اعمل كالنار وأعلن (تيرنر) – ناصر قائمي / ترجمة: يوسف الصمعان

اعمل كالنار وأعلن (تيرنر) – ناصر قائمي / ترجمة: يوسف الصمعان

جنون من الطراز تيد تيرنر

الفصل الثاني (اعمل كالنار وأعلن – تيرنر) من كتاب (جنون من الطراز الرفيع)


يمكنك شراء نسخة كندل من الكتاب عبر هذا الرابط


يقوم رجل الأعمال الكلاسيكي بتأسيس مفاهيم جديدة كليًّا: هنري فورد، السيارات ذات الإنتاج الضخم، وتوماس أديسون، المصباح الكهربائي، بيل غيتس، برامج الكمبيوتر الشخصي، وتيد تيرنر، أخبار التلفزيون على مدار الساعة. ولكن تبقى حالة تيرنر هي الأقرب إلى موضوع هذا الكتاب من حيث إنه يعطينا صورة واضحة عن صحته النفسية إلى حد ما.

جاء عن تيرنر في سيرته الذاتية الأخيرة أن طفولته لم تكن على ما يرام فقد كان والده، إد تيرنر، ينقله باستمرار من مدرسة إلى أخرى. عاش تيرنر الفتى ظروفًا صعبة جدًّا طوال فترة طفولته قياسًا إلى أقرانه، من ذلك خاصة شعوره عندما كان يتم إرساله خارج المنزل وهو في سن الرابعة كأنه يقع التخلي عنه تمامًا، وأما داخل المنزل فقد كان إد تيرنر يعامله بقسوة بل ويعتدي عليه بالضرب أحيانًا.

تم طرد الصبي ذات مرة من المدرسة الابتدائية ويوضح تيرنر: «كنت طفلًا لا يهدأ وكثيرًا ما أقع في ورطة رغم أنني لم أفعل أي شيء سيئ حقًّا»، وكان كثيرًا ما يحصل على درجات متدنية يعزوها تيرنر الآن إلى الظروف الصعبة التي طبعت حياته في المنزل. «ربما ستنتهي المدارس اليوم إلى استنتاج مفاده أنني كنت أعاني من اضطراب نقص التركيز، ولكن هذا لم يكن صحيحًا. فبعد أن تم عزلي وحدي لفترة طويلة كنت ببساطة أشعر بحاجة كبيرة إلى التركيز».

بعد أن وضع والد الصبي ابنه المشاكس في أكاديمية عسكرية للمدرسة الثانوية، تطورت قدرات تيرنر وبدأ يتحسس طريق النجاح الأكاديمي والاجتماعي. وحثه والده على الذهاب إلى جامعة إيفي Ivy، حيث أدى تيرنر جيدًا في البداية ببراون، لكن سرعان ما تشتت تركيزه إلى أن انتهى به الأمر إلى الفشل في الدراسة. (ويعزو تيرنر ذلك التراجع إلى الصراع مع والده الذي رفض تقديم الدعم المادي له بعد أن اختار التخصص في الريادة العسكرية الكلاسيكية). خلال هذه الفترة، ظهرت على تيرنر أعراض الاضطراب ثنائي القطب الكامنة، مثل القيادة المتهورة. مع العلم أنه يسير عادة بسرعة 120 ميلًا في الساعة تقريبًا، عندما كان ينتقل من منزل والده جنوب ولاية كارولينا إلى سافانا في جورجيا أثناء العطلة لزيارة الأصدقاء في جورجيا. وذات مرة، حين عبور السكة الحديدية، كاد القطار أن يمر فوقه. وقد كان تيرنر شخصًا نشيطًا جدًّا، وكان من بين سمات شخصيته الأساسية الاعتراف. ويبرر: «لدي دائمًا الكثير من الطاقة. عقلي وجسدي مفعمان بالنشاط منذ كنت صغيرًا، وكنت لا أطيق أن أكون ساكنًا أو جالسًا. إلى الآن، أنا دائم الحركة حتى أصبحت أتمنى أن أقضي أربعًا وعشرين ساعة من دون عمل شيء، وأن أكون وحدي مع أفكاري.».

عالجت زوجته السابقة جين فوندا شخصيته التي تعاني الاضطراب ثنائي القطب عبر تقنية التحليل النفسي: «وبسبب التربية التي تلقاها في منزل والده، كان تيد تيرنر شديد الخوف من أن يترك وحيدًا وهو إحساس لم ألمسه عند أيٍّ من الأشخاص الذين عرفتهم من قبل. وتبعًا لذلك فقد كان دائمًا بحاجة لمن يكون بجانبه باستمرار رغم ما يمكن أن يترتب عن ذلك من إرهاق. لا يتعلق الأمر هنا بثبات في ارتفاع منسوب الطاقة، بل إنها طاقته العصبية التي تطقطق في الهواء تقريبًا. فهو لا يستطيع الجلوس ساكنًا لأنه يعتقد أن الجلوس ساكنًا يتيح فرصة للشياطين – الأرواح الشريرة لتلحق به. لذا عليه الاستمرار في الحركة».

تم تناقل أعراض تيرنر خلال تاريخ عائلته: انتحر إد تيرنر في ذروة نجاحه المهني، حيث أسس ووسّع شركة مزدهرة للوحات الإعلانية في أتلانتا. وقد اعتبر تيرنر ما أقدم عليه والده بمثابة مفارقة أثارتها تبعات النجاح، فقد حقق له والده كل ما يصبو إليه فلم يعد له ما يرغب فيه. ولكن تيرنر عبر أيضًا، وأحيانًا حرفيًّا، عن عقلية مريضة: «مثَّل الانهيار الذي وجد في عام 1962 لحظة رائعة. وكان أبي مبتهجًا، وأكثر نشاطًا مما رأيته عليه من قبل… وقد باغتنا جميعًا هذا السلوك البهيج تمامًا وكأنه يقترب من حافة الانهيار. كان مثل المحرك الذي يعمل ويدور بأسرع مما كان عليه قبل تجريد وإزالة التروس. وكان والدي دائمًا متقلب المزاج، ولكن تقريبًا بين عشية وضحاها أصبح سلوكه ضالًّا بشكل كبير وغير متوقع. فيومًا تجده في قمة الحبور ويومًا يكون في حالة من الاكتئاب المدقع».

رافقت هذه التقلبات المزاجية بعض مؤشرات جنون العظمة والعدمية في الأفكار: «لم يكن والدي متحمسًا لشركة اللوحات الإعلانية، في حين أكد له معظم مستشاريه بأنه لن يواجه مشكلة في الوفاء بـ [دينه] التزاماته، وتملكه إحساس بالخوف فاق كل حدود العقل من خسارة كل شيء حتى أوشك أن يهلكه». ومن ثم أدمن على شرب الخمر والتدخين حتى انتهى به الأمر إلى مستشفى للأمراض النفسية في ولاية كونيتيكت. غير أن ما يذكره تيرنر في شأن هذا الأمر يبدو غير دقيق على أنه ينسبه إلى حالة والده المتدهورة الذي ما لبث أن انتحر بعد أن أخطؤوا في وصف العقاقير المناسبة له بالمستشفى. «وقال إنها من أجل علاج أعصابه، وإنني متأكد من أنها تتضمن مجموعة متنوعة من المنشطات والمهدئات وغيرها. لكن كان والدي يقوم بمقايضة الكحول والتبغ بأدوية الوصفة الطبية». قد يكون هذا صحيحًا، منذ عام 1962 لم تكن مضادات الاكتئاب معروفة بالشكل المطلوب، ونادرًا ما تستخدم مضادات الذهان للاضطراب ثنائي القطب والليثيوم (من المرجح أن يكون قد أنقذ حياة والده) الذي ظل حضوره باهتًا في مجلات غير مقروءة، وغير مستخدم حتى بعد عقد من الزمان. فقد كانت العلاجات الأكثر شيوعًا في تلك الحقبة الأمفيتامينات (المنشطات، والتي ستفاقم الاضطراب ثنائي القطب)، مثل barbiturates الباربيتورات أو البنزوديازيبينات benzodiazepines (المهدئات والتي يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الاكتئاب، ولكنها تقلل التوتر وتحفز على النوم). وأخيرًا قرر والده أن يبيع شركته النامية، الناجحة بخصم كبير لمنافسه. اعترض تيرنر الذي كان قد انضم إلى عمل العائلة، على ذلك بشدة، ولكن والده كان قد وقّع واعدًا ببيع الشركة، ولم تمض سوى بضعة أيام على ذلك حتى أطلق الرصاص على نفسه.

لما توفي والده، وأوشكت أعمال الأسرة على الخسارة كان تيد حينها يبلغ من العمر 21 عامًا، وقد أثارت قدرته على التفاوض مع منافس والده استغراب الكثيرين من موظفي الشركة والمحامين المتعاقد معهم من أجل إتمام إجراءات بيعه أسهم الشركة.

ومن ثم استطاع تيرنر لا الحفاظ على استمرارية شركة الإعلانات فقط، وإنما أيضًا قام بتوسيعها لتصبح دارًا للإذاعة والتلفزيون.

في السنوات اللاحقة، عرض تيرنر نفسه على طبيب نفسي، ولكنه ينفي الآن أنه يعاني من الاكتئاب الشديد أو الاضطراب ثنائي القطب الواضح، مقارنة مع والده، وعزا معظم الأعراض النفسية التي تظهر عليه من حين لآخر إلى التوتر الناجم عن ضغوط نشاطات الحياة:

«عانيت من بعض المشاكل الناتجة عن تقلب المزاج عندما كنت طفلًا، ويعود ذلك ربما إلى إرسالي بعيدًا عن المنزل للدراسة في هذه السن المبكرة وللقلق الناتج عن ظروف حياتيولكن، في الثمانينيات انتهى طبيب نفسي بعد فحصي وتشخيص حالتي إلى أني أعاني من الاضطراب ثنائي القطب، ووصف لي الليثيوم، لكن رغم تناولي هذا الدواء لبضع سنوات لم أشعر بتغير يذكر في شأن وضعي النفساني، مما اضطرني إلى التوجه إلى طبيب نفسي آخر، حيث حظيت بفحص شامل أدى إلى تشخيص مختلف تمامًا.

فلقد سألني الطبيب الجديد حول مثلًا ما إذا كنت أمضي فترات طويلة من دون النوم؟ (قلت له: فقط عندما كنت أبحر)، وهل قمت من قبل بإنفاق كميات من المال بإسراف وبشكل مفرط. (وأفصح كلانا عن ضحكة مكتومة في آن واحد…). واستنتج أن لدي مزاجًا غير مألوف، وما زلت أقاوم نوبات عرضية من التوتر، ولكني لا أعاني من الاكتئاب، وقام بإلغاء الليثيوم».

تعكس وجهات النظر المختلفة لأطباء تيرنر الحالة التي انتهينا إليها معرفيًّا في هذا الميدان عصر ذاك، فلم يتمكن كثير من الأطباء النفسيين في الثمانينيات والتسعينيات بعد من تشخيص الاضطراب ثنائي القطب. من ذلك أن نحو 40 في المئة من الناس الذين يعانون من الاضطراب ثنائي القطب، يتم تشخيص حالتهم خطأً على أنهم لا يعانون من مثل هذا المرض (وعادة ما يتم تشخيصه كاضطرابات ناتجة عن التوتر، أو الاكتئاب أو مسميات أخرى، كما هو الشأن بالنسبة لحالة تيرنر).

والدليل على أن تيرنر كان يعاني من حالة الاضطراب ثنائي القطب جزئيًّا على الأقل ويبدو قويًّا إذا ما استندنا إلى أربعة مؤشرات من أدلة التشخيص وهي: الأعراض، مسار المرض، التاريخ العائلي، والاستجابة للعلاج.

ومن المحتمل أن والده كان يعاني من اضطراب ثنائي القطب حادّ وقد بدأت أعراض تقلب مزاجه في وقت مبكر جدًّا في مرحلة الطفولة (وهو أمر غير شائع في الحالات المزاجية بالإضافة إلى الاضطراب ثنائي القطب). وتمثلت أعراض تيرنر في العزوف عن النوم (ثبات ارتفاع منسوب الطاقة)، ونقص التركيز (ظهر عليه منذ الطفولة)، والهيجان (عدم القدرة على الجلوس ساكنًا)، وثقة بالنفس ملحوظة، والكلام السريع، والسلوكيات المتهورة مثل القيادة المتهورة، والطيش الجنسي كما هو موثّق في مذكرات جين فوندا.

يمكن أن نضيف إلى كل ذلك معيار الإنفاق المفرط، ولكن هذا المعيار يبقى عديم الجدوى في تقييم الملياردير. كما لا يدعم عدم استجابته لليثيوم تأويل حالته على أنه يعاني الاضطراب ثنائي القطب، ولكنه في الوقت نفسه لا يستبعده تمامًا. وفي الحقيقة كثير من الناس يعانون من الاضطراب ثنائي القطب لا يستجيبون لليثيوم، إلا أن عدم استجابة تيرنر تحتاج إلى التأييد والتحقق منها من قبل الآخرين، مثل الأسرة والأصدقاء الذين شهدوا تغييرًا في سلوكه ولم يتدارك نفسه. (في عام 1992، أشارت كل من زوجة تيرنر السابقة جاني وزوجته المفترضة جين فوندا أن «الليثيوم معجزة» بالنسبة له فقد كانت له فيه فوائد في ذلك الوقت، لكن تيرنر لا يعترف بها الآن). اعترف تيرنر في تقريره الشخصي (يمكن أن ينطوي على بعض الأخطاء، طالما أن المرضى في كثير من الأحيان يكون لديهم تمثل جزئي لأعراض الاضطراب ثنائي القطب)، بأن أعراض المرض بالنسبة إليه لم تكن عرضية وإنما متواصلة. وهذا الاستمرار في المرض، متى كان ذلك صحيحًا، يعبر عن حالة الشخصية المفرطة (عادة ما تكون ذات أصول وراثية تتعلق بالاضطراب ثنائي القطب ولكنها أقل حدة).

وأعتقد أن تيرنر كان ناجحًا نتيجة أعراض الاضطراب ثنائي القطب فكما سنرى أدناه لم يكن لليثيوم تأثير مضر في المدى البعيد.

كيفما كانت حالة تيرنر، سواء عكست فرط المزاج أو اضطرابًا ثنائي القطب، فهل ستؤثر في قيادته؟ قد يعتقد بعضهم بأنه كان مرنًا بعد انتحار والده، ولكن سوف أركز في هذا الفصل على الإبداع بوصفه السمة الغالبة التي طبعت حياته المهنية كاملة.

كان تيرنر يحب أن يماثل بين القرارات التجارية والأساليب العسكرية، من ذلك مثلًا مقارنته بين إطلاق CNN في عام 1980 وبين أساليب الجنرال الألماني أروين رومل في الحرب العالمية الثانية: «كان الجنرال الألماني يهاجم البريطانيين على فترات كلما أدرك أن ليس لديه ما يكفي من الوقود لهجوم شامل. فما كان ينوي القيام به هو مباغتتهم بحيث يهاجمهم، حيث لا يتوقعون ذلك فيتجاوز خطوطهم ومن ثم يستولي على مستودعات الوقود. عندها يمكنه أن يزود دباباته بالوقود ومن ثم مواصلة الهجوم. وبالمثل، في تقديري، تم تمويل CNN. أطلق تيرنر CNN من دون أن يكون لديه ما يكفي من الأموال لتشغيلها أكثر من سنة، وهو يعلم صعوبة الحصول على ما يكفيه من القروض. لكنه ظل يأمل في أن الاهتمام بالقناة سيخلق مصادر جديدة للتمويل (من خلال الإعلانات، ورسوم الكابلات، ويمكن توفر فرص جديدة للحصول على قروض). إن ما أقدم عليه تيرنر فيه مجازفة ولكنها تبقى جريئة من دون أن تكون سابقة لها مثيل في عالم الأعمال. وهذا يذكرني بإرسال شيرمان جيشه إلى جنوب جورجيا وكارولينا الشمالية والجنوبية، وقطع خطوط الإمداد وراء ظهره، والتخطيط للإقامة الدائمة على الأرض التي كان يسلبها على طول الطريق.

ومرة أخرى استفاد تيرنر بشكل مبدع وبارع – وهو على صلة وثيقة بالاضطراب ثنائي القطب – من الاختيارات والاستراتيجيات العسكرية عندما احتدمت المنافسة بينه وبين شبكات إخبارية أخرى ضخت أموالًا طائلة لاكتساح هذا الميدان بعيد إطلاقه قناته. ففي سنواتها الأولى، لما بدأت CNN تشق طريقها نحو الشهرة وتتوسع أكثر فأكثر، قامت ABC مثلًا بتخطيط منافس مباشرة لـ CNN، فضلًا عن إنشاء شبكة عناوين الأخبار التي تكرر المواضيع الرئيسة كل ساعة، بدلًا من تغطية متعمقة كما تفعل CNN. وقد أدرك تيرنر خطورة هذه المنافسة التي قد تقضي على شركته الجديدة: «كنا قد استثمرنا بالفعل نحو 100 مليون دولار في CNN وهو مبلغ ما زال بعيدًا عن الكسر حتى الآن، لكن الشراكة بين ABC ووستنج هاوس مكنتهما من مليارات الدولارات وهو أمر بات يضايقنا بشكل كبير كخنجر يطعن قلوبنا… ففكرت ومرة أخرى قياسًا للاختيارات العسكرية، وهذا مبرر لأنني لا أستطع تحمل الدخول في حرب طويلة الأمد ضد منافسين بحوزتهم هذه الموارد المرتفعة. كان عليَّ أن أطيح بهم، وبسرعة»، ولذلك قام تيرنر بتصميم وإنشاء CNN2 (التي تسمى الآن أخبار العناوين الرئيسة) وتقريبًا بصفة تلقائية، كان يعمل بشكل شديد الانفعال للحصول على قناة جديدة على الهواء في أربعة أشهر فقط، حتى يستبق قناة ايه بي سي نيوز المزمع إطلاقها خلال ستة أشهر، لما أحدث قناته الأولى، قام بوضع خطط لمحطة ABC لعناوين الأخبار بشكل مكلف وأكثر قدرة على المنافسة، قررت ABC التخلي عن قناتها الثانية. ثم ليهزم المنافس المباشر (قناة ABC للأخبار عبر القمر الصناعي)، استخدم تيرنر اتصالاته الشخصية مع مزودي خدمات الكابل للحصول على العرض الأفضل لـ CNN2. وفي نهاية المطاف، اشترى تيرنر قناة ABC’s ايه بي سي نيوز وتخلص من منافسه وبذلك استطاع أن يحمي CNN من المنافسة لعقد آخر.

كان تيرنر يرى في نفسه مفكرًا مختلفًا: «كلما واجهتني مشكلة، فكرت في حلها من زاوية أو بطريقة غير تقليدية، لا شيء متخفيًا، لا شيء غير قانوني أو غير أخلاقي، نقلب المعادلة رأسًا على عقب فقط ونحول الامتياز لصالحنا». إنجازه العظيم – وسائل الإعلام المنقولة بواسطة الكابل (ليس الأخبار فقط، ولكن أيضًا أول محطة وطنية للنقل بواسطة كابل، وجميع الألعاب الرياضية، كل الأفلام، وجميع شبكات الكرتون) – يتبعه اعتراف بوسائل إعلام جديدة في بداية إنشائها بحيث ينبغي الاستفادة منها في حين فشل الآخرون أو ترددوا في ذلك.

من هذه الجهة يبدو أن تيرنر كان واقعيًّا إذ أدرك مجالًا جديدًا على وشك الانفجار. ولكن رغم ذلك يعتقد شيلي تايلور، طبيب نفسي، أن فكرة الأوهام الإيجابية والملاحظات وأصحاب المشاريع ليست واقعية، في البداية على الأقل، لأنها قد تحدث وقد لا تحدث. إذا كان تيرنر أكثر واقعية من غيره بسبب اكتئابه غير المؤكد، فإن طاقة الاضطراب ثنائي القطب والإبداع لديه واضحتان نسبيًّا.

في السنوات اللاحقة (بعدما انتهى مفعول الليثيوم)، ارتكب تيرنر خطأه الكبير، إذ انضم إلى القوات المسلحة مع تايم وورنر في عام 1995 على أمل كسب ما يكفي من الأموال لشراء واحدة من الشبكات الرئيسة وهو حلم حياته. ولكن لن يتمكن رجل أعمال أتلانتا من الاستمرار في شركة نيويورك. ولن يمكنه بعد الآن اتخاذ قرارات بنفسه: وتم التصدي لتحركاته المتهورة من قبل مجلس إدارة الشركة. ومع دمج شركته، فقد السيطرة عليها، وهذه حقيقة أصبحت واضحة عندما اندمجت تايم وورنر مع AOL في ذروة السوق الجديدة للإنترنت، من دون استشارة تيرنر. وفي غضون أشهر من الإعلان، كانت أسهم الإنترنت قد بلغت ذروتها، ثم ما لبثت أن تراجعت. شاهد تيرنر هبوطًا صافيًا قيمته بنسبة 10 ملايين دولار يوميًّا، من دون أن يكون قادرًا على فعل أي شيء حيال ذلك (نظرًا لالتزاماته التعاقدية مع تايم وورنر) حتى خسر 80 في المئة من ثروته، وفي النهاية اضطر إلى بيع جميع أسهمه في AOL تايم وورنر، ثم استقال.

استمرت CNN وصمدت، ولكنها لم تعد ملك تيد تيرنر. في عام 1991، وبناءً على أوامر تيرنر الشخصية، وعلى الرغم من المناشدات من البيت الأبيض، رفضت الشبكة نقل مراسليها من بغداد عندما قصف جورج بوش الأب المدينة، وذلك لعرض حقيقة ما كان يحدث هناك على الرأي العام الأميركي. بعد عقد من الزمان، وبعد خروج تيرنر، أصبحت CNN مجرد شبكة في عداد الشبكات الأخرى، وقد ألحقت بالجيش إبان حرب جورج بوش الثاني على العراق، حيث لم يعد بإمكانها أن تقدم إلا ما يسمح به الجيش للصحافيين. ومباشرة بعد آثار الكارثة، قامت CNN، مثل معظم وسائل الإعلام، باتباع خط مجلس الإدارة ولم يعد هناك من الصحافيين المحايدين من أصحاب الفكر النقدي إلا قليل. وكتب تيرنر في مذكراته أنه ما كان ليسمح لهذا أن يحدث لو ما زالت بيده سلطة القرار.

توضح نجاحات وانتكاسات تيد تيرنر كيف يمكن للحالة النفسية للشخص أن تعزز أنواعًا مختلفة من القيادة في عالم الأعمال التجارية، تمامًا كما هو الحال في سياقات أخرى سنعرض لها في هذا الكتاب. في فترة الازدهار الاقتصادي، يكون رجل الأعمال المثالي شخصًا متعاونًا، فهو الذي يجعل القطارات تنطلق في الوقت المحدد، وهو القائد التنظيمي من دون أن يكون خلاقًا بشكل خاص ولا يحتاج أفكارًا جديدة، بل يحتاج فقط أن يستمر في الأداء وتنفيذ ما يتعين عليه. ويسمي آرثر كوستلر هذا الصنف من الساهرين على التنفيذ بالمفوض Commissar، شأنه في ذلك شأن البيروقراطي الذي يدير الدولة في الاتحاد السوفييتي أو المدير التنفيذي الذي يدير شركة. على أن هذه المسألة ليست بسيطة فالإدارة ليست مهمة سهلة ولكن وفق هذه الطريقة لن يكون الأمر على أحسن ما يرام إلا إذا تعلق فقط بما يهم الإدارة.

عندما يكون الاقتصاد في أزمة وتتراجع الأرباح والفوائد، وتكسد السلع نتيجة عدم إقبال المستهلكين عليها، أو ينتج المنافسون أفضل منها فيفشل المفوض، يصطف المدير التنفيذي للشركة خلف صاحب المشروع، وهو ما أطلق عليه كوستلر يوغاني Yogi. هذا هو زعيم الأزمة، رجل الأعمال المبدع الذي قد يبتكر إما أفكارًا جديدة تضخ دماءً جديدة في الشركة القديمة من خلال تغيير الأوقات، أو في كثير من الأحيان، يبتكر شركات جديدة لتلبية الاحتياجات المتغيرة. وقد تابع طبيب الأمراض العصبية والسياسي البريطاني ديفيد أوين، الزعماء السياسيين بإمعان، وعمل أيضًا في مجالس إدارات الشركات فلاحظ أن المهارات التي قد يحتاج إليها رجال الأعمال الناجحون تفوق ما يحتاجه رجال الدولة العظام.

إن أهداف رجال الأعمال، تختلف عن تلك التي ينشدها السياسيون، «فهي تقريبًا تتعلق بالنمو فقط… أن تفعل شيئًا يذكر أو حتى في مناسبات نادرة ألا تفعل شيئًا قد يدخل في باب الحكمة في السياسة، لكنه نادرًا ما يحدث في مجال الأعمال».

إن المفوض هو رجل الأعمال القائد زمن السلم في حين إن يوغاني هو رجل الأعمال القائد خلال الأزمة. وأفضل الزعماء من رجال الأعمال هو من يجمع بين الصفتين – مدير تنفيذي مثل المفوض ومفكر مثل يوغاني – إلا أنه يندر أن نجد مثل هؤلاء. فمعظم الزعماء إما من الصنف الأول أو من الصنف الثاني، ويتوقف ذلك على استعدادهم الذهني. ويبدو في مجال الأعمال أن تيد تيرنر لم يتفطن إلى أن استعداداته الذهنية قد هيأته ليكون يوغانيًّا لا مجرد مفوض فقير ومسكين. إن رجل الأعمال الناجح عادة ما يفشل في أن يكون متعاونًا.