شرح العرق و علم الوراثة والعلم الزائف – إيوان بيرني، جنيفر راف، آدم راذرفورد، إيلوين سكالي / ترجمة: رزان التركي

شرح العرق و علم الوراثة والعلم الزائف – إيوان بيرني، جنيفر راف، آدم راذرفورد، إيلوين سكالي / ترجمة: رزان التركي


علم الوراثة

يخبرنا علم الوراثة البشري عن أوجه التشابه والاختلاف بين البشر (صفاتنا الجسدية والنفسية، وقابليتنا للاضطرابات والأمراض) ولكن قد يكشف الحمض النووي لدينا أيضًا عن القصة الأوسع نطاقًا لتطورنا وأصلنا وتاريخنا. علم الوراثة هو مجال علمي جديد نسبيا لم يتجاوز قرنًا من الزمان. إذ تسارعت وتيرة الاكتشاف بشكل كبير خلال العقدين الماضيين مع ظهور نتائج جديدة ومثيرة للاهتمام يوميًا. فحتى بالنسبة للعلماء الذين يدرسون هذا المجال كان من الصعب مواكبة ذلك.

وسط هذه الطفرة المستمرة للمعلومات الجديدة، ثمة تيارات أحلك. قبض عدد قليل من الباحثين، والذين كان معظمهم خارج نطاق التيار العلمي السائد، على بعض النتائج والأساليب الجديدة في علم الوراثة البشري، والتي كانت جزءًا من وسائل الإعلام الاجتماعية المحلية التي تنشر وتضخّم العلوم منخفضة الجودة أو المشوهة، على شكل أوراق علمية أحيانًا، أو على شكل مختصرات على الإنترنت – تحت شعار الكلمات الملطفة مثل “الواقعية العرقية” أو “التنوع البيولوجي البشري” أحيانًا أخرى. إن حججهم التي تركز على الجماعات العرقية وعلى الاختلافات المزعومة القائمة على الذكاء الوراثي بينها تشبه في شكلها للعلم، مدعّمة بجداول ومخططات ورسوم بيانية تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها في الحقيقة مضللة.

الهدف من هذا المقال هو إتاحة دليل جاهز للعلماء، والصحفيين، وعامة الناس؛ لفهم هذه الحجج وانتقادها والرد عليها.

البنية لعدد السكان ليست عِرقية

تملك الفئات العرقية، كما يفهمها معظم الناس اليوم، بعض الجذور في تطوير التفكير العلمي خلال القرون القليلة الماضية فقط. فمع استكشاف الأوروبيين واستعمارهم للعالم، حاول المفكرون والفلاسفة والعلماء من هذه البلدان تطبيق هياكل التصنيف على الأشخاص الذين واجهوهم، وعلى الرغم من أن هذه المحاولات كانت كثيرة ومتنوعة، إلا أنها عكست بشكل إجمالي حدودًا جغرافية حادة وخصائص فيزيائية واضحة، مثل تصبغ لون البشرة وعلم هيئة الإنسان وتكوينها – وهذا يعني، الشكل الخارجي للناس. وجدت الأبحاث التي أجريت في القرن العشرين أن التصنيفات غير المهذبة المستخدمة بالعامية (الأسود والأبيض وشرق آسيا وما إلى ذلك) لم تعكس الأنماط الفعلية للتنوع الوراثي، مما يعني أن الاختلافات والتشابهات في الحمض النووي بين الناس لا تتطابق تمامًا مع المصطلحات العرقية التقليدية. لذا فإن الاستنتاج المستخلص من هذه الملاحظة هو أن العرق يعد نظام بناء اجتماعي، حيث نتفق فعليًا على هذه البنود، بدلاً من وجودها كفئات بيولوجية أساسية أو ذاتية.

يدعي بعض الناس أن الصورة التفصيلية المميزة للتنوع البشري والتي يمكننا الحصول عليها الآن من خلال تسلسل جينات كاملة تتناقض مع هذا. ويجادل هؤلاء بأن الدراسات الحديثة أظهرت أن المفاهيم القديمة، والتي تدعم كون الأعراق فئات بيولوجية، كانت صحيحة في السابق. وكدليل على ذلك، فهم غالبًا ما يشيرون إلى الصور التي تنتجها التحليلات في الدراسات التي يبدو أنها تظهر التجمعات الطبيعية للبشر في مجموعات قارية عريضة حسب أحماضهم النووية، لكن هذه الادعاءات تسيء تفسير وعرض طرق ونتائج هذا النوع من الأبحاث. فصحيح أن السكان يظهرون اختلافات جينية وفيزيائية، لكن التحليلات التي يُستشهد بها كدليل على مفهوم كون العرق فئة بيولوجية هو في الواقع يقوضه.

على الرغم من أن الجغرافيا كان لها تأثير مهم على التطور البشري، وأن كتل الأرض الجغرافية تتماشى على نطاق واسع مع التصنيفات الشعبية للعرق، فإن أنماط التباين الوراثي البشري تعد أكثر تعقيدًا، كما أنها تعكس التاريخ الديموغرافي الطويل للبشرية. يبدأ هذا بأصلنا كنوع – الإنسان العاقل – في أفريقيا خلال الربع الأخير من مليون عام أو نحو ذلك، ويتشكل بعد ذلك من خلال اختلاطنا وحركتنا المستمرتان في جميع أنحاء العالم والتي بدأت خلال الثمانين ألف عام الماضية. يعني هذا التاريخ أن أكبر قدر من التنوع الجيني – أقدم الانقسامات في “شجرة الأنساب البشرية” – توجد داخل إفريقيا. فلو وصل مخلوق فضائي إلى الأرض دون علم بتاريخنا الاجتماعي، راغبًا في تصنيف أصل الإنسان بناءً على معلومات وراثية بحتة، فسيجد أن أي نظام ثابت يجب أن يشمل على عدة مجموعات متميزة داخل إفريقيا والتي تختلف تمامًا عن بعضها البعض كما يختلف الأفارقة عن غير الأفارقة، وسيجد صعوبة في تحديد التقسيم الفرعي الطبيعي للأشخاص إلى مجموعات، والتي تقسم بدقة التنوع الوراثي البشري الناتج عن الهجرات المستمرة للناس حول العالم.

علاوة على ذلك، فإنه لا يوجد “شجرة” بشرية حقًا. فعلى الرغم من أننا نستخدم هذا الاستعارة الشجرية لوصف النسب والعلاقات التطورية، إلا أن الهيكل الحقيقي لنسب الإنسان هو في الحقيقة أكثر تعقيدًا. فقد استمر العدد السكاني للبشر في الانقسام والتوسع والتفاعل على مدار الـ 100000 عام الماضية، مما أدى إلى تكوين هيكل نسَب متفرع ومتشعب بشكل مستمر؛ إذًا التاريخ الحقيقي «للإنسان العاقل» يمكن تشبيهه بغابة كثيفة أكثر من كونه شجرة ضخمة متفرعة.

يعود الكثير من التركيب السكاني الذي نراه اليوم في نتائج اختبار النسب إلى بضعة آلاف من السنين أو أقل. فعلى سبيل المثال، تشكل غالبية الجينات الأوروبية مزيجًا من ثلاث مجموعات رئيسية على الأقل، فخلال الـ 10000 عام الماضية؛ كانت عبارة عن الصيادين الأوائل الذين سكنوا القارة لأول مرة، وموجة ثانية للنسب في أقصى الشرق ارتبطت بانتشار الزراعة، بالإضافة إلى مساهمة ثالثة من شمال أوراسيا خلال العصر البرونزي (2000-500 قبل الميلاد).

يستخدم علماء الوراثة مجموعة متنوعة من الأدوات لتصور الأنماط الدقيقة والمعقدة للتنوع الوراثي بين البشر، ولجمعها معًا بشكل رياضي، اعتمادًا على ترابطها. هذه الطرق مفيدة لاستكشاف البيانات، ولكنها أيضًا تعد مصدر التباس كبير. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما تعرض مخططات تحليل المكونات الرئيسية (PCA) مجموعات ملونة ومميزة من النقاط التي تظهر لتفصل مجموعات من البشر عن أجزاء مختلفة من العالم. في هذه الحالات، تبدو هذه المجموعات متوافقة مع التجمعات العرقية التقليدية (مثل “الأفارقة”، “الأوروبيون” و “الآسيويين”). وهذا النوع من الصور التي يتم نشرها غالبًا كدليل جيني على وجود أعراق منفصلة. لكن هذه الأساليب قد تكون مضللة بطرق لا يدركها غير الخبراء – وحتى بعض المتخصصين-، فعلى سبيل المثال؛ تمثل بعض المجموعات الوراثية المرصودة انعكاسًا للعينات التي تم تضمينها في الدراسة وكيفية جمعها بدلاً من أي بنية وراثية متأصلة، ويتبع جمع عينات الحمض النووي عادة المجموعات الثقافية أو الأنثروبولوجية أو السياسية القائمة. فإذا تم جمع العينات بناءً على مجموعات محددة مسبقًا، فليس من المستغرب أبدًا أن تؤدي تحليلات هذه العينات إلى الحصول على نتائج تحدد هذه المجموعات. وهذا لا يشير إلى أن مثل هذه التصنيفات متأصلة في البيولوجيا البشرية.

فبعض مؤيدي “التنوع البيولوجي البشري” يُقرّون بأن المفاهيم التقليدية للعرق تدحضها البيانات الجينية، لكنهم يجادلون بأن الأنماط المعقدة للنسب التي نجدها ينبغي اعتبارها في الواقع شكلاً محدثًا من “العرق”. ومع ذلك، بالنسبة لعلماء الوراثة وعلماء الأحياء والأنثروبولوجيا الآخرين ممن يدرسون هذا التعقيد، فإن “العرق” ببساطة ليس مصطلحًا مفيدًا أو دقيقًا؛ نظرًا لتأثيره الواضح والراسخ على التقسيمات الفرعية الطبيعية. وإعادة تعيينه لوصف أصل الإنسان والبنية الوراثية بشكل عام يعد أمرًا مضللًا ومراوغًا. كما يتم استخدام مصطلح “السكان” في العديد من السياقات في الأدب العلمي الحديث للإشارة إلى مجموعات من الأفراد، ولكنها ليست تعبيرا لفظيا أكثر قبولا من الناحية الاجتماعية للعرق فحسب.

كثيرا ما يشار إلى أن علماء الوراثة الذين يؤكدون على العجز البيولوجي للعرق يخضعون لإبهام الصواب السياسي، ويضطرون إلى قمع آرائهم الحقيقية من أجل الحفاظ على مواقعهم في الأكاديمية. مثل هذه الاتهامات لا أساس لها من الصحة وتنم عن عدم فهم لما يحفز العلم. إن الاكتشافات، وخاصة في علم الأحياء، كانت في كثير من الأحيان معقدة أو يصعب على المجتمع قبولها، ويُقدّر الناس العلماء على مر التاريخ لتأسيسهم لها لمواجهة الاعتراضات المعاصرة. في الواقع ، يتعارض العجز البيولوجي للفئات العرقية التقليدية مع التجربة المعيشية للعديد من الناس ، وهو في حد ذاته استنتاج محايد أخلاقياً. فلو كان الدليل سليمًا، فإن النزاهة العلمية تتطلب نشره. إن اتهام الآلاف من العلماء حول العالم بالتستر على اكتشاف حقيقي خوفًا من العواقب الاجتماعية أو الشخصية هو أمر سخيف. علاوة على ذلك، فمن المهم التمييز بين فهم العالم من حولنا باستخدام العلم، عن فهمه باستخدام القواعد، وتوزيع الأموال، والسياسات في المجتمع. فهدف العلماء هو توفير هذا الفهم، وفي الوقت نفسه، فنحن نقدّر حين تحدد المجتمعات مبادئها وسياساتها المستنيرة، ولكن بشكل مستقل عن العلم.

الصفات، ومعدل الذكاء، والتنوع الجيني

تختلف السمات والخصائص بين الأفراد داخل وفيما بين أجزاء مختلفة من العالم، أحيانًا بطرق واضحة، مثل الطول أو لون البشرة، وأحيانًا بطرق أخرى غير ظاهرة، مثل قابلية الإصابة بالمرض. لذا يعد فهم كيفية تأثير الجينوم على السمات جانبًا أساسيًا للأبحاث الوراثية.

ثمة عدد لا يحصى من الصفات التي يمكن للمرء قياسها عند البشر، ولكن أكثرها إثارة للجدل هي الصفات المرتبطة بالذكاء، مثل «اختبار معدل الذكاء» «IQ». يتجه مؤيدو “التنوع البيولوجي البشري” إلى التركيز على «معدل الذكاء – IQ» ، ويمكن للمرء أن يخمّن سبب ذلك وماهية الاستنتاجات التي يرغبون في استخلاصها ؛ ولكن مع ذلك ، تجدر الإشارة إلى أن «معدل الذكاء» نفسه يعد سمة ممكنة وقابلة للقياس. غالبًا ما يؤكد النقاد أنه مقياس مبسّط جدًا يُطبّق على مجموعة من السلوكيات المعقدة للغاية، وأن التحفظ المجتمعي للاختبارات تجعلها عديمة الجدوى، أو أن اختبارات الذكاء تقيس مدى جودة الأشخاص في أداء اختبارات IQ فقط. على الرغم من كون درجة «معدل الذكاء – IQ» لا تعد مقياسًا مثاليًا، إلا أنها تقوم بعمل ممتاز في ربط العديد من النتائج التعليمية والمهنية والمتعلقة بالصحة والتنبؤ بها. لا يخبرنا IQ بكل شيء يمكن لأي شخص أن يعرفه عن الذكاء البشري – ولكن نظرًا لاختلاف تعريفات “الذكاء” بشكل واسع جدًا ، فلا يمكن لأي مقياس حل هذه المشكلة.

يؤكد مؤيدو “التنوع البيولوجي البشري” أحيانًا أن الاختلافات المزعومة في تحقير قيمة الـ IQ حينما تقاس على مجموعات سكانية مختلفة – مثل الادعاء بأن معدل الذكاء في بعض بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أقل بشكل كبير منه في البلدان الأوروبية – هو بسبب التباين الوراثي، مما يعني أنها متأصلة. وعادة ما تُعزى الاختلافات الوراثية المزعومة المعنية إلى الانتقاء الطبيعي الحديث والتكيف مع البيئات أو الظروف المختلفة. غالبًا ما تكون هناك قصص مرتبطة بأسباب هذا الاختيار ، على سبيل المثال أن البشر الأوائل خارج إفريقيا واجهوا صراعًا أكثر تحديًا من أجل البقاء ، أو أنه من خلال الاضطهاد التاريخي وتقييد المساعي المهنية ، فقد اختير ملجأ اليهود الأشكناز لتفوقه الفكري والمالي.

مثل هذه القصص ، والمزاعم حول الأساس الجيني للاختلافات السكانية ، ليست مدعومة بشكل علمي. في الواقع بالنسبة لمعظم السمات ، بما في ذلك IQ، فإنه ليس من الواضح فقط أن التباين الوراثي يفسر الاختلافات بين السكان ، بل إنه غير مرجح أيضًا. يتطلب فهم لماذا قليلا من الخلفية.

من المؤكد أن بعض الصفات التي هي نتيجة للتكيف المحلي أو الإقليمي، متوافقة مع الاختلافات في جينات معينة. في الواقع، أحد أسباب نجاح البشرية كنوع عالمي هو التكيف على المستوى الإقليمي. تتم غالبية هذا التكيف عن طريق السلوك والانتقال الثقافي للسلوكيات الناجحة، ولكن ثمة أيضًا حالات يكون فيها التكيف وراثيًا، أي حدوث تعديلات صغيرة داخل مجموعنا الوراثي والتي تعزز البقاء على قيد الحياة في بيئات مختلفة. على سبيل المثال، يُقصد بالتغيرات الجينية أن السكان في المناطق الساحلية لديهم تغييرات في حمضهم النووي تساعدهم على هضم الوجبات الغذائية الغنية بالسمك الزيتي بسهولة أكبر؛ طوّر المزارعون الرعويون في جميع أنحاء العالم القدرة على استقلاب الحليب بعد الفطام، من خلال الجينات التي استمرت في إنتاج إنزيم معين إلى مرحلة البلوغ والذي كان من المفترض أن يتوقف في سن الخامسة. تطورت البشرة الفاتحة لتسمح لمزيد من ضوء الشمس، وبالتالي تكوين فيتامين (د)، إلى أجسادنا كلما هاجرنا باتجاه بعيدٍ عن خط الاستواء. يمكننا أن نرى هذه الأنواع من التكيف الإقليمي في حمضنا النووي. لكنها تحملها فقط لعدد قليل من الصفات. معظم الصفات لها اختلافات جينية وجسدية حقيقية بين الأفراد، لكن أي اختلافات جماعية فهي لا تتوافق مع فئات العرق التقليدية مثل الطول، أو القابلية للإصابة بمرض السكري من النوع 2 في بيئة يسهل الوصول إلى الغذاء بها.

بالنسبة للسمات الناجمة عن التكيف الإقليمي، فإن التقنيات الجينية المعاصرة تتيح لنا رؤية أدلة واضحة على الانتقاء الحديث لأنواع أو أنماط وراثية جديدة في مواقع معينة في الجينوم. ومع ذلك، فإن مثل هذه الحالات تعتبر شاذة، فمعظم الصفات لا تحمل إشارة واضحة أو موضعية للاختيار الأخير. إن الافتقار إلى التكيف الإقليمي لا يعيق المناهج الجينية، ويمكن دراسة جميع السمات (سواء كانت قيد الاختيار التكيفي حديثًا أم لا) من خلال تحليل أعداد كبيرة من الناس. وتعتبر «دراسة رابطة الجينوم واسعة النطاق» (GWAS) أداة قوية لبحث المتغيرات الجينية المرتبطة بجميع أنواع السمات البشرية. حيث يأخذ باحثو GWAS مجموعة من الأشخاص ذوي قيم أو مستويات مختلفة من سمة معينة، ويقومون بمسح مجموعهم الوراثي كاملًا؛ للبحث عن أقسام محددة من الحمض النووي حيث يرتبط تنوعهم الجيني باختلافهم في السمة. ولكن نتائج GWAS لمعظم الصفات تكون معقدة. على عكس الحالات الأكثر وضوحًا مثل «فقر الدم المنجلي»، حيث ستجد ارتفاعًا كبيرًا في الأهمية الإحصائية لجين واحد معين (وهو جين بيتا غلوبين، الذي يعد تباينه هو السبب الرئيسي للمرض). عادة ما تنطوي نتائج GWAS عادة ما على آلاف المناطق في الجينوم، والتي تؤدي في مجملها إلى احتمالية اكتساب مرض ما أو مستوى معين من سمة معينة. وكذلك بالنسبة للطول أو أمراض القلب أو الفصام أو غيرها من الحالات المعقدة، نرى العديد من الطفرات الصغيرة منتشرة حول الجينوم – كثيرة جدًا لدرجة أننا لا نستطيع أن نحدد الجينات الفردية أو أقسام الحمض النووي التي توصف في بعض الأحيان بأنها “الجين المسؤول عن” هذه النتيجة بالذات.  يشكل كل من الأماكن المتعددة في الجينوم، والذي نربطه بسمة معينة، نسبة صغيرة، ولكن كل هذه التأثيرات مجتمعة تشير إلى وجود تأثير جيني كبير على كيفية تباين السمات بين البشر.

ومع ذلك ، فإن «دراسة رابطة الجينوم واسعة النطاق» GWAS وغيرها من النهج المماثلة تتأثر بالهيكل السكاني، وبالتالي تواجه نفس القضايا التي تعتمد على العينات والمعاناة مع العوامل الثقافية المذكورة أعلاه. فقد تم تنفيذ معظم نهج GWAS على مجموعات أُخذت عينات منها من أنحاء أوروبا، ممن لديهم أجداد يتوافقون مع هذه العينة. في العديد من الحالات، لا يتم تضمين سوى مجموعات فرعية معينة من الأشخاص في هذه التحليلات – لأسباب علمية جيدة. فعلى سبيل المثال ، غالبًا ما تقوم عينات من المجموعات “الأوروبية” المستخدمة في الدراسات الوراثية باستبعاد ما يصل إلى 30٪ ممن يصنفون أنفسهم كأوروبيون.  وذلك لأن بعض الأفراد يقدمون المضاعفات التي يصعب صياغتها إلى البيانات، مما يشكل مجموعات فرعية مميزة أو يعقد النموذج الوراثي. فمثلًا؛ غالبًا ما يتم استبعاد الفنلنديين والسردينيين لأن لديهم أسلاف جينية مختلفة تمامًا مقارنة بالعديد من الأوروبيين الآخرين، كما هو الحال مع بعض الأشخاص في الهند وشمال إفريقيا واللاتينيين والعديد من الأفراد الذين لديهم أسلاف معقدة، على الرغم من التحديد الواثق للهوية داخل مجموعتهم العرقية. لذلك في كثير من الأحيان يستبعدهم الباحثون من مجموعة الأشخاص المستخدمين في تحليلات GWAS معينة، على أساس أن تاريخهم السكاني النادر يمكن أن يؤثر على النماذج الإحصائية المستخدمة في هذه التقنيات.

وهذا بدوره يمكن أن يربك الأشخاص الذين يقرؤون الدراسات ويلاحظون ظهور تجمعات سكانية متميزة ويبدو أنها “طبيعية”. إذا لم يكونوا على دراية بممارسة إزالة هؤلاء الأفراد الذين لديهم أجداد أكثر تعقيدًا (أو لا يقرؤون الأساليب التفصيلية، التي غالبًا ما تكون مدمجة في أقسام تكميلية بعيدة المنال من ورقة منشورة)، فمن الممكن بسهولة تضليلهم في التفكير في أنه السكان في هذه التحليلات أكثر وضوحًا مما هم عليه في الواقع. التحيزات الناتجة غير مفهومة جيدًا، ويمكن أن تكون المصطلحات المعنية غير واضحة لغير المتخصصين. علاوة على ذلك، في حين يتضح للباحثين في GWAS أن نتائج تحليلاتهم تميل إلى أن تكون خاصة بالسكان الذين تمت دراستهم ولا يمكن توسيع توقعاتهم بشكل موثوق ليشمل السكان الآخرين ذوي النسَب المختلف تمامًا، إلا أن هذا غير معترف به على نطاق واسع من قبل غير المتخصصين.

عندما يتعلق الأمر بسمات معقدة مثل القدرات المعرفية، فإنه لا يوجد شيء غير عادي وراثيًا بالنسبة لمقاييس الذكاء مثل «اختبار قياس الذكاء» IQ. تمامًا مثل السمات المعقدة الأخرى التي تمت مناقشتها أعلاه (مثل الطول أو القابلية للإصابة بالأمراض) فإن مقاييس القدرة الإدراكية ترتبط بآلاف المتغيرات الجينية المختلفة، والتي قد يلعب كل منها أدوارًا صغيرة ولكنها مهمة في نمو المخ ووظيفته، أو أي عدد من العمليات البيولوجية الأخرى التي تشارك في قدرات الإنسان المعرفية.

درجات «اختبار قياس الذكاء» IQ قابلة للوراثة: أي: في المجموعات السكانية، حيث يرتبط التنوع الجيني بالتنوع في الصفة. لكن الحقيقة الجوهرية حول علم الوراثة هي أنها لا تكشف لنا أي شيء عن الاختلافات بين المجموعات. حتى التحليلات التي حاولت حساب نسبة الاختلاف بين الأشخاص في مختلف البلدان لسمة مباشرة جدًا وهي (الطول) واجهت انتقادات علمية. ببساطة، لم يقم أي شخص حتى الآن بتطوير تقنيات يمكنها تجاوز المجموعات الوراثية وإزالة الأشخاص الذين لا يتناسبون مع النموذج الإحصائي المذكور أعلاه، ولكن روعي جميع الاختلافات في اللغة والدخل والتغذية والتعليم والبيئة والثقافة في نفس الوقت، والتي قد تكون هي نفسها سبب للاختلافات في أي سمة لوحظت بين المجموعات المختلفة. وهذا ينطبق على أي سمة قد تهتم بالنظر إليها – الطول، والسلوكيات المحددة، والإصابة بالأمراض، والذكاء.

ليس ذلك فحسب ، فالمعرفة الوراثية التي نكتسبها من دراسة مجموعات المشاركين الأوروبيين بشكل أساسي تصبح غير موثوقة إلى حد كبير عندما يتم تطبيقها على ذوي الأصول المختلفة. فعلى الرغم أنه من الشائع القول بأننا سنحصل على إجابة لمسألة الأساس الجيني للاختلافات الجماعية في السمات “في السنوات الخمس المقبلة”، أو “في العقد القادم”، إلا أن التطورات في علم الجينوم تكشف بأن السؤال أكثر تعقيدًا مما كنا نتوقع قبل بضع سنوات. وبالتالي، فإن أي شخص يخبرك أن هناك أدلة جيدة على أن علم الوراثة قادر على تفسير الاختلافات الجماعية (بدلاً من الاختلافات الفردية) فهو يخدعك- أو يخدع نفسه.

ومع ذلك، فهناك بعض التلميحات القوية نحو الإجابة. المتغيرات الجينية التي ترتبط بقوة مع معدل الذكاء IQ عند الأوروبيين ليست خاصة بالسكان من أي سمة أخرى. بعبارة صريحة، فإن المتغيرات الوراثية نفسها المرتبطة بارتفاع معدل الذكاء IQ المزعوم عند الأوروبيين موجودة أيضًا عند الأفارقة، ولم تظهر، أو لم يتم اختيارها، في التاريخ التطوري الحديث خارج إفريقيا. علاوةً على ذلك، نظرًا لأنها سمة معقدة، فإن التباين الوراثي المتعلق بمعدل الذكاء IQ منتشر على نطاق واسع عبر الجينوم، بدلاً من تجمعه حول مناطق معينة، بالإضافة إلى طبيعة الاختلاف المسؤول عن تصبغ الجلد.  هذه الأنماط المختلفة تمامًا لهاتين الصفتين تعني أن الجينات المسؤولة عن تحديد تصبغ الجلد لا يمكن ربطها بشكل ملموس بالجينات المعروفة حاليًا بأنها مرتبطة بمعدل الذكاء IQ. هذه الملاحظات وحدها تستبعد بعض الروايات العنصرية المزعجة حول علم الوراثة في الذكاء: فمن غير المنطقي فعليًا أن المحدد الرئيسي للفئات العرقية – أي لون البشرة – يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهندسة الوراثية المرتبطة بالذكاء.

أخيرًا، تشير العديد من الأدلة إلى وجود تأثيرات بيئية معقدة (كما هو متوقع) على مقاييس الذكاء IQ والتحصيل التعليمي. حيث تتشابك العديد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية مع الأسلاف في البلدان التي تُجرى فيها هذه الدراسات غالبًا – خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تسهم العنصرية الهيكلية تاريخيًا وما زالت تسهم بشكل كبير في التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية. فلا يمكننا استخدام المجموعات السكانية في هذه البلدان للمساعدة في الإجابة على سؤال ما هو سبب الادعاء في انخفاض درجات الذكاء IQ في بلدان أخرى لها تاريخ اجتماعي واقتصادي وثقافي مختلف تمامًا، ولا يمكننا أيضًا الإجابة على دور علم الوراثة بحثًا عن الاختلافات المزعومة في مقاييس معدل الذكاء IQ بين المجموعات داخل بلد به اختلافات اجتماعية قوية مرتبطة بالنسب (مثل: الولايات المتحدة الأمريكية). وبالتالي، فإن التأكيدات الواثقة بأن GWAS الحالي يرينا أن “العرق” هو الذي يرتبط بالوظيفة المعرفية، هي ببساطة خاطئة. ومن وجهة نظرنا أن أي اختلافات سكانية واضحة في درجات حاصل الذكاء IQ يتم تفسيرها بسهولة من خلال العوامل الثقافية والبيئية أكثر من العوامل الوراثية.

تعززت هذه الحجة من خلال الزيادة الملحوظة في متوسط معدلات الذكاء IQ بمرور الوقت والمعروفة باسم «تأثير فلين». فقد لاحظ العالم السياسي «جيمس فلين» أن مقياس معدل الذكاء IQ يرتفع في تجارب المجموعات في المتوسط بنحو ثلاث نقاط كل عقد منذ الثلاثينات وما بعدها. وتشمل العوامل التي تفسر ذلك: تحسين الصحة، والتغذية، ومستوى المعيشة والتعليم، ولكن يمكن استبعاد التغيرات في الجينات. نظرًا لأن التأثير يتم ملاحظته في العديد من الأماكن حول العالم، وقد لوحظ في بضع سنوات فقط، لذا فإنه من غير الممكن أن تكون قد حدثت تغيرات جينية جوهرية سواء داخل الأجيال أو فيما بينها. على سبيل المثال، لو لم يحدث «تأثير فلين» في هولندا، فسيكون متوسط معدل الذكاء IQ الحالي هناك حاليًا كما كان عليه في الخمسينيات، أي ما يقارب 80.  هناك حجة معقولة حول الانخفاض المزعوم لمتوسط معدل الذكاء IQ في بعض دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وهي أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية وراء «تأثير فلين» لم تنتشر هناك. لو كان هذا هو الحال بالفعل، أو لو كانت هناك عوامل أخرى تفسر الاختلافات الملحوظة في معدل الذكاء IQ، فإننا نعتقد أن التفسيرات التي تعتمد على الاختلافات الوراثية بين السكان غير صحيحة في الأساس.

الخاتمة

أدى ظهور أدوات جديدة والطفرة الهائلة في أبحاث في علم الوراثة في جميع أنحاء العالم إلى إحياء مجموعة غير مقصودة من العلوم الزائفة للعرق، والتي يستهدف الكثير منها تجربتنا الاجتماعية لشعوب العالم، والأعراق الحقيقية ولكن المحددة اجتماعيًا كما نصفهم بالعامية. تعد هذه التقنيات العلمية الجديدة معقدة ومتطورة، وبالتالي فهي عرضة للتفسير الخاطئ والاستخدام غير الصحيح. ويتعين على العلماء أن يفهموا ويساهموا في شرح صلاحية هذه الأدوات للعلماء الآخرين وللصحفيين وللجمهور عامة، من خلال فهم كلٍّ من تاريخنا وأبحاثنا المعاصرة، فنحن نتشجع عندما نعرف أن علم الوراثة قد ساعد فقط على تقويض تاريخها العنصري.

المصدر


ايوان بيرني

مختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي، المعهد الأوروبي للمعلوماتية الحيوية

جنيفر راف

قسم الأنثروبولوجيا، جامعة كانساس.

آدم راذرفورد

علم الوراثة ، التطور والبيئة، كلية لندن الجامعية

أيلوين سكالي

قسم علم الوراثة ، جامعة كامبريدج

 

error: