مابعد الإسلاموية على نطاق واسع – آصف بيات / ترجمة: محمد العربي

مابعد الإسلاموية على نطاق واسع – آصف بيات / ترجمة: محمد العربي

ما بعد الإسلاموية آصف بيات

غلاف الكتاب

الفصل الأول (مابعد الإسلاموية على نطاق واسع) من كتاب (ما بعد الإسلاموية: الأوجه المتغيرة للإسلام السياسي)، أقرأ مقدمة كتاب “ما بعد الإسلاموية” تحرير: آصف بيّات، ترجمة: محمد العربي – نشر دار جداول 2016


أعرب الكثيرون عن مخاوفهم الجدية من العودة المحتملة للأصولية الإسلامية في المنطقة، على الرغم من الزخم العلماني للربيع العربي. ويميل داعمو النظم التي سقطت وقطاعات من مجتمع الخبراء في الغرب وكذلك اليمين الأمريكي والساسة الإسرائيليون إلى النظر إلى الأحداث الراهنة كبذور لصعود إسلاموي كاسح. ومن هنا، أصر المستشرق المعروف برنارد لويس، عقب أسابيع من زخم الثورات الشعبية العربية التي أطاحت بعدد من الطغاة العرب، على أن مسلمي الشرق الأوسط “ببساطة غير مستعدين لانتخابات حرة ونزيهة” أي غير مستعدين للديمقراطية، وأن أفضل ما يأملون به هو نظام شورى نابع من الشريعة[1]. وتعززت حالة الفزع من “الصعود الإسلامي” داخل المنطقة العربية الثورية عندما تمكنت أحزاب دينية مثل حزب النهضة في تونس، والإخوان المسلمين وحزب النور السلفي في مصر، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، من تحقيق انتصارات انتخابية مدهشة في خريف 2011.

على المرء ألا يستبعد، على الأقل على المدى القصير، إمكانية صعود ديني تقوده قوى اجتماعية تعرضت للقمع على مدار سنوات طويلة على يد نظم علمانية غير ديمقراطية. وفي الحقيقة، فتح إسقاط هذه النظم الديكتاتورية المجال الاجتماعي والسياسي لكل أنواع الأفكار والحركات، رجعية كانت أو تقدمية، دينية أو علمانية. وأثار الظهور غير المتوقع للمجموعات السلفية في بلدان الربيع العربي قلقًا جديًّا حول تآكل الحريات الفردية، وحرية التعبير والفنون، وحقوق المرأة وقضايا النوع الاجتماعي. وفي مثل هذه الأوقات المضطربة من تغير التحالفات وعودة النشاطات السياسية، لا يوجد أي ضمان لظهور نظام ديمقراطي؛ فكل شيء يعتمد على نضالات مكثفة ودؤوبة لتكون في صدارة القوى السياسية غير المعدودة التي تتجه الثورات نحو إطلاقها، معروفة كانت أو غير المعروفة، جديدة أو قديمة، وتعتمد أيضًا على النحو الذي ستتبناه بقايا النظم القديمة وحلفائها في الداخل والخارج.

على كلٍ، يرتبط القلق من “الحكم الديني” وعلاقته بالثورات العربية جزئيًّا بعادة لها جذوره بعيدة تتمثل في مضاهاة أي شيء “إسلامي” بالتعصب والتسلط والسلطوية. وفي هذا الإطار يتم ربط أي شكل للـ”حركات الإسلامية”، بطريقة أو بأخرى، بنمط النظام الديني الخميني أو بحكم طالبان الشمولي، وذلك بالتغاضي عن حقيقة أن هذه الحركات متنوعة وإن اندرجت تحت فئة “الحركات الإسلامية” أو “السياسة الإسلامية”. أما الجزء الآخر من هذا القلق فهو مفاهيمي؛ فهناك نزعة مؤسفة لجمع أنواع متباينة من التوجهات المتأثرة بالدين باعتبارها “إسلاموية” مع تجنب تحديد هذا المفهوم[2]، ومن هنا يصبح كل مسلم ذي لحية وعباءة، وكل مسلمة ترتدي الحجاب، وكل متطوع في جمعية دينية “إسلاموي”. سأعمل على إيضاح أن الأحزاب الدينية مثل حزب النهضة في تونس، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، والعدالة والتنمية الحاكم في تركيا، وهي الأحزاب التي يبدو أنها سببت هذا القلق العارم في وسائل الإعلام السائدة، هي في حقيقة الأمر ليست إسلاموية بل هي “ما بعد إسلاموية” حتى لو استمرت في تعريف نفسها على أنها إسلامية. وقد خصصت هذه المقالة لمناقشة “ما بعد الإسلاموية” على المستوى العالمي. وهنا أحاول دراسة تحولات الإسلاموية في العقود الثلاثة الماضية وإيضاح دلالات تغيراتها الخطابية والاستراتيجية المتنوعة نحو كيانات ديمقراطية في المجتمعات الإسلامية. وبالتحديد، أود أن أعيد النظر وأدقق في مصطلح ما بعد الإسلاموية بالاستعانة بالتحليل التاريخي الذي يقدمه هذا الكتاب من خلال دراساته الإحدى عشر والتي تغطي المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة الممتدة من إندونيسيا إلى المغرب.

الإسلاموية Islamism

ولكن، كيف لنا أن نعرف الإسلاموية؟ استخدم “الإسلاموية” للإشارة إلى الأفكار والحركات التي تسعى من أجل إقامة “نظام إسلامي” يتمثل في دولة دينية، وإقامة حكم الشريعة، وفرض القوانين الأخلاقية في المجتمعات الإسلامية. ويعد الارتباط بالدولة الملمح الأساسي للسياسات الإسلاموية، وهو ما يفرقها عن الجماعات الدينية غير السياسية، مثل جماعة التبليغ والدعوة الإسلامية؛ وهي حركة عالمية واسعة النطاق ليس لها أي اهتمام بالوصول إلى السلطة الحكومية ومنخرطة أساسًا في حركة دعوية تهدف إلى تحقيق صحوة روحية للمسلمين. ينصب الاهتمام الرئيسي للإسلاموية على إقامة مجتمع عقائدي، ويجب أن تكون كل الأهداف الأخرى المتعلقة بالعدالة الاجتماعية وتحسين حياة الفقراء تابعة لهذا الهدف الاستراتيجي[3].

ينبع إصرار الإسلامويين على الاستيلاء على سلطة الدولة من مبدأ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”؛ غير أن هذا المعنى القرآني يبقى غامض وذو تفسيرات مختلفة عما يمثله المعروف وعما يكونه المنكر ، ومن بسلطته الأمر والنهي، وكيف يقوم به. تاريخيًّا، كان القضاة والغلاة هم من أخذوا على عاتقهم سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل منع الخمور والدعارة والغناء. ولكن في الأزمنة المعاصرة، قامت حركات ودول (مثل السعودية وإيران) بهذا الدور بكثافة. ومن هنا، يتوق الإسلامويين إلى التحكم في الدولة، ليس فقط لأن هذت سيعزز من حكمهم، ولكن أيضًا لأنهم يعتبرون أن الدولة هي الأداة الأقوى والأكفأ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نتيجةً لهذا، فإن رؤى الإسلامويين الشرعية والقيمية تؤكد على “واجبات” الناس أكثر من “حقوقهم”؛ فهم مجرد رعايا ملزمون أكثر من كونهم مواطنين ذوي حقوق.

ومع هذا، تتنوع الحركات الإسلاموية فيما يتعلق بالطرق التي تتخذها لتحقق هذه الغايات الاستراتيجية. فيسعى “الإصلاحيون” إلى إقامة دولة إسلامية في النهاية، ولكن تدريجيًّا وسلميًّا ومن خلال الأطر الدستورية؛ فهم “إسلامويون انتخابيون” كما تصفهم حميراء اقتدار. يرفض هذا الاتجاه استخدام العنف، ويسعى إلى العمل من خلال الدولة- القومية عبر تبني الإجراءات الديمقراطية، كما يركز على تعبئة المجتمع المدني من خلال الروابط المهنية والمنظمات غير الحكومية والمساجد والجمعيات الخيرية. وتمثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر وفروعها في الجزائر والسودان والكويت والأردن هذا الاتجاه، وكذلك الجماعة الإسلامية “جماعتِ إسلام” في باكستان وحركة الميلي جوروش Millî Görüş في تركيا. ويبدو أن مجموعات عدة مرتبطة بالإخوان المسلمين تتبنى استراتيجية جرامشي في بناء هيمنة أخلاقية وسياسية في المجتمع، متوقعة أن الدولة ستصبح إسلامية على المدى الطويل نتيجة لأسلمة المجتمع. على أن تكيف هذه الحركات مع البنى السياسية القانونية ربما يتضمن ما يسميه أوليفييه روا “الدمقرطة الاجتماعية” مشيرًا إلى تحول الأحزاب الاشتراكية الأوروبية للعمل داخل الرأسمالية بدلاً عن العمل ضدها. وتبرهن الأحزاب الإسلاموية في الأردن والمغرب وإندونيسيا على سيرها على خطى الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية[4].

في المقابل، لجأت الحركات “المقاتلة” أو “الثورية” مثل الجماعة الإسلامية في مصر، والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، وجماعة الجهاد المقدس في إندونيسيا، وحزب التحرير وعسكر طيبه في باكستان، إلى الإرهاب والعنف الموجه إلى مؤسسات الدولة والمصالح الغربية والمدنيين من غير المسلمين، ساعيةً إلى تحقيق ثورة على النمط اللينيني للإطاحة بقوة الدولة، الأمر الذي سيطلق عملية أسلمة للمجتمع من أعلى. وما زالت هذه الإسلاموية المقاتلة مختلفة عن التوجهات “الجهادية” السائدة مثل المجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة؛ ففيما تمثل الإسلاموية المقاتلة حركات سياسية تعمل داخل دولها وتستهدف هذه الدول العلمانية بشكل أساسي، فإن الجهاديين يحملون أفكارًا ويقومون بعمليات عابرة للقوميات، وغالبًا ما يمثلون “حركات أخلاقية” خلاصية منخرطة في صراعات “حضارية” تستهدف الصدام مع المثل المجردة التي تجسدها الحضارة الغربية “الفاسدة” ومجتمعات “الكفار”[5]. وبالنسبة للعديد من الجهاديين، هذا الصراع، أي الجهاد، هو غاية في حد ذاته. وفي هذا السياق، فإنهم يلجؤون للعنف- بلا تمييز -ضد أهدافهم وضد أنفسهم (في شكل العمليات الانتحارية).

لقد خلقت الأحداث العالمية منذ التسعينيات (مثل حروب التطهير العرقي في البلقان، وحروب روسيا في الشيشان، وعودة الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة تحت حكم الليكود، وما خلفته أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول) حالة من الحصار وانعدام الشعور بالأمن بين مسلمي العالم. وقد عزز هذا بدوه من تصاعد شعورهم بالهوية الدينية والروابط الطائفية، مما أدى إلى صعود الاتجاه نحو “التقوى الفعالة”؛ وهي نوع من النزعة التبشيرية المختلفة عن الجماعات الإسلامية المنظمة “غير المسيسة” والتي تمثلها جماعة التبليغ والدعوة من حيث كونها تعتمد على الفردانية والانتشار والنزوع نحو السلفية الهادئة. ولا يبتغي المؤمنون بهذا النوع من التقوى، الذين يطلق عليهم أوليفييه روا “الأصوليين الجدد”، إقامة دولة إسلامية ولكن استعادة الذات وصقلها مع السعي نحو التبشير بهذه المهمة وزرعها في نفوس الآخرين. على هذا النحو، لا يعد هذا الاتجاه “إسلامويًّا”، ولكنه يسهم في الواقع في دعم الحساسيات المعنوية الإسلاموية.

تنظر التفسيرات الحداثية للإسلاموية باعتبارها حركة تعبر عن المسلمين “التقليديين” (مثل رجال الدين من العلماء والتجار وفقراء الحضر) الذين بنوا حلفًا لمقاومة التحديث السائر على النمط الغربي. غير أن الدلائل تشير إلى أن الحركات الإسلاموية قد تلقت الدعم من مجموعات اجتماعية متنوعة، التقليدي والحديث، الشباب والشيوخ، الرجال والنساء، ميسوري الحال والطبقات الدنيا. ومع ذلك، غالبًا ما يتمثل جوهر  الهيئات الناخبة للإسلاميين في الطبقات الوسطى المتعلمة ولكن غالبًا الضعيفة وخاصةً من موظفي الدولة والمهنيين وطلبة الجامعات والخريجين. ولقد بولغ في الفكرة الذائعة إلى حد كبير بأن فقراء الحضر وسكان العشوائيات هم الحلفاء الطبيعيين للإسلاموية بسبب “تدينهم اللصيق” وهامشيتهم الاجتماعية وحاجتهم إلى جماعة ينتمون إليها. وفي الحقيقة، تظل العلاقة بين فقراء الحضر والحركات الإسلامية علاقة نفعية بالنسبة للطرفين؛ فيمنح ففقراء الحضر الإسلاميين دعمًا مصلحيًّا في مقابل مكاسب مادية (الخدمات والمساعدات والحماية الاجتماعية)، وهو بشكلٍ ما نفس التحالف الذي قد يعقدونه مع المجموعات اليسارية والعلمانية[6]. ومن ناحية أخرى، فعلى الرغم من أن بعض القادة الإسلاميين يأتون من طبقة علماء الدين (مثل الخميني في إيران، وحسن نصر الله في لبنان، وجبهة علماء الأزهر الشريف في مصر)، فيظل الجزء الأكبر من قيادات الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي من المهنيين والمنتمين إلى حقول التعليم، بل إن الغالبية من علماء الدين التقليديين يعارضون الإسلاموية لتسيسها وعلمنتها “الجوهر الروحاني” للدين وموقع العلماء فيه. وبهذا المعنى يصف عبد الوهاب الأفندي الإسلاموية بمصطلحات “عالم-ثالثية” التي تتميز عن الإسلام “الآخروي” للعلماء التقليديين.

وعلى الرغم من تنوعهم، يستخدم الإسلاميون لغة دينية وإطار مفاهيمي، ويفضلون الأخلاق الاجتماعية المحافظة ونظام اجتماعي إقصائي، ويحتضنون أبوية المجتمع، ويتبنون توجهات غير متسامحة تجاه الأفكار وأنماط الحياة المغايرة. وشكلت أفكارهم وأنماط حياتهم أيديولوجية وحركة تقوم على مزيج من التدين والالتزام مع قليل من لغة الحقوق، وهو ما يجعلها مفارقة للرؤية ما بعد الإسلامويةPost- Islamism .

ماهية ما بعد الإسلاموية  

في عام 1995، كتبت ورقة بعنوان “قدوم المجتمع ما بعد الإسلاموي”، نشرت في العام 1996[7]، ناقشت فيها تبلور توجهات اجتماعية، ورؤى سياسية، وأفكارًا دينية جديرة بالملاحظة شهدتها إيران في مرحلة ما بعد الخميني، وهي النزعات التي جسدها “التيار الإصلاحي” في أواخر التسعينيات. تعاملت هذه الورقة الأولية مع التوجهات المجتمعية فقط، ذلك لأنه على مستوى الحكومة لم يكن هناك إلا القليل مما يمكن اعتباره “ما بعد إسلاموي” آنذاك. وفي الحقيقة، كان مفهوم “ما بعد الإسلاموي”، كما اُستخدم في الأصل، متعلقًا فقط بأوضاع الجمهورية الإسلامية في إيران، ولم يتضمن أي مجتمعات أو أوضاع أخرى. ومع ذلك، فإن جوهر هذا المفهوم يشير إلى تحولات الإسلاموية في أفكارها ومقاربتها وممارساتها من الداخل ومن الخارج.

ومنذ ذلك الحين، تبنى مراقبون بارزون في أوروبا وعدد من بلدان العالم هذا المصطلح حتى لو  كان على نحو وصفي في الغالب للإشارة إلى ما اعتبروه تحولاً عامًّا في توجهات واستراتيجيات الإسلاميين المقاتلين في العالم الإسلامي[8]. وفي هذا الاستخدام المبكر، انتشر مفهوم “ما بعد الإسلاموية” بشكل أساسي كتصنيف تاريخي لا تحليلي، وكإشارة إلى “فترة معينة” أو “نهاية مرحلة تاريخية”. ولقد أطلق كتاب أوليفييه روا البارز “تجربة الإسلام السياسي” مقولة انتهاء مرحلة تاريخية وبداية مرحلة جديدة. ومن ثم، وبسبب التأطير المفاهيمي الفقير  من ناحية وعدم الوعي بالمفهوم جزئيًّا من ناحية أخرى، تلقى مفهوم ما بعد الإسلاموية ردود فعل غير مرحبة في البداية. واشتبك بعض النقاد مع التعميم الساذج القائل بانتهاء الإسلاموية[9]، مجادليْن بأن ما يبدو قيد التغير ليس الإسلام السياسي (بمفهوم ممارسة السياسة في إطار إسلامي) ولكنه فقط النمط الثوري منه[10]. وذهب آخرون على نحو خاطئ، إلى القول بأن “ما بعد الإسلاموية” لم تشر إلى واقع محدد ولكن ببساطة إلى شكل من السياسات الإسلاموية[11].

في صياغتي الأصلية، مثلت ما بعد الإسلاموية “حالة” و”مشروعًا”. في المثال الأول، أشارت ما بعد الإسلاموية إلى الحالة السياسية والاجتماعية التي أعقبت مرحلة التجريب واستنزفت فيها جاذبية وطاقة ومصادر شرعية الإسلاموية حتى بين من كانوا مؤيديها المتحمسين. وأصبح الإسلاميين واعين بتماثلات واختلافات خطابهم في الوقت الذي يحاولون فيه أن يؤسسوا أو أن يتخيلوا حكمهم. وأصبح إطارهم السياسي، بفعل التجربة والخطأ المستمرين بالإضافة إلى العوامل الدولية والواقع المحلي، عرضة للتساؤلات والانتقادات. وستنتهي المحاولات البراجماتية لإدامة النظام في النهاية إلى تأكيد التخلي عن بعض المبادئ المؤسسة للإسلاموية. وأبحت الإسلاموية، نتيجة لظروفها الداخلية والضغوطات المجتمعية، مضطرة إلى إعادة اختراع نفسها، لكنها تقوم بهذا على حساب تحولها الكيفي. يقدم التحول الهائل في الخطاب الديني والسياسي في إيران خلال التسعينيات نموذجًا على هذا الاتجاه.

لقد نظرت إلى ما بعد الإسلاموية ليس فقط كحالة ولكن أيضًا كمشروع؛ أي كمحاولة واعية لتأطير مفاهيم ووضع استراتيجية لبناء منطق ونماذج متجاوزة للإسلاموية في المجالات الاجتماعية والسياسية والفكرية. مع ذلك، ويهذا المعنى، فهي ليست علمانية أو معادية للإسلام أو غير إسلامية؛ فهي بالأحرى تمثل سعيًّا نحو دمج التدين بالحقوق، والإيمان بالحرية، والإسلام بالتحرر. إنها محاولة لقلب المبادئ المؤسسة للإسلاموية رأسًا على عقب من خلال التأكيد على الحقوق بدلاً عن الواجبات، ووضع التعددية محل سلطوية الصوت الواحد، والتاريخية* بدلاً عن النصوص الجامدة، والمستقبل بدلاً عن التاريخ. إنها تريد أن تزاوج الإسلام والاختيار الفردي والحرية، على اختلاف درجاتها، من ناحية، والديمقراطية والحداثة من ناحية أخرى، لتحقيق ما أطلق عليه البعض “حداثة بديلة”. لقد تم التعبير عن بعد الإسلاموية في الاعتراف ببعض أسس العلمانية مثل التحرر من التزمت، والقطيعة مع احتكار الحقيقة الدينية. وفي الوقت الذي تتحدد فيه الإسلاموية بربط الدين بالمسؤولية، فإن ما بعد الإسلاموية تؤكد على التدين والحقوق. مع ذلك، فبينما تفضل الدولة المدنية غير الدينية، فإنها تتوافق على دور للدين في المجال العام.

في إيران، أشارت نهاية الحرب مع العراق (1988)، ورحيل آية الله الخميني (1989)، وبرنامج إعمار ما بعد الحرب تحت ولاية الرئيس هاشمي رافسنجاني على بداية ما أطلقت عليه “ما بعد الإسلاموية”. وبصفتها حركة رئيسية، تجسدت ما بعد الإسلاموية الإيرانية في حركات واتجاهات اجتماعية تم التعبير عنها في خطابات دينية مجددة قدمها الشباب والطلبة والنساء والعلماء الدينيون الذين طالبوا بالديمقراطية وحقوق الفرد والتسامح والمساواة بين الجنسين، إلى جانب فصل الدين عن الدولة. ومع ذلك رفضوا إلقاء الحساسيات الدينية بعيدًا. لقد أجبرت نضالات الفاعلون العاديون ومقاومتهم اليومية المفكرين الدينيين والنخبة الروحية والفاعلين السياسيين على البدء في إحداث نقلة نوعية في النموذج الفكري. وأدانت مجموعات من الثوريين الإسلاميين أفكارهم السابقة، واعتبروا أن الدولة الدينية خطرًا على كلٍ من الدولة والدين. وبشكلٍ ما، خلقت الدولة الإسلامية خصومًا لها من داخل نظامها ومن خارجه دعوا إلى علمنة الدولة مع الحفاظ على الأخلاق الدينية في المجتمع.

لتكوين ما بعد الإسلاموية جذوره الإيرانية السابقة عليها. ولكن إلى أي مدى امتد هذا الاتجاه إلى دول إسلامية الأخرى؟ وإلى أي حد يمكن تطبيق هذا المفهوم على سياقات أخرى؟ تقدم دراسات هذا الكتاب روايات مفصلة عن الكيفية التي تحولت بها السياسات الإسلامية في عشر دول ذات أغلبية مسلمة، هي؛ إيران ومصر وإندونيسيا وتركيا والسودان ولبنان والمغرب والسعودية وسوريا وباكستان، عبر ثلاثة عقود ماضية. ويحتوي نتاج هذه الدراسات على تواريخ مركبة ومتنوعة ومتعددة الأوجه، تشهد على التحولات الحركية للإسلاموية في أشكال ودرجات واتجاهات متعددة. بينما عملت الثورة الإسلامية في إيران في عقد الثمانينات كشرارة أطلقت حركات مماثلة في بلدان العالم الإسلامي، ساهمت تجربة ما بعد الإسلاموية الإيرانية بالمثل في إحداث تغير فكري لدى بعض الحركات الإسلامية. ولكن كيف ساهمت التحركات الداخلية والقوى العالمية منذ بداية التسعينيات في إحداث نقلة “ما بعد إسلاموية” بين كل حركة من حركات العالم الإسلامي؟ وأيضًا كيف لهذه التواريخ المتنوعة التي تقدمها هذه الدراسات أن تساعدنا على النظر إلى ما بعد الإسلاموية؟

نقد من الداخل

للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي المثال الأساسي الذي قام عليها مفهومي المبكر عن “ما بعد الإسلاموية”، خصوصياتها بالطبع؛ فقد حُكِمت إيران بحكومة إسلامية تامة، وأدت عملية الأسلمة من أعلى إلى وجود معارضات قوية بين قطاعات مختلفة من الناخبين، فيما خلقت السياسات “التنموية” للدولة، بلا قصد مسبق، مواطنين حداثيين يدفعون ويسعون إلى إقامة عملية سياسية ديمقراطية داخل إطار ما بعد الإسلاموية (انظر الفصل الثاني). غير أن ما بعد الإسلاموية ليست مقتصرة على إيران؛ فقد شهدت مجتمعات إسلامية أخرى مسارات ودرجات وأشكال متنوعة من مسار ما بعد الإسلاموية. في الثمانينات، اعتبر إسلاميو تركيا أن الإسلام عقيدة من شأنها أن تنظم المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية من خلال دولة إسلامية؛ واعتقدوا أنه على المسلمين أن يتحرروا من مفاهيم غربية حداثية مثل الديمقراطية والعلمانية والقومية والتقدم والحريات الفردية. ولكن بنهاية التسعينات، هجر الإسلاميون هذه الأفكار، وبحثوا عن نظام سياسي حديث يضمن مكانًا للمواطنين المتدينين. ومن ثم، بدلاً عن السعي نحو إقامة دولة إسلامية، شرعوا إلى تعميق الديمقراطية والتعددية والعلمانية في مواجهة الدولة الكمالية السلطوية. وليس من المدهش أن يكون “الإسلاميين” أنفسهم أكبر المستفيدين من دفاعهم المستميت عن حقوق الإنسان والتعددية والديمقراطية (انظر الفصل الثالث).

جسدت حركة الميلي جورش Millî Görüş، بقيادة نجم الدين أربكان الذي أنشئ حزب النظام الوطني عام 1970، الإسلاموية التركية. عارض الحزب الفوائد البنكية وعضوية أنقرة في المجموعة الاقتصادية الأوروبية مفضلاً “حضارة مستقاه من الإسلام”. وبعد حظر الحزب لكونه “معاديًّا للعلمانية”، أنشئت الحركة حزب الخلاص الوطني ذا الخطاب الشعبوي والمواقف المعادية للغرب والذي شهد صعودًا في انتخابات الثمانينيات. تم حظر الحزب مع الانقلاب العسكري، ثم بُعث من جديد عام 1983، تحت اسم مختلف؛ حزب الرفاه، وبمواقف أكثر تطرفًا. وفي انتخابات 1991 البرلمانية حاز الحزب على نسبة 17% من إجمالي التصويت وربح 65 مقعدًا. وأشر هذا الانتصار الرائع على عملية “دمقرطة اجتماعية” مضطردة للحزب؛ حيث بدأ في التعاون مع مجموعات غير دينية تركز على قضايا بعيدة عن الدين مثل الفقر. لكنه أحدث موجة من الصدمة لدى المؤسسة العلمانية عندما حاز على معظم الأصوات في الانتخابات البلدية عام 1994 بما في ذلك أنقرة وإسطنبول، ثم هزم كل الأحزاب العلمانية في الانتخابات العامة عام 1995. وأطلقت القوى العلمانية بقيادة الجيش والإعلام والقضاء حملة شعواء ضد التيار الإسلامي، ومنعوا الحجاب في المؤسسات الحكومية، وأغلقوا مدارس إمام- خطيب، وفرضوا رقابة مشددة على الأنشطة الدينية، ثم حلوا حزب الرفاه، واعتقل عمدة إسطنبول الشهير رجب طيب أردوغان.

لقد كان للمعارضة العلمانية الدور الأبرز في دفع الإسلاميين نحو  تبني مواقف أكثر “اعتدالاً” طبقًا لإحسان داغي. لذلك حل حزب الفضيلة محل حزب الرفاه متبنيًّا منذ نشأته خطابًا داعمًا للديمقراطية ومؤيدًا لأوروبا. غير أن الحزب تعرض لانشقاق في اجتماعه العام عام 2001، عندما تحدى الإصلاحي عبد الله جول القيادة التقليدية لأربكان وحاز دعمًا من قيادات الحزب وقواعده كي يصبح قائد الحزب. وخوفًا من إغلاق العسكريين للحزب مرة أخرى، تشتت الإسلاميون تدريجيًّا، فيما قام الإصلاحيون بتأسيس حزب العدالة والتنمية AKP الذي نجح وحاز على 47% من مجمل الأصوات في انتخابات 2007 العامة، وتمكن الحزب من حكم تركيا حتى اليوم. وخلال فترة حكمه، وسع الحزب من المساحة الديمقراطية في تركيا، وقيّد من تدخل العسكريين في الحياة السياسية، وألغى عقوبة الإعدام، واعتمد البث الإذاعي والتلفزيوني باللغة الكردية، وهدّئ من التوترات بين تركيا واليونان. وأصبحت تركيا نموذجًا للحكومة الديمقراطية في الشرق الأوسط بسبب نموها الاقتصادي المضطرد، وأصبح أردوغان بطلاً لدى الثوار العرب. وعند زيارته لمصر في سبتمبر 2011، دعا أردوغان الإخوان المسلمين إلى تبني ليس دولة دينية ولكن دولة ديمقراطية علمانية.

يمثل هذا المسار، طبقًا لإحسان داغي، الطريق التركي إلى ما بعد الإسلاموية، أليس كذلك؟ غير أن جيهان توغال يبرهن في هذا الكتاب، من خلال مقاربة اقتصادية سياسية، أن حزب العدالة والتنمية لا يمثل الانتقال نحو ما بعد الإسلاموية بل بالأحرى إعادة تجذير المحافظية التركية، وهي مزيج من التنمية والديمقراطية والقومية التركية وأيضًا إيمان المواطنين والحكام. وطبقًا لتوجال، فإن الإسلاموية التركية عكست عقيدة أصحاب الأعمال المحليين المتدهورة أحوالهم والذين واجهوا سياسات التصنيع والنضالات العمالية. لقد وجدت هذه العقيدة، والتي صيغت في لغة دينية ومشاعر معادية للغرب، قبولاً بين الفلاحين المحافظين والحرفيين الذين انتهى المطاف بالعديد منهم إلى مساكن عشوائية (gcekondu) في المدن الكبرى. وقد جسّد أربكان هذه العقيدة. وفي وجهة نظر توغال، فإن ما يمثله حزب العدالة والتنمية ليس ما بعد الإسلاموية (باعتبارها مزيجًا من التدين والحقوق والإيمان والحريات)، ولكن صعودًا للجماعات الدينية المحافظة، ولا سيما جماعة نورجو كولن *Nurcu Gulen المعادية لكل من الإسلاموية التي تعبر عنها الميلي جوروش والعلمانية التركية أو الدولة المسيطرة على الدين. وبعيدًا عن العقيدة الدينية، فإن حزب العدالة والتنمية يجسد في جوهره “الثورة السالبة” حيث استوعب تحدي الإسلاموية في الحاكمية النيوليبرالية والتي تتميز بسيادة المحافظية القومية، وعولمة السوق الحرة، والتعددية المقيدة، وحوصلة الدين.

تبرهن الدراستان عن تركيا على تحولات أساسية داخل الإسلاموية وكذلك بعيدًا عنها، وتختلفان حول درجة تبني حزب العدالة والتنمية للديمقراطية؛ فبينما يوضح داغي أن الحزب يجسد التحول الديمقراطي وما بعد الإسلاموي في الإسلاموية التركية، يؤكد توغال على حقيقته السلطوية. في الحقيقة، أثار اعتقال صحفيين لنشر مقالات معارضة، وعدم التسامح مع القومية الكردية، والقيود المتزايدة على السلوكيات وأنماط الحياة العلمانية في المجال العام، مخاوف جدية حول السلطوية المتصاعدة لحزب العدالة والتنمية[12]. غير أن هذا السلوك القمعي لا يعود بالضرورة إلى الخلفية الدينية للحزب؛ فربما تتورط الحكومات العلمانية في هذا السلوك غير الديمقراطي، خاصةً عندما تتعاظم ثقتها بنفسها كما هو في حالة العدالة والتنمية، في وجود نجاحات اقتصادية ومعارضة ضعيفة وتحويلها البلد إلى قوة إقليمية. ومع ذلك، وكما سأناقش لاحقًا، كان التوسع ما بعد الإسلاموي للحزب في الفضاء الديمقراطي متعارضًا مع تردده إزاء قيم الحقوق الفردية والحريات. باختصار، قيّد توسيع الحزب للفضاء الديمقراطي هيمنة الجيش على الحياة السياسية، فيما سهل نمو سيطرته عليها. غير أن هذا الفضاء الديمقراطي عزز قوى سياسية أخرى لمعارضة حكم العدالة والتنمية، مثل القوى الكردية التي علا صوتها.

يوضح مسار السياسات الدينية في المغرب بعض التشابهات مع الحالة التركية. كان للإسلام الراديكالي في المغرب، مثل حالات أخرى عديدة، جذورًا في الحرب الباردة، فقد دعمته الدولة كمحاولة لمواجهة اليسار العلماني الذي رُبط بالاتحاد السوفياتي والشيوعية على العموم. ومن هنا، كما يناقش سامي زمني في الفصل الخامس، قام الملك الحسن الثاني بمغازلة العلماء في السبعينات كي يحبطوا صعود الحركة اليسارية المتزايدة. والأهم، دعم النظام الشبيبة الإسلامية المغربية بقيادة عبد الكريم مطيع، وهي حركة إسلاموية قطبية [نسبة لأفكار سيد قطب] وسعّت نشاطاتها داخل الجامعات. غير أن أنشطة بعض هذه الجماعات تجاوزت ما رمى إليه النظام في الغالب، بل استهدفت النظام نفسه. وردًا على هذا، بدأت الدولة المغربية في ملاحقة قيادات هذه المجموعات، فيما فرت الأخيرة خارج البلاد وسعت إلى إشعال ثورة إسلامية ولكن بلا طائل. غير أن الكثير من القيادات التي ظلت في الداخل أخذت في التساؤل حول مزايا استراتيجية العنف وأفكارهم المتطرفة. ومن الانشقاق الأخير في الحركة، برز التيار “الإصلاحي” الذي جنح نحو السياسات الحزبية المشروعة في النهاية. يقول قائدٌ جهادي سابق ” لقد انتقلنا من مشروع بناء الدولة الإسلامية [في بداية الثمانينات]… إلى تكوين عقلية جديدة لها علاقة أكثر من إيجابية بالواقع الآن”. وتمكن إسلامي سابق؛ وهو عبد الإله بن كيران، من التغلب على عقبات النظام وأسس حركة التوحيد والإصلاح، وأسس لاحقًا من خلال التحالف مع أحزاب أقدم، حزب العدالة والتنمية PJD. أعلن الحزب رفضه للعنف واعترافه بالدستور و بالملك كأميرٍ للمؤمنين. ومع تصاعد شعبيته، أصبح الحزب ثالث أكبر حزب في البرلمان بحيازته 42 مقعدًا في انتخابات العام 2002، ثم أصبح في الصدارة في انتخابات 2011 حيث أصبح بن كيران رئيسًا للوزراء. ورسميًّا، لا يعتبر حزب العدالة والتنمية نفسه حزبًا دينيًّا ذا “مرجعية إسلامية”، ولكن كجزء من “التيار الإسلامي”.

بالتأكيد، فإن تحول الإسلامية في المغرب كان له مساره الخاص لأسباب أقلها أن الإسلاميين المغاربة، كما في تركيا، كان عليهم أن يعدّلوا من مشروعهم الإسلامي كي يجعلوها “صالحًا للعمل” بقيود معارضة الدولة والضرورات السياسية. ومع ذلك، فقد أحدثوا تحولاً نموذجيًا في منظورهم. وبتجسيده لهذا التحول، يمثل حزب العدالة والتنمية الطريق المغربي نحو ما بعد الإسلاموية. ويوضح سامي زمني أن الحزب قد تجاوز فكرة “الدولة الإسلامية”، وسعى بدلاً منها إلى خلق نظام اجتماعي يضمن العدالة من خلال احترام القيم الإسلامية. ويعترف الحزب، بهذه العملية، بـ”حقوق” الناس واختياراتهم بدلاً من التأكيد المجرد على “التزاماتهم”. وحتى مع استمرار  حركة التوحيد والإصلاح؛ وهي حركة إسلامية غير شرعية ولكن مسموح بها، في العمل كجمعية تتحدث في يعض الأوقات بلغة الشريعة و”الخليفة المنتخب” في نظام ديمقراطي، يبقى خطابها غامضًا وعرضة للتأويلات المتعددة؛ فقد أعلنت التزامها بالملكية الدستورية المغربية. وشهدت حركة العدل والإحسان القوية، ولكن غير الشرعية التي أسسها الشيخ عبد السلام ياسين، تغلغل شيئًا من العملية والبرجماتية، إذ أنها بدأت مؤخرًا في تدريب بعض الكوادر النشطة وإعداد البرامج السياسية والعمل مع الفاعلين السياسيين.

وعلى العكس من حالتيْ تركيا والمغرب حيث واجهت الحركات الإسلامية معارضة شرسة خاصةً من الحكومات مما أجبرها على تعديل مسارها، ازدهر الإسلام الراديكالي في إندونيسيا تحت الانفتاح السياسي الذي أعقب الإطاحة بحكم سوهارتو، ولكن النتائج ما لبثت أن تشابهت مع التجربة التركية والمغربية. فقد أطلق سقوط نظام سوهارتو الجديد في مايو 1998، كما يناقش نور هادي حسن في مقالته، مرحلة جديدة من الانفتاح النسبي والدمقرطة في أكبر دولة إسلامية في العالم. ومهدت عملية الإصلاح Reformasi التي تشير إلى إصلاحات اجتماعية وسياسية شاملة، إلى التحول الديمقراطي واللامركزية التي يسّرت من النشاط العلني للإسلاميين الراديكاليين الذين سعوا إلى إنشاء دولة إسلامية في إندونيسيا. وعزز الإخوان المسلمون والسلفيون وحزب التحرير من وجودهم العلني. وظهرت جماعات مقاتلة جديدة مثل “المجاهدون الإندونيسيون” و”مجلس الجهاد” و”حماة الجبهة الإسلامية” و”جماعة الجهاد المقدس” و”الجماعة الإسلامية” ظهورًا دراميًا علنيًا في بعض الأحيان. وفيما اختار السلفيون والإخوان المسلمون تطبيق الشريعة سلميًّا، لجأ المقاتلون إلى العنف حيث هاجموا المقاهي والملاهي والحانات داعين إلى الجهاد في جزر الملوك. وفضّل حزب التحرير السعي نحو إنشاء خلافة إسلامية في إندونيسيا.

غير أن فشل الإسلاميين المجاهدين في نشر استراتيجيتهم العنيفة بعد عقد أسفر عن الدعوة السلمية لتطبيق الشريعة على المستوى الشخصي بدلاً من أن تقوم الدولة الوطنية بفرضها على المواطنين. وفي حقيقة الأمر، ساعدت اللامركزية الإندونيسية على دمج الإسلاميين الجهاديين في البناء السياسي حيث تمكنوا من تطبيق بعض المواد المتعلقة بالشريعة الإسلامية على المستوى المحلي بعد الفوز في الانتخابات المحلية. وكانت هذه عملية جنوح الإسلاميين نحو “الاعتدال” عمومًا، وشارك فيها بفاعلية حملات دعم ما بعد إسلاموية.

أثارت الإسلاموية المسلحة حفيظة العديد من النشطاء والمفكرين الإسلاميين في إندونيسيا لما تضمنه التطرف من مخاطر على الإسلام والمجتمع والسياسة في نظرهم، وأجبروا على التصدي لهذا الفكر  وإنقاذ الموقف بتقديم برنامج مختلف، ما بعد إسلاموي. وحملت مجموعات ذات صوتٍ عال مثل الشبكة الإسلامية الليبرالية ومعهد “الواحد” ومعهد المعارف للثقافة والإنسانية لواء تقديم الإسلام “الصحيح” والمغاير  لما يقدمه الجهاديون. وتنبهت هذه المجموعات النقدية إلى أن الإسلام الراديكالي يرفض الديمقراطية ويشوه السياسة بدمج الدين بها ويفسد الإيمان بتسيسه. وفيما سعت إلى الحفاظ على الدين فإنها سعت وبالتساوي أيضًا إلى الحفاظ على الدولة العلمانية الديمقراطية حيث تنفصل فيها شؤون الدين عن شؤون السياسة.

كان أحد نتائج هذا الخصام الفكري نشأة حزب العدالة والازدهار PKS من خلفية إسلاموية ترى في الإسلام نظامًا شاملاً للحياة وعقيدة سياسية تقع الدولة الإسلامية في القلب منها. ومع فشل الحزب في الحصول على دعم يذكر في انتخابات عام 1999، اتجه الحزب إلى التجدد وإعادة النظر؛ حيث تبنى خطابًا وطنيًّا ديمقراطيًّا يركز أكثر على الإصلاح الأخلاقي بدلاً من تحقيق المكاسب السياسية. وحوّل مبادئه، مثل حزب الشعب الماليزي PKS، من الدعوة إلى إنشاء دولة إسلامية إلى التركيز على مقاصد الشريعة باعتبارها غاية الإسلام التي تتحدد بإقامة العدل والحكم الرشيد وحقوق الإنسان[13]. واعترف الحزب بمبدأ الدولة العلمانية كشرط مسبق للديمقراطية الليبرالية؛ فقد ارتضى البناء العلماني للدولة الإندونيسية ودافع عن اتساق الإسلام مع الديمقراطية. ومع هذه الرؤية الجديدة، وسّع حزب العدالة والرفاهية من قاعدة تأييده لتنتقل من 1% عام 1990 إلى حوالي 8% من التصويت في الانتخابات العامة عام 2009، ليصبح رابع أكبر حزب في البلاد بعد الحزب الديمقراطي وحزبيْن علمانييْن آخريْن.

فتحت الديمقراطية الانتخابية مساحةً لنمو الإسلاموية في إندونيسيا منذ عام 1998. ومع ذلك، وخلال تعميق الديمقراطية دُفعت الإسلاموية إلى الهامش. تحول هؤلاء الذين كانوا يدعون لتطبيق الشريعة إلى الدعوة الشخصية، وانتقلت الأحزاب الدينية عبر السياسات الانتخابية لتصبح جزءًا لا يتجزأ من الديمقراطية الإندونيسية، غير أنها بقيت هامشية؛ فهي تشارك في الانتخابات وتفوز أحيانًا، وأحيانًا أخرى تخسر، لكنها تستمر في حملاتها الانتخابية. يُمثل هذه النموذج الذي يقدمه نور هادي حسن الطريق الإندونيسية نحو ما بعد الإسلاموية.

التغير المتأرجح

بطريقةٍ ما، تتشابه مصر ما بعد مبارك مع إندونيسيا ما بعد سوهارتو؛ فقد أصبحت الأحزاب الإسلامية في مصر، كما في إندونيسيا، على المرأى والمسمع من الجميع، واستطاعت أن تسيطر على أول برلمان منتخب بعد سقوط مبارك. هل تمثل الطريق الإندونيسية المستقبل المحتمل للإسلاموية المصري، خاصةً الإخوان المسلمين الذين تسهل الديمقراطية الانتخابية من صعودهم؟* ربما يعطينا تتبع مسار تطور الإسلاموية المصرية جزءً من الإجابة. في سبتمبر 2011، عبّر  رجب طيب أردوغان أثناء زيارته لمصر عن تمنيه لو  تبنت مصر الدولة العلمانية لا الدولة الدينية، وفيما عبر  بعض قادة الإخوان عن امتعاضهم من هذا، سادت الحماسة في أوساط بعضهم خاصةً الشباب. تعكس هذه الازدواجية الخطابية كلاً من الاستمرارية والقطيعة في خطاب الفكر الإسلاموي المصري في عمومه. مع ذروة صعودها في الثمانينات، كما أوضّح في هذا الكتاب، تشكلت الإسلاموية المصرية من قطاع عريض من المنظمات والفاعليات والمشاعر، تقع في القلب منها جماعة الإخوان المسلمين الإصلاحية ويحيط بها الجهاديون والجماعة الإسلامية، وكذلك الطلاب الإسلاميون والنساء والنقابات المهنية. احتضنت هذه الإسلاموية رؤية أخلاقية محافظة، ولغة شعبوية، ومواقف أبوية، والتزامًا بالنصوص. ولكن مع بداية التسعينيات وعبر الدعوة والعمل النقابي، شملت الحركة قطاعات عريضة من المجتمع المدني وبدأت تحل مواقع في مؤسسات الدولة. وعلى الرغم من فشلها في إزاحة النظام العلماني، تركت الحركة الإسلاموية علامات بارزة على الدولة والمجتمع. فمع ذيوع وانتشار المزاج الإسلامي، تلاقى قطاعات مختلفة من النخب الفكرية والأغنياء الجدد والأزهر والنخب الحاكمة حول لغة أخلاقية محافظة ونزعة وطنية أهلية كان من شأنها تهميش الآراء النقدية والأفكار الدينية المجدة ومطالب التحول الديمقراطي.

ومع ذلك، أدت التحولات العالمية والإقليمية مثل نهاية الحرب الباردة وتصاعد خطاب المناداة بالديمقراطية والمجتمع المدني وصعود نموذج ما بعد الإسلاموية الذي مثله محمد خاتمي، إلى تعديلات هامة في الحركة الإسلامية في مصر. فقد تخلت الجماعة الإسلامية عن السلاح ونبذت العنف واختارت العمل تحت حزب سياسي شرعي لممارسة الدعوة السلمية حتى مع بقاء عقيدتها الإسلاموية. وتحدث مصطفى مشهور؛ مرشد جماعة الإخوان المسلمين، عن “التعددية” للمرة الأولى عام 1997، وأتقن “شباب الإخوان” لغة الديمقراطية والمجتمع المدني والمحاسبية، مفضلين فكرة محمد خاتمي عن “الديمقراطية الإسلامية”. بل إن البعض منهم تحدث عن حقوق المرأة والأقليات. تعمق هذا الخطاب الجديد في السنوات التي أعقبت نشاط حركة كفاية (2005)، ولا سيما بعد الثورة المصرية عام 2011، عندما أدى النقاش الداخلي بين الحرس القديم و”الشباب” إلى شق صفوف الحركة. ففيما ظل الحرس القديم مثل محمود عزت ومحمد بديع إسلامويًّا محافظًا، مالت القيادات الشابة متمثلة في عبد المنعم أبو الفتوح إلى النموذج الذي يمثله حزب العدالة والتنمية التركي وهو ما قربهم من حزب الوسط الذي انشق عن الجماعة في نهاية التسعينيات. فضّل حزب الوسط الحديث عن الديمقراطية الحديثة عن رفع لواء الشريعة الإسلامية وتبنى التعددية الدينية ورحب بالاختلاط ودعم التنوع الفكري ووصول المرأة إلى المناصب العليا. وعمل الناشط المسيحي رفيق حبيب كمفكر الحزب الرئيسي[14]. وفي أعقاب الثورة المصرية، مال كثير من شباب الإخوان المسلمين نحو الرؤية ما بعد الإسلاموية مما أدى إلى فصلهم أو خروجهم الجماعي من التنظيم.

 أدت أزمة الإسلاموية حول العالم (التي تقودها إيران والقاعدة وطالبان) بعد أحداث 11/ 9 وتداعياتها، وفشل القومية العربية في مساعدة الفلسطينيين على تقرير المصير ، والانتشار السريع لتكنولوجيا الاتصالات والإعلام المجتمعي، إلى ظهور جمهور جديد على الساحة بنزعة ما بعد أيديولوجية وما بعد إسلاموية على نطاق واسع. وجسّدت ثورة يناير  2011 هذه الرؤية الجديدة بشعارها “عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية”[15] . كانت جماعة الإخوان المسلمين مضطرة إلى أخذ هذه المستجدات في الاعتبار، غير أنها فشلت في إعادة تقييم رؤيتها. وتبعًا لهذا، أخذت مواقفها مدفوعة، بدرجة كبيرة، بمقتضيات الأحداث بدلاً من أن تعمد إلى إعادة التفكير في أفكارها القديمة. وبالتالي، اتسم المسار غير المنظم لتغير السياسات الدينية للتنظيم بالبراجماتية والجزئية. ولكن قد يؤدي عمل الإخوان من خلال الديمقراطية الانتخابية إلى تحولات أكثر تنظيمًا، ربما مثل حالة العدالة والتنمية في تركيا والعدالة والرفاهية في إندونيسيا والعدالة والتنمية في المغرب. وإلا ستدفع الانشقاقات المحتملة من الجماعة إلى انهيار صرحها الأيديولوجي. وعلى أي حال، قد تجد النقاشات حول الحريات والحقوق الفردية والمساواة بين الجنسين وحماية الأقليات أرضة خصبة لها.

وفيما دفعت القطاعات العلمانية والبيئة المعادية في تركيا والمغرب والتحول الجيلي وظهور فئات جديدة في مصر، الإسلاميين إلى الشروع في خطابٍ جديد، لعب الانقسام الطائفي في لبنان دورًا هامًّا في التحول الكبير في أيديولوجيا حزب الله. توضح دراسة جوزيف الأغا الكيفية التي تطور بها حزب الله من حركة ملتزمة حرفيًا بفكرة الخميني عن “ولاية الفقيه” في عقد الثمانينيات إلى حزب سياسي منخرط بالكامل في النظام السياسي اللبناني. هجر الحزب فكرته الماضية التي تسعى نحو إقامة دولة إسلامية في لبنان على أرض الواقع لصالح مبدأ المواطنة التي تعترف بالحقوق غير المسلمين الكاملة. وانتقل الحزب من كونه حركة إقصائية تعتبر مسيحيي لبنان أقلية خاضعة للجزية إلى كيان سياسي يقيم تحالفات ويكسب تأييد الأحزاب المسيحية في السنوات الأخيرة. أصاب هذا التحول في أيديولوجيا حزب الله السياسية صقوره مثل الشيخ صبحي الطفيلي، الذي انشق بجناح يسعى إلى الحفاظ على أصولية الحزب، غير أنه لقي ترحيبًا ضئيلاً  بين الطائفة الشيعية.

نسج الحزب تحالفات مع الدولة الإسلامية في إيران ونظام البعث في سوريا، مدفوعًا بمصلحة الذاتية. وفي الحقيقة، دعّم الحزب حكام إيران بغض النظر عن كونهم محافظين أو  إصلاحيين؛ ففي التسعينيات، دعم الحزب خاتمي عندما كان في السلطة، لكنه اصطف مع المحافظين عندما قمعوا الإصلاحيين وما بعد الإسلاميين أعقاب تزوير انتخابات 2009. حتى إن الحزب لا يخجل من دعمه لنظام بشار الأسد وهو يسحق الثورة السورية بوحشية عام 2011. تنبع هذه المواقف من اعتبارات السياسة الواقعية والمصلحة الذاتية للحزب أكثر من مبادئه العقيدية.

من هنا نتساءل، أي نوع من “ما بعد الإسلاموية” يمثلها حزب الله، إن كان يمثلها بالأصل؟* في أفضل الأحوال، قد يمثل حزب الله شكلاً من ما بعد الإسلاموية المتوجهة نحو الممارسة والفعل أكثر من البلاغة الخطابية، ونحو تحول في السياسة تدفع به تعقيدات المجتمع اللبناني وتاريخه. وفي الوقت الذي تخلى فيه الحزب عن فكرة إقامة دولة إسلامية باختياره العمل داخل الدولة متعددة الديانات والأعراق والتوافق معها، توارى خطاب ولاية الفقيه. وحاول حسن نصر الله معالجة هذه الثنائية بالتمييز بين الفكر  السياسي الذي يزال الحزب محافظًا عليه، والبرنامج السياسي وهو الذي تم تعديله. واتضح ببساطة أن حقيقة المجتمع متعدد الطوائف في لبنان تجعل من فكرة الدولة الإسلامية غير ممكنة حتى لو كانت مرغوبة. ومن هنا لم تكن الإجابة التي سمعتها من آية الله محمد حسين فضل الله؛ “المعلم الروحي” لحزب الله، مدعاة للدهشة. عندما سألته عام 2004 عن النظام الأمثل الذي يتخيله للبنان أجاب بقطعية “بالطبع ليس ولاية الفقيه”. وفي الحقيقة، وكما يستنتج الأغا، شهد بيان حزب الله في عام 2009 لبننة كاملة دون أي إشارة إلى ولاية الفقيه أو أي شكل لدولة إسلامية.

نقد من الخارج

في تجارب إيران وتركيا والمغرب ومصر ولبنان، كانت الحركات الإسلامية ذاتها هي التي شهدت تحولات (في الفكر أو الممارسة أو كليهما) بينما تواجه قصور نموذجها وحقائق مجتمعاتها والضغوطات الخارجية. وفي حالاتي باكستان والسعودية، ظهرت جماعات ما بعد إسلاموية، كثير منها لم يكن له ماضٍ إسلاموي، لإصلاح وتحييد ما رأت فيه عواقب وخيمة على المجتمع والدين تمثلها الإسلاموية الجهادية والإقصائية. ولم يكن نقدها إذًا منصبًا على الذات، ولكن على أسرتهم الأيديولوجية في الغالب؛ أي كان موجهًا للإسلاميين الذين شاركوهم لغة دينية شاملة.

تلقي دراسة حميراء اقتدار الحصيفة أضواء لازمة على مشهد السياسات الدينية المعقد في باكستان، حيث أعطت الجماعة الإسلامية “جماعتِ إسلام” JI كلاً من الاتجاهات الجهادية والديمقراطية دفعةً إلى الأمام؛ فمن بين كل الجماعات الإسلامية في باكستان، ظلت الجماعة الإسلامية الأقوى والأكثر تنظيمًا. وكانت الجماعة التي أسسها أبو الأعلى المودودي شريكًا بارزًا في مشروع الأسلمة الذي قاده الجنرال ضياء الحق، واستمرت في اكتساب مزيدٍ من القوة منذ ذلك الحين. غير أن الجماعة ليست حركة ثورية أو عنيفة أو جهادية، بل تمثل، مثل جماعة الإخوان المسلمين المصرية، النموذج الباكستاني من “الإسلاموية الانتخابية”. ومع ذلك، تعهدت الحركة بالسعي نحو الاستيلاء على الحكومة من أجل أسلمة المجتمع والدولة. وبهذا المعنى تظل إسلاموية. لم يتغير  إلا القليل في الدستور الداخلي للجماعة الإسلامية، ولكن انشق عنها العديد من أفرادها والمجموعات المرتبطة بها مشكلةً مجموعات ذات أفكارٍ خاصة. وطور هؤلاء المنشقون اتجاهيْن متعارضيْن؛ اشتمل الاتجاه الأول على فصائل أكثر عسكرة وراديكالية ولا سيما جماعة الدعوة وجناحها العسكري “عسكر طيبة” الناشط في إقليم كشمير والذي جنح إلى “القاعدة”. بدأت جماعة الدعوة بممارسة نشاطات غير  عنيفة تستهدف مجاليْ الدعوة والإحسان/ الرفاهية، غير إنها اتجهت إلى منهج العسكرة والعنف أساسًا كرد فعلٍ على تورط الولايات المتحدة في باكستان. وصعد السلفيون الجهاديون إلى مسرح الأحداث في سياق الحرب الأفغانية، غير أن المخابرات الباكستانية استطاعت خطب ودهم.

دفع صعود التطرف الديني بمنتمين إلى الجماعة الإسلامية إلى تطوير خط فكري حداثي ومعادٍ للإسلاموية مثّله جاويد غامدي من ناحية، واتجاه أكثر تقوية قريب من جماعة التبليغ الإسلامي من ناحية أخرى. انفصل غامدي؛ عالم القرآن والزميل السابق للمودودي، عن الجماعة الإسلامية في أواخر السبعينيات وذلك لنقده لاهوت المودودي الذي يركز على التكليفات والالتزامات. ولبضع الوقت، ارتبط غامدي بمشروع الرئيس برويز الرامي إلى العلمنة عبر  “الاعتدال المستنير”، وتصادم بشراسة مع الأفكار الجهادية وفكرة الدولة التي يحكمها إسلاميون. وعلى نحو مشابه، رفعت جماعة “الهدى” التي أسستها الداعية فرحت هاشمي شعار الإيمان الشخصي، ورأت أن التغيير يكمن في الأفكار والسلوك الشخصي كأساس لإحداث التغيير  في المجتمع ككل. ومع اكتسابها شعبية جارفة خاصةً بين النساء والطبقة الميسورة، نمت جماعة الهدى لتصبح حركة عالمية لها فروعٌ منتشرة في كندا وأستراليا والولايات المتحدة. تبشر  الاتجاهات “الليبرالية” الإسلامية بإسلام استيعابي وبسلوك أخلاقي يجمع بين الإيمان والتفكير العقلاني. ويجد هذا التيار ، الذي هجر  في عمومه السياسة التقليدية، قبولاً بين الطبقات المتعلمة والميسورة والحضرية التي تريد الحفاظ على إيمانها والابتعاد عن سياسات الإسلاموية الراديكالية المزرية مع تعزيز احترام حياتهم اليومية ورفاهية أمتهم.

وعلى الرغم من هذا الصعود، تظل التيارات الإسلامية الحداثية ضعيفة في مواجهة هيمنة التوجهات الراديكالية التي تتعزز قوتها بالموقع الجيوسياسي لباكستان؛ علاقتها بأفغانستان وطالبان و”الحرب على الإرهاب” والتدخلات الأمريكية. وفي الحقيقة، فإن التدخل الأمريكي الإمبريالي هو ما يعيق نمو الإسلام الاستيعابي الذي يحتضن أفكار الحرية والاختيار والتسامح، إذ أنها دائمًا ما يتم تأطيرها ورفضها بسهولة باعتبارها قيمًا مستوردة من الغرب والولايات المتحدة والإمبريالية.

وأدى خطاب محافظ مماثل دعمته الدولة السعودية والعلماء إلى إعاقة نمو  اتجاه “إسلامي ليبرالي” ناشئ في السعودية في العقد الماضي. ظهر هذا التيار، كما يناقش ستيفان لا كروا في هذا الكتاب، في بداية التسعينيات كأحد روافد حركة “الصحوة” المقموعة؛ وهي مزيج من أفكار الوهابية والإخوان المسلمين، في سياق “الانفتاح” الفكري الذي دعمه ولي العهد الأمير عبد الله آنذاك. أخذ أعضاء هذا التيار ، من أساتذة جامعيين وقضاة وصحفيين ومهنيين ونشطاء المجتمع المدني، في متابعة أنشطة بعضهم على شبكة الإنترنت والصحافة التقليدية والجمعيات غير الحكومية، ونظموا نقاشات أسبوعية في بريدة والرياض وجدة. وكان بعضهم إسلاميين سابقين دعوا فيما سبق إلى ثورة إسلامية في الجزيرة العربية، غير أنهم اختاروا لاحقًا دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والنظام التعددي. ودعت المجموعة على وجه الخصوص إلى إصلاح العقيدة الوهابية التي رأوا فيها السبب وراء “التخلف السياسي” للسعودية. وفي بيانها الصادر في أبريل 2002 خلال التداعيات الحرجة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر ، عملت المجموعة على الحديث عن التعايش السلمي مع الغرب. وبعد عامٍ واحدٍ، طالبت بالإصلاح السياسي وبرلمان منتخب والفصل بين السلطات والحريات الأساسية. وبدأت حركة ما بعد إسلاموية وليدة في الجزيرة العربية.

كانت هذه الأفكار والمطالب في غاية التطرف في وجهة نظر السلطات السعودية وعقيدتها الوهابية، واتهمت “الإسلاميين الليبراليين” بـ”الإرهاب” وزجت بالعديد منهم في السجون. ومع ذلك، حوّل المتهمون محاكماتهم العلنية إلى منتديات عامة لدعم حرية التعبير. وبمجرد خروجهم من السجن، عاودوا أنشطتهم بعقد الاجتماعات وإصدار البيانات الداعية إلى  الإصلاح. وأخذ بعض النشطاء  خطوة أخرى للأمام بإنشاء جمعية الحقوق السياسية والمدنية السعودية، ولاحقًا أثناء الربيع العربي عام 2011، شكّلوا أول حزب سياسي سعودي؛ حزب الأمة الإسلامية. ولكن يرى لاكروا أنه لا يجب أن نبالغ من قوة هذه الحركة الوليدة. فقد عانت من أوجه قصور عديدة نجحت في النهاية في القضاء عليها. منذ 2004، قلصت حملات الاعتقال والمراقبة من قدرة المجموعة على نشر أفكارها. ولم تستطع مطالبة المجموعة بالديمقراطية أن تخاطب المخيلة الشعبية في مقابل ضخ الملك الفوري لـ36 مليار دولار أمريكي كحزمة رفاهية (تمثلت في زيادة الأجور وزيادة دعم السلع ومساعدات) للمواطنين السعوديين لإسكات المعارضة في خضم الثورات العربية. وعانت الحركة الوليدة أيضًا من خلافات داخلية حول الأفكار والغايات الاستراتيجية مثل أسبقية الإصلاح الديني على الإصلاح السياسي، كما فشلت في كسب تأييد أو على الأقل تحييد قطاع العلماء السعوديين القوي الذي أظهروا بعض التعاطف مع مواقفها. بالأخير، ثبت أن فرص هذا التيار هي ما يكبله؛ فقد استفاد من المساحة التي خلقتها المنافسة السياسية بين أفرع الأسرة الحاكمة؛ تحديدًا بين الأمير عبد الله والأمير سلمان من الفرع السديري. ولكن بمجرد أن رفع الأمير عبد الله غطاء الدعم عنه، كونها راديكالية بالنسبة إليه، تم تهميش تيار “الإسلاميين الليبراليين”.

ولكن قد لا تكون هذه هي النهاية؛ فقد كشف الربيع العربي وما خلقه من حماس بين المواطنين السعوديين ومخاوف بين حكامهم هشاشة اللاهوت السياسي للمملكة. وذكرنا تعبير نشطاء من الشباب والمرأة والمفكرون عن غضبهم في منتديات عامة وعبر الإعلام المجتمعي وفي الشوارع بإيران في بداية التسعينيات حيث كان التعبير عن الاستياء وأنماط الحياة غير المحافظة بداية انعطافة إيران الما بعد إسلاموية. وكشف مسح للقيم في سبتمبر 2011 أن 71% من السعوديين في العينة يوافقون على أن “الديمقراطية هي الشكل الأفضل للحكومة”، مقارنةً بـ58% عام 2003، وفيما اعتبر 70% أن “الشريعة أمر هام” عام 2003، وافق 30% فقط على هذا الرأي عام 2011[16]. كما ذكّرت الباحثة السعودية مضاوي الرشيد قارئيها في فبراير 2011، فإن التغيرات المتسارعة في هوامش المجتمع السعودي قد تشّكل مفاجأة كبرى[17].

هل هي ما بعد إسلاموية مستمرة؟

ولدت الحركات والتيارات ما بعد الإسلاموية التي تناولتها حتى الآن من رحم تحولات أو نقد لسياسات إسلاموية مسبقة هيمنت على المجتمعات الإسلامية في السنوات الأخيرة. غير أن تجربتيْ السودان وسوريا توضحان أن ما بعد الإسلاموية ليست مجرد ظاهرة مرتبطة بالألفية الجديدة؛ فيبدو أن لها تاريخًا طويلاً . في نقاشه الفذ، يوضح عبد الوهاب الأفندي (الفصل الحادي عشر) تطور توجهات ما بعد إسلاموية في السودان سادت قبل صعود الإسلاموية العالمية في الثمانينات والتسعينيات. وفي حقيقة الأمر، ظهرت الحركات الإسلامية الحديثة في السودان (مثل تلك التي يقودها الشيخ حسن الترابي) في ظل “حالة ما بعد إسلاموية” موجودة بالفعل. و يُرجع الأفندي بداية الإسلاموية السودانية إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين أعلنت الحركة المهدية المعادية للاستعمار أن كل الطرق الصوفية والمذاهب الفقهية مثل الحنفية والشافعية باطلة؛ إذ أن المهدي هو تجسيد للسلطة الإلهية. يرى الأفندي أن هذه الحركة، التي عبأت النضال ضد الاحتلال الإنجليزي، مثّلت الثورة الإسلامية الأولى في السودان، قبل قرن من اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979. ومن ثمّ، دللت المهدية على كونها أول حركة إسلاموية كاملة في السودان. وعلى الرغم من حالة الزخم التي خلقتها، فقد انهارت الحركة عقب وفاة مؤسسها المهدي، حيث انكشف كذب تنبؤاته وشططه الثوري. وخلقت تداعيات هذا الانهيار خيبة أمل بين القطاع الأكبر من أهل السودان، وأوجدت حالة  دجنت الإسلام لصالح توجهات أكثر سلميةً وروحيةً رفضت اللاهوت السياسي. ، وأدت حالة ما بعد المهدي أيضًا إلى “إعادة تفكير  وإعادة صياغة جادة لنموذج الأيديولوجية الثورية الإسلامية بحيث تتواكب مع التحديات التي فرضها النظام الاستعماري والتحديث”. بعثتُ “المهدية” من جديد إذا على يد السيد عبد الرحمن؛ الابن الأصغر للمهدي، ولكن بصيغة “ما بعد إسلاموية” مختلفة جدًا. ، وكانت “المهدية الجديدة”، طبقًا للأفندي، حركة “ما بعد إسلاموية بامتياز”.

شهد السودان خلال القرن العشرين سلسلة من الخطابات والحركات ما بعد الإسلاموية عملت جنبًا إلى جنب مع حركات إسلاموية كانت قد انفصلت عنها قبلًا. على سبيل المثال، نشأت الجماعة الإسلامية التي عرفت لاحقًا باسم الحزب الإسلامي الاشتراكي عام 1953 من خلال الانفصال عن حركة التحرير الإسلامية، وكانت “الإسلاموية الجديدة” أكثر تأثيرًا، وهي إسلاموية الإخوان الجمهوريين والتي تشكلت دعوتهم من “دمج الأصول الصوفية بأفكار الحريات السياسية والعدالة الاقتصادية والمساواة الاجتماعية”[18]، قاد هذا التيار المفكر  البارز محمود محمد طه، الذي أشعل الحكم عليه بالإعدام بتهمة الردة عام 1985 ثورة شعبية أطاحت بحكم الديكتاتور العسكري جعفر النميري. استلهم طه الإسلام المكي ودعوته إلى الحرية والمساواة وحقوق الإنسان. واستمرت أفكاره طه وعززها في السنوات الأخيرة منهج الزعيم السياسي والديني حسن الترابي القائم على المصلحة والحداثة. وعلى الرغم من لفظ انقلاب الجنرال عمر البشير  لهذه الروح الحداثية، فإن سلوك نظامه القمعي أحياها مرة أخرى؛ حيث يسود نقاش حي عن “ما بعد إسلاموية” السودان[19].

فيما ظهرت ما بعد الإسلاموية السودانية كنقد لتقاليد المهدية الموجودة بالفعل وطورها على مراحل متقطعة مفكرون بارزون مثل محمود طه، فإن الإخوان المسلمين السوريين، كما يوضح توماس بيريه في هذا الكتاب، كانوا “دائمًا” ما بعد إسلامويين. فمنذ تأسيس الحركة في العام 1949، في أعقاب انسحاب الاستعمار الفرنسي، كان الإخوان المسلمون جزءً أصيلاً في النظام السياسي الليبرالي الذي انتهى بالانقلاب البعثي عام 1963. وفي فترة ما قبل البعث، شارك الإخوان في كل البرلمانات المنتخبة والتحقوا بمؤسسات الحكومة وأجهزة الدولة. وأكد برنامجهم السياسي على احترام الدستور وحماية النظام الجمهوري والتمسك بالحقوق المدنية والانتخابات الحرة، ورءوا في “الشعب” السلطة العليا. ولم تخجل الحركة من احتضان الفكرة الاشتراكية؛ فأطلقت على جناحها السياسي اسم “الجبهة الإسلامية الاشتراكية”. وعلى الرغم من محاولة جماعة الإخوان إقناع بقية الأحزاب السياسية السورية بالتعهد على جعل “الإسلام دين الدولة” وفشلها في ذلك، فإنها تمتعت بدرجة عالية من المرونة الأيديولوجية. حيث توافقت على أن يكون الفقه هو  مصدر التشريع، وهي مادة شائعة في دساتير الشرق الأوسط العلمانية.

يبدو هذا “الاعتدال” المتفرد مدهشًا؛ إذ أنه يميز الإخوان السوريين عن نظرائهم في بقية الدول العربية. ويعزوه بيريه إلى عدة عوامل مركبة؛ لقد كان الإخوان جماعة صغيرة نسبيًّا، حيث شكلوا نسبة أقل من 10% من الهيئة الناخبة التي تكونت أساسًا من فئات حضرية وبرجوازية ومتعلمة و”وسطية”. والأهم من هذا، أن انخراط أعضاء الجماعة في البنية السياسية السورية زرع فيهم أساليب المرونة والمفاوضة السياسية، وكان هذا في وقت اعتبر فيها النشطاء السياسيون أن البرلمان حصن نضالي ضد الاستعمار. غير أنه من المهم أن نرى إذا ما كان الإخوان السوريون قد استمروا في التزامهم الأيديولوجي بأفكار الأسرة الإخوانية التي تأسست على أفكار حسن البنا الذي وضع أسس الحركة السورية. هل تخلى الإخوان السوريون رسميًّا عن السعي نحو إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة؟ أو ربما، أدى انخراط أعضاءها في النظام الليبرالي إلى تهميش الفكرة، كما هو في حالة حزب الله اللبناني. على أية حال، فقد تبدلت الأمور عقب الانقلاب البعثي عام 1963. وأدى حظر الجماعة عام 1964 إلى شن حملة طويلة المدى على النظام، تصاعدت لتصبح “انتفاضة إسلامية” (1979-1982) لعب فيها الإخوان المسلمون المتطرفون الدور الأكبر فيها. ومع شن النظام هجومه الشرس على حماة عام 1982، تم سحق الإخوان المسلمين كليًّا، ولم يبق منهم سوى نشطاء متفرقين في المنفى بدأوا فيما بعد في تبني رؤية إصلاحية وتعددية. لذا، بعد رحيل حافظ الأسد عام 2000، دعم الإخوان الانتقال السلمي الديمقراطي للسلطة في سوريا. وفي مقابلة معه في يناير 2006، دعا القائد الإخواني علي صدر الدين البيانوني إلى دولة ديمقراطية مدنية وليس جمهورية إسلامية[20].

وكان العلماء؛ حراس الحياة الروحية، لا الإخوان المسلمين، هم من رفعوا الشعارات الداعية إلى “أسلمة” الدولة والمجتمع، وصارعوا القيم العلمانية. ولأجل هذه الغاية، قاموا بإنشاء المدارس الدينية والجمعيات الخيرية وشبكة من المساجد. ونادى العلماء بوضوح بإنشاء دولة إسلامية وحكم الشريعة، وهي أهداف كان لها أن تتحقق من خلال عملية أسلمة من أسفل. ويبدو أن هذا التناقض بين “اعتدال الإخوان المسلمين” و”راديكالية العلماء” قد استمر حتى اليوم. وفي ظل المناخ السياسي الذي ساد في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام 2005، اصطف بقايا جماعة الإخوان مع المعارضة الليبرالية لدفع النظام نحو  الانفتاح، فيما ظل العلماء على موقفهم المحافظ داعمين النظام في الخفاء. وحدها الأزمات الشديدة، مثل استخدام النظام للعنف المفرط لسحق المعارضين المدنيين في الثمانينات من القرن الماضي وعام 2011، ستجبر العلماء على الاصطفاف الواضح، وفي الغالب ستؤدي إلى حدوث انشقاق بين العلماء الموالين للسلطة وهؤلاء الناقدين لها. وسيعمل الموالون على عقد صفقات مع النظام كي يحصل على دعمهم مقابل تقديم تنازلات.

في الواقع، ظهرت في السنوات الأخيرة تيارات فكرية ما بعد إسلاموية عبرت عنها أفكار بعض المفكرين الدينيين مثل محمد شحرور ، الذي يرى أنه لا يجب البحث عن الحقيقة في النصوص الأساسية للإسلام ولكن في تطور العقل البشري. وفي الإطار نفسه، يرفض البرلماني محمد حبش فكرة احتكار الإسلام للخلاص كمحاولة لبناء حجة لاهوتية لحماية حقوق الأقليات الدينية. كان حبش داعية للتحول الديمقراطي بين النشطاء الدينيين أثناء فترة “ربيع دمشق” قصيرة الأجل التي أعقبت وفاة حافظ الأسد. وأخيرًا، عمل شيوخ مجددون مثل الشيخ السقا على استحضار القيم الليبرالية ضمن خطبهم لمزجها بالتعاليم الإسلامية كي تتضمن حقوق المرأة داخل الإسلام. غير أن هذه الآراء الإصلاحية لاقت هجومًا من العلماء التقليديين وكذلك النظام الذي استخدم التدين المحافظ لخنق المساحة الديمقراطية التي قد يفتحها الفكر الديني النقدي. يجادل بيريه أن تجديد الانعطافة ما بعد الإسلاموية السورية قد يكون ممكنًا فقط من خلال صحوة يقوم بها العلماء إذ إنهم يقفون كعقبة كؤود في مواجهة الإسلام الديمقراطي الاستيعابي كونهم الحلفاء الاستراتيجيين لنظام الأسد. ولن تثمر ما بعد إسلاموية جديدة، وإصلاح ديني في سوريا إلا على أطلال نظام البعث.

ما بعد الإسلاموية: إعادة نظر    

تشير هذه الروايات المتنوعة إلى أن الحركات الإسلامية لم تمر في تحولها بمسار واحد بل بمسارات عدة متنوعة. لقد تطورت ما بعد الإسلاموية الإيرانية بسبب الفشل الواضح للعيان للطبقة الإسلاموية الحاكمة في مخاطبة متطلبات مواطنيها الأساسية. و”كيفت” الإسلاموية التركية نفسها للاستجابة للواقع السياسي في البلاد، وموقع تركيا في مواجهة أوروبا. وفيما ودعت الأحزاب الإسلامية في المغرب وإندونيسيا، كما في إيران وتركيا، ماضيها الإسلاموي لتكون فاعلاً في سياسات الأمة، فإن جماعة الإخوان المسلمين المصرية وحزب الله اللبناني سلكا مسار تحول متأرجح بعض الشيء؛ فقد دفعتهم الأحداث السياسية وحقائق أوضاعهم الجيوسياسية لتغيير خطابهم، دون الشروع في إعادة تقييم منظمة للأيديولوجيا السياسية. وفي مصر، لا زال الحرس القديم في الجماعة مستمرًا في حديثه عن “الأسلمة”، فيما يميل “شبابها” إلى اتخاذ رؤية ما بعد إسلاموية. وفي لبنان، لحق التغيير بالسلوك السياسي لحزب الله دون أن ينال من خطابه. وفي باكستان والسعودية، ظهرت تيارات ما بعد إسلاموية لإصلاح ما رأته ضررًا أحدثته الإسلاموية بكلا من الدين والمجتمع. وختامًا، عكست خبرتيْ السودان وسوريا حضور توجهات ما بعد إسلاموية لفترة طويلة قبل أن يصبح ظهور الحركات الإسلامية ظاهرة عالمية منذ السبعينيات. ظهرت وتشكلت معظم هذه التوجهات في المناخ السياسي السائد في أعقاب الحرب الباردة، حيث حازت  لغة المجتمع المدني والديمقراطية والإصلاح حضورًا عالميًّا غير مسبوق.

تظهر هذه الروايات أيضًا أن أشكال وعمق ودرجة انتشار ما بعد الإسلاموية قد تختلف في كل تجربة. ومع ذلك، تشير كل هذه التجارب إلى حدوث تغير في الرؤية. وتدلل “ما بعد الإسلاموية” في كل تجربة على الانتقال أو الخروج النقدي والخطابي- بدرجات مختلفة- من حزمة أيديولوجية إسلاموية قوامها احتكار الحقيقة الدينية والإقصائية والتأكيد على الالتزامات، نحو الإقرار بغموض النصوص والتعددية والاستيعاب والمرونة في المبادئ والممارسات.

من الواضح، إذًا، أن ما بعد الإسلاموية “قطعية” خطابية و/ أو ذرائعية عن النموذج الإسلاموي. غير أن الاتجاه ليس ما بعد إسلامي Post-Islamic كما يدعوه البعض مخطئين، ولكنه ما بعد إسلامويPost-Islamist . بعبارة أخرى، لا أتحدث عن الانقطاع عن الإيمان الديني نحو العلمانية- على الرغم من أن “ما بعد الإسلاموية” تشير  إلى عملية العلمنة بمعنى تأييدها لفصل الأمور الدينية عن شؤون الدولة- ولكني بالأحرى أتحدث عن ما بعد الأسلمة كعملية مركبة للانقطاع عن الحزمة الأيديولوجية الإسلاموية من خلال الالتزام بمشروع ديني مغاير وأكثر استيعابًا يستمر فيه الإسلام كدين وكمكون للمجال العام.

ومن ثم، لا مجال لإدعاء بعض المراقبين أن هذا النوع الجديد من السياسات الدينية، أي ما بعد الإسلاموية، يختلف فقط في الشكل، وأنه ببساطة مجرد تنويعة من النموذج الإسلاموي الأوسع[21]؛ إذ أن الحركات الإسلامية، كما حاولت أن أوضح، شهدت في العقود الثلاثة الماضية، بشكل أو بآخر، تغيرًا، أو  تحريضًا نحو مشروع ديني مغاير نوعيًّا. وبالتالي، فإن وضع كل هذه الحركات والخطابات المتباينة معًا باعتبارها كلها “إسلاموية” يعد ارتباكًا منهاجيًّا على أقل تقدير. حتى إن مصطلحًا مثل “التكيف”، الذي يقدمه إحسان داغي لوصف تحولات الإسلاموية التركية، لا ينصف هذا التحول، إذ أنه يتضمن شكلاً من الاستمرارية بدلاً من الانقطاع. وكعددٍ من المراقبين الذين لا يقبلون بفكرة “فشل الإسلاموية”، فإن داغي يرى أن ما بعد الإسلاموية ظهرت في تركيا ليس بسبب “فشل” الإسلاموية ولكن بسبب قدرتها على التكيف. أما إذا كان هذا “التكيف” يعني التخلي عن الأفكار والسياسات المؤسسة من أجل أفكار أخرى تناسب الحقائق الموجودة، فإن هذا يعني بالضرورة أن النموذج القديم قد فشل في التطبيق وعليه أن يتغير. في الواقع، فإن حزب العدالة والتنمية يمثل قطيعة مع حركة الميلي جوروش، مثل قطيعة الإصلاحيين الإيرانيين، كمير حسين موسوي، مع الإسلاميين، كآية الله الخميني، ومثل قطعية ما بعد إسلاموية محمود طه في السودان مع الإسلاموية الإقصائية التي جسدتها الحركة المهدية.

بيد أن هذا لا يعني أن نخلط “ما بعد الإسلاموية” بـ”الإسلاموية الانتخابية”. تشير الأخيرة إلى حركات إسلامية إصلاحية (مثل جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية الحالية في مصر  والجماعة الإسلامية في باكستان) التحقت بالنظام الانتخابي واتبعت الإجراءات القانونية، بدلاً من اللجوء إلى العنف والثورة، وبقيت كجزء من النظام كي تنفذ استراتيجية تدريجية لأسلمة المجتمع والدولة. وقد تؤدي مقتضيات إدماج الإسلاميين الانتخابيين في النظام، طبقًا للمناخ السياسي، إلى اشتراط أن يتجاوزوا رؤيتهم الإسلاموي. وفيما ترك الإخوان المسلمون السوريون أفكارهم الإسلاموية، لم تقم الجماعة الإسلامية الباكستانية بهذا. قد تكون الإسلاموية الانتخابية “معتدلة”، غير أنها ليست “ما بعد إسلاموية” في حد ذاتها؛ فالأخيرة تتعدى فكرة الوضع القانوني والمشاركة الانتخابية.

لهذا، فإن فهم ما بعد الإسلاموية من خلال مفهوم “الاعتدال” فقط قد يخفي سماتها المميزة. تكمن المشكلة في مصطلح “الاعتدال” في طبيعته الوصفية. بافتقاده القدرة التحليلية، يصبح المفهوم غير قادر على التحقق من آليات واتجاهات التغير. وعلى هذا النحو، يدلل المفهوم على درجات (أو بالأحرى شكل من أشكال) القطيعة مع “الراديكالية”، ومن هنا يظل نسبيًّا لدرجة كبيرة. وفي هذا الإطار من النسبية. قد يكون “اعتدال” شخص ما “تطرفًا” لدى آخر.

يتجه المراقبون الأكثر تحليلاً إلى مساواة ما بعد الإسلاموية بـ”الليبرالية الإسلامية” أو “الإسلام الليبرالي”. وفي الواقع، إذا كان “الإسلام الليبرالي” يعني التأويل القائل بأن الإسلام يتوافق مع الديمقراطية الحديثة والدولة المدنية غير الدينية وحرية الفكر والتقدم الإنساني، فإن له مساحة معتبرة يتشاركها مع الفكر ما بعد الإسلاموي[22]. غير أن “ما بعد الإسلاموية” هي أكثر مما تظهره، فهي تدور حول ما تتجاوزه؛ بعبارة أخرى، إنها نقد لمشروع آخر. لذلك، وبعيدًا عن نوع الأفكار التي تقدمها، فإنها تتعلق بجذور وتطور وعلاقة هذه الأفكار بالسياسات الإسلاموية. ومن ناحية أخرى، إذا كان “الإسلام الليبرالي” يرمي إلى “خصخصة” الإسلام، فإن ما بعد الإسلاموية لا تسعى لهذا. ذلك أنها تريد أن يكون الدين حاضرًا في المجال العام، وأن تعزز من التقوى داخل المجتمع، حتى مع دعمها للدولة المدنية غير الدينية. وأخيرًا، إذا كان “الإسلام الليبرالي” يدلل على إسلامٍ يحترم الحقوق والحريات الفردية، فعلينا أن نفكر في العلاقة بين السياسة ما بعد الإسلاموية والليبرالية. وتبقى هذه العلاقة مساحة لم تختبر بعد؛ حيث لم يحدد المشروع ما بعد الإسلاموي بعد الكيفية التي تتوافق خلالها الحريات الشخصية مع الدين العام الذي تؤيده. وحتى الآن، شهدت إيران تحت حكم الإصلاحيين 1997-2004، وتركيا تحت حكم العدالة والتنمية، وتونس تحت حكم حزب النهضة الإسلامي، أشكالاً من الحكم ما بعد الإسلاموي. وفي هذه الحالات لا يزال سجل التعامل مع قضية الحريات الفردية (حقوق الأقليات وحقوق المرأة وحرية الفكر والدين ونمط الحياة) قضية مركبة. شعر الإيرانيون أثناء حكم محمد خاتمي أنهم “أكثر حرية” إلى حد بعيد، ومع ذلك بقيت القيود على لباس المرأة واختيار نمط الحياة وحرية الفكر والدين (كما في حالة البهائيين)، لكنها كانت بداية للجدل حول كل هذه القضايا. وفي تركيا، نجح حزب العدالة والتنمية بشكل أكبر. غير أن التقارير حول الرقابة المتزايدة على الأخلاق العامة (مثل استهلاك الكحول في الشارع أو تقديم الأطعمة علنًا في رمضان) و”المنتجات الثقافية” وشبكة الإنترنت والمؤسسات العلمية تشير إلى أن هناك صراعًا بين مواقف الحزب الأخلاقية والقيم الليبرالية[23]. ومن المبكر جدًا الحكم على حزب النهضة في تونس. غير أن الإشارات المبدئية تشير إلى أن قيادة الحزب لا زالت متأهبة تجاه حماية الحريات الفردية حتى الآن. مع ذلك، اعترف رئيس الحزب في يناير 2012 أنه “لن يتم رسم خط فاصل بين حرية التعبير والحساسيات الدينية قريبًا”[24]. وفي الحالة المغربية، كما تكشف دراسة سامي زمني، هناك ارتباك في موقف حزب العدالة والتنمية الحاكم حول كيفية فك التعارض بين “الحريات” و”القيم الإسلامية”، وبين مطالب المواطنين والهدف الساعي نحو  إقامة سياسة أخلاقية. باختصار، يتم فك التشابك بين بين الأخلاق ما بعد الإسلاموية والقيم الليبرالية من خلال “ديمقراطية غير ليبرالية”، حيث قد تستمر الديمقراطية الانتخابية مع تقييد الحريات. بالطبع، فإن هذا التوتر ليس مرتبطًا فقط بالسياسة ما بعد الإسلاموية. فقد شهدت الديمقراطيات الغربية نفسها حالاتٍ من تقييد للحريات الفردية والمدنية (كالقيود على زواج المثليين والمساواة بين النوعين والحقوق المدنية). ومع ذلك، تستطيع الليبرالية الانتخابية- حال استمرارها- أن تفتح مساحة للنقاش حول الحريات المدنية، ومن الممكن أن تنجح في توسعتها.

أثار  ربط الإسلاموية بالسلطوية والإقصاء وما بعد الإسلاموية بالاستيعاب بعض الانتقادات التي اتهمت صياغتي “ما بعد الإسلاموية” بالمعيارية[25]، وقد تم تقديم حجتين على هذا الانتقاد: الأولى هي أن مفهوم ما بعد الإسلاموية يركز على آراء “المسلمين التقدميين” ويهمل الرؤية الإسلامية المحافظة؛ والثانية هي أنه يتم التعامل مع الإسلاموية باعتبارها “مشكلة”، ومع ما بعد الإسلاموية على إنها “الحل”. تبدو هذه التعقيبات معقولة، خاصةً بالإشارة إلى صياغتي المبكرة للمفهوم التي بنيت أساسًا- وليس حصريًّا- على تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، غير أنها أيضًا مبنية على سوء فهم للمفهوم. في حقيقة الأمر، فإن المعلومات الواسعة التي يقدمها هذا الكتاب قد تساعدنا على بناء مفهوم أكثر وضوحًا لما بعد الإسلاموية بما يعالج بعض المخاوف. وكبداية، تعاملتُ مع ما بعد الإسلاموية باعتبارها رؤية نقدية تتجاوز السياسات الإسلاموية المرتكز ة على الواجب. ومن ثم، فلا يمكن اعتبار إن التقوى السلفية الفردية والفردية المحافظة التي انتشرت في السنوات الأخيرة تحولاً ما بعد إسلامويًّا، ذلك لأن مثل هذه التقوى الفردانية لا تمثل قطيعة “نقدية” أو موقفًا بديلاً لإصلاح تبعات السياسات الإسلاموية. بالأحرى، ينصب اهتمامها على بناء ذات أخلاقية على طريقة محافظة للغاية قد تتلاءم مع النظام الديني السلطوي. وفي الحقيقة، فإن مفهوم الأصولية الجديدة الذي قدمه أوليفييه روا يصف هذه النوع من الاتجاه الديني المغاير لما بعد الإسلاموية المرتكزة على الحقوق[26].

ومن ناحية أخرى، كانت الإمكانية التحررية لما بعد الإسلاموية؛ أي إمكانية جعل المسلمين ملتزمين بإيمانهم مع تبنيهم للمثل الديمقراطية الاستيعابية، هي ما أوحي إلىّ في التفكر مليًّا في هذا الاتجاه. لكن ما بعد الإسلاموية ليست مشروعًا دينيًّا استيعابيًّا متماسكًا. وعلى الرغم أنه من المبكر الحكم عليها، فإن هناك إشارات إلى أن النموذج الذي تطرحه به توتراته الداخلية، ولا سيما بين الأخلاق الدينية ما بعد الإسلاموية والقيم الليبرالية الاجتماعية ومعضلة حدود الحريات الفردية. مع ذلك، فيبدو أنها متوافقة جيدًا مع الليبرالية الاقتصادية والسوق الحرة.

على أية حال، يعمل مفهوما “الإسلاموية” و”ما بعد الإسلاموية” كما تم بناؤهم بهذه الطريقة أساسًا كوحدات تحليلية للإشارة إلى الاختلاف والتغير وجذور التغير. أما في الحياة الواقعية. فإن العديد من المسلمين يلتزمون انتقائيًّا وفي نفس الوقت ببعض جوانب كلا الخطابين. إن بروز طليعة ما بعد الإسلاموية لا تعني بالضرورة نهاية تاريخية للإسلاموية؛ فيجب أن يتم النظر إليها باعتبارها بداية ناتجة عن قطيعة نقدية مع التجربة الإسلاموية لخطاب وسياسات مختلفة كيفيًّا. في الواقع، من الممكن أن نشهد عمليات متزامنة من الإسلاموية وما بعد الإسلاموية. وربما يحتم هذا إعادة التفكير في التضمينات التاريخية لـ”ما بعد” في المصطلح وأن نعزوها إلى معنى أكثر تحليلية، ذلك لأن المفهوم يحتاج أن يتضمن عمليات غير تطورية وتزامن وتركيبية واستعادة التجارب التاريخية. وكما ألمحتُ سابقًا، رغم أن ما بعد الإسلاموية تشهد حاليًّا صعودًا على المستوى الدولي، فإن هناك حركات ما بعد إسلاموية، مثل المهدية الجديدة في السودان في القرن التاسع عشر، قد ظهرت حتى قبل هيمنة الإسلاموية في الثمانينيات والتسعينيات. وتحدث بعض المراقبين على أن هذه الحركات مرتبطة بفكر الإمام محمد عبده الذي يشبه ما بعد الإسلاموية إلى حد ما. بالإضافة إلى هذا، فقليلة هي الحركات التي نبعت مباشرة من خبرة وجود دولة إسلامية، كالحركة الإيرانية؛ أما أغلبها قد ظهر كقطيعة نقدية من الخطاب والنشاط الإسلاموي السائد في المجتمع، والبعض الآخر لمعالجة آثار التيارات الإسلامية على الدين والسياسة. وعلى هذا، أستخدم “ما بعد” لا بدلالتها التاريخية ولكن بالأساس للإشارة إلى “النقد” من الداخل، وإلى “القطيعة النقدية”. ومن هنا، قد تفهم ما بعد الإسلاموية باعتبارها قطيعة نقدية من السياسات الإسلاموية، فتصف تجاوز السياسات الإقصائية المرتكزة حول الواجب نحو رؤية استيعابية وأكثر ارتكازًا على الحقوق وداعمة للدولة العلمانية/ المدنية التي تعمل من خلال مجتمع مؤمن. قد تأخذ ما بعد الإسلاموية شكل نقد الإسلاموية لذاتها، أو نقد للإسلاموية التي يتبناها الآخرون، وقد تأتي تاريخيًّا بعد الإسلاموية، أو قد تعمل متزامنةً إلى جوارها. وقد نجدها في الحاضر أو في الماضي.

ومع ذلك، وبغض النظر  عن الدلالة التحليلية لـ”ما بعد” لا يمكننا التغاضي عن المكون التاريخي لتجربة ما بعد الإسلاموية، إذ أن هذا سيأخذنا إلى أرض الذاتية المنزلقة. ببساطة، لم تظهر  ما بعد الإسلاموية من العدم، بل اعتمدت على خلفية تاريخية. فعلى الرغم من أن ما بعد إسلاموية المهدية الجديدة قد ظهرت قبل التيارات الحديثة للحركات الإسلامية (في الثمانينات والتسعينات) كما يوضح عبد الوهاب الأفندي، فقد نشأت بناء على تجربة الإسلاموية التي جسدتها الحركة المهدية في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وأحدثت قطيعة نقدية معها. وفي الفترة ذاتها ظهر محمد عبده، ودشن حركته “الإصلاحية الإسلامية” التي لم تسع فقط للنضال ضد الاستعمار الغربي، ولكن أيضًا لبناء إسلام قادر على التكيف والتعامل مع تحديات الحداثة الغربية التي لم يقم أمامها العلماء التقليديون إلا بالقليل. واليوم في ظل عالم العولمة المختلف كليًّا عن ذاك العهد، ندخل عصر جديدًا في العالم الإسلامي حيث تفسح الإسلاموية، المصابة بأزمة الشرعية لتجاهلها وانتهاكها حقوق الشعوب للديمقراطية، المجال إلى نوع جديد من السياسة الدينية والتي تأخذ الديمقراطية على محمل الجد فيما تدعم الفئات المتدينة في المجتمع. ويبدو أن هذه السياسة تبشر بعالم إسلامي ما بعد إسلاموي تحمل فيه الحركات الشعبية سمات ما بعد أيديولوجية ومدنية وديمقراطية. وتمثل الحركة الخضراء في إيران والربيع العربي الحركات الشعبية في عصر ما بعد الإسلاموية.

* التاريخية أو التاريخانية Historicism: يشير هذا المفهوم إلى تيار ومنهج فكري يؤكد على فهم الظاهرة الإنسانية من خلال سياقها الزماني والمكاني والثقافي أي ظروفها التاريخية، وبالتالي تقدم نسبية وخصوصية كل ظاهرة في العلم والدين والأدب على فكرة المطلق والجوهر. وهنا يشير بيات إلى جدل في أوساط الفكر الإسلامي طوال تاريخه حيث اعتمدت الأصولية الإسلامية على إطلاق فهم وأحكام النصوص الدينية دون عناية بسياقها التاريخي، بل وتعاملت مع تجربة الإسلام الأولى باعتبارها تجربة مطلقة صالحة في كل زمان ومكان ومن الممكن إعادة تطبيقها وبالتالي نزعتها من سياقها الإنساني والتاريخي. وبالتالي، تحاول ما بعد الإسلاموية بهذا المعنى أن تقدم الظروف التاريخية لكل مجتمع إسلامي على التصورات المطلقة التبسيطية والاختزالية لتجربتها ومستقبلها.


* جماعة الداعية التركي فتح الله كولن المنبثقة من الحركة الصوفية- الاجتماعية النورسية [انظر الفصل الثالث].

* ربما تمثل أحداث 30 يونيو 2013 حيث تمت الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين، وما حدث بعدها من تحولات في طبيعة جماعة الإخوان حيث أصيبت بالانهيار والتفكك التنظيمي الذي دفع الجماعة إلى تبني نهجًا عنيفًا وغير تصالحي مع الدولة والمجتمع إجابة غير مكتملة على هذا السؤال.

* عبّرت مساهمة حزب الله في الحرب السورية الأهلية- الإقليمية المندلعة منذ 2011 حتى يومنا إلى جانب النظام السوري وبدعم من إيران على أساس طائفي تطورًا جديدًا في خطاب وسلوك الحزب.

[1] Bernard Lewis, interview by David Horovitz, Jerusalem Post, February 25, 2011.

[2] انظر على سبيل المثال،

John M. Owen, “Why Islamism Is Winning,” New York Times, January 6, 2012, in which there is nothing about what “Islamism” really is.

[3]  يعتمد هذا الجزء بشكل كبير على

Asef Bayat, “Islamic Movements,” in The Wiley-Blckwell Encyclopedia of Social and Political Movements, eds. David Snow, Donatella della Porta, Bert Klandermans, Doug McAdam (New York and London: Wiley-Blackwell, 2013).).

[4] Olivier Roy, The Failure of Political Islam (Cambridge: Harvard University Press, 1998).

[5]Faisal Devji, Landscapes of Jihad: Militancy, Morality, Modernity, (Ithaca:, Cornell University Press, 2005).

[6] Asef Bayat, Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East, (Palo Alto:, Stanford University Press, 2010), 171–184

[7] Asef Bayat, “The Coming of a Post-Islamist Society,” Critique: Critical Middle East Studies (Hamline University, Saint Paul) 9, (Fall 1996): 43–52.

[8] (Olivier Roy’s “Le Post-Islamisme,” (Revue du Mondes Musulmans et de la Méditerranée 85–86 ([1999], pp. 9-30
كانت هذه المقالة مقدمة لعدد من المقالات التي اعتبرها روا تتحدث عن “ما بعد الإسلاموية”؛ فاستخدمه راينهارد شولز  Reinhard Schulze ليصف إسلاموية ما بعد الحداثة “Post-modern Islamism” والتي تشير إلى رؤى متشتتة ومعرقنة ترجع إلى التأويلات المتزايدة والأكثر “محلية” للإسلاموية. انظر؛

Reinhard Schulze, “The Ethnization of Islamic Cultures in the Late 20th century or From Political Islam to Post-Islamism”, in George Stauth (ed.) Islam: Motor or Challenge of Modernity, Yearbook of the Sociology of Islam, no. 1, 1998, pp. 187-198.

وقام جيل كيبل  Gilles Kepel بدوره في كتابه؛

Jihad: The Trial of Political Islam (2nd ed., London: I.B. Tauris, 2002(, p. 368

باستخدام المصطلح ليصف التوجهات الجديدة لدى الإسلاميين الراديكاليين الذين تركوا التوجهات السلفية والجهادية وتبنوا خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان. وقام باحثون آخرون باختزال المفهوم، والاستثناء من هذا فيرهاد خسروخوار  Farhad Khosrokhavar الذي استخدمه معالجًا أفكار بعض المفكرين ما بعد الإسلامويين في إيران مثل عبد الكريم سروش. انظر،

 Farhad Khosrokhavar, “The Islamic Revolution in Iran: Retrospect after a Quarter Century”, Thesis Eleven, vol. 76, no. 1, 2004.

[9] انظر على سبيل المثال؛

Diaa Rashwan, “Wishful Thinking, Present and Future,” Al-Ahram Weekly, 7-13 February 7–13, 2002.

[10] انظر

Alain Roussillon, “Decline of Islamism or the Failure of Neo-Orientalism?” (in Persian), Goft-o-gu (Tehran), no. 29, (Fall 2000) 163–185.

[11] على سبيل المثال، انظر؛

Salwa Ismail, “The Paradox of Islamist Politics,” Middle East Report 221 (Winter 2001): 34-39.

وانظر؛

Francois Burgat, Face to Face with Political Islam (London: I. B. Tauris, 2003), 180-181.

ومؤخرًا جدًا ظهر روا بتعريف لما بعد الإسلاموية باعتبارها “خصخصة إعادة الأسلمة” مشيرًا إلى “الأصولية الجديدة” الفردانية، انظر؛

Olivier Roy, Globalized Islam: The Search For New Ummah (London: Hurst and Co., 2004), 97

أما الطريقة التي أستخدم بها المفهوم، فهي مختلفة جذريًّا.

[12] انظر على سبيل المثال؛

Berna Turam, “Turkey under the AKP: Are Rights and Liberties Safe?,” Journal of Democracy, vol. 23, no. 1, (January 2012), pp. 109-118..

[13]  Halim Rane, “The Political Sociology of Maqasid in Contemporary Islamic Thought”.(paper presented at the annual meeting for the Middle East Studies Association, San Diego, November 20, 2010).

[14] بعد اندلاع الثورة المصرية وحدوث استقطاب في السياسة المصرية بين الإسلاموين والتيارات غير الإسلاموية، اتجه حزب الوسط بعيدًا عن الأرضية الوسط ليصبح أكثر اقترابًا من الإخوان المسلمين في مقابل الحصول على بعض المكاسب السياسية (حيث  حصل الحزب على 8 مقاعد في مجلس الشورى). وقد اعتبر أن الاحياز السياسي من شأنه أن يؤثر على المواقف الأيديلوجية لحزب الوسط.

[15] Asef Bayat, “The Post-Islamist Revolutions,” Foreign Affairs, April 26, 2011\

وقد أوضح استطلاع للرأي أن 75% من المصريين المستطلعة آراؤهم يؤيدون “الدولة المدنية” على “الدولة الدينية”، وأن 1% فقط يريد “نظامًا عسكريًّا”؛ المصري اليوم، 21 نوفمبر 2011.

[16]Mansoor Moaddel, Arland Thornton, Stuart Karabenick, Linda Youg-DeMarco, Julie de Jong , “The Arab Spring: What It Represents and Implications for National Security,” unpublished survey results (data from Egypt, Lebanon, Iraq, and Saudi Arabia), January 2012, a summary of which appears in Mansoor Moaddel, “What Do Arabs Want?,” at mevs.org/files/tmp/ArabSpring.pdf

[17] Madawi al-Rasheed, “Yes, It Could Happen Here,” Foreign Policy, February 28, 2011.

[18]  Muhammad Mahmud, “Sufism and Islamism in the Sudan,” in African Islam and Islam in Africa: Encounters between Sufis and Islamists, ed. Eva Evers Rosander and David Westerlund (London: C. Hurst and Co. Publishers, 1997), 182.

[19] انظر على سبيل المثال نقاشًا بين الباحثين حول “ما بعد الإسلاموية في السودان” على؛ http://africanarguments.org/2008/06/26/post-islamism-questioning-the-question

[20] Roy McCarthy, “We Would share power, says exiled leader of Syrian Islamist group,” The Guardian, 26 January 26, 2006.

[21] انظر على سبيل المثال؛

Graham Fuller, The Future of Political Islam (London: Palgrave Macmillan, 2004); Ismail, “Paradox of Islamist Politics.”

[22] للاطلاع على تحديد لمفهوم “الإسلام الليبرالي”، انظر

Charles Kurzman, “Liberal Islam: Prospects and Challenges,” Middle East Review of International Affairs 3, no. 3 (September 1999): 11-19.

[23] Howard Eissenstat, “Turkey: A Repressive Model for the Middle East?,” Human Rights Now (blog), December 19, 2011, http://blog.amnestyusa.org/middle-east/turkey-a-repressive-model-for-the-middle-east

[24]  مقتبس من

Anthony Shadid, “Tunisia Faces Balancing Act of Democracy and Religion,” New York Times, January 30, 2012.

 [25]على سبيل المثال، فصل عبد الوهاب الأفندي في هذا الكتاب، وكذلك

Ben Soares and Filippo Osella, “Islam, Politics, Anthropology,” in special issue, Journal of the Royal Anthropological Society 15, (May 2009): 9

[26] لتوضيح هذا الاتجاه، انظر؛

Olivier Roy, Globalized Islam

error: