حوار مع المحلل النفسي الألماني راينر فونك – حاوره: حميد لشهب

حوار مع المحلل النفسي الألماني راينر فونك – حاوره: حميد لشهب

ولد المحلل النفساني الألماني راينر فونك Rainer Funk يوم 18 فبراير عام 1943. دَرَس الفلسفة وعلوم الدين. تتلمذ مباشرة على يد المفكر والمحلل النفساني الألماني الشهير إيريك فروم، وحصل على درجة الدكتوراه عام 1977. اشتغل مساعدا لإريك فروم بين 1974 و1980، ونشر أعماله الكاملة في عشرة أجزاء بين 1975 و 1981. أورثه فروم وهو على قيد الحياة في السنوات الأخيرة من عمره كل ما خلفه من كتب ودراسات. وإلى جانب نشاطه في التدريس الجامعي والبحث العلمي، اشتغل راينر فونك كمحلل نفساني بتوبينغن، إلى أن وصل عمر المعاش، حيث خصص كل وقته للبحث والتأليف. من أهم أعماله المنشورة:

– Mut zum Menschen. Erich Fromms Denken und Werk, seine humanistische Religion und Ethik. Mit einem Nachwort von Erich Fromm. DVA, Stuttgart 1978.

– Erich Fromm heute – Zur Aktualität seines Denkens (Herausgeber): DTV, München 2000:

– Ich und wir. Psychoanalyse des postmodernen Menschen. DTV, München 2005.

ترجم إلى العربية تحت عنوان: الأنا والنحن. التحليل النفسي لإنسان ما بعد الحداثة. جداول للنشر والترجمة والتوزيع، بيروت-لبنان، 2016.

– Erich Fromms kleine Lebensschule. Herder, Freiburg im Breisgau 2007.

– Der entgrenzte Mensch. Warum ein Leben ohne Grenzen nicht frei, sondern abhängig macht. Gütersloher Verlags-Haus, Gütersloh 2011.

الترجمة العربية جاهزة للطبع بالعربية تحت عنوان: “الإنسان اللامحدود”

خصص لموقع “حكمة” هذا الحوار المطول، مساهمة منه في إغناء مضامينها وفتح نافذة لقرائها على فكر فروم ودراساته السيكو-اجتماعية. وتتمثل القيمة المضافة للحوار في التعرف على ما وصل إليه البحث بالمنهج الفرومي ومدى صلاحية لفهم أو محاولة فهم تأثير التطورات في ميادين مختلفة على الإنسان ومصيره الشخصي والمجتمعي.


  1. درستم الثيولوجيا والفلسفة بمدينة توبينغن قبل تخصصكم في التحليل النفسي فيما بعد. ما هي الإضافة النوعية لهذين التخصصين في تكوينكم بصفة عامة؟

– فونك: تحدو العلوم الإنسانية الحالية حدو مناهج العلوم الطبيعية، وينطبق هذا على السيكولوجيا أيضا. وبهذا فإن ما تعلمه المرء في علوم الدين والفلسفة عن الإنسان واهتماماته غالبا ما يُصاب بالنسيان. فمعرفة عميقة بـ “تاريخ العصر” تُساهم كثيرا في إمكانية فهم الإنسان كموضوع وكفاعل.

 

  1. بعد السبعينيات من القرن الماضي، يظهر وكأن الفلسفة الألمانية تعبت، لقلة أو شبه غياب فلاسفة نسقيين، لربما كان آخرهم هيدجر. أين يكمن سر هذا الخفوت؟

– فونك: لا أعتقد بأنه بالإمكان القول بأن الفلسفة أصيبت “بالعياء”. فقد وضع المرء ما كانت الفيزياء والسيكولوجيا والتقنيات الجينية وأبحاث السلوك وعلم الثقافة المقارن والبيولوجيا تقدمه كـ “أكيد” عن الإنسان موضع تساؤل، أكثر من الإنطلاق فلسفيا من جوهر محدد للإنسان. فقد أصبح من الصعب بمكان البرهنة فلسفيا على أطروحات حول الإنسان، لأنه يجب على الطريقة المجردة للنظر إلى الأشياء أن تُطابق المعارف الأخرى، إذا لم تكن تريد أن تُخْرَصَ.

 

  1. يعتبر المرء في العالم االعربي بالخصوص يورغن هابرماس من مدرسة فرانكفورت النقدية. هل هذا التصنيف صائب في نظركم؟

– فونك: يتوقف الأمر هنا على تحديد المقصود من “مدرسة فرانكفورت” حتى نُلحق هابرماس لها أم لا. إذا كان المرء يعني بها “النظرية النقدية” التي طورتها، فإن هابرماس يُمارس هذا النقد بالتأكيد، وبالضبط في الإتجاه الذي كان إيريك فروم قد بدأه في هذه النظرية، يعني اعتبار العلاقة بين الناس وتواصلهم محور ومركز الاهتمام. ومع هابرماس ابتعدت النظرية النقدية عن الفهم التحليلي للطبيعة البشرية، التي طورها فرويد وترى بأن الإنسان ككائن محدد بمحركات فطرية.

 

وتم تكثيف التركيز على العلاقة بين الناس وتواصلهم بشكل أكبر عند هونيت Honneth بنظرية الإعتراف، دون الإضطرار إلى التعامل مع فكرة إيريك فروم التي تعتبر الإنسان ككائن علائقي، وهي الفكرة التي رفضها هوركهايمر وماركوزا وأدورنو. لكن هارتموت روزا Hartmut Rosa، الذي يُعتبر حاليا من أهم العلماء الإنسانيين في العالم الجرماني، طور النظرية النقدية أكثر، مؤكدا على أن المشكل الأساسي بالنسبة للإنسان هي علاقته بالعالم؛ وبهذا يتوصل إلى وجهات نظر مماثلة لما جاء به فروم، لكنه يبتعد عنه لأن مرجعته هو الدياليكتيك السلبي لأدورنو. فعلى العالم الاجتماعي النقدي الاهتمام أيضا بإشكالية الشروط السيكولوجية والإجتماعية للـ “حياة الجيدة” ونقد توجه الـ “مجتمع الجيد”.

 

  1. من هم الفلاسفة والمفكرين الألمان المعاصرين الذين تنهلون من فكرهم في دراساتكم التحليل النفسية؟

فونك: المشكل هنا هو أن الفلسفة المعاصرة، بغض النظر عن بعض الإستثناءات، لم تعد تهتم بتحديات التحليل النفسي، أي أنها تعتبر التفكير والوعي نقطة انطلاق غير موثوق بها، طالما لم يتم جعل القوى الوجدانية الدافعة ولاوعيها موضوع العملية المعرفية في نفس الوقت. وحتى عندما يواجه الفلاسفة هذا التحدي، فعادة ما يفعلون ذلك من خلال الإشارة إلى التفسيرات النظرية لفرويد. أصبح النموذج النظري للتحليل النفسي حول البحث المتعلق بالعلاقات موضع تساؤل، من خلال أبحاث علم الأحياء الاجتماعي والبيولوجيا التطورية، وكذا في أبحاث العلاقات التحليل نفسية منذ جون بولبي، كما انتبه إلى ذلك إيريك فروك منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي.

 

  1. أنتم الوريث الشرعي لما خلفه فروم، ما هي الإضافة النوعية لفروم في الفكر الجرماني ولربما العالمي على العموم؟

– فونك: درس إيريك فروم السوسيولوجيا وكان يرغب في فهم السبب في كون الكثير من الناس يفكرون ويشعرون ويسلكون بنفس الطريقة، لشرح التضامن في مجتمع ما والنزاعات في المجتمع  وتفتته أو تصدعه. تعرف على التحليل النفسي الفرويدي، الذي استطاع شرح التفكير والإحساس والسلوك عند الفرد انطلاقا من القوى الدافعة الشعورية واللاشعورية، والتي تتشكل في غضون الحياة عن طريق التجارب مع أقرب شخص تكون للفرد علاقة به، وغالبا ما يشكل السلوك البشري بطريقة معينة طوال الحياة من خلال تشكيل الشخصية بطريقة خاصة.

 

تتمثل الفكرة الرائعة لفروم في افتراضه لبنية نفسية في شكل بناء للشخصية، تكون وراء كون الكثير من الناس يفكرون ويشعرون ويسلكون بنفس الطريقة، وهي بنية تقود إلى قوى دافعة لا تكون شعورية بالنسبة للكثير من الناس. فما يترك الكثير من الناس يفكرون ويشعرون ويسلكون بنفس الطريقة خاضع لطبعهم المجتمعي. وتكون التطلعات والرغبات تعبيرا عن متطلبات الحياة المجتمعية المشتركة وطريقة الإنتاج والقيم الخاصة بمجتمع ما. وتُلقن متطلبات “الحياة العملية” هذه، كما سماها فروم، من طرف الوالدين والأشخاص المرجعيين ووسائل الإعلام “وكالة المجتمع”، بحيث إن الأطفال يبدؤون وهم في سن مبكر في الرغبة والتطلع إلى ما هو ضروري بالنسبة للتضامن والإنتماء لمجموعة مجتمعية ما. فهناك حضور للمجتمع بتطلعات طابعه المجتمعي في البنيات النفسية (أو في الشبكات العصبية) للأشخاص، وهذا ما يجعل الكثيرون يفكرون ويشعرون ويسلكون بنفس الطريقة.

 

تتمثل أهمية المنهج التحليل النفسي الاجتماعي لإريك فروم في تحديده لـ “مكان” في النفس (أو في المخ) قابل للإكتشاف، حيث يتم تمثيل المجتمع في كل فرد باحتياجاته وتمثلاته وقيمه، وسمى هذا “الطبع المجتمعي”. وهذا الطبع هو الذي يدفع الأفراد إلى الرغبة في تحقيق ما يتطلبه تماسك مجتمع ما. وتعتبر هذه النظرية التحليل نفسية الاجتماعية المساهمة المبدعة الحقيقية لفروم في الفكر الفلسفي والعلوم الاجتماعية. وبها تغلب فروم على التمييز بين الفرد والمجتمع الذي كان معروفا منذ ديكارت، بين السيكولوجيا كعلم خاص بالفرد وبين السوسيولوجيا كعلم خاص بالمجتمع.

 

  1. 6. هل كانت لفروم مشاكل مع الجمعية العالمية للتحليل النفسي؟

– فونك: لم تكن نقطة انطلاق فروم تتمثل في الغرائز الفطرية، بل في الحاجات الفطرية وضرورة علاقة الفرد بالواقع وأناس آخرين وبذاته وبمجموعات اجتماعية معينة. وقد تسبب له هذا في صراع مع “معهد الأبحاث الاجتماعية” (مدرسة فرانكفورت” إ. م)، وكانت النتيجة هي عزله من المعهد عام 1939. نفس العزل حدث عام 1950 من الجمعية العالمية للتحليل النفسي. وما يُلاحظ حاليا هو إعادة قبول فروم في التيار الرئيس للتحليل النفسي. ولا شك بأن لهذا الأمر علاقة بحقيقة كون التحليل النفسي ككل يواجه اليوم صعوبات جمة لضمان مكانه في المشهد العلمي الجامعي، ذلك أنه على كل ما لا يمكن قياسه وتكميمه (من الكمية: إ. م) -كما هو الحال عليه في العلوم الطبيعية- أن يُكافح من أجل الإعتراف به علميا.

 

  1. حاول إيريك فروم تحديدا جديدا لعلاقة الفرد بالمجتمع، وهذا ما قاد إلى عزله -كما سبقت الإشارة- من مدرسة فرانكفورت والجمعية العالمية للتحليل النفسي. كيف كان رد فعل فروم على هذا العزل؟

– فونك: لم يترك فروم نفسه يتيه بمثل هذا العزل ولا مغادرة الحقل المعرفي الجديد الذي بدأه والدخول في اتصال مكثف بميادين علمية أخرى، وهي الأمور التي كانت موضوع مآخذة المؤسستين المذكورتين أعلاه عليه. لربما لهذا الأمر علاقة بتنشئته الاجتماعية، المتمثلة في تطوير فروم للشعور بأن معرفة شيء صحيح لا يعتمد على قبول الأغلبية. وما شجعه على مواصلة طريقه العلمي بإصرار كانت قبل كل شي أفكاره حول العمليات الاجتماعية والسياسية، التي تمكن من اكتسابها من خلال مقاربته العلمية. وأوصلته نتائج أوائل بحوثه في ثلاثينيات القرن الماضي إلى اكتشاف “الطابع الإستبدادي/التسلطي” لغالبية المدروسين من طرفه، وهو طابع تعزز فيما بعد في الإشتراكية الوطنية لألمانيا الهتليرية، ولربما كان من بين أسباب ظهورها. بمعنى أن دراسته قادته إلى معرفة أن هناك رغبة كانت تتطور باستمرار عند أكثرية الناس في مجموعات اجتماعية كبيرة لجمهورية فايمار للخضوع بطاعة عمياء إلى زعيم ما.

 

  1. حاول فروم “التوفيق” بين الماركسية والتحليل النفسي، كيف تقيمون محاولته في هذا الإطار؟

فونك: اهتم كارل ماركس بربط المتطلبات الاقتصادية والإجتماعية للعيش معا في مجتمع معين بالجهود الشغوفة الخاصة لأفراد هذا المجتمع، وهذا ما حاولت مدرسة فرانكفورت العمل عليه في برنامجها الفكري. لكن غالبا ما ينسى المرء بأن فروم عالج هذه القضية عام 1922 قبل أن يتعرف على هوركهايمر. ما فتن فروم طوال حياته في ماركس هو محاولة هذا الأخير تحرير الإنسان من قيوده الاقتصادية والإجتماعية، والتي تقود إلى استلاب الإنسان وتغريبه عن ذاته وعن الآخرين. يريد ماركس وفروم إنسانا يعيش إمكانياته الإنسانية بحرية، ولهذا السبب كان فروم من المنتقدين الأشداء للإشتراكية بالصيغة التي وُجدت في وقته.

 

  1. من هم المفكرون التحليل نفسيون الذين كان فروم أقرب لهم في تفكيره؟

فونك: من بين المحللين والأطباء النفسيين الذين اهتم بهم فروم في أطروحة دكتوراه عام 1922 هناك الأمريكي هاري ستاك سوليفان Harry Stack Sullivan. توصل سوليفان إلى نتيجة مهمة في نشاطه العلمي، تتمثل في تأكيده على أنه إذا كانت الأمراض العقلية/النفسية الأكثر خطورة مثل الذهان والفصام والبارانويا تتميز بكون المصابين بها لا يدركون الواقع والناس الآخرين وذواتهم إلا بطريقة مشوهة بالكامل (“الجنون”)، فإن المشكلة الرئيس عند الإنسان هي مشكلة ارتباطه بالآخرين. وقد شاركه في هذا ال رأي فروم دون شك، بل طوره أكثر بتأكيده على ضرورة الإرتباط بمجموعة اجتماعية ما، يشعر بأنه ينتمي لها، على الرغم من الدرجة العالية للفردانية التي يعترف بها فروم للفرد.

 

  1. تسهرون بالتزام كبير على تطوير ولربما إتمام ما أقترح على تسميته هنا “الفرومية”. على مستوى الشكل أين وصل تطورها على المستوى المؤسساتي

فونك: كان اهتمامي منذ تحضير أطروحتي عام 1972 إدخال العمل العلمي لفروم، وبالخصوص نظريته ومنهجه السوسيو-تحليل نفسيي، إلى الجامعة. وقد تم ذلك بالفعل في ألمانيا عندما نشرت الأعمال الكاملة لفروم في 12 مجلد. إضافة إلى هذا فتحتُ المكتبة الشخصية التي ورثتها عنه في وجه العموم. وفي عام 1985 أسست معية أشخاص آخرين الجمعية العالمية إريك فروم (www.fromm-gesellschaft.eu), ، التي تضم حاليا 800 منخرطا على الصعيد العالمي. وبفضل مساعدة مالية لداعم أصبح من الممكن إحداث معهد خاص بإريك فروم بمدينة توبينغن (www.fromm-online.com) ، حيث توجد حاليا مكتبته الخاصة وكل ما خلفه من أعمال، والمعهد مفتوح للمهتمين من الخميس إلى السبت كل أسبوع. ومنذ 2016 أنشأ مركز دراسات إيريك فروم في الجامعة العالمية للتحليل النفسي ببرلين (wwwefsc.ipu-berlin.de/) وهو مركز يهتم بتدريس فكر فروم والبحث في هذا الفكر.

 

  1. للجمعة العالمية للتحليل النفسي إشعاع عالمي لا يُستهان به، كيف تشتغل هذه الجمعية؟

– فونك: نصف المنخرطين في الجمعية العالمية إيريك فروم لا يتكلمون اللغة الألمانية، وأكبر المنخرطين هم من أمريكا والمكسيك وإيطاليا، لكن أيضا من بلدان مثل اليابان والبرازيل. ففي الوقت الذي كانت الجمعية تركز فيه في بداياتها على لقاءات ومؤتمرات علمية عالمية حول فكر فروم (منها مثلا المؤتمرين المشهورين في المغرب سنتي 2005 و 2007)، فإنها اتجهت حاليا إلى مؤتمرات بشراكة وتعاون مع مؤسسات علمية مختلفة، منها مثلا مؤتمر البحث حول فروم ببرلين عام 2018، حيث حظر أكثر من 120 شخص من مختلف بقاع العالم. وما هو مهم في هذا المقام هو التأكيد على أن هناك نوع من إعادة إحياء أو نهضة فكر فروم في الكثير من دول العالم، بما في ذلك أمريكا، حيث نظمت العديد من اللقاءات حول فروم في السنين الماضية. إلى جانب هذا يُلاحظ أيضا ارتفاع وتيرة الأبحاث حول فكر فروم حاليا. وتعتبر منشورات منتدى فروم، التي تصدرها جمعية فروم بالألمانية والإنجليزية وسيلة مهمة لنشر فكره. كما أن المهتمين بفروم يتبادلون أفكارهم المتعلقة بفكره عن طريق الإنترنيت.

 

  1. تعتبر الجائزة العالمية لإريك فروم من أهم الجوائز العلمية في القارة الأوروبية، ليس فقط لمنحتها المادية، بل لرمزيتها. على أي أساس، أي تحت أية شروط، تمنح هذه الجائزة؟

فونك: أصبح بإمكان الجمعية تسليم الجائزة بفضل المساعدة المادية والمعنوية لجهات تؤمن بفكره وتشجعه. ذلك أن الطبيب النفساني السويسري بوريس لوبان-بلوتسا Boris Luban-Plozza مول الجائزة بين 1995 و 2004، والتي مُنحت لأشخاص وتنظيمات اهتمت بالتعريف بفكر فروم والإشتغال عليه. وكنتم من بين من حصل على هذه الجائزة عام 2004، بفضل مساهماتكم القيمة للتعريف بفكر إيريك فروم في العالم العربي، وبالتالي المساهمة في الحوار الثقافي الأوروبي العربي.

 

منذ 2006 أصبح بإمكان الجمعية الرفع من القيمة المادية للجائزة، التي وصلت 10 ألاف أورو، بفضل شخص سويسري منخرط في الجمعية، والذي يرغب أن يبقى فكر فروم، بمساعدة هذه الجائزة، حاضرا في وعي الباحثين. ومن بين شروط الحصول على الجائزة حاليا هو أن يكون المرشح، بالإضافة إلى اهتمامه واشتغاله على الفكر الإنساني لإريك فروم، معروفا عند العموم في ألمانيا. أكيد أن هذا نوع من القيد، لكنه في نفس الوقت فكرة تسويقية رائعة، بحيث أصبحت بهذه الطريقة عازفة الكمان المشهورة أن-صوفي موتر Anne-Sophie Mutter مثلا أو اللساني العالمي نعيم شومسكي Noam Chomsky وجون نويماير John Neumeier والسوسيولوجي هارتموت روزا Hartmut Rosa “سفراء” الفكر الإنساني لإريك فروم.

 

  1. أهناك حضور لمفكرين عرب في الجمعية العالمية إيريك فروم؟

فونك: تمول الجمعية نفسها عن طريق واجبات المنخرطين، لكن لا يعتبر هذا حاجزا في وجه من يريد الإنخراط، بحيث أن المنخرطين من العالم العربي مثلا لا يدفعون إلا نصف واجبات الإنخراط السنوي (30 أورو). ويُعفى الطلبة من كل البلدان من واجبات الإنخراط، وبما أن أغلبية الاتصالات تتم في وقتنا الراهن عبر الإنترنيت، فإن الطلبة ينضمون للجمعية بملأ استمارة الإنضمام المتوفرة عبر الإنترنيت (www.fromm-gesellschaft.eu/index.php/en/about-us/request-membership) . ويشترط التواصل بالجمعية اللغة الألمانية أو الإنجليزية، وهذا ما يُعتبر حاجزا نوعا ما بالنسبة للعديد من المهتمين من شمال إفريقيا.

 

  1. فروم حاضر في الساحة الثقافية العربية منذ عشرات السنوات بترجمات أمهات كتبه. وهناك الكثير من كتبه تُرجمت بطريقة غير قانونية ودون تصريح لأصحاب الحقوق. أهناك متابعات قانونية في هذا الإطار؟

فونك: في الواقع إن حقوق التأليف والنشر محفوظة بموجب القانون الدولي، لكن لم توقع كل البلدان على هذا القانون، وبالتالي تحدث في بعض البلدان انتهاكات له. إلى تسعينيات القرن الماضي لم تكن دور النشر الروسية مثلا ملزمة بتوقيع عقود مع المؤلفين أو وارثي الحقوق وتسديد ما كان عليهم تسديده لهم. وهناك ظاهرة أخرى تتمثل في “الطبع المسروق”، الذي يتم بموازاة سوق النشر. ففي عصر الإنترنيت هناك عدد مهم من الكتب يتم اقتراحها بالمجان بطريقة غير قانونية، على الرغم من أن حقوق نشرها محمية. والمشكل هو أن متابعة من يقوم بهذا الأمر جد صعب، حتى وإن كان من الممكن أن يصبح سهلا بموجب اتفاقية حقوق النشر الأوروبية التي تهيأ حاليا. فيما يخص كتب فروم، فإن ناشريها يسهرون ألا يحدث ما سبق قوله، وإن حدث وعلم ناشر من الناشرين من أصحاب الحقوق بالأمر، فإنه يقوم بمتابعة الفاعل أو الفاعلين. أما فيما يخصني كوارث لجميع حقوق مؤلفات فروم، فإنني أحث المنصات الإلكترونية بسحب نشرها، عندما أعلم بذلك.

 

  1. لا جدال في أنكم أكبر مطور لفكر فروم حاليا، ما هي الزوايا التي طورتم في هذا الفكر؟

فونك: تتبع مساعي في هذا الميدان اتجاهين: من جهة أحاول فهم المصادر الفكرية التاريخية التي اعتمد عليها فروم في تفكيره بطريقة جيدة، لكي أفهم تشكيل نظريته بطريقة صحيحة ومتماسكة. فقد فُهم فروم في برنامج مدرسة فرانكفورت من خلال صلته بفرويد وماركس، في حين أحاول شخصيا أن أفهمه انطلاقا من جذوره اليهودية وتعاليم هذه الأخيرة. ويساعدني هذا المُنطلق أيضا في فهم أفضل للإختلاف بين فروم وزملائه في معهد البحوث الاجتماعية، وأيضا لماذا عاداه الماركسيون، على الرغم من أنه كان يحترم كثيرا ماركس، ولماذا أول فروم معارف فرويد الخاصة باللاوعي بطريقة جديدة وابتعاده في آخر المطاف عن نظرية الغرائز الميكانيكية لفرويد.

 

من الخطوات المهمة في البحث عن فهم كاف لنظريات فروم كان اكتشافي لمقال موسع له في نيويورك عام 1990، وهو مقال كان فروم قد كتبه في شتاء 1936/1937. يشرح فيه لماذا كان من الضروري تعويض النموذج الغريزي الذي كان فرويد يشرح به الظواهر النفسية بنظرية الإرتباط، لفهم عمليات اللاوعي عند الكثير من الناس. وقد رفض في ذلك الوقت هوركهايمر وزملاء آخرين له نشر بحث فروم هذا في مجلة البحوث الاجتماعية التي كانت مدرسة فرانكفورت تُصدرها. وأدى هذا في آخر المطاف إلى التصدع بين هوركهايمر وفروم. نشر فروم ملخصا لهذا البحث عام 1941 كملحق في أول كتاب له “الخوف من الحرية Die Furcht vor der Freiheit“، لكن مجموع البحث لم يُنشر إلا عام 1992 من طرفي بالألمانية وفيما بعد بالإنجليزية.

 

من جهة أخرى فإن سبب اهتمامي بتطوير فكر فروم يرجع إلى الطريقة السيكو-اجتماعية في البحث، التي طورها فروم. فقد حاول فهم القوى النفسية الدافعة، والتي تؤثر في تفكير وإحساس وسلوك الكثير من الناس، من خلال فهم ممارساتهم الحياتية في المجتمع أو في مجموعات مجتمعية محددة. وأعتقد بأنه يجب تطبيق هذه الطريقة في الوقت الحاضر، والتساؤل عن التطورات الاقتصادية والتقنية التي تنعكس في توجهات الطبع المجتمعي.

 

  1. أهذا ما حاولتموه في كتابكم “الأنا والنحن. التحليل النفسي لإنسان ما بعد الحداثة”؟

فونك: بالضبط. ربطت ما سُمي “مابعد الحداثة” في الفلسفة والفن، وفيما بعد في السوسيولوجيا بالثورة الرقمية، لشرح سعي وطموح ورغبة المابعد حداثي كظاهرة سيكو-اجتماعية للعديد من الأشخاص.

 

ساعدت الرقمنة ووسائل الإعلام الإلكترونية وتقنيات الشبكات الإنسان على خلق الواقع من جديد وبطريقة مغايرة، دون ضرورة الإلتزام بالإكراهات المجتمعية. ويقود هذا سيكولوجيا إلى بناء جديد لمَعيش الأنا وإلى تنشئة اجتماعية جديدة كذلك، تكشف عن رغبة أساسية جديدة في التفكير والإحساس والسلوك، يمكن ملاحظتها عند الكثيرين: فعدد الناس الذين يريدون العيش بالطريقة التي يحددونها ذاتيا، واختراع جديد للواقع وللذات بطريقة مُبدعة، أو المشاركة في العوالم المُخرجة يرتع يوميا. وقد سميت هذا التشكل الجديد للطبع بـ “توجه الأنا Ich-Orientierung”. وما هو حاسم بهذا الخصوص هو أن المرء يعيش انطلاقا من تحديد ذاته بذاته ودون مراعات لأية إكراهات ومواصفات، وما لا يجب أن يوجد في نظره هو كل ما يحدُّ ويُقيد أو يربط. وحتى وإن كان ذوي توجه الأنا يريدون الإرتباط، فإنهم يرفضون الربط. ومثالهم هو الإتصال دون ربط.

 

عمقت جانب رفع الحدود وفسخ الإرتباط بكل شيء في كتاب آخر تحت عنوان “الإنسان اللامحدود”. ذلك أنني أرى بأن رغبة الكثير من الناس اليوم ليست فقط التعامل بمرونة مع الحدود والإرتباطات، بل القضاء عليها، كارتباط نفسي لإمكانيات رفع الحدود المتعددة، التي ترافق الرقمنة ووسائل الإعلام الإلكترونية وتقنية الشبكات. فالكثير مما كان يعتبر غير قابل للتجاوز، أصبح مع الثورة الرقمية قابلا للتجاوز.

 

  1. في كتابكم “الإنسان اللامحدود” تصفون تحليل نفسيا ما وصل له الإنسان مما سماه فروم “الإستلاب”، ما هي المظاهر العامة لهذا الأخير حاليا

فونك: بالفعل. فعلى الرغم مما تقدمه التقنية الرقمية من إمكانيات للتحكم في الكثير من الأشياء بطريقة أفضل من الإنسان، فإن المشكل يبدأ حيث يبدأ رفع الحدود عن حدود ومواطن الضعف في شخصية الإنسان. من لا يريد أن يكون إنسانا يعيش الآخرين بطريقة إيجابية فقط ولا يعرف أية عدوانية ويعامل الآخرين باحترام ولا يعرف أية مشاعر خوف أو ذنب ومليء بالثقة بالنفس؟ ألا يحدث في مثل هذه الحالات كبت للشخصية الذاتية وتجربة المشاعر الشخصية ورفع الحدود عن التواصل وتحديده من جديد؟ ألم يصبح الإنسان يفضل الشعور مع الآخرين بمشاعرهم عوض عيش مشاعره الشخصية؟ ألا يُفضل المرء اليوم تنشيطه عن طريق أنشطة خارجة عنه عوض مواجهة الملل؟ بكلمة مقتضبة، إن البناء النفسي/العقلي الجديد للشخصية جارف وفاتن، لكنه يقود إلى إطفاء القوى الدافعة الخاصة والإهتمامات والمشاعر الذاتية. وليس من قبيل الصدفة أن يشعر الناس حاليا بالعزلة المجتمعية وفقدان القيمة الذاتية، إذا لم يكونوا مرتبطين عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي ويشعرون بأنفسهم بأن المرء يبحث ويسأل عنهم.

 

في الحقيقة أنني لن أطور بتحليلي السيكو-اجتماعي للإنسان الحالي فكر فروم، بل طبقت منهجه على الوقت الحاضر، بحيث وصلت إلى نتائج ومعارف لم يراها فروم في وقته إلا بطريقة جزئية. ما أحاوله هو تحيين المعرفة بمساعدة ما طوره فروم نظريا ومنهجيا.

 

  1. يُظهر تحليلكم للطبع المجتمعي الموجه من طرف الأنا نسبة الإستلاب التي يتعرض لها الإنسان جراء هذا التوجه الجديد، الذي يحدد أكثر وأكثر فكر وشعور وسلوك الكثير من الناس. كيف يمكن للمرء حماية نفسه من النتائج السلبية لهذا الأمر؟

 

– فونك: يقود كل توجه للطبع المجتمعي إلى استلاب كبير أو قليل للإنسان وتغريبه عن ذاته. ففي الطبع السلطوي يُخضع الإنسان نفسه لإرادة الآخرين لكي لا يشعر بخصوصيته الذاتية. ولا يمكن للمرء أن يحمي نفسه من مثل هذا الإستلاب إلا بمحاولة المحافظة على استقلاليته وإرادته الذاتية. ولا يتعلق الأمر في توجه الأنا بالإرادة الذاتية وحسب، بل أيضا بالشعور وعيش كل القوى الذاتية المعرفية والوجدانية -في محدوديتها أيضا-. وعوض طمس هذه الأخيرة، على المرء أن يمرنها: فعوض البحث بمحرك غوغل مثلا، على المرء أن يتعلم ويفكر ويبحث بنفسه في المراجع وفي الواقع. وعلى المرء أيضا السماح لأحاسيسه التعبير عن نفسها، بما في ذلك السيئة، وتشكيل حكم ذاتي خاص على أمر ما عوض استهلاك أحكام الآخرين، ومعرفة مصالحه الخاصة عوض ترك آخر يحدد له هذه المصالح إلخ. فقد تعلمنا لتقوية قوانا الجسدية تمرين عضلاتنا وقدراتنا على التحرك، لتجنب تراجع هذه العضلات. نفس الشيء ينطبق على قوانا النفسية والعقلية، التي علينا تمرينها عن طريق تمارين التركيز أو الإستغناء من حين لآخر عن الهاتف المحمول مثلا وأدوات إلكترونية أخرى.

 

النسخة الألمانية

 

error: