في تأويل النص الشعري وترجمته: قصيدة “صيف” للشاعرة الأمريكية لويز غلك أنموذجا – إعداد وترجمة: صالح الخنيزي

في تأويل النص الشعري وترجمته: قصيدة “صيف” للشاعرة الأمريكية لويز غلك أنموذجا – إعداد وترجمة: صالح الخنيزي

قصيدة الصيف

الشاعرة الأمريكية: لويز غلك


من المتعارف عليه أن ترجمة الشعر تختلف اختلافا جذريا عن ترجمة المقالة أو الحكاية أو النثر الاعتيادي. فالشعر يهب القارئ مساحات شاسعة من القراءات المتعددة، التي تضفي بدورها مدلولات أعمق كلما اقترب القارئ وتوغل في بنية النص. ينطبق هذا القول أيضا على المترجم بوصفه قارئا. فالمترجم إما أن يكون محاكيا للنص، بمعنى أن ينقله بطريقة مباشرة، مقتربا من بنيته السطحية فقط، أو أن يكون متأملا للنص ومتعمقا لمضامينه. ينبغي على المترجم إذا أن يقارب عدة أشياء في القصيدة ومنها: المعنى المباشر والمعنى الضمني، نبرة النص، والعقبات الثقافية إن وجدت، حتى يتسنى له فهم السياقات وما تختزنه من إيحاءات ومشاعر وأحاسيس، عندها يمكن للنص الأصل أن ينعكس في الترجمة بكل سهولة ويسر.

سأستعرض هنا نصا بعنوان “صيف“، للشاعرة الأمريكية لويز غلك ، الحائزة مؤخرا على جائزة نوبل للآداب، نقله للعربية الشاعر والمترجم سامر أبو هواش، في مجموعة معنونة بـ “عجلة مشتعلة تمرّ فوقنا”، دار كلمة والجمل، 2009. لقد وقع المترجم في عدة أخطاء، سأتحدث عنها بإيجاز، ومن ثم سأضع ترجمتي للنص.

تستهل لويز غلك قصيدتها بهذا البيت Remember the days of our first happiness، فيترجمها أبو هواش “أتذكر صيف سعادتنا الأولى”. لا أعلم لم حذف المترجم كلمة “الأيام” واستبدلها “بالصيف”؟ أما في الشطر الثاني في ذات المقطع، فيترجمdazed by passion  إلى “دوخنا الشغف”، التي ارتأيت أن أترجمها إلى “دوخنا اضطرام الرغبة”، لأن مفردة passion  تعني :الرغبة المتأججة في ممارسة الجنس” a feeling of strong sextual desire ، كما وجدتها في أكثر من معجم انجليزي. ثمة قرائن كثيرة تشير إلى تأجج تلك الرغبة والوصول إلى أقصى مراحل الذروة ومن ثم إلى مرحلة الخفوت. ربما لم يعي المترجم ما ترمي إليه الشاعرة، فوقع في تلك الأخطاء أثناء التعريب. من تلك القرائن، على سبيل المثال، العري الدائم بين الزوجين في بداية النص how strong we were “كم أنهم كانوا أقوياء”.

وكذلك تعريهم واستلقائهم طوال الليل والنهار lying all day, then all night in the narrow bed، إذ حذف المترجم مفردتي “الليل والنهار” فجاءت الترجمة بهذه الكيفية: “كيف كنا نضطجع في فراشنا الضيق”. ومن جملة القرائن أيضا، في ذات المقطع And so hot we lay completely فكانت ترجمته كالآتي: “وكم كنّا حارين في عرينا الكامل”، ليحذف المترجم كلمة lay  ويترجم hot إلى “حارين”! وهي كما يتضح لي ” فاضطجعنا مهتاجين في عري مطلق”. وأما في الشطر الأخير من ذات المقطع a willow brushed the window، فقد عبر عن brushed   “تربت”، مع أنها من الكلمات الإنجليزية التي تحمل إيحاءات حسية عالية، ذلك أن السياق يوحي إلى ارتفاع غصن الصفصافة بفعل قدرة الريح و” مداعبته أو دعكه” للنافذة وليس التربيت عليها.

في المقطع الثاني لم ترق لي ترجمة كلمة “طوف” لأنها قد تحيل إلى الجدار أو الحائط The bed was like a raft ، “كان السرير أشبه بطوف” كما نقلها أبو هواش، فترجمتها إلى “طوافة مائية”، لأنها تشير إلى المرحلة الثانية والأهم من التدفق الحسي الذي عبرت عنه الشاعرة في بداية القصيدة dazed by passion  ، وقد أضفت كلمة “مائية” لإضفاء توصيف أدق لهذه المرحلة. بالنسبة للبيت الشعري التالي I felt us drifting far from our natures ،فقد نقلها المترجم: “وأحسستنا نطوف خارج أنفسنا”. والمعنى هو:” وأحسست أننا ننساق عن طبائعنا”، فمفردة drifting تعني ينجرف، ينقاد، أو ينساق وليست يطوف. بينما لا تدل natures على الأنفس، بل طبيعة الإنسان، سليقته، حسه الغريزي، وفطرته.

تتحدث الشاعرة في المقطع الأخير عن شروق الشمس وبزوغ القمر عبر النافذة، ثم يأتي هذا البيت الشعري Then the circles closed، الذي ترجمه أبو هواش: “ثم أقفلت الدوائر”. لم يكن استخدام كلمة “الدوائر” مناسبا لأنها كلمة عامة ولا تدل على شيء مخصص في عينه. لو رجعنا للنص الأصل سنجد أن مفردة circles مخصصة للقمر بدليل غياب ضوئه، وهذا ما ترسمه الصورة الشعرية اللاحقة، معبرة عن ازدياد برودة الطقس تدريجيا في الليل، وقد آثرت أن أترجمها عندها انطفئت هالات القمر”. وكذلك استحسنت ترجمة And in each of us began a deep isolation بـ “نشأت في كل منا عزلة عميقة، على العكس من أبو هواش الذي ترجمها “وفتحت عزلة عميقة”.

لا أدري هل هو الاستعجال في الترجمة أم أن هنالك أمرا آخرا حتى يحذف المترجم عدة مفردات في قصيدة قصيرة كهذه، ومن ثم يواصل عملية الترجمة دون النظر لأهمية تلك المفردات، التي تشكل مفاتيحا لفهم المعنى الكلي للنص. في المقطع الأخير، حذف المترجم كذلك كلمة pendant أي “يتدلى” في هذا الشطر the pendant leaves of the willow yellowed and fell، وأثبته بهذه الكيفية “اعترى الاصفرار وريقات الصفصاف ثم سقطت”، فتلاشت بذلك جمالية صورة تدلي غصن شجرة الصفصاف. بإمكان القارئ أن يلقي نظرة سريعة على صورة أغصان تلك الشجرة الجميلة وتخيل هبوب الرياح وارتفاع تلك الأغصان ودعكها للنافذة في المقطع الأول، ومن ثم تدليها وتساقط أوراقها في المقطع الأخير. وهنا يسدل الستار على جمالية المشهد الحسي مع تقدم الزوجين في السن. يستوعب كل منهما طبيعة الحياة، لذلك لا يتأسفان إن نشأت بينهما عزلة عميقة، بل يواصلان رحلتهما في الحياة.

صيف (لويز غلك)

أتذكر أيام سعادتنا الأولى،

كم كنا في قوتنا، وكم دوخنا اضطرام الرغبة، نستلقي طوال النهار، ونضطجع الليل بأكمله في الفراش الضيق، ننام هناك، كما أننا نتناول طعامنا هناك: كان فصل الصيف، وبدا أن كل شيء أينع على حين غرة. واضطجعنا مهتاجين في عري مطلق.

أحيانا تَصّاعد الرياح: وتدعك صفصافة النافذة.

بدا أننا كنا تائهين بطريقة ما، ألم تشعر بذلك؟

كان السرير مثل طوافة مائية؛ أحسست أننا ننساق عن طبائعنا،

إلى موضع لن نكتشف فيه شيئا.

في البدء أشرقت الشمس، فتبعها القمر، على هيئة شذرات، متلألأ في الصفصافة.

أشياء يمكن لأي امرؤ رؤيتها.

عندها انطفئت هالات القمر. وازدادت ببطء برودة الليل؛

الصفصافة المتدلية اصفرت أوراقها وتساقطت. في كل منا نشأت

عزلة عميقة، مع أننا لم نتحدث عن ذلك مطلقا، فليس ثمة ندم.

كنا مبدعين مجددا، يا زوجي.

وتمكنا من استئناف الرحلة.