كتاب “في اليقين” للودفيغ فتغنشتاين – مقدمة المترجم: مروان محمود

كتاب “في اليقين” للودفيغ فتغنشتاين – مقدمة المترجم: مروان محمود

 تصدير الترجمة العربية لكتاب “في اليقين” للفيلسوف النمساوي لودفيغ فتغنشتاين – صدر عن دار الرافدين (بيروت/بغداد)، 2020


مقدمة المترجم

لكن كيف أكون فيلسوفًا ومنطقيًا قبل أن أكون إنسانًا؟(1)

يبدأ كتابُ “في اليقين” على نحوٍ مفاجئ،  ومن دون مقدمات، وينتهي بالطريقة نفسها. ويبدو مثل مقطوعة موسيقية. فهناك الصدمة، والإيقاعات المتنوعة، والتناغم والتنافر، والإيحاء والتلميح، والتوتّر، والمفاجأة والفوضى، ومعاناة التعبير. فكروا بهذا التشبيه ومحمولاته. تلك الشذرات والفقرات التي كتبها فتجنشتين في آخر حياته، تُعدّ أهمّ ما خطّه فيلسوفنا بقلمه في دفاتر ملاحظاته وأوراقه الخاصة. لم يكن كتاب “في اليقين” عملاً فلسفيًا جافًا، إنه عمل نابض بالحياة وما تتوشح به من ألوان. كلمات ممزوجة بالمعاناة، المرض والموت، اليقين، اليأس والأمل والتوق، والحيرة والتردد والتناقض، وذلك الحماس والفرح الذي تشعر به في كلماته عندما يقبض على فكرة ما.  يبدأ نهاره بالتفكير وكله أمل، وينتهي به الأمر في الليل باليأس ومداعبة أفكار الانتحار. يستيقظ بشهية عالية للتفكير حول العالم، كما لو أنه لم يتمّ التفكير به من قبل. ماسكًا بقلمه، يفكر ويكتب حتى آخر لحظات حياته، بطريقة يصعب على أي إنسان مجاراتها، إنها صارمة ولا هوادة فيها، يشعرك بالتعب في أثناء قراءتك إيّاه، وينقل إليك، بأسلوبه المربك في الكتابة، قلقه العميق ومعاناته على نحو صارخ مثل فنان بتوتّره، بتلقائيته وتداعيه، مزاجيته وغضبه. يرحل عن الحياة في أوج اشتعاله، إنه مشتعل، في معترك المرض، مُدركًا أن الموت يدنو شيئًأ فشيئًا، ولا ينطفئ. إنه في حالة حرب ضروس مع نفسه، يمكنك أن تشعر بتلك الحرب الطاحنة بالنظر إلى عينيه، سعي مستمر للأصالة والصدق مع النفس، حرب لكي يعرف، ليتخلص من زيفه وعيوبه، لقد كان قاسيًا على نفسه ومعاييره التي يتوق إليها عالية. فتجنشتين مرهق، إنساناً قبل أن يكون فيلسوفًا. إنه يضعك في حالة من عدم الرضا عن نفسك، حالة من التوتّر الدائم، ويلحّ عليك للمضي إلى ما هو أنبل. ما يقوله لنا فتجنشتين من خلال  كلّ ما مر به وخاضه هو أنه ينبغي علينا احترام الحياة. علينا أن نحترم الحياة، ونأخذها بجدية، ونعمل حتى آخر لحظة، علينا أن نسعى حتى نكون لائقين بها، وجديرين بعقولنا وقلوبنا التي نملكها، علينا أن نأخذ مكاننا ونكتسبه في مشهد الحياة البديع، أن نكون دربًا للمرض والحب والموت والفقر والحزن والانكسار والعجز واليأس والأمل والحرب والكلمة والنغمة والرسمة والشجر والبحر والجبل والشمس والهواء والمطر والغيم وحتى الفراغ، كلّ شيء موجود على الأرض وفي الإنسان والحياة، ليكتمل من خلالنا هذا المشهد وهذه اللوحة ولنتشكل نحن ونُصاغ من خلال كلّ ذلك. أن نتفانى ونكون عنيدين في العمل والتفكير والحياة ونتحلى بالشجاعة ونفقد ذواتنا في ذلك حتى تتفتح لنا الآفاق.

باستطاعتنا أن نعين ذلك البعد الإنساني في فلسفة فتجنشتين، فلسفته للحياة والإنسان العادي، الذي يستعمل أساليبه ليعبر عن ما يثير دهشته في العالم وفي الحياة. تنفر فلسفته من الصلابة والجمود، أي شيء لا حياة له، ويكافح لحماية ذلك البعد العميق للحياة. كلها أشياء يعلمنا إياها فتجنشتين، فلسفته من صلب الحياة ومعاناتها، وتنطلق من أسئلة الإنسان العادي الذي يعيش في مجرى الحياة ويمارسها، ويكتسب خبراته وتجاربه من تلك الممارسة. ومن المهم أن ننظر إلى هذا الجانب المهمل من الفيلسوف، وننخرط في تأمل وتفكير في تلك الدروس التي يعلمنا إياها، لتنعكس على حياتنا اليومية، ونحظى بفهم أكثر ثراء لفلسفته وكلماته.

“أخبريهم أنني حظيت بحياة رائعة!”

قالها لزوجة طبيبه إدوارد بيفان وهو راقد في سريره. كانت هذه كلمات فتجنشتين الأخيرة لها ولنا قبل رحيله.

أسلوب كتاب “في اليقين”: “أنا لا أعرف وجهتي(2)

كتابُ “في اليقين” أصعب أعمال فتجنشتين، والتي لا يمكن التعامل معها بسهولة، ويمكن ردّ ذلك لعدة أسباب منها الحالة التي كتب فيها وأسلوب العمل نفسه. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن الآراء متضاربة في النظر إلى كتاب “في اليقين” بوصفه عملاً أم لا. وفي هذا الصدد، تشير مقدمة الكتاب التي قام بكتابتها  كلّ من إليزابيث أنسكومب وفون رايت إلى أنه يمكننا عدّ كتاب “في اليقين” عملاً، فهو يناقش موضوعات محددة في فترة زمنية متواصلة، وكان فتجنشتين يخصص لموضوعاته مكانًا خاصًا في أوراقه ودفاتر ملاحظاته. في الوقت نفسه، لا يمكننا عدُّ كتاب “في اليقين” عملاً كاملاً ومنجزاً، وهو ليس عملاً ناقصاً أيضًا، فالفئة التي ينتمي إليها هذا العمل لا تنطبق عليها المعايير التي تنطبق على الأعمال الفلسفية الأخرى. يمكن القول إن كتاب “في اليقين” عمل، في طور الإنجاز حتى الآن. إنه عمل دراماتيكي في أحداثه وتطوراته. يمكننا أن نشعر بتلك المخاضات التي يعيشها في كلّ جملة فيه. رحلة يخوضها القارئ في هذا الكتاب، مشهد مفتوح يمكنك أن ترى فيه هذا الصراع. إن تجربة قراءة هذا الكتاب لأي قارئ أو باحث هي عبارة عن تحدٍّ ينبغي عليك أن تمضي به وتعيشه، أنت لا تقرأ عملاً فلسفياً تقليدياً أو دوغمائياً، ولا توجد طريقة واحدة يمكن أن تجدها لقراءة الكتاب ولا تأويل وفهم وحيد، ولكل شخص انخرط به قراءة وبحثًا وتفكيرًا تجربة تختلف عن تجربة الشخص الآخر وتأويل وفهم خاص به. أعتقد أن كتاب “في اليقين” لديه الكثير والكثير ليقوله لنا في عصرنا هذا وفي المستقبل، إنها الشذرة. لا يرتب فتجنشتين أفكاره بطريقة تقليدية أو أكاديمية، ولا يناقش أفكاره على نحوٍ مستمر بالطريقة التي نألفها جميعنا. يمكن أن نربط ذلك بكرهه للتقليد الأكاديمي والببلوغرافيا الأكاديمية وسعيه للتحرر من هذه السطوة. يكتب فتجنشتين بالشذرة، وبطريقة ذكية فيها حسٌّ عالٍ من التهكم والسخرية. لا يمكن تتبع مسار أو خط مستمر من التحقيق في كتاب “في اليقين”، يبدأ فتجنشتين من نقطة معينة، وكلما تقدم فتح مسارًا جديدًا من التحقيق والتفكير، فهو لا يفصل بين عملية التفكير والكتابة، وإنما الأمر عنده واحد، ما يفكر به يكتبه، فيمكننا أن نرى الرحلة أيضًا وليس النتيجة فقط. يبدو وكأنه متاهة أو نوع جديد من الكتابة، إنها فوضى فتجنشتينية. يكرر فتجنشتين الأسئلة والأفكار مرات كثيرة، وفي كلّ مرة يكرر ذلك تكون دهشة وأصالة المرة الأولى مصاحبة له. كما سبق وأشرت، يمكننا أن نفهم كتاب “في اليقين” كما نفهم مقطوعة موسيقية، وفي الوقت نفسه، يمكننا مقاربته على أنه لوحة، أو عمل هندسي مبدع، مهما بدا لنا الكتاب فوضويًا ومربكًا، إلا أنه يوجد في النهاية رؤية. لا يخبرنا فتجنشتين شيئًا جديدًا، ولا يسعى إلى إمساك جوهر الأمر، إنه يقول لنا ما نراه أمامنا، وأكثر ما نجهله ونسيء التفكير فيه هو الموجود أمامنا، الأكثر ألفة وقربًا، وهنا أحد ملامح العبقرية عند فتجنشتين، وهي في رؤية ما نحن منغمسين فيه وإظهاره للنور بطرقه المختلفة الأصيلة والمبدعة ورؤية الروابط والصلات الموجودة فيه، من دون الحاجة لأن يقول لنا شيئًا جديدًا. إنه يشير إلى ما هو ماثل أمامنا، يمسحه ويتفحصه ويدقق فيه، ينظر إليه مرارًا وتكرارًا، من زوايا مختلفة، ويدعونا لنرى معه، وهذا ليس كلّ شيء، يمكن عدُّها خطوة أولى. لا يفكر برأسه فحسب، ولكن أيضًا بعينيه. يدفعك أسلوب فتجنشتين إلى التفكير بإبداعية حول عملية الكتابة والتفكير، ويصر على أن تجدَ طريقة أخرى لتقرأ بها عمله وتشاركه التفكير، فالقارئ لا يقف هنا، في هذه الحالة على الأقل، موقف المتلقي فقط، عليه أن يكون فاعلاً.

الخلفية التاريخية والسياقية لكتاب “في اليقين”

خاض فتجنشتين جدالات مع صديقه نورمان مالكولم في عام 1949 عن المعرفة والحس المشترك عند جورج مور، وتبعًا لذلك، كتب مجموعة من الفقرات والملاحظات شكلت الجزء الأول من الكتاب، وتمتد هذه الفقرات من فقرة 1-65، قام فتجنشتين بكتابتها في خريف 1949. من ذلك الحين وحتى رحيله، كتب مجموعة من الفقرات عن موضوعات متنوعة تشتمل على اليقين ومفاهيم الألوان وجوانب من علم النفس والألعاب اللغوية والصور العالمية، فضلاً عن حجة مور والشكية والمثالية وما ينطوي تحتها من موضوعات متفرعة. إلا أنه كان في حالة من عدم الرضا والشكوى المستمرة من أفكاره تلك، فلم تكن بالمستوى الذي يريده. وهذا يمكن ربطه بمرض سرطان البروستاتا الذي عانى منه، بسببه وبسبب الأدوية التي كان يأخذها، ومن آثارها الجانبية الاكتئاب وتشوش الإدراك، بقيت حالته الجسدية والذهنية ضعيفة، وهذا يمكن أن نلحظه في ما يقوله ببعض الجمل المتقطعة في ثنايا هذا الكتاب. على الرغم من ذلك، وفي آخر شهرين من حياته، استعاد من جديد حدته الذهنية وانطلق في التفكير بلا هوادة حتى دخل في غيبوبة قبل يومين من وفاته. بعد تحرره من الدواء واستغراقه مجددًا في الكتابة، يمكن القول إنّ فتجنشتين كان يشعر ببعض الرضا عن عمله في آخر شهرين وخاصة شعوره بالرضا عن الجزء الرابع من كتاب “في اليقين”.

إليك هذه الأجزاء من رسالة كتبها فتجنشتين إلى صديقه مالكوم في أثناء هذه الفترة. كتبت الرسالة في تاريخ 16 كانون الثاني 1950:

“إذا تمكّنا من أن نلتقي، فستجدني بطيئاً جداً وغبيّاً. أحظى بلحظات وعيٍ قليلة جدًا. أنا لا أكتب أبداً، لأن أفكاري لم تتبلور بما فيه الكفاية.”(3)

بدأت كتابة الجزء الثاني (65-193) والجزء الثالث (193-299) في شهر نيسان من عام 1950 واستمرت هذه الفترة حتى شهر تشرين الأول من العام نفسه. وتبيّن رسائله إلى نورمان مالكوم إلى أنه ما يزال غير راضٍ عن ما يقدمه، وأن حالته الصحية والعقلية في تدهور مستمر. وبعد الانتهاء من كتابة الجزء الثالث، تتوقف الكتابة زُهاء ستة أشهر، وتبدأ أول ملاحظة من الجزء الرابع من الفقرات (300-676) في شهر آذار من عام 1951.

انتقل إلى منزل طبيبِهِ في شباط قبل ما يقرب الشهرين من وفاته، وانتهى علاج السرطان، وبعد التخلص من الأدوية، قام بكتابة  الجزء الرابع من الكتاب في الفترة ما بين العاشر من آذار والسابع والعشرين من شهر نيسان، ويعدُّهُ فتجنشتين أفضل أجزاء هذا الكتاب.

إليك الرسالة الأخيرة من فتجنشتين إلى صديقه مالكولم في تاريخ 16 نيسان 1951 قبل ثلاثة عشر يومًا من وفاته، والتي توحي بحالته في تلك الفترة وظرف كتابة الجزء الرابع:

“حدث شيء رائع بالنسبة لي. منذ حوالي شهر، وجدت نفسي على نحو مفاجئ في الإطار الصحيح للعقل لممارسة الفلسفة. كنت على يقين تام من أنني لن أتمكن مرة أخرى من القيام بذلك. إنها المرة الأولى بعد أكثر من عامين التي يرتفع فيها الستار عن عقلي.”(4)

الفقرة الأخيرة هي  رقم 676، المؤرخة في 27 نيسان 1951، وهو اليوم الذي فقد وعيه فيه، وقبل يومين من وفاته.

“في البدء كان العمل”

يذكر فتجنشتين هذه المقولة الشهيرة لغوته في مسرحية فاوست في كتابه هذا. إنها تخاطب عمق أفكار فتجنشتين.

في البدء لم تكن الفلسفة، لم تكن مشاكلها وألغازها وشكوكها، في البدء كان العمل. في البدء لم تكن الكلمة، بل العمل. تأتي الفلسفة وتنشأ الأسئلة فيما بعد. في البدء العمل، ولاحقًا تأتي الدهشة. لا لغة من دون فعل وممارسة، ولا توجد حياة ومجتمع من دون عمل. لا نفكر ثم نفعل، بل نفعل ونمارس ثم نفكر، هذه هي الطريقة التي تعمل بها المجتمعات وأشكال الحياة. لا نحتاج لفلسفة أو نظرية أو فكرة ما لتحدد وتسوغ أفعالنا، هو شكل حياة، وهكذا نتصرف فحسب. يعاكس فتجنشتين هنا المبدأ أو الدوغما الفلسفية التي تقدم النظر على العمل. إن البداية عند فتجنشتين ليس في اللغة أو الفكر وإنما في تصرفاتنا وردود أفعالنا وممارساتنا.  ما نعتقد به ومتيقنين منه – مثل “العالم موجود”، “هناك بشر آخرون مثلنا”، “أعرف أن هذه يد” وما إلى ذلك – ليس شيئًا أخذناه عن طريق التأمل والتفكير، وهو في الوقت نفسه ليس شيئًا تجريبيًا، ولا معرفيًا، فيميز فتجنشتين بين اليقين والمعرفة، وهو غير قابل للخطأ ولا يساوره شكّ، إنه يقين راسخ لدي ولدى غيري من الناس الطبيعيين الذين يشاركونني شكل الحياة. لا يمكن أن تنفصل لغتنا عن سياقنا الثقافي والاجتماعي، في البدء كنا موجودين مسبقاً ضمن ممارسات شكل حياتنا، وأن البشر يولدون في تقاليد ثقافية محددة ويتم تدريبهم على قبول ممارساتها الخاصة.

–  أنا أعرف أن هذه يدي وأعرف أن هذه شجرة

–     هل أنت متأكد من ذلك؟

يرى فتجنشتين أن الاستعمال الفلسفي لعبارات مثل “أنا أعرف…” غريب ولا يعمد الإنسان العادي في مجرى حياته ليقول مثل تلك الأشياء، لذلك يريد فتجنشتين أن يعيد هذه العبارات من استعمالها الفلسفي إلى استعمالها الطبيعي في حياتنا، لأن اللغة الفلسفية لا تحكم اللغة اليومية، وإنما العكس. وحين يشكّ أحدهم بوجود يديْ مور، فإن ما يفعله مور هو التلويح بيده أمام مجادله والإصرار على أنها موجودة، وإذا استمرّ في الشكّ في وجود يديْ مور، فإن ما يفعله الأخير الإصرار على وجود يديه وقوله إنه يعرف ذلك، وإن مثل هذه الأشياء لا تحتاج إلى دليل لإثباتها، فهي بديهيات، والاعتراضات عليها خاطئة حتمًا، وهذا ما يعدّه فتجنشتين ردًّا بلا معنى على حجج الشكّ، بل أن التأكيد والإصرار على معرفة مثل هذه البديهيات من قبل مور لا فائدة منه ويثير الاستغراب والريبة حتى حول مور نفسه. بالنسبة لفتجنشتين، نحن لا نعرف مثل هذه البديهيات، لأنها ليست موضوعات للمعرفة أو الشكّ، وتقع خارج مسار التحقيق، وأنه يبدو من السخيف، طبقاً لفتجنشتين، أن ندعي معرفة ما هو واضح ونصرّ على ذلك، من دون أن يكون هناك شكّ أو تساؤل منطقي حوله، وسيكون له معنى هذا الادعاء في ظروف وسياقات معينة، بمعنى، عندما يستند هذا الادعاء على أسباب، وحيث يكون إجراء تحقيق في الأمر ممكنًا ويكون ضمن سياق تواصلي في حياة الناس، أي لعبة لغوية. ويتصور مور أن قضايا مثل “لدي يد” قضايا تجريبية، وهذا تضييق لرحابة استعمالات اللغة وسياقاتها، ففتجنشتين يعدّ أن مثل هذه القضايا ممكن أن تعمل بعدة وظائف واستعمالات في مجرى حياتنا. ويمضي فتجنشتين باعتبار أن منطوقات مثل “أنا أعرف أن هذه يدي” لا معنى لها، لأنها تفترض أن ما هو عكسها صحيح، وفي الوقت نفسه هناك حالات كما أشرت يمكن أن يكون ما هو عكس هذه العبارة معقولاً أو له مسوغ ومبرر. يشير فتجنشتين أيضًا أن إثارة شكوك غير معقولة توحي بأن من يثيرها شخص غير عاقل أيضًا. الأمر المثير هنا هو أن يربط إثارة هذه الشكوك بالصحة العقلية أو الإدراكية لمن يثيرها، بعبارة أخرى، من يثير مثل هذه الشكوك مجنون. يكون الشكّ معقولاً في ظروف معينة، ويجب أن يكون له نتائج في الممارسة، وأن يكون هناك أسباب ومسوغات للشك، أي الإمكان المنطقي له، ومن ثمّ يجب أن يثارَ هذا الشكّ داخل سياق معين، بمعنى لعبة لغوية معينة، حيث تبقى أشياء معينة ثابتة وراسخة في لعبتنا مع إمكان جمع الأدلة التي تؤكد أو تدحض هذا الشكّ المعقول، ولا ننسى تأكيد فتجنشتين أن الاستعمال والسياق يحددان المعنى والوظيفة. وبناء على كلّ ذلك، يُفترض مسبقاً اليقين وحقيقة أن أشياء معينة مستبعدة من الشكّ، أي إمكان وجود خطاب إنساني وثقافة ومجتمع وممارسات وتقاليد ولغة وتعلم، فالشكّ الجذري الفلسفي يلغي أي خطاب ممكن، ومن ثمّ هو شيء يعيق الحركة والحياة والتقدم، ولا ينبع من حياتنا، فضلاً عن أنه هراء.

ومن ثمّ، فإنّ حلّ الشكّ يكمن في إظهار أن لا معنى له. على سبيل المثال، من يصرّ على أنه يوجد إمكان توهمات دائمة إزاء تصوراته وإدراكاته الحسية عن الأشياء، يمكن الردّ عليه بإظهار أنه ينحرف عن الممارسات الطبيعية والمعتادة، وهي أشياء مسلّم بها، في الوقت الذي  يثير الشكوك فيها. والأمر نفسه ينطبق على من يعتقد بأنه دائمًا في حالة حلم. إن هذا الشاكّ، مثلاً، يسيء استعمال كلمة “وهم”، لأن هذه الكلمة يوجد لها سياق ومعايير تحدد لها استعمالاتها المعقولة وغير المعقولة في لعبة اللغة.

رغب مور في القول إنه يعرف الأشياء التي في محيطه مباشرةً، فهو يعرف، مثلاً، أن هذه التي أمامه شجرة، فضلاً عن حقائق بدهية أخرى. إن قول “أنا أعرف…” حول الأشياء التي يؤكدها مور خاطئ بالنسبة لفتجشنتين، فإذا كنت أجلس في حديقة، فليس من المعقول أن أشكّك في أن تلك التي أمامي هي شجرة، وفي الوقت نفسه، لا يحملني التشكيك فيها على قول إنني أعرف أن هذه شجرة. نحن متيقنون من هذه الأمور، وأيّ تشكيك فيها أو تصور عكسها أو نفيها سيكون مستبعداً، وإذا حدث التشكيك فيها، فإن ذلك سيلغي إمكان وجود لعبة لغوية أو حتى حديث بين الناس. إن القضايا التي يذكرها مور مثل “أنا لدي دماغ” أو “أنا اسمي كذا وكذا”، تأخذ شكل القضايا التجريبية، ولكنها قواعد وحقائق راسخة لا تقبل الشكّ ولا المعرفة، ففئة اليقين تختلف عن فئة المعرفة بالنسبة لفتجنشتين، وأنا أقبل هذه الحقائق من خلال طريقة تصرفي.

صورة – عالم

يبدع فتجنشتين مفهوم “صورة – عالم” في سياق حديثه عن بديهيات مور التي سبق وأشرنا إليها. هذه البديهيات أو القضايا تشكل نظامًا مميزًا لي، ولا يمكن لأي إنسان طبيعي في صورة عالمنا الخاصة بنا والحالية أن يشكّ فيهم أو يتصور العكس، حيث أن كلّ الأدلة تتحدث لصالح تلك القضايا، وتجربتنا الإنسانية ومسار حياتنا يحتم علينا أن لا نتصور العكس. ومن ثمّ، كلّ ما نأخذه على أنه مسلم به أو نثير الشكوك حوله هو ضمن صورة عالم، فهي توضح لنا وتعلمنا كيف نستعمل اللغة وكيف نشكّ وكيف نتحقق من الأمور وكيف نكون أفراد فاعلين في المجتمع وكيف نحكم على الأشياء ونصفها وما هو الخاطئ وما هو الصحيح. منذ أن كنا أطفالاً تعلمنا هذه الصورة عن طريق التربية والممارسة والنماذج والأمثلة وكلها أمور متشابكة وتدعم بعضها بعضاً، ووثقنا بصحتها، وعندما نكبر ننقل هذه الصورة إلى الأجيال القادمة. هذا يعني، لم نأخذ هذه الصورة من خلال المحاججة والتفكير والتأمل ولم نطلب في طفولتنا تسويغات ومبررات لكي نقتنع بها، ليست طرق التصرف هذه بحاجة إلى مزيد من الأسس أو التسويغات، وإنما عوضًا عن ذلك يتعين علينا قبول حقيقة أن الناس في الواقع يتصرفون بهذه الطريقة. “في البدء كان العمل”. وإلى الآن ما نزال نعمل ضمن هذه الصورة، ولا نتخيل لنا أيّ شأن خارجها. إننا نتصرف بطريقة تفترض مسبقًا، حتى ومن دون وعي أو قصد منا، وجود هذه الحقائق وصدقها. هذه الحقائق مجمع عليها بطريقة غير معقولة من أبناء الجنس البشري، إنها جزء من تاريخنا الإنساني، جزء من حياتنا وتجربتنا وتصرفاتنا. وصورتنا العالمية ليست خاطئة أو صحيحة، لا تنطبق عليها هذه الأحكام، فلقد ورثناها ووضحت لنا، كما أشرت، أساليب التحقق من الأشياء وكيف نحكم بالصح والخطأ. إذن، لا يمكن أن تكون صورة العالم صحيحة أو خاطئة بحد ذاتها. لأننا حتى نحكم على ذلك نحتاج إلى لغة أو سياق محايد وأن أتخذ نقطة متعالية خارج نطاق صورة العالم أستند وألجأ إليها لمحاكمة قضاياي ومعتقداتي ولغتي، وهذا أمر يرفضه فتجنشتين. ويشير فتجنشتين أن ما نعدّه حقيقة راسخة الآن قد يتحول فيما بعد ليكون قضية تجريبية تحتمل الصواب والخطأ حسب الأدلة ومنهج التحقيق، وما نعدّه قضية تجريبية الآن قد يتحول إلى حقيقة راسخة، وذلك يعتمد على السياق والاستعمال والزمن وحالة العالم والتطورات في الحياة البشرية في كافة مجالاتها (التكنولوجيا والطب مثلاً). وهذا يعني أن الحياة البشرية في نشاط وحركة مستمرة، وليست موقفًا وقبولاً سلبيًا لما هو عليه الحال. نظام اليقين ليس ثابتًا، وإنما يتمّ تعديله وتغييره وتشييده باستمرار. كذلك يشير فتجنشتين أن صورتنا العالمية مثل الأساطير المتضمنة في لغتنا وممارساتنا وأشكال حياتنا المختلفة، وتعبر هذه الأساطير بدورها عنا وعن رؤيتنا للأمور وموقفنا من العالم والحياة، وأنه ليس من مهمة الفلسفة أن تحكم على هذه الصور وتنتج مفاهيم وصور زائفة عن ممارساتنا الإنسانية عن طريق التفسير الخاطئ لها والفهم غير السليم لطبيعة هذه الأساطير، وهذه طريقة يرفضها فتجنشتين، بل على الفلسفة، بطريقتها الصحيحة، أن تساعدنا على فهم هذه الممارسات عن طريق فهم المجتمع وشكل الحياة ووصفه، ورؤية طبيعة هذه الممارسات كما هي.

قاع النهر

يشير فتجنشتين إلى هذه الاستعارة البديعة في سياق حديثه عن الصور العالمية في فقرات 94، 95، 96، 97، 98، 99. إن ما يعدّ الآن، كما كتبت سابقًا، قضية تجريبية يمكن إثباتها أو تفنيدها، قد تتحول إلى قاعدة راسخة في حياتنا والعكس صحيح. وفي الوقت نفسه، يمكن أن نعامل قضية ما على أنها قاعدة وفي الوقت نفسه قضية تجريبية تخضع للتحقيق، ويجب أن نضع بالحسبان أنه، ولحد الآن في عصرنا هذا، لا يمكنُ أن نعامل قضية مثل “أنا لدي دماغ” بوصفها قضية تجريبية قابلة للدحض أو الإثبات أو قضية مثل “الأرض موجودة منذ زمن بعيد” لا يمكن أن تكون عرضه للشكّ أو التحقيق، فهي مستثناة من حركة جريان المياه. هذا يعني أن بعض القضايا أو الاعتقادات لا يمكن أن نضعها محل شكّ أو تحقيق كباقي القضايا مثل “أملك يدين” – التي قد تعمل كقضية تجريبية وفي الوقت نفسه قاعدة راسخة -، وهذا يحدده السياق والظرف. ليست القضايا نفسها دائمًا هي التي تحدد يقين لعبة اللغة.

يشبه فتجنشتين قضايا صورة عالمنا كجزء من قاع النهر، حيث هناك جريان مياه النهر، وقاع النهر. قد تفتت المياه قاع النهر ليصبح سائلاً ومتدفقًا، أي يتحول من قضية راسخة إلى قضية تجريبية، بينما قد تتحول قضايا سائلة ومتدفقة في خضم حركة جريان المياه في النهر إلى قضايا متجمدة وراسخة. قد نحتاج إلى تغيير حقائقنا الراسخة عند حدوث أمور وظروف، وليس شرطًا أن تكون أمور وظروف علمية بل اجتماعية واقتصادية ودينية وسياسية وغير ذلك، ومن ثمّ تحولها إلى قضايا تجريبية يمكن دحضها، وتحل محلها كقضايا راسخة وقواعد. وقد تنتج قواعد وحقائق جديدة غير التي في قاع النهر أو تلك التي في مجرى المياه، ويكون لها دورها في صورتنا العالمية. وفي الوقت نفسه، فإن الحدود بين حركة المياه وقاع النهر غير واضحة ومحددة بالنسبة لفتجنشتين، فلا يوجد شيء صارم وثابت تمامًا يفصل بينهم، فهو موجود ولكن في سياق الممارسة، وهذه الحدود تعتمد أيضًا على الظرف والزمن والسياق. إذن، لا معيارية واضحة وثابتة بهذا الشأن. وهذا يقودنا إلى وجود صور عالمية بديلة ومختلفة ومتنوعة نلتقي أو نختلف معها، نتواصل معها، قد نشاركها كثير من الأمور ونحاول أن نقنعهم بصورتنا والعكس صحيح، ونختلف معها في كثير من الأمور، وقد يكون هناك صراع وصدام، ونرى فتجنشتين يبتعد عن وصف أي صورة عالم على أنها خاطئة أو صحيحة، كما سبق وذكرت، حتى لتلك التي تختلف معه، وذلك يقود إلى جدل ونقاش كبير حول إمكان اعتبار فتجنشتين نسبوي في هذه المسألة أم لا. على كلّ حال، فإن كلّ ذلك، بالطبع، يرتبط بتجارب الإنسان على هذه الأرض ويحاول أن يفهمها كما هي، كما نتصرف بطبيعتنا من دون الحاجة إلى نظرية في المعرفة أو نظرية فلسفية، وأريد أن أربط ذلك بما قلته سابقًا بأن فتجنشتين فيلسوف يدافع عن البعد العميق للحياة وينتصر له بكل ما فيه، ويزدري أي هيمنة أو تحكم به وبحياة الإنسان سواء من الفلاسفة أو غيرهم.

وطبقاً لكل ذلك، يسمح فتجنشتين بوجود صور عالمية مختلفة لها عاداتها ومعتقداتها ولكن هناك أشياء نستطيع القول إنها ثابتة أو مفصلية ومشتركة في كلّ الصور العالمية، إذ ليس في الصور العالمية المختلفة انحرافات جوهرية في الطبيعة البشرية، حتى وإن تطورت هذه الطبيعة البشرية – تذكر قاع النهر- فإن هذا يشير كذلك أيضاً إلى تطور صورة عالمية مشتركة. إذن، كلّ الاختلافات مفهومة بطريقة أو بأخرى. هناك فكرة يجدر الإشارة إليها، وهي إمكان مفترض لوجود صور عالمية أخرى تختلف عنا اختلافًا جذريًا، ولكن لا نستطيع أن نفهم هذه الاختلافات، بمعنى آخر، حتى ولو كانت هذه الصور العالمية موجودة، إلا أنه لا يمكننا التعرف عليها أو الوصول إليها.

ذلك يفتح باب الخيال على مصراعيه، ويدفعنا للتفكير والبحث أكثر. على كلّ حال، الجدل لا ينتهي وهذه مجرد إضاءة فقط حول الموضوع، ولأن المقام لا يسمح بأكثر من ذلك، سأكتفي بهذا القدر.

السنجاب واليقين الأعمى

يثير فتجنشتين فكرة أساسية في كتابه حول ممارساتنا الإنسانية في الفقرة رقم 358 و359، وفقرة رقم 475. مفاد هذه الفكرة أن اليقين في ممارساتنا وحياتنا هو شيء حيواني. وذكر فتجنشتين هذه الفكرة في ملاحظاته عام 1931 حول كتاب الغصن الذهبي لفريزر بقوله: ” إن الإنسان حيوان احتفالي” (5). وهذا يشير إلى أن هذه فكرة أصيلة في طريقة تفكير فتجنشتين حول الأشياء. فهو يعدّ الحياة بلا أساس أو مسوغ، وبمعنى أدق، طريقة غير مسوغة في الفعل والتصرف. يشير فتجنشتين إلى مثاله الذكي عن السنجاب في الفقرة رقم 287. لا يستدل السنجاب، كما يذكر، أو النمل عن طريق الاستقراء أنه بحاجة لخزن الغذاء للشتاء القادم (في حياة الحيوانات الكثير من الأمور المثيرة للاهتمام والتأمل)، والأمر ينسحب علينا أيضًا، فلا يعمد الإنسان العادي إلى التفكير فلسفيًا ليعيش حياته، أو لتسويغ وتبرير أفعاله. لا يقرأ الإنسان ديكارت وهيوم وجورج مور في الصباح قبل الانطلاق إلى عمله لكي يمضي يومه ويجعله ناجحًا، إنه شكل حياة. هكذا نتصرف فحسب، لا شيء فوق ذلك أو تحته. نقبل ذلك بالتنشئة والتعليم والفعل، ولا نحتاج إلى مسوّغ للاقتناع به، ولم نفكر فيه حتى. وهذا في عمق ممارساتنا وتجاربنا الإنسانية. ينطوي الأمر في قدر كبير منه على نوع من الفرض. وحول هذه الفكرة يقول جون سيرل في حواره مع براين ماجي عام 1987: “يدفعنا فتجنشتين إلى أن نضع في أذهاننا أن جزءًا عظيمًا مما نفعله ينبغي عدُّهُ بدائيّاً وبيولوجيًا وثقافيًا. نحن نتصرف فحسب بأساليب معينة. وينبغي علينا التفكير في هذه الأنواع من السلوك على أنها ردود فعل حيوانية لا أكثر.”(6)

إلا أن هذه “الحيوانية” في ممارساتنا لا تنزع عنا صفة “العقلانية”. إنه يصف طبيعة الإنسان العادية، ولذلك أعتقد أن العقلانية التي يقصدها فتجنشتين تختلف عن العقلانية أو مفهوم العقل في الفلسفات المختلفة، فهو لا يشيد فلسفة أو نظرية حول ذلك. أعتقد أن فتجنشتين هنا لا يضع مفهومه عن اليقين الحيواني في نزاع مع عقلانية الإنسان ورشده. وإنما يطور مفهومًا معينًا لشكل الحياة. فالإنسان يجرب الأشياء ويحكم عليها ويقصد ويقلق ويجادل ويختلف ويعطي المبررات والمسوغات وما إلى ذلك، ففتجنشتين هنا لا يعامل نفسه ويعاملنا على أننا حيوانات على نحو خالص. أكرّر قولي إن هذه الفكرة هي فكرة بالغة الأهمية مهمة للغاية ومركزية في كتاب فتجنشتين هذا، ومن هذه النقطة، ربما، يسلتزم إضافة وضع العديد من الأشياء والتأمل والبحث أكثر حول في الأمر، ونقله إلى مستويات جديدة.

لعبة اللغة: “إنها موجودة هنالك – مثل حياتنا”

يقول لنا فتجنشتين في الفقرة رقم 559 إن لعبة اللغة شيء لا يمكن التنبؤ به، وهي غير عاقلة، وربما الشيء اللافت حقًا للانتباه والمثير للتأمل هو لوجود لعبة اللغة بوجود حياتنا. فقرة آسرة، وبلا شكّ، إنها من أهم الفقرات في كتابه.

لا يخضع وجودنا واللعبة اللغوية التي نلعبها أو شكل الحياة للتسويغ. إنها ليست عقلانية، ولا يمكن للعقل أن يمنحنا الأساس لهم. يقبل فتجنشتين بهذه الحالة، ويرى أن التسويغ والتبرير يصل إلى مرحلة وينتهي فيها. أن تصل لنقطة، وببساطة تقول: “هذه هي حياتي، وهذا ما أقوم به، هكذا أتصرف! ماذا أقول أكثر من ذلك؟ وهل من جدوى أو إمكان للتفسير والتسويغ؟ – ماذا يمكنني فعله؟ هكذا تسير الأمور”. ما يقوله فتجنشتين، باعتقادي، هو إنّ علينا قبول أشياء معينة، كجزء من الحياة، حتى وإن لم تكن هناك مسوغات وأسباب لذلك. لا حقيقة خارج لعبة اللغة، في الخارج لا حياة، ولا يمكنك الخروج منها. إنها مثل النظارة الموجودة على أعيننا، ولا نستطيع أن نخلعها، أو لا يخطر لنا ذلك، ولكنها، هذه النظارة، من داخل لعبة اللغة، أي ليست شيئًا ميتافيزيقيًا أو خارقًا. إنها الحياة، وهذا شكل الحياة الذي أتصرف على وفقه. ويمكنني القول، إن فتجنشتين يريد أن يشير إلى أنه بخلع هذه النظارة، تنشأ المشاكل الفلسفية، وهي مشاكل زائفة، ويقع الاضطراب، لا نحتاج للأسئلة التي تثيرها الفلسفة، فهي ليست ضرورية لنا، وشكل حياتنا لا يتطلبها، علينا أن نظهر على نحو واضح كيف يعيش الإنسان ويتصرف في حياته، وذلك في عمق فلسفة فتجنشتين. وعلينا التذكير بأن فتجنشتين لا يريد أن يبني لغة كونية أو مجردة ولا صياغة شكل ونمط واحد، وهذا سبق وأشرنا إليه.

وأعتقد أن فتجنشتين اختار بشكل ذكي كلمة “اللعبة”، لتتناسب مع دراماتيكية الحياة، وبطبيعة الحال، اللغة أيضًا. نبدأ بالعمل بدلاً من الرأي أو التفكير، ممارسات وأفعال مختلفة، ولا ماهية للعبة. إنها على هذا النحو.

إن لعبة اللغة موجودة ، كما لا يمكن التنبؤ بها، إنها مثل حياتنا، يترك فيلسوفنا كلّ شيء على ما هو. يظهر هذا النزوع في السنوات الأخيرة من حياة فيتجنشتاين، وهو النزوع لقبول الحياة بكل ما فيها، كما هي، مدركًا أنه علينا أن نستقبلها بصدر رحب كما هي، حتى نعيشها بحق ونتحملها. إنها علامة مذهلة على النضج من فتجنشتين. لا لعبة لغة ممكنة إلا باليقين، ولا حياة ممكنة إلا بالثقة والقبول، التجرّع والمضي.

اليقين والجنون

لفتجنشتين علاقة وثيقة بعلم النفس والطب النفسي، لدرجة أنه كان يفكر جديًا بترك الفلسفة والتوجه للطب النفسي. وأعتقد أن ملاحظاته عن الشكّ والحس المشترك وما إلى ذلك في كتابه تقدم إسهامات وإضافات مهمة في الطب النفسي وفي فهم طبيعة الاضطرابات العقلية ومشاكل الإدراك وحتى علاجها.

يثير ديكارت، على الأقل من وجهة نظر فتجنشتين، شكوكًا غير معقولة. كلّ شيء يمكن أن يكون موضع شك، وأن نقطة الانطلاق الأولى هي الشكّ، وهنا فيتجنشتاين يعارض النهج الديكارتي وبدلاً من ذلك، يؤكد أن الشكّ لا معنى له إلا على خلفية اليقين الذي لا شكّ فيه. ونتيجة لذلك، من يثير شكوكًا غير معقولة، فهو أيضًا غير عاقل. هل يمكن لشخص أن يشكّ بوجود جسده أو أن اسمه كذا وكذا وهو يمارس حياته بشكل طبيعي؟ حسنًا، لنقل أن ديكارت ليس مجنونًا، إنه فقط يمارس الفلسفة. يبدو الأمر، بهذه الصورة من الفلسفة، واحد عند فتجنشتين (راجع الفقرة رقم 467). شكّ لا ينتمي للعبة اللغة، ولا يمكن أن يكون معقولاً في سياق الممارسة. هناك فاصل بالنسبة لفتجنشتين بين ما هو معقول وغير المعقول، يعتمد هذا الفاصل على سياق اللعبة اللغوية، صورة العالم والفترة التاريخية، فهو غير ثابت بشكل راسخ، رغم أنه يوجد إمكان لوجود فاصل مشترك بين العاقل والمجنون والثقافات وأشكال الحياة المختلفة في العالم.

قد نقول إن قول عبارة “أنا أعرف أن هذه شجرة” مقابل شجرة تهدف إلى إعطاء شخص ما معلومة صحيحة، ولكن لا سبب لها ولا سياق ولا حتى فائدة. ما الذي سيبدو عليه شخص يكرر مثل هذه العبارات؟ يبدو وكأنه يريد أن يثبت لنفسه وللآخر بأنه يعرف ما يعرفه وأن يشعر بالطمأنينية حيال ذلك. تبدو هذه العبارات وكأنها تعبر عن وسواس أو قلق وتوتّر. لا داعي في الظروف العادية أن يشكّ الشخص في كلّ شيء ولا يؤكد معرفة كلّ شيء أو أي شيء سوى في حالات استثنائية سبق ووضحناها، ومن يفعل ذلك، فإن نسبة معاناته من الاضطراب العقلي أو فقدان الاتصال مع الواقع وتفسيره عالية. ما هو واضح لنا غير واضح لهم، يفتقرون للقواعد، ولليقين، أو للخلفية التي نملكها، وعليهم دائمًا التفكير وطرح الأسئلة والشك أولاً حتى وإن كان يبدو ذلك لهم غير طبيعي، وحتى حول أبسط الأشياء في الحياة اليومية. وهذا يؤدي إلى فقدان القدرة على العيش في العالم، لأنهم يفتقرون لفهم الأشياء المسلّمة ومعناها ويفتقرون للقدرة على التعامل، حيث أنه يتمّ تقديم التدقيق والتقصي على طبيعة الأشياء ووضوحها.

هذا يضعنا في مفارقة فتجنشتينية، فهو يصور الفلسفة حينًا بوصفها جنونًا أو مرضًا وفي حين آخر يصورها على أنها علاج للأمراض وتذويب المشكلات. على الفلسفة أن تأخذ دورها بوصفها علاجًا، بالنسبة لفتجنشتين، والفيلسوف كمعالج للأمراض والمشاكل.

حديث فتجنشتين عن الجنون والمجتمع والحس المشترك أو الإجماع الإنساني في كتابه يلقي الضوء على كثير من المسائل المهمة والإشكالية في فهم العلاقة بين المجنون والمجتمع والمؤسسة والطب النفسي وفي طبيعة هذه الظواهر والاضطرابات، وأنا هنا حاولت تقديم إشارة للأمر فقط وكشط السطح.

منطق اللعبة اللغوية: فتح المنطق على الخطاب الإنساني

من الأفكار المحورية والثورية في كتاب “في اليقين” هي فتح المنطق على الخطاب الإنساني، ليشمل الحياة العادية للناس وممارساتنا الاجتماعية والإنسانية.

يربط فتجنشتين المنطق باللعبة اللغوية والقواعد. لا يمكن للمرء أن يرتكب خطأ إلا داخل لعبة لغوية، لعدة أسباب يمكن تخيلها، وهي أسباب معقولة. وهناك أخطاء لا يتفق عليها المجتمع، أو لا يرتكبها أحد في الوضع الطبيعي. لنفترض أن شخصًا ما يجد أن 3+3 = 7، قد تكون هناك أسباب معقولة لهذا الخطأ، فعلى سبيل المثال، قد يكون طفلاً في مرحلة مبكرة من تعليمه ومن الطبيعي أن يرتكب خطأ، أو أن يرتكب شخص خطأ بعملية حسابية معينة وهنا نصحح له ونبين له الخطأ وسيقتنع ويعدل من حسابه، ومن ثمّ، فإن السبب هنا معقول، والحلّ هو في مزيد من التعليم والممارسة، وشيئًا فشيئًا ستختفي هذه الأخطاء (لفتجنشتين إسهامات مهمة في البيداغوجيا وكيف يتعلم الأطفال وما إلى ذلك في كتاب “في اليقين”)، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، فقد يكون شخصٌ بالغٌ ومتعلمٌ يعاني من مشاكل في الذاكرة أو اضطرابات في الإدراك تجعله يرتكب أخطاء على هذه الشاكلة، وما إلى ذلك. كلّ هذا مفهوم ومعقول. لكن إذا كانت هذه الأسباب المعقولة للخطأ غائبة، وكان أحدهم يعاند، رغم كلّ الأدلة، أن 3+3= 7، أو يشكك في أن اسمه كذا وكذا أو الشكّ في وجود يديه رغم كلّ البراهين، فهنا يمكن لنا أن نعامله معاملة مختلفة، أي على أن ما يقوم به هو من علامات أو أعراض الاضطراب العقلي. في ارتكابه هذه الأخطاء يكون خارج نظام لعبتنا اللغوية، حتى إن قال عكس هذه القضايا، فإننا لا يمكننا أن نفهمه، وسيرفض ذلك منطق لعبة اللغة، لن يعترف بالتناقض. وحتى إن صُحّحَ الخطأ الذي يرتكبه، وأُثبت له ذلك، فإنه سيصرّ عليه ولن يقتنع أو سيرفض مراجعة ما قام به. إذن، إن الانحرافات والأخطاء التي على هذا الشكل في صورتنا العالمية يجب عدُّها أعراض جنون أو اضطراباً عقلياً، كما أشرنا. إن عدم شكّي في وجود جسدي أو يدي هو جزء من المنطق، منطق لعبة اللغة عند فتجنشتين (وصف لعبة اللغة). يمكن استيعاب الخطأ المعقول وفهمه ضمن لعبة اللغة والتعامل معه، لكن لا يمكن للجنون أن يستمر في ممارسة لعبة اللغة.

إن اتفاق المجتمع على صدق قضايا معينة وحقيقتها يستبعدها تمامًا من الشكّ، بل لا يمكننا حتى تصور الشكّ فيها، وهذا يشبه، بالنسبة لفتجنشتين، مسائل المنطق، وهو منطق يتمّ تشييده من خلال خطاب الناس والتداول والاتفاق المجتمعي، وكلامي يحصل على معناه ضمن إطار وقواعد لعبة اللغة، وممارساتي تكون مقبولة حسب الاتفاق والإجماع.

تأثير كتاب “في اليقين”

فتجنشتين هو أعظم فيلسوف في القرن العشرين. ظهر كتاب “في اليقين” للنور عام 1969، في خضم صعود وهيمنة النزعة العلموية في الفلسفة والإبستمولوجيا، وخاصة في الفلسفة التحليلية. عرف فتجنشتين ذلك قبل وفاته، فقد كتب ذات مرة أن الروح التي يكتب بها تعاكس الروح المهيمنة في الحضارة الأوروبية والأمريكية. أدى ذلك إلى عدم وجود تأثير قوي لكتاب “في اليقين” على الفلسفة التحليلية، ومن الطبيعي أن يُقاوَمَ، إذ أن فتجنشتين لم يعد في جعبته ما يقوله لنا، وهذا اعتقاد واستنتاج خاطئ، وقراءة سيئة لفتجنشتين. في الحقيقة، حتى الآن لم يتمّ العمل على فتجنشتين بشكل حقيقي، لدى فتجنشتين الكثير والكثير ليعلمه لنا في عصرنا الحالي وفي المستقبل.

لكن، كما أشرت سابقًا في المقدمة، فإنّ كتاب “في اليقين” عمل لا يمكن أن نفهمه كما نفهم باقي الأعمال الفلسفية التقليدية، فهو كتاب لا يموت، بفعل أسلوبه الشذري وبالطريقة الذكية التي يكتب بها فتجنشتين وبالأفكار التي فيه، ومن ثمّ، فإن الفلسفة في المستقبل، بصورتها الحالية، ستكون عاجزة بلا شكّ عن فهم وحل كثير من المسائل واستيعاب المتغيرات في الثقافة الإنسانية وأشكالها (علينا أن نتعلم من التاريخ)، وفي هذه الحالة، قد يحقق فتجنشتين و كتاب “في اليقين” عودة للواجهة الفلسفية والتأثير من جديد على العلوم الإنسانية وحتى في مسائل الوعي وفلسفة العقل.

في ترجمة فتجنشتين

لترجمة فتجنشتين حالة خاصة ومميزة، إن الطريقة التي يكتب بها تضع المترجم والقارئ في حالة توتّر وحيرة واضحة. فأنا أعتقد، أن على المترجم أن يكون بالحدة الذهنية والحالة المزاجية نفسها لفتجنشتين أو حتى يصطنعها وأن يفهم سياق حديثه وطبيعته في الكلام، حتى لا ينقل كلمات فحسب، وإنما عليه أن يحاول نقل الصراع والصورة والخلفية الكاملة للكلمات. ينقذ المترجم الفكرة من الموت في ثقافة ما، هو يخلقها من جديد. شكل من أشكال الولادة، ولكنها ولادة متعثرة بكل الأحوال.

على أي حال، تبقى محاولة ترجمة فتجنشتين بائسة إلى حد كبير، لقد كانت ترجمة هذا الكتاب، بالنسبة لي، عبارة عن سلسلة من الإحباطات والمتناقضات، لقد كان الأمر غاصًا بالمعاني والمفارقات، وكان الصبر هو المفتاح لنجاح الترجمة. فنحن على دراية بالطريقة التي يتكلم ويكتب بها فتجنشتين. نشعر بذلك الصراع الداخلي والغليان عند حديثه ومناقشته القضايا. طزاجة أفكاره، وحرارتها وأصالتها، وتوتره في الكلام والكتابة، فكيف يمكن لي أن أنقل كلّ هذا بترجمة الكلمات؟ مهمة بائسة وظالمة بلا شكّ. لذلك كان يدور في خاطري في أثناء الترجمة أن محاضراته وكتبه وكل كلمة يقولها هي عبارة عن فيلم سينمائي، رواية ملحمية، فبدلاً من ترجمتها، علينا أن نضعها في فيلم، أو أن يصوغها أديب في رواية. إنّ ترجمة فتجنشتين دفاعُ اليائس. وهذا وضعني أمام أكثر من خيار فيما يخص كتابة المقدمة. وكان التفكير جديًا بكتابة مقدمة قصيرة جدًا أسوة بمقدمة أنسكومب وفون رايت، وأن أترك النص للقارئ بشكل كامل، ولكن في النهاية اخترت أن أكتب هذه المقدمة البسيطة. لم يكن هدف المقدمة شرح الكتاب، ولا الوقوف على كامل أفكاره على نحو شامل، لأنها إذا كانت كذلك، فنحن في الحقيقة نسيء فهم فتجنشتين ولا نفعل الشيء الذي سيكون مقبولاً من ناحيته، ربما، لو كان على قيد الحياة في أثناء ترجمة هذا الكتاب، فهو كما يقول يريد أن يثير فينا أفكارنا الخاصة، وأن كتبه ليست كتبًا مدرسية، أو كباقي الكتب الفلسفية، ولا يحقّ لأيّ أحد أن يفرض فهمًا معينًا على القارئ والنص. كتبت هذه المقدمة لتكون بمثابة إضاءات مختلفة عن فتجنشتين والكتاب، تسهل على القارئ الطريق لخوض غمار قراءة هذا الكتاب والتفكير فيه، وتشجعه وتدفعه للانخراط فيه وبفيلسوفنا، وأن لا تقدم له إجابات جاهزة، وإنما تستفزه للمضي قدمًا والبحث أكثر.

أما فيما يخص الترجمة، فألخّص الأمر في النقاط لآتية:

  1. لقد سعيت إلى الحفاظ على روح النص، إذ لم أقم بزيادة أيّ هامش أو توضيح على المتن إلا للضرورة القصوى، وقد كانت زيادات بسيطة وقليلة وقصيرة جدًا لتوضيح بعض المصطلحات أو الترجمات.

  2. كل شيء بين هذه الأقواس ] [ هو من المترجم.

  3. سيصادف القارئ تواريخَ وخطوطاً في النص، وهي من وضع فتجنشتين، وأيضًا أنسكومب وفون رايت.

  4. ستجد بعض الهوامش والإحالات، وهي أيضًا من وضع أنسكومب وفون رايت. أما ما قمت بزيادته فهو موضّح أنه من وضعي.

  5. طالع ثبت المصطلحات في آخر الكتاب.

  6. هناك بعض الشذرات كتبها فتجنشتين بشكل مستقل في الكتاب بين هذه الأقواس [ ]، فقمت بتغيير شكل القوس إلى هذا { }، حتى لا يحدث لبس مع زيادات المترجم.

  7. قمت بترجمة مقدمة أنسكومب وفون رايت للترجمة الإنجليزية للكتاب، نظرًا لأهميتها، ولقربهم من فتجنشتين.

مروان محمود – عمّان

خريف 2019


  • رسالة من فتجنشتاين إلى برتراند رسل عام 1914.
  • Wittgenstein, Philosophical Investigations. p.123
  • Malcolm, Norman, Ludwig Wittgenstein: A Memoir. p125
  • Malcolm, Norman, Ludwig Wittgenstein: A Memoir. p.80
  • Wittgenstein ,Philosophical Occasions 1912–1951. p.129
  • B, The Great Philosophers. p.246

error: