لماذا نساعد – مارين نواك

لماذا نساعد – مارين نواك


،،

إن التعاون هو أبعد ما يكون عن كونه استثناء
في قانون التطور، فقد كان أحد مهندسيه الرئيسيين(1).

<A .M. نواك>

 – بـإختصــار –

  يميل الناس إلى التفكير في التطور كصراع تنافس شرس (بالضبط، ككلب يأكل كلبا) من أجل البقاء على قيد الحياة. وفي واقع الأمر، كان التعاون قوة محركة للتطور. هناك خمس آليات يمكن أن تنشأ عن التعاون في المتعضيات organisms بدءا من البكتيريا إلى البشر. ويقدم البشر مساعدة بشكل خاص بسبب الآلية التبادلية reciprocity غير المباشرة، التي ترتكز على السمعة reputation وتقودنا إلى مساعدة أولئك الذين يساعدون الآخرين.


في الشهر الرابع الماضي، عندما كانت مفاعلات محطة دايتشي فوكوشيما للطاقة النووية تنصهر بعد الزلزال المميت والتسونامي، كان أحد عمال الصيانة في العشرينات من عمره من بين أولئك الذين تطوعوا للدخول إلى المحطة في محاولة للمساعدة على عودة الأمور إلى السيطرة. وكان يعرف أن الهواء مسممٌ ومن المتوقع أن هذا الخيار سوف يبقيه عازبا من دون زواج على الدوام أو من دون إنجاب أطفال خشية تعرضهم لعواقب صحية. ومع ذلك استمر بالدخول مرة بعد أخرى عبر بوابات فوكوشيما للعمل في هواء المحطة المملوء بالإشعاع – وذلك لقاء تعويض لا يتعدى أجرته المتواضعة المعتادة. «هناك بعض منا فقط من يستطيع القيام بهذه الوظيفة»، هذا ما أوردته صحيفة الأنديبندنت في الشهر السابع الماضي على لسان هذا العامل، الذي يرغب في البقاء مجهول الهوية. ويتابع «إنني شاب غير متزوج، وأشعر بأن من واجبي المساعدة على تسوية هذه المشكلة.»

ومع أن أمثلة السلوك الغيري selfless behavior ربما لا تنتهي دائما إلى حجم بطولي كهذا، فإنها تكثر في الطبيعة. فالخلايا داخل متعضٍ organism تنسق فيما بينها للحفاظ على اقتسامها تحت السيطرة ولتجنب التسبب بالسرطان، فعاملات النمل في العديد من الأنواع تضحي بخصوبتها الخاصة خدمة لملكتها ومستعمرتها، وإناث الأسود (اللبوات) ضمن مجموعة من الأسود تُرضِع شبل لبوة أخرى. وأفراد البشر يساعدون غيرهم من أفراد البشر على القيام بكل شيء: من الحصول على الغذاء إلى العثور على زملاء للدفاع عن أرضهم. وحتى لو أن المساعدين ربما لا يفقدون بالضرورة حياتهم، فإنهم يخاطرون بتخفيض فرص نجاحهم التناسلي لصالح فرد آخر.

ولعقود طويلة من الزمن قلق علماء الأحياء حول التعاون، وتنافسوا على فهمه في ضوء وجهة النظر السائدة للتطور بوصفه تنافسا شرسا. إن <تشارلز داروين> [في دفاعه عن حجته في التطور بالانتقاء (الانتخاب) الطبيعيnatural selection – حيث غالبا ما تُنتج الأفراد من ذوي الصفات المرغوب بها ذرية أكثر من أقرانها وبذلك تسهم أكثر في الجيل القادم] دعا هذا التنافس «صراعا من أجل حياة أقسى». و بسرعة تقود هذه المناقشة، بأخذها إلى نهايتها المنطقية القصوى، إلى استنتاج مفاده أن على المرء ألا يساعد على الإطلاق منافسا، وقد يكون عليه في الواقع أن يكذب وأن يغش للمضي قدما. فالفوز في لعبة الحياة – بطريقة أو بأخرى – هو كل ما يهم.

 

لماذا، إذن، يكون السلوك الغيري ظاهرة منتشرة؟ على مدى العقدين الماضيين استخدمْتُ أدوات من نظرية المباريات game theory لدراسة هذا التناقض الظاهري. ويشير بحثي إلى أنه بدلا من أن التعاون يعارض التنافس، فإنه يسير معه منذ البداية جنبا إلى جنب، لتجسيد شكل من تطور الحياة على الكرة الأرضية : من الخلايا الأولى إلى الإنسان العاقل Homo sapiens. فالحياة ليست مجرد صراع من أجل البقاء – إنها أيضا، يمكن للمرء القول: موقع مريح للبقاء على قيد الحياة. وبأي حال من الأحوال لم يكن الشعور بالتأثير التطوري للتعاون أكثر شدة من تأثيره في البشر. وتشير نتائج أبحاثي إلى أن سبب ذلك ينبغي أن يكون هذا هو الحال، كما تؤكد أن مجرد مساعدة بعضنا البعض كانت مصدر نجاحنا في الماضي، وهو أيضا جاهز لأن يكون حيويا لمستقبلنا.

 

 

من عدو إلى حليف(**)

يرجع اهتمامي بالتعاون لأول مرة إلى عام 1987، عندما كنت طالب دراسات عليا في الرياضيات وعلم الأحياء في جامعة فيينا. لقد تعلمت بينما كنت في منتجع مع بعض الزملاء من الطلبة والأساتذة في جبال الألب، عن مفارقة في نظرية المباريات تدعى معضلة السجين(2) Prisoner’s Dilemma، التي توضح بشكل رائع لماذا أربك التعاونُ علماءَ البيولوجيا التطورية. وهذه المعضلة تجري كما يلي: تخيل أنه تم القبض على شخصين ويواجهان عقوبة السجن لأنهما تآمرا على ارتكاب جريمة. ويستجوب المدعي العام كل واحد منهما على حدة ويضع شروط التوصل إلى صفقة معهما: إذا انقلب أحدكما على الآخر وبقي الثاني صامتا، يحصل المُتهِـم incriminator على حكم بالسجن سنة واحدة فقط، بينما يحصل الفرد الصامت على حكم بالسجن أربع سنوات. وإذا تعاونتما ولم ينقلب أحدكما على الآخر، يحصل كل منكما على حكم مخفف بالسجن لمدة سنتين. ولكن إذا اتهم كلُّ واحد منكما الآخرَ، يحصل كل واحد منكما على حكم بالسجن ثلاث سنوات.

 

وبسبب استجواب كل منهما على حدة، لا يعرف أي منهما ما إذا كان شريكه سوف يتعاون. وبوضع مخطط للنتائج المحتملة على مصفوفة النتائج [انظر المؤطر في الصفحة 50]، يمكن للمرء أن يرى أن الرهان الأفضل، من وجهة نظر شخصية، هو أن ينقلب كل واحد منهما على شريكه ويُجِّرمه. وإضافة إلى ذلك، وبسبب أن كلا الطرفين سوف يتبع هذا الخط نفسه من المنطق ويختار اللاتعاون (الانقلاب على شريكه)، فكلاهما سوف يتلقى الحصيلة الأفضل الثالثة (الحكم بالسجن ثلاث سنوات) بدلا من الحكم لمدة سنتين الذي يمكن أن يحصلا عليه إذا تعاونا.

 

لقد أغرتني معضلة السجين بقوتها للبحث في العلاقة بين التنافس والتعاون. وفي نهاية المطاف، طورت مع <C. سيكموند> مستشاري لدرجة الدكتوراه، تقنيات لإجراء محاكاة حاسوبية للمعضلة باستخدام مجتمعات كبيرة بدلا من الاقتصار على سجينين اثنين. وباتخاذ هذه المقاربات، أمكننا أن نشاهد استراتيجيات الأفراد في هذه المجتمعات وهي تتطور من لاتعاون إلى تعاون وإلى العودة إلى اللاتعاون من خلال فترات من النمو والتراجع decline. ومن خلال المحاكاة الحاسوبية، حددنا آلية يمكنها التغلب على ميل الانتقاء الطبيعي إلى السلوك الأناني، الذي يؤدي إلى لامتعاونين بدلا من متعاونين.

 

لقد بدأنا بتوزيع عشوائي للمتعاونين واللامتعاونين، وبعد كل جولة من المباراة سيستمر الفائزون بإنتاج ذرية ستشارك في الجولة التالية. وكانت الذرية تتبع في الغالب استراتيجية آبائها، مع أن الطفرات العشوائية يمكن أن تزيح استراتيجيتها. وأثناء تشغيل المحاكاة، وجدنا أنه خلال أجيال قليلة فقط كان جميع أفراد الجماعة لا يتعاونون في كل جولة من المباراة. ومن ثم، بعد مرور بعض الوقت، ظهرت فجأة استراتيجية جديدة: سيبدأ اللاعبون بالتعاون وبعد ذلك يعكسون أدوار خصومهم، دوراً بدور [واحدة بواحدة tit for tat]. وكان التغيير يقود بسرعة إلى مجتمعات يهيمن عليها المتعاونون.

[أساسيات] لا تعاون (رفض) طبيعي(***)

  توضح مفارقة نظرية المباريات التي تدعى معضلة السجين السبب في عدم توقع وجود تعاون في الطبيعة. يواجه شخصان السجن للتآمر على ارتكاب جريمة. تعتمد أحكامهما على ما إذا اختارا التعاون والبقاء صامتين أو اللاتعاون والاعتراف بالجريمة [انظر جدول المردود في الأسفل]. ونظرا لأن لا أحد منهما يعرف موقف الآخر تجاه التهمة الموجهة إليهما، فالخيار المنطقي – الذي يوفر دائما المردود الأفضل – هو عدم التعاون.

 

 

 

 

وهذه الآلية لتطور التعاون بين الأفراد الذين يواجهون بعضهم بعضا بشكل متكرر تُعرف بالتبادلية المباشرة direct reciprocity. والمثال المثير على ذلك تقدمه الخفافيش المصاصات الدماء. فإذا فَوَّت أحد الخفافيش الفرصة ليتغذى مباشرة بفريسة يوم ما، فإنه سوف يستجدي من أقرانه الذين تغذوا بصورة كافية عند عودته إلى المأوى. فإذا كان محظوظا، سوف يشاركه أحد زملائه في المأوى بجزء من وجبته من الدم وذلك بالتقيؤ في فم الخفـاش الجائع. وهذه الخفافيش من مصاصات الدماء تعيش في جماعات مستقرة وتعود إلى مجثمها roostيوميا بعد الصيد، وهكذا يلتقي أعضاء المجموعة بشكل روتيني الواحد بالآخر. وقد أظهرت الدراسات أن الخفافيش تتذكر أي خفاش من الخفافيش هو الذي ساعدها في أوقات الحاجة، وعندما يأتي اليوم الذي يجد فيه الخفـاش السخي نفسه بحاجة إلى طعام فمن المرجح أن الخفاش الذي ساعده في وقت سابق يرد إليه جميله.

إن ما جعل محاكاتنا الحاسوبية المبكرة أكثر إثارة هو الكشف عن أن هناك أنواعا مختلفة من التبادلية المباشرة. فاستراتيجية واحدة بواحدة tit-for-tatالأولية ضمن عشرين جيلا قد أفسحت المجال لوضع استراتيجية أكثر سخاء، وفيها يبقى اللاعبون يتعاونون حتى وإن كان منافسوهم لايتعاونون. لقد شهدنا في الواقع تطور المسامحة evolution of forgiveness – وهي استراتيجية تبادلية مباشرة تسمح للاعبين بالتغاضي عن خطأ عرضي.

إضافة إلى التبادلية المباشرة، حددتُ في وقت لاحق أربع آليات أخرى لتطور التعاون. ففي عدة آلاف من الأبحاث المنشورة من قبل علماء حول الكيفية التي يمكن أن يسود فيها المتعاونون في التطور، تندرج جميع السيناريوهات التي وصفوها في واحدة أو أكثر من هذه الآليات الخمس.

 

ثمة وسيلة ثانية قد يجد التعاون بموجبها موطئ قدم في جماعة من الجماعات – هي إذا كان المتعاونون واللامتعاونون غير موزعين بشكل موحد في جماعة ما – آلية دعيت الانتقاء المكاني spatial selection. فالجيران (أو الأصدقاء في شبكة اجتماعية) يميلون إلى مساعدة بعضهم بعضا، وهكذا في مجموعة من المتعاونين، يمكن أن يشكل هؤلاء الأفراد الذين يقدمون المساعدة مجموعات يمكنها عندئذ أن تنمو، وهكذا تسود في التنافس على اللامتعاونين. وتحصل أيضا عملية الانتقاء المكاني بين أبسط المتعضياتorganisms. فبين خلايا الخميرة، تُضحيِّ المتعاونات بإنزيم من الإنزيمات لهضم السكر. إنها تفعل ذلك على حسابها at a cost to themselves. وفي الوقت نفسه، تأخذ الخميرة اللامتعاونة إنزيمات المتعاونات، بدلا من تصنيع الإنزيمات الخاصة بها. إن دراسات أجراها <J. كور> [من معهد ماساتشوستس للتقانة]، وبشكل مستقل أجراها <A. موراي> [من جامعة هارڤارد]، كشفت سيادة اللامتعاونات في الخميرة التي نمت في جماعات جيدة الاختلاط. أما في جماعات بكتل من المتعاونات واللامتعاونات، فعلى العكس من ذلك، هيمنت المتعاونات.

 

ولعل إحدى أكثر الآليات البديهية المباشرة لتطورالغيرية تتعلق بالتعاون بين أفراد ذوي صلة جينية، أو كانوا منتقيين من ذوي القُربى kin selection. وفي هذه الحالة، يقدم الأفراد تضحيات لأقاربهم لأن أولئك الأقارب يتقاسمون معهم جيناتهم. وهكذا، فمع أن أحد الأفراد قد يخفض لياقته الإنجابية مباشرة من أجل مساعدة قريب له محتاج، لا يزال هذا الفرد يعزز انتشار تلك الجينات التي يتقاسمها المتعاون مع المتلقين recipients. وهذا ما نص عليه عالـِم الأحياء في القرن العشرين <S .B .J. هالدين> الذي ذكر لأول مرة فكرة «انتقاء ذوي القربى» بقوله: «سوف أقفز إلى النهر لإنقاذ اثنين من إخوتي أو ثمانية من أبناء عمومتي»، مشيرا إلى حقيقة أننا نتقاسم مع إخوتنا 50 في المئة من الدنا DNAالخاص بنا، بينما نتقاسم 12.5 في المئة منها مع أبناء عمومتنا المباشرين.(لقد اتضح أن حساب تأثيرات لياقة انتقاء ذوي القربى هي مهمة معقدة إلى حد أنها قد ضللت الكثير من الباحثين. وزملائي يشاركونني الآن في إجراء مناقشات مكثفة حول الرياضيات الأساسية لنظرية انتقاء ذوي القربى.)

أما الآلية الرابعة التي تحفـز ظهور التعاون فهي التبادلية غير المباشرةindirect reciprocity التي تختلف تماما عن التبادلية المباشرة التي كنت قد درستها في البداية مع <سيكموند>. ففي التبادلية غير المباشرة يقرر أحد الأفراد مساعدة فرد آخر استنادا إلى سمعة الفرد المحتاج إلى المساعدة. والأفراد الذين لديهم سمعة مساعدة الآخرين الذين يواجهون أوقاتا صعبة، قد يجدون أنفسهم في الطرف المتلقي للمساعدة من الغرباء عندما يتخذ حظهم منعطفا سيئا. وهكذا، بدلا من عقلية «أحك ظهرك إذا حَككت ظهري»، قد يفكر المتعاون «سأحك ظهرك وشخص آخر سيحك ظهري». فعلى سبيل المثال، بين نسانيس الماكاك اليابانية، يمكن أن تحسن نسانيس من الرتب المتدنية التي تنظف نسانيس من الرتب العليا (التي لها سمعة طيبة) سمعتها الخاصة – ومن ثم تحصل على فرص إضافية لتنظيف نفسها – ببساطة، لأنها شوهدت وهي بمعية من هم أعلى منها مرتبة.

وأخيرا، يمكن للأفراد القيام بأعمال غيرية selfless من أجل المزيد من الصالح العام، وليس من إجل مساعدة نظير واحد فقط. وهذه الآلية الخامسة التي يمكن أن يبدأ بها التعاون، تُعرف بـانتقاء مجموعاتي group selection. ويرجع إدراك هذه الآلية إلى <داروين> نفسه، الذي ذكر في كتابه عام 1871 «تَحدُّر الإنسان»The Descent of Man أن «قبيلة تضم الكثير من الأعضاء الذين… كانوا دائما مستعدين لمساعدة بعضهم بعضا وأن يضحوا بأنفسهم للصالح العام، سيكونون منتصرين على معظم القبائل الأخرى؛ وهذا سيكون انتقاء طبيعيا.» وقد دافع علماء الأحياء بعد ذلك بقوة عن فكرة أن الانتقاء الطبيعي يمكن أن يشجع التعاون من أجل تحسين القدرة الإنجابية للجماعة. ومع ذلك، فإن النمذجة الرياضياتية التي استخدمْتُها مع باحثين آخرين، ساعدت على إظهار أن ذلك الانتقاء يمكن أن يعمل على مستويات متعددة، من الجينات الفردية إلى مجموعات من أفراد ذوي قربى وإلى الأنواع كلها. وهكذا، يتنافس مستخدمو شركة من الشركات فيما بينهم للارتقاء في سلم هذه الشركة، ولكنهم أيضا يتعاونون لضمان نجاح الأعمال التجارية لشركتهم في منافستها للشركات الأخرى.

 

 

 

واحد للجميع(****)

تطبـق الآليات الخمس التي تحكم ظهور التعاون على جميع أنواع المتعضيات، من الأميبا إلى الحمر الوحشية (وحتى، في بعض الحالات، تطبـق على الجينات والمكونات الأخرى للخلايا.) وهذه الشمولية تشير إلى أن التعاون كان، منذ البداية، القوة الدافعة لتطور الحياة على الأرض. إضافة إلى ذلك، هناك مجموعة واحدة تؤكد أن تأثيرات التعاون كانت بشكل خاص مهيمنة عليها: إنها مجموعة البشر. فقد حولت ملايين السنين من التطور أحد القرود البطيئة العزلاء (القاصرة عن حماية نفسها) إلى المخلوق الأكثر تأثيرا في هذا الكوكب، وهو نوع قادر على اختراع مصفوفة معقدة من التقانات التي أتاحت إلى نوعنا البشري أن يفهم أعماق المحيطات، ويستكشف الفضاء الخارجي ويبث، في لحظة، إنجازاتنا إلى العالم. وقد أنجزنا هذه الأعمال الضخمة البطولية بالعمل معا. وفي واقع الأمر فإن البشر هم النوع الأكثر تعاونا – فهم، إذا صح التعبير، متعاونون فائقون supercooperators.

ومع الأخذ بالاعتبار حدوث آليات التعاون الخمس في عالـَم الطبيعة كله، فالسؤال هو: ما الذي يجعل البشر، على وجه الخصوص، الأكثر تقديما للمساعدة من جميع المتعضيات الأخرى؟ وكما أرى ذلك، فالبشر يقدمون العون أكثر من أي من المخلوقات الأخرى، استنادا إلى مبدأ التبادلية غير المباشرة أو السمعة. لماذا؟ لأن أفراد البشر هم الوحيدون الذين لديهم لغة متطورة – وبمعنى أوسع، لديهم أسماء لبعضهم البعض – التي تسمح لهم بنقل المعلومات حول كل شخص من أفراد أسرتهم المباشرة إلى الغرباء المنتشرين على الجانب الآخر من الكرة الأرضية. لقد انتابتنا الهواجس بمن يفعل ماذا ولمن ولماذا – علينا أن نحسن وضع أنفسنا في الشبكة الاجتماعية حولنا. وقد بينت دراسات أن الناس يقررون كل شيء: من دعم أي جمعية خيرية إلى تمويل شركة حديثة وذلك بالاعتماد جزئيا على السمعة. وزميلتي في جامعة هارڤارد <R. هندرسون> [الخبيرة في استراتيجية التنافس في عالم الأعمال] تذكر أن شركة تويوتا اكتسبت جزئيا ميزة تنافسية عن الشركات الأخرى المُصنِّعة للسيارات في ثمانينات القرن العشرين بسبب سمعتها في المعاملة الحسنة مع الموردين.

 

ويؤدي التفاعل بين اللغة والتبادلية غير المباشرة إلى تطور ثقافي سريع، الذي هو أساسي لقابليتنا على التكيف كنوع as a species بشري. ومع انتشار الإنسان وتغير المناخ، سوف نحتاج إلى تسخير تلك القابلية على التكيف وإلى اكتشاف طرق للعمل معا من أجل إنقاذ الكوكب وسكانه. ونظرا للسجلات البيئية الحالية، فإن فرص بلوغ هذا الهدف لا تبدو كبيرة. وهنا أيضا، تُوفـر نظرية المباريات تبصرات. وبعض المعضلات التعاونية التي تنطوي على أكثر من لاعبين اثنين تسمى مباريات مصالح عامة public goods games. وفي هذا الإطار، يستفيد كل فرد في المجموعة من التعاون الذي أبديه، ولكن إذا بقي كل شيء آخر على حاله، فإنني أزيد من وفائي بالتحول defection من تعاون إلى لاتعاون. لذا مع أنني أريد آخرين أن يتعاونوا، فإن خياري «القاسي» smart هو ألاّ يتعاونوا. والمشكلة هي أن كل فرد في المجموعة يفكر بالطريقة نفسها، وهكذا ما يبدأ كتعاون ينتهي إلى لاتعاون.

تقديم العون: يعمل النمل القاطع الأوراق معا على حمل أوراق الأشجار إلى أعشاشه (1). خلايا تنظم انقساماتها الخاصة لتجنب السرطان (2). تتعاون إناث الأسود في إرضاع صغارها (3). نسانيس الماكاك اليابانية تنظف بعضها بعضا وهكذا تحسن سمعتها الاجتماعية لدى جماعتها (4).

 

 

وفي سيناريو المصالح العامة الكلاسيكية المعروف بمأساة العوام Tragedy ofthe Commons [عَرَضه عالم البيئة الراحل <G. هاردن> في عام 1968] ثمة مجموعة من مربي الماشية تتقاسم أراضي الرعي وتسمح لحيواناتها بالرعي الجائر على العشب المشاع، مع أنها تعرف أنها في نهاية المطاف تُدمر موارد الناس، بما في ذلك موردها الخاص. وأوجه الشبه واضحة مع مخاوف العالم الحالي حول الموارد الطبيعية – من النفط إلى المياه الصالحة للشرب. فإذا كان المتعاونون يميلون إلى ألاّ يتعاونوا عندما يتعلق الأمر بحماية الممتلكات المشاعة، فكيف لنا أن نأمل بالحفاظ على موارد الكوكب البيئية للأجيال القادمة؟

 

 

 

الجميع من أجل واحد(*****)

 

لحسن الحظ، لم يُفقد الأمل كله. فقد كشفت سلسلة التجارب المحوسبة التي قادها <M. ميلينسكي> [من معهد «ماكس بلانك» لعلم الأحياء التطوري بألمانيا] العديد من العوامل التي تدفع الناس إلى أن يكونوا مشرفين جيدين للمُشاعات في مباريات المصالح العامة public goods games. وقد أعطى الباحثون كل لاعب 40 يورو وعملوا على تشغيل المباراة عن طريق الحاسوب وفيها كان الهدف أن تُستخدم هذه النقود للحفاظ على مناخ الأرض تحت السيطرة. وقد جرى إبلاغ المشاركين أن عليهم أن يتبرعوا ببعض من مالهم في كل جولة من المباراة إلى صندوق هذه المباراة. فإذا وُجـِدت في نهاية عشر جولات 120 يورو أو أكثر في الصندوق، حينئذ يكون المناخ آمنا و يعود اللاعبون عند ذلك إلى بيوتهم مع ما تبقى من نقود، وإذا كان لديهم أقل من 120 يورو، حينئذ سيصبح المناخ سيئا وسيخسر كل واحد نقوده.

ومع أن اللاعبين كانوا يفشلون غالبا في إنقاذ المناخ، وذلك بخسارتهم بضعة يوروات، فقد لاحظ المحققون اختلافات في سلوكهم من جولة إلى أخرى تلمـح إلى ما يوحي إلى السخاء. فقد وجد الباحثون أن اللاعبين كانوا أكثر غيْرية عندما كانوا يتلقون معلومات موثوق بها حول أبحاث المناخ، وهذا ما يشير إلى أن الناس بحاجة إلى الاقتناع بأن هناك فعلا مشكلة لتقديم التضحيات من أجل الصالح العام. لقد كان تصرفهم أيضا أكثر كرما عندما كان يُسمح لهم بعرض إسهاماتهم علنا على الملأ وليس في السر – وبتعبير آخر، عندما كانت سمعتهم على المحك. وقد أكدت دراسة أخرى أجراها باحثون في جامعة نيوكاسل في إنگلترا على أهمية السمعة حيث تبين أن الناس كانوا أكثر سخاء عندما كانوا يشعرون بأنهم يخضعون للمراقبة.

 

وهذه العوامل تدخل في الاعتبار كل شهر عندما أتلقى فاتورة منزلي عن استهلاك الغاز. فالفاتورة تقارن استهلاك أسرتي بمتوسط فاتورة كل من استهلاك الغاز المنزلي عند جيراني خارج بوسطن وفاتورة معظم المنازل الأكثر فعالية. ورؤية كيف نقارن استخدامنا مقابل استخدام جيراننا يحفز عائلتي على التقليل من استخدام الغاز: فكل شتاء نحاول تخفيض درجة الحرارة في المنزل درجة فهرنهايت واحدة.

وتشير المحاكيات التطورية evolutionary simulations إلى أن التعاون غير مستقر في جوهره؛ فمن المؤكد أن فترات من النجاح التعاوني تفسح المجال إلى نهاية لاتعاونية. وحتى الآن يبدو أن روح الغيرية altruistic spirit تعيد دائما بناء نفسها؛ وتعيد إلى حد ما ترتيب أهدافنا الأخلاقية. وفترات من التعاون واللاتعاون تكون مرئية في فترات متناوبة من الخبرات الجيدة والسيئة من التاريخ البشري وتقلبات النظم السياسية والمالية. وموقعنا نحن – معشر البشر – في هذه الدورة غير مؤكد الآن؛ ولكن من الواضح أنه يمكننا أن نقوم بعمل أفضل، وذلك بالعمل معا على حل المشكلات الأكثر إلحاحا في العالم. وتوفر نظرية المباريات الوسيلة لتحقيق هذا الهدف. هذا ويجب على صنـاع السياسة أن يأخذوا علما بالغيرية غير المباشرة، إضافة إلى أهمية المعلومات والسمعة في إبقاء اللامتعاونين تحت السيطرة. وعليهم أيضا أن يستغلوا قدرات هذه العوامل ليجعلوا منـا جميعا متعاونين أفضل في مجالات أم جميع مباريات المصالح العامة: مهمة سبعة بلايين شخص للحفاظ على موارد كوكبنا المتناقصة بسرعة.

 

المؤلف

  Martin A. Nowak

أستاذ علم الأحياء والرياضيات في جامعة هارڤارد ومدير برنامج الديناميكا التطورية. وتتركز أبحاثه على الأسس الرياضياتية للتطور.

 2012_11_12_49_a

 

 

مراجع للاستزادة

Five Rules for the Evolution of Cooperation. Martin A. Nowak in Science, Vol. 314, pages 1560–1563; December 8, 2006.
Super Cooperators: Altruism, Evolution, and Why We Need Each Other to Succeed. Martin A. Nowak, with Roger Highfield. Free Press, 2012

(*)WHY WE HELP

(**)FROM ADVERSARY TO ALLY

(***)Natural Defection

(****)ONE FOR ALL

(*****)ALL FOR ONE

(1) حول الدور المسيطر للتعاون في الصراع الدارويني من أجل البقاء، انظر أيضا «حسابات التعاون»،مجلة العلوم، العدد 1(1996)، ص 70. (التحرير)
(2) حول هذه المعضلة، انظر أيضا مقالة «حسابات التعاون»، المشار إليها في حاشية الصفحة المقابلة. (التحرير)

 

error: