مجلة حكمة
نصان عن اللون فالتر بنيامين

نصان عن اللون (1914- 1915) – فالتر بنيامين / ترجمة: وليم العوطة

النصّ الأول: شذراتٌ في الخيال واللون

  • حملقةُ الخيالِ حملقةٌ داخلَ قانونٍ، وليس بمقتضاه؛ هكذا، تكون محض استقباليةً، وغير ‏ابتكارية.‏
  • أعمالُ الفنِّ جميلةٌ فقط من حيث هي أفكار. إنّها ليست جميلةً إلى الحدّ الّذي تُصنَع بهِ ‏بمقتضى القانونِ، وليس داخله (الموسيقى، الرسم المستقبليّ – هل هو سعيٌ نحو ‏الداخلِ؟)‏
  • علاقةُ القانونِ الفنيّ بالخيالِ في ما هو أبعد من اللّون؟ كلّ الفنون تتّصلُ، في نهايةِ ‏المطافِ، بالـخيال.‏
  • اللّون جميلٌ، ولكن من العبثِ خلقُ ألوانٍ جميلةٍ، فاللّون يلتحقُ بالجمالِ صفةً، ولا يكون ‏ظاهرةً في حدّ ذاتهِ.‏
  • يُمتَّصُ اللونُ في ذاته، بمنحِ اللّون وتسليمِ نفسهِ.‏
  • يجب على اللّون أن يُرى.‏

أحدث مقالات حكمة:


 

  • لا يمكنُ بناءُ نظريةٍ للتآلفِ بين الألوان، ففي نظريةٍ كهذه ليس الرقمُ سوى التعبير عن أمدٍ ‏لامتناهٍ من الممكِناتِ المضمومةِ بانتظام. لكلّ لونٍ أساسيّ يوجدُ ثُمانٍ ينتهي إلى تُسْعٍ، ‏وهلمَ جرًا على سلّمٍ أكثر تنوّعًا. تآلفُ اللّون هو شيءٌ واحدٌ داخلَ وسيطٍ معيّن؛ يفتقرُ ‏للكثرةِ لأنّه غير معرَّف ولا يوجد إلاّ في الإدراك. تكون نظريةُ التآلفِ ممكنةً فقط في ‏الانتقالِ من الضوءِ إلى الظلّ، أي بالإحالةِ إلى الحيّز.‏
  • عن اللّون التصويريّ: ينبثقُ كظاهرةٍ بسيطةٍ في الخيالِ، ولكن تتشوّه محضيته بفعلِ وجودهِ ‏في الحيّزِ، وهذا هو مصدرُ الضوءِ والظلّ. يكوّن هذان الأخيرانِ شيئًا ثالثًا بين الخيالِ ‏المحضِ والابتكار، وفيهما تظهرُ الألوانُ التصويريةُ للوجود.‏
  • لا يرتبطُ اللّون بالبصرياتِ مثلما ترتبطُ الخيوطُ بالهندسة.‏
  • في النحتِ، اللّون صفةٌ. تماثيلٌ ملوّنةٌ بالتعارضِ مع الرسم.‏

النصّ الثاني: نظرةُ الولدِ إلى اللّون

  • اللّون شيءٌ روحانيٌّ، ووضوحهُ روحانيٌّ، لذا حين تمتزجُ الألوانُ تولّدُ تظليلاتِ لونٍ، ولا تنتجُ غشاوة. قوسُ قزحٍ صورةٌ ولدانيةٌ محضة. في هذه الصورةِ، اللّون إطارٌ كلّي؛ لِمَن يرى بعيونِ ولدٍ، يشيرُ اللّون إلى الحدود، ولا يكون، كما في حالةِ الراشدين، طبقةً شيءٍ ما رُكِّبَ على المادةِ. ينتزعُ الراشدون اللّون، ويرونه قناعًا زائفًا للموضوعات الفرديةِ الموجودةِ في الزمان والمكان. حين يمنحُ اللّون الإطاراتِ، لا تُختزَل الموضوعاتُ إلى أشياءٍ بل تتكوّن وفق نسقٍ مركّبٍ من سلّمٍ لامتناهٍ من الغشاوات. اللّون مُفردٌ، لا كشيءٍ بلا حياةٍ وفردانيةٍ صلبةٍ بل ككائنٍ مجنّحٍ ينتقلُ من شكلٍ إلى التالي. يصنعُ الأولادُ فقاعاتِ صابون. على نحو مشابهٍ، تحتوي ألعابُ العصي الملوّنة، وأطقمُ الخياطةِ، وألعاب الصالون، وحتّى كتب الصور، وعلى نطاقٍ أضيَق، صناعةُ الأشياء  بثنيِ الأوراق، تحتوي هذه الرؤية للّون.
  •  يحبّ الأولاد كيف يومض اللّون برقّةٍ، مبدِّلاً التظليلاتِ (كما في فقاعات الصابون)، أو يصنعُ تغييراتٍ دقيقة وبيّنة في الكثافةِ، كما في الصور الزيتيةِ، والرسومات، والصور الّتي تنتجها الملصقات والفوانيس السحرية. بالنسبةِ إليهم، اللّون سائلٌ، وسيطُ كلّ تغيّرٍ، وليس عرَضًا. لا تُعنى عيونهم بالأبعادية المثلّثة، فهذه يدركونها بحاسّةِ اللّمس. من المفترضِ أن تكون درجاتُ التمييزِ داخل كلّ حاسّةٍ (البصر والسمع..إلخ) أقوى عند الأولاد ممّا هي عند الراشدين، إذ تكون قدرةُ هؤلاء على وصلِ الحواس المختلفةِ ببعضها أكثرَ نموًّا.
  • تمثّل رؤية الولدِ للّونِ أرقى نموٍّ فنيّ لحاسّةِ البصرِ، فهو بصرٌ في أنقى درجاته بسببِ أنّه معزول. ولكنّ الأولادَ أيضًا يرفعونه إلى المستوى الروحانيّ لأنّهم يدركون الأشياء تبعًا لمحتواها اللّونيّ، وبالنتيجة لا يعزلونها بل يستخدمونها أساسًا يخلقون منه الكلّ المترابط لعالمِ الخيال. لا يمكن تنمية الخيالِ إلاّ بتأمّلِ الألوانِ وتولّيها على هذا النحو؛ بهذه الطريقةِ فقط، يمكن في الآن عينه إشباع الخيالِ وتحويطه. أنّى طبّق نفسه على الفنون التشكيلية يصبحُ وفيرًا بافراطٍ؛ وهذا ما ينطبقُ على التاريخِ، وفي الموسيقى يكون ناضبًا. صحيحُ أنّ الخيالَ لا ينشغلُ أبدًا بالشكلِ، فهذا مناطُ النظام، ولكن لا يمكنه سوى تأمّل العالم الحيّ من وجهةِ نظرٍ انسانيةٍ وعلى نحوٍ إبداعيّ في الشعور. يحصل ذلك عبر اللّون، ولهذا السبب لا يمكن لهذا الأخير أن يكون منفردًا ونقيًا، ولذلك يبقى بائخًا. بالمقابل، وحيثما لا يكون مقصورًا على إيضاحِ الموضوعات، يجب أن يزخرَ بالضوءِ والظلّ، وبالحركةِ، وأن يكون اعتباطيًا، وجميلاً دائمًا. في هذا الصدد، يكون للتلوين وظيفةٌ بيداغوجية عدا عن الرسمِ، طالما يقوم بصنعِ مساحاتٍ شفّافة وناضرة بدلاً من طلاء القشرة الملطّخة للأشياء.
  • لا يتحصل الراشدون المنتِجون على أيّ سندٍ من اللّون، فبالنسبةِ إليهم لا يمكن للّون أن يعيلهم إلاّ في حدودِ ظروفٍ نظاميةٍ معطاة. مهمَّتهم أن يقدّموا نسقًا عالميًا، لا أن يدركوا الأسباب العميقة والماهيات بل أن يطوّروها.  في حياةِ الولدِ، اللّون هو التعبير المحضُ على ادراكيةِ الولدِ المحضة بقدر ما يجري توجيهها نحو العالم. ويحتوي على إرشادٍ ضمنيٍّ إلى حياةِ الروح الّتي لا تعود معتمدةً على الظروفِ العرَضية من أجل ابتكارها أكثر من اللّون،  ومن أجل كلّ ادراكيتها تبدو أقدر على الإعلام عن وجود واقعٍ ميتٍ وسببيّ.
  • يكون التلوّن نقطة انطلاقِ رسومات الأولاد. هدف هؤلاء هو اللّون في أقصى شفافيته، ولا يوجد مرجعٌ للشكلِ، المساحة، أو تركيزٍ في حيّزٍ أوحد. لا تهتمُ الرؤيةُ بالحيّزِ والموضوعاتِ بل باللّون، وبالفعلِ يُعنى اللّون بالموضوعاتِ ولكن ليسَ بالموضوعاتِ المنظّمةِ مكانيًا. من حيث هو فنّ، يبدأُ الرسمُ من الطبيعةِ ويتحرّك تراكميًا صوب الشكل. لا يرتكزُ انشغالُ اللّون بالموضوعاتِ على أشكالها، ومن دون حتّى المسّ تجريبيًا به،  يتّجه مباشرةً نحو القلب الروحانيّ للموضوعِ بعزلِ حاسّةِ البصر.  يلغي اللّون المراجعَ الاسنادية الفكرية للروح ويخلقُ مزاجًا محضًا، من دون أن يضحّي، نتيجة ذلك، بالعالم. لا يحثُّ التلّونُ الحواسَ الحيوانية لأنّ النشاط الخياليّ السليم للولدِ ينبثقُ من الروح، بل لأنّ الأولاد يرون بمحضِ عيونهم من دون أن يسمحوا لأنفسهم بالارتباكِ عاطفيًا، فهذا شيءٌ روحانيّ: لا يحيلُ قوسُ قزح إلى تجريدٍ طاهرٍ بل إلى حياةٍ في الفنّ. نظامُ الفنّ فردوسيٌّ بسبب غيابِ فكرة تحلّلِ الحدودِ –  من الاستثارةِ – في موضوعِ التجربة. بدلاً من عالمٍ مليءٍ باللّون في حالةٍ من الهويةِ، والبراءة والتناغم، لا يستحي الأطفالُ فهم لا يعكسون، بل فقط يرون.

 

المصدر:

Walter Benjamin, Selected Texts, Volume 1 (1913-1926), Harvard University Press, Fifth edition 2002, PP 50 – 54