ابن رشد: في شريعة الفلاسفة – ريتشارد سي. تايلر / ترجمة: يوسف العمّاري

ابن رشد: في شريعة الفلاسفة – ريتشارد سي. تايلر / ترجمة: يوسف العمّاري


تقديم المترجم

ننقل إلى العربية مقالة ريتشارد تايلور التي يعرض فيها تصور أبي الوليد ابن رشد لـ شريعة الفلاسفة . ريتشارد تايلور، أحد كبار الباحثين في الفلسفة، خاصة في الفلسفة اليونانية القديمة والفلسفة الوسيطية العربية-الإسلامية واللاتينية. يشتغل أستاذا للفلسفة بجامعة ماركيت بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو أستاذ زائر بعدة جامعات ومعاهد عبر العالَم. كتب عشرات المقالات حول ابن رشد، ونقل إلى الإنجليزية الشرح الكبير لكتاب النفس لأرسطو عام 2009، وهو المشرف على مشروع الأكويني والعرب. نشر الأستاذ تايلور هذه المقالة ضمن مؤلَّف جماعي نشر أعماله بمعية زميله عمر عرفان حول الآفاق الفلسفية واللاهوتية للإرث اليهودي-المسيحي-الإسلامي، وهي بمثابة تتويج لسلسلة من المحاضرات التي ألقاها في إطار مشروع الأكويني والعرب المذكور سلفا.[2]

ينكب تايلور في هذه المقالة على تحليل متأن لعبارة أوردها ابن رشد في مطلع كتاب تفسير ما بعد الطبيعة، الذي يعد بنظر الكثير من الباحثين واحدا من الثمار الناضجة في أعمال الفيلسوف القرطبي. العبارة موجزة للغاية، ولكنها ذات دلالة بليغة، بالنظر إلى الأفق الفكري الطريف الذي تفتحه للقارئ من أجل أن يستكشف المسوغات التي يقدمها ابن رشد لتسويغ وصف الفلسفة بأنها شريعة. هكذا، يتعقب تايلور المسارات التي سلكها ابن رشد قصد بلورة تأويل مخصوص لفعل الفلسفة تأويلا يجعل من هذه الأخيرة شريعة قائمة بذاتها،على مقتضاها يزاول الفيلسوف عبادته لله وبها يتقرّب إليه، بل وينزلها أشرف المنازل في سلم العبادات وأجلها، معتمدا على معرفته الواسعة والدقيقة بمتن ابن رشد وبجذوره الفكرية وأثره في من أتى بعده. فحيث أن مزاولة فعل الفلسفة عند ابن رشد كانت في المقام الأول استكمالا لما بدأه المتقدمون من الحكماء، وعلى رأسهم أرسطو، وحيث أن مضمون الفلسفة عنده كان هو دراسة ما اشتملت عليه العلوم الفلسفية وعلى رأسها علم ما بعد الطبيعة، فإن هذه المقالة تُعرِّف بالكيفية التي أقام بها ابن رشد نظريته في تأويل الصلة بين الفلسفة والشريعة، وتُجلّي في الآن عينه أحد أبعاد “العقلانية الإسلامية” التي يمثل ابن رشد واحدا من أعلامها المدهشين حقا.


 

نص المقالة:

كَتَب ابن رشد، في مطلع كتاب تفسير ما بعد الطبيعة لأرسطو الذي يُعَدُّ واحدا من أنضج أعماله (حوالي 1190)،[3] هذه العبارة التي لم تُنقَل في الترجمة اللاتينية لهذا الكتاب:

“فإن الشريعة الخاصة بالحكماء هي الفحص عن جميع الموجودات، إذ كان الخالق لا يُعبَد بعبادة أشرف من معرفة مصنوعاته التي تؤدي إلى معرفة ذاته سبحانه على الحقيقة، الذي هو أشرف الأعمال عنده وأحظاها لديه، جعلنا الله وإياكم ممن استعمله بهذه العبادة التي هي أشرف العبادات واستخدمه بهذه الطاعة التي هي أجل الطاعات.” (Averroes, 1952, 10. 11-16).[4]

عبارةٌ مفاجئة–بل مدهشةٌ- ومبينة في الآن عينه. هي عبارة مفاجئة لأن ابن رشد يدَّعي وجودَ شريعةٍ خاصةٍ بالفلاسفة، أي شرع ديني (شامل للكتاب أيضا)، علماً أن شريعةَ الجماعة سارية بالتساوي على المسلمين كافة طالما أنها مستمَدَّة من القرآن والحديث وباقي تقاليد تشريع الإسلام وعباداته. وهي أيضا عبارة مدهشة في جرأتها بالنظر إلى سياقها التاريخي، إذ نعلم أن ابن رشد قد جاهر بضع سنين من قبْل –وهو قاضٍ- بالدفاع عن حيزٍ للفلسفة ضمن النقاش الديني، مما يشهَد بأن الفلسفة وطرقها لم تحظ بدور مركزي في أنظار قادة الجماعة الدينية. كما نعلم أن قسما من كتب ابن رشد قد أُحرق وأنه نُفِي من قرطبة مُدَّةً من الزمن أواخرَ عمره. يحتل ابن رشد أوج التقليد الفلسفي العقلاني الكلاسيكي الذي دشنه الفارابي(ت.950) وتعزز مع ابن سينا(ت.1037)، لكنه يقع أيضا في خاتمة هذا التقليد العقلاني وقاب قوسين من تبلور تقليدٍ جدير بأن يُدعى فلسفة إسلامية[5] سادت المشرق من قبْل، ثم احتلت الصدارة لاحقا في مغارب أرض الإسلام.

ثم إنها عبارة مبينةٌ للغاية، في الصدح برؤاه بشأن الغاية القصوى من الفلسفة وطبيعة الموضوع الأقصى للميتافيزيقا. فغاية الفلسفة تُلفى في علم ما بعد الطبيعة، حيث يتم “النظر في كافة الموجودات” أو فحص الموجود بما هو موجود. علما أن هذه المهمة تؤول في نهاية المطاف، بنظر ابن رشد، إلى البحث العقلي الساعي إلى “معرفة حقيقة ماهيته”، أي ماهية الخالق.[6] إن قيمة “فحص سائر الموجودات” و”معرفة هذه الأشياء التي خلقها” توجد بمقدار تأديتها إلى معرفة الماهية الإلهية. وليس هذا الفحص الفلسفي الموصوف هنا مجرَّد تطلُّب لعلم نظري هو أشرف أصناف تعقل للموجودات ولله، بل إن نهوض الفيلسوف بهذه المهمةهو عينه أشرف وآثَر ما يمكن للإنسان عمله: “عبادة هي أشرف العبادات” و”طاعة هي أجلّ الطاعات”! هكذا، جرى الصدح بأن هذه “الشريعة الخاصة بالفلاسفة” تفوق باقي صور الشريعة كلها، وباقي صور العبادة كلها، وبأنها أشرف عبادة لله.

سأعتني فيما يلي بأمرين اثنين قبْل الإجمال في الخاتمة. فأبدأ ببسط الإطار المنهجي المُقدَّم لتناول أمور الدين في فصل المقال، ثم أنظر ثانيا في بعض عبارات ابن رشد المنهجية في تهافت التهافت والكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، موردا أمثلة تُجلي المنهج المستعمل في هذه الكتب، ثم أرجع أخيرا إلى النص المقتبَس في صدر هذه المقالة لأبين كيف يمكن أن يُقال إن هناك “شريعة خاصة بالفلاسفة” وأن هذه الشريعة الخاصة بالفلاسفة تقتضي أن يدرس الفلاسفة الطبيعةَ الإلهية في الميتافيزيقا بوصفها أشرف عبادة يمكن للناس مزاولتها.

 I. إقامة الإطار المنهجي

المشهور أن فصل المقال الذي أُفَضِّل ترجمته بـ”كتاب تمييز الخطاب وتقرير الاتصال بين الشريعة والفلسفة”(El Ghannouchi, 2002)،[7] كُتِب ما بين 1179-1181، حين كتب ابن رشد أيضا الضميمة في العلم الإلهي، ومصنفه في الكلام أو الجدل العقدي المسمى الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، وكتابه المعروف تهافت التهافت.

أرى أن فصل المقال يتكون من ستة مقاطع: (1) الفصل، على جهة النظر الشرعي، في السؤال: هل فِعل “الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع أم محظور أم مأمور به إما على جهة الندب وإما على جهة الوجوب”؟ (2)طرق التصديق؛ (3) الدفاع عن الفلسفة؛ (4) مقاصد الشريعة بالنظر إلى التصديق؛ (5) الفِرَق في الإسلام؛ (6) الخاتمة.[8] وتوخيا لبسط الإطارٍ المنهجي، سوف أعتني هنا بالمقطعيْن الأوليْن.

بعدأن قدَّم ابن رشد القضية المقصودة بالبحث، انتقل إلى وضع معيار الفصل فيها. فما أن قرَّر أن “فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع”، حتى قَرَن هذا الفهم لموضوع الفلسفة بدعوة الشريعة إلى “اعتبار الموجودات بالعقل” وتطلُّب معرفتها بالعقل أو بالمَلَكات العقلية الطبيعية. حيث كتب، في هذا المقام، أن اعتبار الموجودات “ليس شيئا أكثر من استنباط المجهول من المعلوم، واستخراجه منه”، مُضمِرا الإحالة إلى الجُمل التي صدّر بها أرسطو كتاب التحليلات الثانية (Posterior Analytics1.1, 71a1). ثم استشهد بآية من سورة الحشر(59:2): “فاعتبروا يا أولي الأبصار”، ليُبين أن هذا نصٌّ يوجِب استعمالَ القياس الشرعي والقياس العقلي معا. ففي سياق الشريعة، يدل القياس الشرعي على استعمال القياس في صورة تمثيل يستند إلى نصوص من القرآن والحديث أو غيره من مصادر البت في ما يجري من انشغالات وقضايا دينية، عملية كانت أو نظرية. لكن القياس يحمل معنى آخر – وهو القياس العقلي- استثمره ابن رشد حين كتب: “فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي”. وعليه قرَّر ابن رشد هنا أن الشريعة توجِب على المرء فحص الموجودات بالاستدلال القياسي العقلي المستعمَل في الفلسفة، فكتب:

“وبيِّن أن هذا النوع من النظر الذي دعا إليه الشرع، وحث عليه، هو أتم أنواع النظر بأتم أنواع القياس، وهو المسمى “برهانا.” (Averroes 2001a, 4).

إن الشريعة نفسها، حسب ابن رشد إذن، تحضّ الناس على نيل معرفة الله والموجودات بطريق البرهان. ولمّا كان استعمالُه مشابها للقياس الشرعي، كان الأحرى والأليَق استعمال القياس العقلي الذي يُعَد البرهان أتمَّ صوره. هكذا يتبيَّنٌ أن مثل هذا الاستعمال ليس بدعة (Averroes 2001a, 4)، وأنّ الواجب طلبُ أفضل تعليم للقياس العقلي، أو القياس البرهاني، من الفلسفة الإغريقية. فيلزَم أن “النظر في الفلسفة وعلوم المنطق” مأمور به “من جهة الشرع” (Averroes 2001a, 1) لا على جهة الندب فحسب، بل على جهة الوجوب لنيل فهم تام لله وللموجودات التي إنما خلقها الله لأجل أن نعرفه عبرَها.[9]أما الذين يعرض لهم الزلل عند استعمال هذه الطريقة التي هي أكمل الطرق فزللُهم معذور، إذ يحدث مثله أيضا في الفقه حيث يجب عدُّه زللا عرَضيا لا يطعن في القيمة الذاتية لصناعة الفقه(Averroes 2001a, 7-8).

تقع سيكولوجيا التصديق في قلب هذا الاعتبار. ذلكأن:

“طِباعَ الناس متفاضِلةٌ في التصديق، فمنهم مَن يُصَدِّق بالبرهان، ومنهم مَن يُصَدِّق بالأقاويل الجدلية تَصديقَ صاحبِ البرهان بالبرهان إذ ليس في طِباعه أكثر من ذلك، ومنهم مَن يُصَدِّق بالأقاويل الخَطابية كتصديق صاحب البرهان بالأقاويل البُرهانية” (Averroes 2001a, 8).

فهذه هي الطرق الثلاث التي دعا الشرع منها كل الناس لينال التصديق بالشريعة من لدنهم جميعا؛ إذ منهم من يصدق بالسبل الخطابية والانفعالية، ومنهم من يصدق بالأدلة الجدلية، وآخرون يصدقون نتيجة لعملية البرهان. فضلا عن ذلك،

“إذا كانت هذه الشريعة حقا وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع: فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له” (Averroes 2001a, 8-9).[10]

بهذا المعنى، إنْ كان الفقهاء يؤولونالشريعة باستعمال قياس ظني، فالأليَق بصاحب البرهان أن يؤوِّل الشريعة مادام يعلم بقياس يقيني وموثوق!(Averroes 2001a, 9). وبتقرير أولوية القياس البرهاني على القياس الشرعي، يُعلِن ابن رشد أننا “نقطع قطعا أن كل ما أدى إليه البرهان، وخالفه ظاهر الشرع، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل…”(Averroes 2001a, 9). الأمر الذي يستلزم أن يكون التأويل الحرفي تابعا لمؤدّى البرهان الفلسفي متى أمكن إقامة هذا البرهان. وردَّا على الاعتراض بإمكان إجماع جماعة المسلمين على حمل بعض وجوه الشريعة على دلالتها الظاهرة (أي الحرفية)، كتب ابن رشد “قلنا: أما لو ثبت الإجماع بطريق يقيني، فلم يصح. وأما إن كان الإجماع فيها ظنيا فقد يصح. ولذلك قال أبو حامد وأبو المعالي [وغيرهما] من أئمة النظر: إنه لا يُقطع بكفر من خرق الإجماع في التأويل في أمثال هذه الأشياء”(Averroes 2001a, 9). أي إن الإجماع التام على التأويل المجازي أو التأويل الحرفي مشروط، إذن، بمدى يقينية الطريق إلى حصول الإجماع على نحو لا يُبطله النظر الفلسفي. أما إنْ كان الإجماع مجرَّدَ ظن وليس بيقين، فالنظر الفلسفيأولى.[11] غير أنه فيما عدا الأمور العملية، أي في ما يهم الوقائع، “فإن الإجماع لا يتقرر في النظريات بطريق يقيني”، نظرا لصرامة شرائط الإجماع(Averroes 2001a, 10-11). إذ الإجماع التام ممتنع لامتناع تحقق شرائطه، وهي أن: 1. يُحصَر في زمان معيَّن، 2. وتُعرَف كلآراء النظار وكلرأي من آرائهم، 3. ويحصُل يقين مطلق في سلسلة رواة الرأي، 4. ويُقطَع بانتفاء قائل باحتمال النص لتأويل مجازي وحرفي معاً، 5. ويُعلَم انعدام تأويل خفي حفظَه أحدُ النظار، 6. ويقع اتفاق تام على تأويل واحد ووحيد للنص. وإذ يمتنع، أمام هذه الشرائط، قيام إجماع ينازع اليقين البرهاني، فإن العِلْميات(Averroes 2001a, 12) التي يُفصَل فيها بالبرهان اليقيني لا تتطلّب إجماعا تاما، مادام منهج البرهانيات يجعل حقيقتَها يقينيةً وصحيحةً في ذاتها وبذاتها. أما الإجماع غير القائم على البرهان، وإنما على الإقناع الخطابي أو الانفعالي أو الجدلي، فليس يقينيا ولا صحيحا بذاته -أي بقوته الذاتية- وإنما بغيره فقط، أي بأمرٍ خارج عن ذاته، أو قل بحيثيات خارجية أو عرَضية.

ازدادت صراحة ابن رشد بصدد أولوية البرهان، في الفقرة الموالية من فصل المقال، أثناء دَفع تهمة الكفر عن الفلاسفة، حيث استخلص نتائج إضافية بشأن طبيعة النظر البرهاني وتأويل الشريعة أو النصوص الدينية. فنَصَّ صراحة على فضل الفلاسفة أو أهل العلوم البرهانية فيما يهم التأويل الديني حين كتب:

“فإنَّ[غير] أهل العلم من المؤمنين هم أهل الإيمان به لا من قِبَل البرهان. فإن كان هذا الإيمان الذي وصف الله به العلماء خاصا بهم فيجب أن يكون بالبرهان، وإن كان بالبرهان فلا يكون إلا (مع علم التأويل)، لأن الله تعالى قد أخبر أن لها تأويلا هو الحقيقة، والبرهان لا يكون إلا على الحقيقة. وإذا كان ذلك كذلك فلا يمكن أن يتقرر في التأويلات التي خص الله العلماء بها إجماع مستفيض” (Averroes, 2001a, 31).

فسواء حُمِلَت الشريعة على معنى الشرع أو على معنى نصوص دينية مخصوصة، لا نزاع في أن الإطار المنهجي لتأويلها هو، بالنسبة لابن رشد، إطارٌ أرسطي؛ وهذا بيّنٌ من خلال جعله القياس الشرعي أدنى من القياس العقلي، لأن الصورة الأتم للقياس العقلي هي قطعا الطريقة القياسية البرهانية المُنتِجة للمعرفة وللحق. كما يبيِّنه استعمالُه المستتر لاقتباس من كتاب التحليلات الأولى لأرسطو(Prior Analytics 1.32, 47a7-9)، حين قرَّر أن “الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له”؛ ثم في إحالته المضمرَة إلى التحليلات الثانية(PosteriorAnalytics 1.1, 71a1-2)، عندما كتب بشأن النظر في الموجودات واعتبارها، أن “الاعتبار ليس شيئا أكثر من استنباط المجهول من المعلوم”. (Averroes 2001a, 9 and 2).

II. الطريقة الجدلية في تهافت التهافت والكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة: مثالان اثنان

يستدل ابن رشد، في كتبه الجدلية، بمقدمات مسلَّمة أو مظنونة لكي يصوغ مذاهب تنصر الرؤى المشهورة القبول والنافعة في إسناد مذاهب الملة المحقِّقة لصلاح حال الجماعة والأفراد داخل المجتمع وسعادتهم. لكن ابن رشد لا يقبَل من دون فحص كل الرؤى الدينية. بل متى كانت الرؤى الدينية مستندة إلى استدلالٍ فاسد، كالجواز لدى الأشاعرة أو رؤى الغزالي في المبدأ الزماني للعالَم، يُجري ابن رشد تحليلا فلسفيا ناقدا فاحصا انطلاقا من فهمه الخاص لأعمال أرسطو. لكن، رغم انتقاده لاستدلال ومذاهب كثير من مزاولي أصناف مخصوصة من علم الكلام، فإنه رأى لهذا الأخير قيمةً إيجابية بوصفه استدلالا شرعيا جدليا يدعم رؤى هي بمثابة الأركان لقاعدة دينية نافعة للمجتمع السياسي المسلم. وقد تضمن كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة نقدا للمتكلمين الأوائل أقامه على قاعدة أرسطية، كما اشتمل على كلامه الموحدي الخاص به نصرةً لعقائد الإسلام. غير أن قارئ هذا العمل ينبغي أن يحفظ بباله منهجية ابن رشد: فالكشف نفسه كتابٌ في الجدل الكلامي، أي كتاب إقناعي وليس بكتاب برهاني موجَّه إلى فيلسوف من أهل الاستدلال القياسي الصناعي المركّب.

ورغم أن كتاب تهافت التهافت ليس بنفسه كتابا كلاميا، فإنه أيضا مصنَّف جدلي تضمَّن نقدا فلسفيا أرسطيا ضد طعْن الغزالي في مذاهب الفلاسفة وضد أفكاره غير البرهانية بشأن النظر الديني الناصر لبعض أركان تعاليم الإسلام. لقد أظهر ابن رشد بجلاء تام صنفَ كتاب تهافت التهافت حين صرَّح أن استدلاله فيه لا ينبغي أن يُعَدَّ برهانيا بل هو استدلال جدلي في المقام الأول، فكتب:

“هذا كُلُّه هو قول الفلاسفة في هذا الباب. وإذا أورد هذا كما أوردناه بهذه الحجج كان قولا مقنعا لا برهانيا فعليك أن تنظر في هذه الأشياء إن كنتَ من أهل السعادة التامة في مواضعها من كتب البرهان إن كنتَ ممن تعلمتَ الصنائع التي فعلها البرهان فإن الصنائع البرهانية أشبه شيء بالصنائع العملية وذلك أنه كما أن ليس يمكن من كان من غير أهل الصناعة أن يفعل فعل الصناعة كذلك ليس يمكن من لم يتعلم صنائع البرهان أن يفعل فعل صناعة البرهان وهو البرهان بعينه بل هذه الصناعة أحرى بذلك من سائر الصنائع. وإنما  خالف القولُ في هذا العمل لأن العمل هو فعل واحد فلا يصدر ضرورة إلا عن صاحب الصناعة وأصناف الأقاويل كثيرة فيها برهانية وغير برهانية والغير برهانية لما كانت تتأتى بغير صناعة ظن بالأقاويل البرهانية أنها تتأتى بغير صناعة وذلك غلط كبير. ولذلك ما كان من مواد الصنائع البرهانية ليس يمكن فيها قول غير القول الصناعي لم يمكن فيها قول إلا لصاحب الصناعة كالحال في صنائع الهندسة. ولذلك كل ما وضعنا في هذا الكتاب فليس هو قولا صناعيا برهانيا وإنما هي أقوال غير صناعية بعضها أشد إقناعا من بعض. فعلى هذا ينبغي أن يُفهَم ما كتبناه هنا.”(Averroes 1930, 427-28 ; 1969, 257-58).

معنى هذا أن البرهان المُنتِج، كما يشير أرسطو في التحليلات الثانية(PosteriorAnalytics 1.2)، يقتضي أن “تكون مقدمات القياس البرهاني صادقة وأوائل وغير معروفة بحد أوسط، وأن تكون أعرَف من النتيجة، وأن تكون علة للنتيجتين بالوجهين جميعا، أعني علة لعلمنا بالنتيجة وعلة لوجود ذلك الشيء المنتج نفسه” (Aristotle 1966, 71b20-23)[12]. يجب أن تكون المقدمات معروفة من لدن مزاول البرهان ليستوفي هذه الشرائط جميعا؛ فإذا تم له هذا ووَضَع المقدمات في الصورة القياسية الصحيحة، أمكنَه حين ينجز البرهان أن يُحدِث في نفسِه المعرفة العلمية. إن البرهان ليس البتة فعل متعلمٍ يُردد ألفاظ معلمٍ، بل يجب أن تكون المقدمات معروفة على الوجه المشار إليه من لدن من ينجز عملية البرهان. ولئن بدا أنه قد يكفي المرءَ ترداد ألفاظ غيره، فالبرهان في نفسِه فعلٌ محدَّد بدقة ومُلازِم لداخِلَةفاعله، فتكون نتيجة الفعل أيضا ملازمة لداخِلَة الفاعل، وهي حصول معرفة علمية ضرورية في الفاعل. وبينما توجد أقاويل وأدلة خطابية وجدلية، لا وجود لأقاويل فيها كفاية البراهين من دون استيفاء كافة المعايير الدقيقة والصناعية للبرهان العلمي.

اشتمل تهافت التهافت على أمثلة كثيرة للطريقة الجدلية وعلى جملة من نماذج الاستدلال الفلسفي القريب مما قد يدعوه ابن رشد برهانا. وفيما يلي مثالٌ يكشف للقارئ الحصيف أحدَ هذه الأدلة الجدلية، حيث يُناقش ابن رشد، في المقطع قبل الأخير من تهافت التهافت، تقويم الغزالي لرؤى الفلاسفة بشأن عدم فناء النفس. ينظر ابن رشد بإيجاز شديد في شرائط المادة بوصفها مبدأ تشخص لوجود النفس بعد الموت. إجمالا، لو أن النفس غير مادية وتُفارق البدن عند الموت، فإنه إذا جاز استمرار الوجود إذن لَوجَب بقاء النفس في مادة جديدة. يستدل ابن رشد هنا على نحو جدلي يوحي فقط بإمكان ارتقاء النفس إلى السماء والاتحاد بالمادة السماوية لتستوفي حاجتَها إلى المادة في وجودها بعد الموت.[13] لكن ابن رشد لم يذهب هذا المذهب صراحة، وإنما ذكره بوصفه مذهبا قد ينصر تعاليم الشرع بشأن الحياة الآخرة، بما في ذلك فكرة ارتقاء النفس من البدن إلى السماء عند الموت. وهذا بالضبط استدلالٌ جدلي قائم على خيال الإنسان لا على العقل والبرهان كما هو في كتب ابن رشد البرهانية حول النفس(Taylor, 1998a)؛ ‘حيث لم يترك ابن رشد للنفوس الإنسانية حيزا للحياة الآجلة في أي شرح من شروحه الفلسفية الثلاثة للنفس. فالجزء العقلي من النفس، أي العقل الهيولاني هو، حسب مختصر كتاب النفس، مشخص وبمثابة استعداد لصُوَر الخيال. وبوصفه كذلك، كان تشخصه ووجوده في هذه الحياة متوقفيْن على الخيال، والخيال نفسه متوقف على البدن.[14] فيتضح، من دون تفصيل هذا المذهب هنا، أن فناء البدن يستتبع فناء قوة الخيال بمعية كل ما يتوقف عليه. إن قوة العقل المادي أو العقل القابل في الإنسان – التي تشخَّصت ووُجِدت عبر التعلُّق بالخيال – لا يمكن أن تتلافى الفناء عند فناء البدن والخيال، أي أن النفس وقوتها العقلية تفنيان معا بفناء البدن. فلا محل لوجودٍ بعد الموت في مختصر كتاب النفس. والأمر نفسُه في تلخيص كتاب النفس، حيث أن العقل القابل أو الهيولاني، غيرُ مادي ومفارقٌ للخيال والبدن، لكنه يظل يقبل تشخصه ووجوده من الاتصال بالنفس الإنسانية المشخَّصة الموجودة في البدن. فكتب:

“وذلك أن بهذا الموضع الذي قلناه نتخلص من أن نضع شيئا مفارقا في جوهره استعدادا ما، لوضعنا الاستعداد موجودا له لا من طبيعته بل من قِبَل اتصاله بالجوهر الذي فيه هذا الاستعداد بالذات وهو الإنسان، وبوضعنا أن هاهنا شيئا يلحقه هذا الاستعداد بنوع من العرَض نتخلص من أن يكون العقل الذي بالقوة استعداد فقط.” (Averroes 2002, 112).

فالعقل الهيولاني الإنساني المشخَّص إنما هو استعدادٌ لقبول معقولات وَجَب أن تكون لا مادية ووَجَب أن يكون موضوعا قابلاً غير مادي كي يتمكن الإنسان من حيازة معقولات بالفعل وبالتالي أن يتعقل.

إن قوة العقل القابل في كلِّ واحد من الناس لا تتشخَّص ولا توجد من دون اتصال بالإنسان الذي تُعَدُّ النفس بالنسبة إليه فعلاً للبدن، لأن العقل الهيولاني لا يوجد قائما بذاته مفارقا للنفس الإنسانية التي هي مبدأ الحياة لبدن الإنسان. فمتى فني البدن وكفَّ عن الوجود بوصفه حيا، تكفّ النفس عن الوجود كما يكف العقل الهيولاني المشخص عن الوجود. لم يذكر ابن رشد هذه التفاصيل في أيِّ واحد من هذين الكتابين، تاركا لعناية القارئ الحصيف استخراج تلك النتائج من التحليل الفلسفي لفحوى مذهبه في العقل. كما أن الشرح الكبير لكتاب النفس، الذي كُتِب أعواما بعد تهافت التهافت وبعد مختصر وتلخيص كتاب النفس، لم يدَع للموجودات الإنسانية المشخصة بما هي كذلك حيزاً للخلود الشخصي أو لاستمرار الوجود، وهذا أمرٌ جلي في تعليمه المشهور بشأن العقل المادي الواحد المشترك لجميع الناس (Taylor 1998b). هذه الاعتبارات البرهانية متاحة للقارئ المتبصر الذي ارتاض بالفلسفة وبصناعة القياس، وهي اعتبارات تؤدي، بنظر ابن رشد، إلى الحقيقة العلمية بشأن المسألة. أما الاعتبارات الخطابية المشبِعة لخيال الإنسان أو الاعتبارات الجدلية المقنعة، فمباحةأيضا متى لم تصرِف الناس عن هذه الاعتقادات الكامنة في تمثيلات لائقة توصِل من ليس له ارتياض بالفلسفة إلى الحق أو إلى وجه من أوجهه الموافقة.

نرى في المثال السابق إشارة جلية إلى فصل ما هو خطابي وجدلي عن الفلسفي والبرهاني. فالذين أُعِدّوا بالطبع للتصديق بالاستدلال الخطابي أو الجدلي، تكون طرق التصديق بالتعاليم الدينية المفيدة في بناء المجتمع الإنساني والعمل الصالح الطرقَ المناسبةَ لتأطير الحياة الإنسانية. أما الفلسفة، فتستعمل طريق القياس، والطرق اليقينية والموثوقة للبرهان قدر الإمكان، المؤدية إلى الحق بذاته متى صحَّت الأدلة. هذا فضلا عن أن الحقائق الحاصلة بالفلسفة لا تصلح للناس كافة.

سلفت الإشارة إلى أن الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة هو على نحو جلي كتاب في الجدل الكلامي، يُصحح بصرامة تفسيرات الحَرْفيين والأشاعرة وغيرهم بسبب الاستدلالات الشرعية الفاسدة غير المُوافقة لما يليق بالله وبخلقه وبأمور الدين. ويجدر التأكيد هنا أن هذا الكتاب، إذ يُصحح الكلام الجدلي، لا يستنكر الكلام الجدلي ذاته مادام كان حريّا بالأركان المقبولة في الدين أن تُبَلَّغ للناس في صورة جدلية وخطابية لإرشادهم إلى طريق الصواب. لكن هذا لا يعني أن على الفيلسوف، الذي يمكنه بلوغ الحق عبر العلم أو القياس البرهاني، أن يأخذ حرفيا بالتفسيرات الجدلية والخطابية لأمور الشرع. ذلك أن تعليم الحقائق يجب أن يتم وفقا لفهم نفسانية التصديق التي تأخذ بالحُسبان قوى فهم الناس، وهم يحيون ويفكرون ضمن مدارج متفاوتة. مما يعني أن المبادئ المنهجية المقدَّمة في فصل المقال تُطبَّق في الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة في آن معا على التحليل النقدي للمذاهب الكلامية غير الموافقة وعلى الكلام الجدلي فعلا الذي يقرره ابن رشد نفسه. وهذا بالضبط ما جرى حين اعتبر، في الكشف، دليليْن اثنين على وجود الله، هما العناية الاختراع، استنادا إلى نصوص القرآن.

إن القرآن يقدِّم “الطريقة الشرعية” التي دعاالشرعُ من قِبَلها الناس. أولاً، إن وجود الله يثبت بالتفكر في إرادة الله لجهة العناية بالإنسان، “لِخَلْقِ جميع الموجودات من أجلها”. حيث تُلفى هذه العناية في وجود الشمس والقمر والفصول والأرض نفسها، كما في النبات والحيوان والجماد على الأرض، بل وفي نظام ومؤاتاة أعضاء الإنسان، وقد جُعِلت كلها موافقة لوجود الإنسان. وإذ يمتنع أن يأتي كل ذلك اتفاقا، فبيِّن أنه يوجد “فاعل قاصد لذلك مريد”(Averroes 2001b, 118 ; 2001c, 33). ثانيا، إن وجود الله يثبت من خلال “دلالة الاختراع”. حيث ثمة أصلان اثنان يُعرَف وجودهما بالقوة في “فِطَر الناس”:أ) فالمعروف بنفسه أن النبات والحيوان والسماوات “مخترَعة”؛ و(ب) “أن كل مُخترَعٍ فله مخترِعٌ”. ذلك أن (أ) إيجاد الحياة في ما لا حياة له في البدء يُعطي اليقين في وجود مُحدِثِه، وهو الله، كما يعطيه أمر السماوات بحركة تُسَخَّر بموجبها للعناية بالأشياء الموجودة على الأرض، و(ب) هذا بيِّن بذاته (Averroes 2001b, 119 ; 2001c, 33-34).

يتضحبما يكفي أن كلواحد من هذين الدليلين الشرعيينالمستعملةلكافة الناس هما من طبيعة جدلية، وهذا لائق بهذا الكتاب الكلامي الجدلي. فالدليل الأول يفترض أن شهادة العالَم نفسِه على العناية الإلهية أمر بيِّن بنفسه؛ أما الدليل الثاني فيُقر قبْليا بالحقائق المشهودة من لدن كافة الناس ويشرح بيسر المحتوى التصوري للفظ “الخليقة” ليستنتج خلقالله للعالَمَ. وحيث أنهما دليلان جدليان، فهما لائقان وكافيان لأهل الإيمان أو الظن، أولئك الذين لا يصدقون بفعل الخاصية الاضطرارية للاستدلال البرهاني بل بفعل الإيمان بالوحي والتعاليم الشرعية. ثم إن نتائج هذين الدليلين تُوافق الغائية الطبيعية الأرسطية مادام وجود الكون وحياة كل حي متوقفين على المبدأ الأول؛ كما يُوافق كلٌّ منهما أفكار ابن رشد الفلسفية في إثبات وجود الله بوصفه العلة الغائية للكل.

أما الدليل الثاني، أي دليل الاختراع، فيقتضي منا فهم الاختراع بمعنى التبعية الوجودية على شاكلة فحصه في تفسير ما بعد الطبيعة، حيث فهم ابن رشد فعلَ العلية الغائية باشتراك كعلة فاعلة للكون ولحركته. فمثلما ترجعكل الجواهر المعقولة المفارقة إلى الله وتحكم على كمالها الخاص بإزائه، فإن الله– الذي تُلفى الدلالة عليه في حدودها – هو العلة الغائية لوجودها. هذه الجواهر، بدورها، عللُ حركة السماوات. والسماوات، بدورها، عللُ صور الأشياء السفلية المساعدة بل الضرورية لأن تفعل الصورُ الطبيعيةُ فعلَها.[15] فعلى هذه الشاكلة، يكون الله العلةَ القصوى بل الموجِد المسؤول عن الحياة وعن كل حركات الكون الحافظة لاستمرار وجوده كونا مفردا. وعليه، فالدليل الثاني، أي دليل الاختراع، الذي وجده ابن رشد في القرآن، يوافق مبادئه الأرسطية الطبيعية والميتافيزيقية.

كما أن الدليل الأول، الذي يقرر العناية لأجل الناس، هو من الصنف نفسه وينتجكون الطبيعية شاهد على إيجاد العالَم لأجل الناس بإرادةِ فاعلٍ قاصد، أي بإرادة إلهية. وهذا أيضا دليل فلسفي قيِّم، رغم افتقاره إلى بعض التفصيل، إذ يوافق نظرَه الفلسفي الأرسطي. فالعناية الغائية عبر العلية الغائية هي عناية بكائنات العالَم كافة، لكنها بيِّنةٌ خاصة بالنسبة للبشر الذين يقتضي كمالُهم تحقيقَ الكمال العقلي بتوسط أدنى العقول ضمن تراتبية العقول العليا، أي العقل الفعال. أجل، إن تصور الله في هذا السياق بوصفه فاعلا قاصدا مريدا لهذا الكمال الإنساني لا ينبغي أن يُفهَم فهما تشبيهيا يجعل الله قاصدا ومريدا لشيء خارج ذاته مباشرة بعناية خاصة، وإنما بالأحرى قاصدا ومريدا لكماله الخاص في الوجود، مع ما يلزم عن ذلك من أن وحدة طبيعته وكماله بوصفه العلة القصوى الأخيرة يستلزم أيضا أن يكون قاصدا ومريدا باشتراك باقي الكون (Duart 1996 ; Taylor 2011).

إن حقيقةَ الاعتبارات القائمة على الفلسفة الأرسطية التي عدَّها ابن رشد برهانيةً متاحةٌ للفيلسوف، وإن منهجية الفيلسوف الخاصة تُظهِر بأدلة من طبيعة برهانية أن ذلك حق. هذا ما يوفر الأساس المناسبللحق المدرَك بطريق الجدل أو الخطابة فقط في تصديق باقي أصناف العقلاء من الناس، والذي يتم على صعيد مقدمات وأدلة لا تستلزم الحق بذاته وإنما تنال تمام حقيقتها بالعرَض فقط. فالواجب، بالنسبة لهؤلاء الناس، أن تُؤخَذ التصورات المستعملة في مثل هذه الأدلة، كمفهوم الإرادة الإلهية، حرفياً وَفقا لنفسانيتهم في التصديق، رغم أن وصف الله بالإرادة لا يحمل المضمون التصوري نفسه عند الفيلسوف الرافض للتشبيه ولوصفالله بإرادة بشرية.[16]

خاتمة: شريعة الفلاسفة ، عود على بدء

يتضح من هذه الملاحظات أن ابن رشد، الذي عمل في ظلال فلسفة الفارابي، قد أنشأ نظرية في التأويل على ركيزة الأولوية المطلقة للفلسفة ولطريقها البرهاني المعصوم. فلايُفهَم الله فهما رفيعا بوصفه السبب الموجِد الأخير ولا يُفهَم خلقُ الله إلا وفقا للتصديق الذي يحوز الحق بذاته، وهو فهمٌ لا يتسنى إلا للفيلسوف. هذا الفهم، المتأتي بالملاحظة التجربية للعالَم وللسماوات وبأدلة الحركة الطبيعية، والمؤدي إلى إثبات وجود محركٍ أول واحد، هو الفهمُ الذي لا يحوزه ولا يدركه غير الفيلسوف.[17] ثم إن الفيلسوف هو الذييتوسل بدراسة علم النفس الفلسفي ليُثبِت أن التعقل فعلٌ غير مادي، فيوفر بذلك الأسس المعلَّلة- أي الأسس التجربية في النهاية !- ليقرر أن من اللائق اعتبار فعل الله غير الماديفهما عقليا أو تعقلا (Taylor, 1998c). وعليه، كما ينص على ذلك ابن رشد صراحة، فإن غاية العلم والفلسفة بوصفهما طلبا للحقيقة إنما هي الإدراك العقلي لمبادئ الكون الهادي إلى معرفة الله معرفة برهانية حقة، لا معرفة جدلية أوخطابية:

“إن الشريعة الخاصة بالحكماء هي الفحص عن جميع الموجودات، إذ كان الخالق لا يُعبَد بعبادة أشرف من معرفة مصنوعاته التي تؤدي إلى معرفة ذاته سبحانه على الحقيقة، الذي هو أشرف الأعمال عنده وأحظاها لديه، جعلنا الله وإياكم ممن استعمله بهذه العبادة التي هي أشرف العبادات واستخدمه بهذه الطاعة التي هي أجل الطاعات!” (Averroes 1952, 10.11-16).

فالميتافيزيقا هي العلم المُحقِّق لفعل معرفة الخالِق ومزاوَلة هذا الفعل عبر خلقه. وعليه، فالنظر في الموجودات، وهو نفسه أشرف الأعمال المؤدية إلى الله عبر تلك الموجودات، أي إلى الله بوصفه الخالق، هو أجلّ شريعة، أي شريعة الفيلسوف، وهي العبادة من خلال دراسة ميتافيزيقا الموجودات وميتافيزيقا الموجود الأول.[18]

 


المراجع

مصادر أولى

Aristotle. 1966. Posterior Analytics, tr. Hugh Trendennick. In Aristotle.Posterior Analytics Topica. Cambridge, MA: Harvard University, 1960; 1966.

Averroes. 1930. Averroës. Tahafot at-tahafot, ed. Maurice Bouyges, S.J. Beirut: Imprimerie Catholique.

———. 1950. Talkhīskitāb al-nafs, ed. Ahmed Fouad El-Ahwani. Cairo: ImprimerieMisr.

———. 1952. Averroës, Tafsīrmāba‘daṭ-Ṭabī‘at, ed. Maurice Bouyges. 4 vols. Beirut: Imprimerie Catholique, 1938-1952.

———. 1969. Averroes’ Tahafut al-Tahafut (The Incoherence of the Incoherence), tr. Simon Van Den Bergh. 2 vols. London: Luzac and Co.

———. 1984. IbnRushd’s Metaphysics. A Translation with Introduction of IbnRushd’s Commentary on Aristotle’s Metaphysics, Book Lam by Charles Genequand. Leiden: E.J. Brill.

———. 1985. Epitome de Anima, ed. Salvador Gómez Nogales. Madrid: Consejo Superior de InvestigacionesCientíficas, Instituto “Miguel Asín,” Instituto Hispano-Arabe de Cultura.

———. 1987. La Psicología de Averroes. Comentario al Libro sobre el alma de Aristóteles, tr. Salvador Gómez Nogales. Madrid: Universidad Nacional de Educación a Distancia.

———. 2001a. Averroes. The Book of the Decisive Treatise Determining the Connection Between the Law and Wisdom & Epistle Dedicatory, tr. Charles E. Butterworth. Provo, Utah: Brigham Young University Press, 2001. This work contains a revised Arabic text and an English translation of the Faṣl al-maqāl and the Epistle Dedicatory. The Arabic text and translation are “based on Muhsin Mahdi’s revised version of the Arabic text, Kitābfaṣl al-maqāl, edited by George F. Hourani (Leiden: E. J. Brill, 1959). The revisions were made on the basis of a re-examination of the manuscripts used by Hourani and the readings originally chosen by him.” Butterworth, p. xi. Butterworth provides his own the division of the argument of the text as well as that of Muhsin Mahdi 1986, 48-49. A different division is found in Averroes On the Harmony of Religion and Philosophy, tr. George F. Hourani. London: Luzac& Co., 1967.

———. 2001b. IbnRushd, al-Kashf ‘an al-manāhij al-adillahfī ‘aqā’idalmilla, ed. Muhammad ‘Abida al-Jabiri. 2nd edition. Beirut: MarkazDirasat al-Wahdah al-‘Arabiyah.

———. 2001c. Faith and Reason in Islam. Averroes’ Exposition of Religious Arguments, tr. Ibrahim Najjar. Oxford: One World. Translation of Averroes 2001b.

———. 2002. Averroës. Middle Commentary on Aristotle’s De Anima.A Critical Edition of the Arabic Text with English Translation, Notes and Introduction, ed. and tr. Alfred L. Ivry. Provo, Utah: Brigham Young University Press.

Avicenna (IbnSina). 1984. al-Mabda’ wa al-ma‘ād, ed. A. Nurani. Tehran: McGill University, Institute of Islamic Studies, in collaboration with Tehran University.

مصادر ثانية

Bertolacci, A. 2007. “Avicenna and Averroes on the Proof of God’s Existence and the Subject-Matter of Metaphysics.”  Medioevo 32: 61-97.

Druart, Th.-A. 1996. “Averroes on God’s Knowledge of Being qua Being.” In Studies in Thomistic Theology, ed. Paul Lockey. Houston, TX:  Center for Thomistic Studies, University of St. Thomas, 175-205.

Freudenthal, G. 2002. “The Medieval Astrologization of Aristotle’s Biology: Averroes on the Role of the Celestial Bodies in the Generation of Animate Beings.” Arabic Sciences and Philosophy 12: 111-138.

———. 2006. “The Medieval Astrologization of the Aristotelian Cosmos: From Alexander of Aphrodisias to Averroes.”  Mélanges de l’Université Saint-Joseph 59: 29-68.

El Ghannouchi, A. 2002. “Distinction et relation des discours philosophique et religieux chez Ibn Rushd: Fasl al maqal ou la double verité.” In Averroes (1126-1198) oderderTriumph des Rationalisimus, Internationales Symposium anlässlich des 800. Todestages des islamischenPhilosophen, ed.R.G. Khoury. Heidelberg: Universitätsverlag C. Winter, 139-145.

Glasner, R. 2004. “Review of Averroes. Middle Commentary on Aristotle’s De Anima. A Critical Edition of the Arabic Text with English Translation, Notes and Introduction, Alfred L. Ivry.” Aestimatio 1: 57–61.

———. 2009. Averroes’ Physics. A Turning Point in Medieval Natural Philosophy. Oxford & New York: Oxford University Press.

Mahdi, M. 1984. “Remarks on Averroes’ Decisive Treatise.” In Islamic Theology and Philosophy: Studies in Honor of George F. Hourani, ed. Michael E. Marmura. Albany: SUNY Press, 188-202, 305-308.

Taylor, R. C. 1998a. “Averroes’ Philosophical Analysis of Religious Propositions.” In Miscellanea Mediaevalia 26: What is Philosophy in the Middle Ages? Proceedings of the 10  International Congress of Medieval Philosophy of the S.I.E.P.M., 25-30 August 1997 in Erfurt, eds. Jan Aertsen and Andreas Speer. Cologne: Walter De Gruyter GMBH & Co., 1998, 888-894. th

———. 1998b. “Personal Immortality in Averroes’ Mature Philosophical Psychology.” Documenti e StudisullaTraduzioneFilosoficaMedievale9: 87-110.

———. 1998c. “Averroes on Psychology and the Principles of Metaphysics.”  The Journal of the History of Philosophy 36: 507-523.

———. 2000. “‘Truth does not contradict truth’: Averroes and the Unity of Truth.” Topoi 19: 3-16.

———. 2011. “Averroes’ Philosophical Conception of Separate Intellect and God.” In La lumière de l’intellect: l’œuvre scientifique et philosophique d’Averroës, Actes du colloque de la SIHSPAI à Cordoue, ed. Ahmad Hasnawi. Leuven: Peeters, 391–404.

[1] Richard C. TAYLOR, “Averroes on the Sharîʿahof the Philosophers,” in The Judeo-Christian-Islamic Heritage. Philosophical and Theological Perspectives, Richard C. Taylor & Irfan Omar, eds. (Marquette University Press, Milwaukee, (2012), 283-304.

[2]يمكن للقارئ أن يتعرّف المزيد عبر زيارة الموقع الإلكتروني للأستاذ تايلور: www.richardctaylor.info

[3] المعروف أن التأريخ الدقيق لأعمال ابن رشد عسير، خاصة إذا عرفنا أنه راجع بعضها. كشف عملُ غلازنر على النصوص العبرية واللاتينية لكتاب الشرح الكبير للسماع الطبيعي عن ملحوظة طريفة وقيِّمة يشير فيها ابن رشد إلى أن شروحَه الأولى لأرسطو كانت في النفس، ثم تبعتها الطبيعيات. انظر (Glasner, 2004). وتجد مناقشة لهذا الأمر في (Glasner, 2009, 19-21).

[4] أتقدّم بالشكر الجزيل للدكتور داغ هاس (Dag Hasse) من جامعة يوليوس-ماكسيميليانس بفورزبرغ (Dag Hasse of Julius-Maximilians-Universitat Wurzburg)، الذي أكَّد لي غياب هذا المقطع من الترجمة اللاتينية. يعمل هاس حاليا على تحقيق النص اللاتيني. انظر: http:/ /www.philosophie.uni-wuerzburg.de/en/ forschung/ forschungsstellephilosophie-un/

[5] أعني بالفلسفة الإسلامية هنا الأنظار الفلسفية التي شكل الوحي أو التقليد الديني أساسها وجوهرها؛ كحال السهروردي(ت.1191) والنظار المتأخرين. هذا الوسم يصدق أيضا على نظار مثل العامري(ت.992)، أحد أتباع مدرسة الكندي(ت.870)، الذي يمكن عدُّه بجهة ما من أهل الفلسفة الإسلامية.

[6] يبدو أن ابن رشد هنا يقر بأن موضوع الميتافيزيقا هو كل الموجودات ومن خلالها، الله، ضمن توليفة للمقاربتين الوجودية واللاهوتية. لمناقشة تأرجح ابن رشد في هذه القضية، انظر: (Bertolacci, 2007).

[7] المترجم: “The Book of the Distinction of Discourse and the Establishment of the Connection between the Religious Law and Philosophy”. يشير الكاتب هنا إلى أطروحة الغنوشي التي مفادها أن النقَلَة لعنوان كتاب ابن رشد قد أساؤوا فهمه وأسهموا في سوء فهم المعنى الأساس لفكر ابن رشد، لسانيا وفلسفيا. وهذا المعنى يكمن، بنظره، في أن صاحب الفصل لا “يقدم الجواب النهائي الفاصل على سؤال العلاقة بين الدين والفلسفة”؛ وأن المطلوب، انسجاما مع فكر ابن رشد ومع ما تتيحه اللغة العربية، نقل عنوان الكتاب على النحو التالي: “فصل المقال الديني عن المقال الفلسفي” [Distinction du discours religieux du discours philosophique]. (El Ghannouchi, 2002)، أنظر الإحالة الكاملة ضمن لائحة المراجع في نهاية هذه المقالة.

[8] تقابل هذه الفقرات ما يوجد عند باتروورث (Butterworth, ) الفقرات التالية: (1) (1-10)؛ (2) (11-15)؛ (3) (16-37)؛ (4) (38-51)؛ (5) 52-58)؛ (6) (59-60).(Averroes, 2001a)

[9] يقرر ابن رشد هذا على جهة السلب: ” فإن من لا يعرف الصنعة لا يعرف المصنوع ومن لا يعرف المصنوع لا يعرف الصانع”. (Averroes 2001a, 5).

[10] هذا اقتباس من التحليلات الأولى لأرسطو(Prior Analytics, 1.32, 47a7-9). انظر: (Taylor, 2000).

[11] في ما يخص هذه الحالة الأخيرة، كتب ابن رشد أن أئمة النظر، وضمنهم الغزالي، يقولون “إنه لا يُقطع بكفر من خرق الإجماع في التأويل في أمثال هذه الأشياء”(Averroes 2001a, 10).

[12] المترجم: أخذنا النص العربي من: ابن رشد، 1992، نص تلخيص منطق أرسطو، المجلد الخامس: كتاب أنالوطيقي الثاني أو كتاب البرهان، تحقيق جيرار جيهامي، بيروت: دار الفكر اللبناني، ص. 373.

[13] (Averroes (1930) 576-7; (1969) 357). لقد نُسِب مثل هذا المذهب من قبل ابن سينا في كتاب المبدأ والمعاد (1984، صص. 114-115): إلى “بعض أهل العلم، ممن لا يجازف في ما يقول، قولا ممكنا.” النص المقتبس بكامله هو كالتالي: “قال بعض أهل العلم، ممن لا يجازف في ما يقول، قولا ممكنا. وهو أن هؤلاء إذا فارقوا البدن، وهم بدنيون، وليس لهم تعلق بما هو أعلى من الأبدان، فيشغلهم التزام النظر إليها والتعلق بها عن الأشياء البدنية، وإنما لأنفسهم أنها زينة أبدانهم فقط، ولا تعرف غير الأبدان والبدنيات، أمكن أن يعلقهم نوع شوقهم إلى البدن ببعض الأبدان التي من شأنها أن تتعلق بها الأنفس، لأنها طالبة بالطبع، وهذه مهيأة بهيئة الأجسام دون الأبدان الإنسانية والحيوانية التي ذكرنا، ولو تعلق بها لم تكن إلا نفسا لها؛ فيجوز أن يكون ذلك جرما سماويا، لا أن تصير هذه الأنفس أنفسا لذلك الجرم ومدبرة له؛ فإن هذا لا يمكن، بل يستعمل ذلك الجرم لإمكان التخيل، ثم تتخيل الصور التي كانت معتقدة عنده في وهمه. فإن كان اعتقاده في نفسه وفي أفعاله الخير وموجب السعادة، رأى جميلا، فيتخيل أنه مات، وقبر، وكان ساير ما في اعتقاده للأخيار.”

[14] لما كان العقل الهيولاني استعدادا لصور الخيال، فإنه مرتبط بالخيال الذي يوجد بوجود البدن. في هذا الكتاب المبكر، يقول ابن رشد إن “الاستعداد الذي في الصور الخيالية لقبول المعقولات هو العقل الهيولاني الأول.” (Averroes 1950, 86 ; Averroes 1985, 124 ; Averroes 1987, 209).

[15] يحمل ابن رشد، في تفسير ما بعد الطبيعة، لفظ “الإيجاد” على معنى “إخراج ما بالقوة إلى الفعل”. (Averroes 1952, 1504 ; Averroes 1984, 112). إن الله بوصفه المحرك الأول هو “فعل محض” (Averroes 1952, 1599 ; Averroes 1984, 151) و”في غاية الفضيلة والتمام” (Averroes 1952, 1697 ; Averroes 1984, 193) بحيث إن الإله “ليس يعقل شيئا خارجا عن نفسه” (Averroes 1952, 1703 ; Averroes 1984, 195)، بينما باقي العقول اللامادية المحركة للسماوات تعقل شيئا خارجا عنها وتستكمل من خلال صلة ما بالله(Averroes 1952, 1695 ; Averroes 1984, 192). وبهذا النحو، فإن تراتبية العقول المحركة للسماوات تمتد صُعُدا إلى الله، الذي هو محرك الفلك الأخير والسبب الغائي لكمال تلك العقول ولكافة موجودات العالَم، هي تراتبية تبعيةٍ وجودية لا تبعية زمنية أو خلق إرادي محدث ومن عدم. هذا ما يصفه ابن رشد حين كتب في تهافت التهافت: “والفرق بين عقل الأول ذاتَه وسائر العقول ذواتَها عندهم أن العقل الأول يعقل من ذاته معنى موجودا بذاته لا معنى ما مضافا إلى علة، وسائر العقول تعقل من ذواتها معنى مضافا إلى علتها فيدخلها الكثرة من هذه الجهة. فليس يلزم أن تكون كلها في مرتبة واحدة من البساطة، إذ كانت ليست في مرتبة واحدة من الإضافة إلى المبدأ الأول ولا واحد منها يوجد بسيطا بالمعنى الذي به الأول بسيط، لأن الأول معدود في الوجود بذاته وهي في الوجود المضاف.” (Averroes 1930, 204). انظر مناقشة العلل السماوية في التولد الطبيعي: (Freudental 2002; Freudental 2006). وانظر فيما يهم تبعية العقول المفارقة تبعية وجودية للعقل لأول: (Taylor 2011).

[16] كتب ابن رشد في مطلع المسألة الثالثة من تهافت التهافت: “إنا نشاهد الأشياء الفاعلة المؤثرة صنفين: صنف لا يفعل إلا شيئا واحدا فقط، وذلك بالذات مثل الحرارة تفعل حرارة والبرودة تفعل برودة، وهذه هي التي تسميها الفلاسفة فاعلات بالطبع؛ والصنف الثاني أشياء لها أن تفعل الشيء في وقت وتفعل ضده في وقت آخر، وهذه هي التي تسميها مريدة ومختارة، وهذه إنما تفعل عن علم وروية. والفاعل الأول سبحانه منزَّه عن الوصف بأحد هذين الفعلين على الجهة التي يوصَف بها الكائن الفاسد عند الفلاسفة. وذلك أن المختارَ والمريد هو الذي ينقصه المراد، والله سبحانه لا ينقصه شيء يريده، والمختارَ هو الذي يختار أحد الأفضلين لنفسه، والله لا يعوزه حالة فاضلة … فالجهة التي بها صار الله فاعلا مريدا ليس بينا في هذا الموضع، إذ كان لا نظير لإرادته في الشاهد. فكيف يُقال إنه لا يُفهَم من الفاعل إلا ما يفعل عن روية واختيار ويجعل هذا الحد له مطردا في الشاهد والغائب والفلاسفة لا يعترفون باطراد هذا الحد فيلزمهم إذا نفوا هذا الحد من الفاعل الأول أن ينفوا عنه الفعل؟ (Averroes 1930, 138-140 ; Averroes 1969, 88).

[17] أما بالنسبة للذين ليس بمكنتهم بلوغ الحقيقة في تمامها كما يبلغها الفيلسوف، فإن الشريعة توفر الهداية الخاصة في الأخلاق عبر تنظيم الحياة الاجتماعية على نحو لائق. وقدكتب ابن رشد في تفسير ما بعد الطبيعة: “والسبب في هذا كله أن الناس لا يتم وجودهم إلا بالاجتماع، والاجتماع لا يمكن إلا بالفضيلة. فأخذهم بالفضائل أمر ضروري لجميعهم، وليس الأمر كذلك في أخذهم بمعرفة حقائق الأشياء، إذ ليس كلهم يصلح لذلك.” (Averroes 1952, 43).

[18] هذه المقالة نتاج مشروع الأكويني والعرب بجامعة ماركيت. للاستعلام عن ذلك، انظر: www.AquinasAndTheArabs.org