العمل. [المترجم]

[1] David Dobereiner, Consciousness: A Play In One Act

([2]) ثلاثيات دوبرينر: نظم الكيميائي الألماني يوهان دوبرينر في العام 1829 بعض العناصر في ثلاثيات اعتماداً على التشابه في صفاتها . ينص قانون دوبرينر على أن العناصر تنتظم في ثلاثيات، بحيث تكون الكتلة الذرية للعنصر الأوسط تساوي معدل الكتلة الذرية للأول والثالث. [المترجم]

([3]) فلسفة الوعي عند هيجل:  اعتبرت الفلسفة الهيجلية أن الميزة الأساسية للإنسان هي “الوعي بالذات. وأن هذه السمة تجعله قادرا على الارتداد إلى ذاته، وهي جوهر الفكر. استعمل هيجل مفهوم “الوعي” لتأسيس فلسفة شمولية. وبناء على ذلك فإن تاريخ العالم ـ من وجهة نظر هيجل ـ هو صراع من جانب الروح لتصل إلى مرحلة الوعي الذاتي، وهي المرحلة التي تكون فيها حرة عندما تسيطر على العالم. وقد وضح هيجل نظريته في فلسفة التاريخ في كتاب “محاضرات في فلسفة التاريخ” الذي جمع ونشر بعد وفاته. [المترجم]

([4]) التجاذب الاختياري: اسم رواية للأديب الألماني يوهان فولفجانج فون جوته، نُشرت للمرة الأولى في العام 1809. وقد أستعار عنوان الرواية من مصطلح دوبرينر كيميائي، الذي يصف به اتحاد الأنواع الكيميائية، وقد استخدم جوته المصطلح من أجل تشبيه العلاقات العاطفية والإنسانية به. [المترجم]

 

([5]) موضوعات الحس عند هيجل هي الكليات، التي نعرفها بالعقل، لا بالإحساس، وهذه الموضوعات تفترض ضمنا وجود أشياء حسية تجسدها، وهي الظاهر، الذي نعرفه بالحس، أما التصورات، والحقائق، والكليات، فندركها بالعقل القادر على التجريد والاستدلال. [المترجم]

([6]) نظرية فيثاغورس: هي علاقة أساسية في الهندسة الإقليدية بين أضلاع المثلث قائم الزّاوية. تنص على أن: مجموع مربعي طولي ضلعي الزاوية القائمة مساوٍ لمربع طول الوتر. [المترجم]

([7]) نظام الإحداثيات الديكاَرتية: لتحديد نقطة في مستوي عبر عددين، يطلق عليهما عادة الإحداثي س والإحداثي ص. [المترجم]

([8]) العضية الخلوية: هي الأجسام الحية الموجودة في سيتوبلازم الخلية. [المترجم]

 

([9]) الجزيء: أصغر وحدة من المادة الكيميائية النقية، التي تحتفظ بتركيبها الكيميائي وخواصها. [المترجم]

([10]) القديس فرانسيس الأسيزي (1181-1226): نصبته الكنيسة الكاثوليكية قديسا. كان يدعو إلى البساطة، والمحبة الحقيقية، واعتبر  القديس الراعي للحيوانات، والبيئة، ولإيطاليا، والنظام الفراسيسكاني. [المترجم]

([11]) عهد السلام الروماني Pax Romana: . فترة طويلة من السلام والاستقرار النسبيين عاشتها الإمبراطورية الرومانية(27 ق.م إلى 180 م)، مع نهاية الحرب الأخيرة للجمهورية الرومانية.، حققت الإمبراطورية الرومانية، خلال هذه الفترة، أكبر نطاق إقليمي لها، ووصل عدد سكانها إلى حد أقصى يصل إلى 70 مليون شخص، حوالي  ثلث سكان العالم. [المترجم]

 

([12]) جدل التجاوز: يستخدم هيجل المصطلح الألماني Aufhebung، وهي كلمة ألمانية تحمل معاني متضادة؛ ومنها: “رفع” و”إبطال” و”إلغاء” و”تعليق” أو “إقصاء”، وكذلك “حفظ” و”رفع”، والذي تمت ترجمته إلى الإنجليزية Sublation، وبحسب فلسفة هيجل، فإن المصطلح، أو المفهوم، يجري معه أمران متناقضان، هما: الحفظ، والتغيير، خلال تفاعله الجدلي مع غيره من المصطلحات أو المفاهيم. وهذا يوافق ما يقصده هيجل بحديثه عن ما ينتج من علاقة التفاعل بين الأطروحة ونقيضها. [المترجم]

 

([13]) شبكة الصبي القديم: تعني الروابط الاجتماعية والمصالح بين من كانوا زملاء قدامى، في المدرسة أو الجامعة، وصاروا في مراكز اجتماعية بارزة. [المترجم]

([14]) يقصد بذلك أن الإنسان هو من يسن قواعد سلوكه بنفسه. [المترجم]

([15]) أشخاص آليون automatons:. اعتبر ديكارت الكائنات الحية آلات بيولوجية، تعمل ذاتيا مثل الساعة. [المترجم]