تفكير الفلاسفة واللاهوتيّين في الدين أو فلسفة الدين – محمد بوهلال

تفكير الفلاسفة واللاهوتيّين في الدين أو فلسفة الدين – محمد بوهلال

محمد بوهلال، أستاذ التعليم العالي في الحضارة الإسلامية بجامعة سوسة، تونس (منشور بالتعاون مع مجلة التسامح)


المقدّمة:

سجّلتْ المعرفة الإنسانيّة في القرون الثلاثة الأخيرة تحوّلات جذريّة في مستويات المنهج والمجال والأدوات والنتائج والتطبيق، رافقتها تحوّلات اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة مماثلة لا تقلّ عنها جذريّة. وكان لجملة هذه التحوّلات أثر عميق في تقبّل الدين وفهمه عبّرت عنه بتفاوت واسع حركات دينيّة أو معادية للدين موزّعة على القارّات الدينيّة المختلفة، وجسّدته فروع علميّة حديثة تخصّصت في دراسة الدين من حيث هو ظاهرة ثقافيّة أو نفسيّة أو سوسيولوجيّة، مثل علم الاجتماع الديني والأنثروبولوجيا الدينيّة وعلم تاريخ الأديان وعلم الأديان المقارن.

وكان الاتّجاه العامّ لحركة التاريخ خلال هذه القرون الثلاثة هو تضاؤل الثقة في المفاهيم الدينيّة وتراجُع الالتزام بتعاليم الأديان، حتّى أصبح ثابتا لدى بعض المفكّرين والفلاسفة – لاسيما من ذوي الاتّجاه الوضعاني والمادّي – أنّ مآل الدين إلى التلاشي والاضمحلال.

غير أنّ هذا التوقّع المبني على ملاحظات عامّة وسطحيّة بدأ يتهاوى نتيجة ردّ فعل المؤسّسات الدينيّة خصوصا في العالمين المسيحي والإسلامي التي أبدت اقتناعا بضرورة مراجعة الفكر الديني الموروث وتمثّلات عموم المؤمنين للرسالة الدينيّة. وتجسّدت ردّة الفعل هذه في حركة إصلاح ديني واسعة، ومحاولات جريئة في تجديد للفكر الديني، تأسّست على فهم عميق لعلوم العصر وفلسفاته، وإنصات مرهف لتحوّلات المجتمعات الحديثة وتطلّعاتها. وكان من ثمار هذه الحركة افتكاك موقع رئيس في الفكر الفلسفي، وُسِم بفلسفة الدين، جذوره ضاربة في الفكرين الفلسفي والكلامي القديمين، وأغصانه متفرّعة في الفلسفة الحديثة بأقسامها المختلفة: الإبستمولوجيا والأنطولوجيا والتأويل والتحليل.

نعرّف في هذا المقال بفلسفة الدين من خلال أربعة عناصر؛ خصّصنا أوّلها للتعرّف على جذور هذه الفلسفة في النسق المعرفي الأرسطي. وخصّصنا ثانيها لدراسة إسهام الفلسفة الإسلاميّة فيها من خلال مبحث الإلهيّات. وخصّصنا ثالثها لتبيّن إسهام علم الكلام فيها. وخصّصنا رابعها لتقديم إطلالة على فلسفة الدين في العصر الحديث. وختمنا المقال بمختارات من عناوين الدراسات الحديثة في الموضوع بالعربيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة.

 

1- الجذور الأرسطيّة لفلسفة الدين:

مثّلت مسألة الموجود مشكلة أساسيّة في الفلسفة الأرسطيّة شغلت أرسطو ودارسيه على حدّ سواء. وهي مشكلة ورثتها الأرسطيّة عن الفكر الميثولوجي والفلسفي السابق لها، وحاولت التوصّل في شأنها إلى حلول جديدة على قاعدة التحليل المنطقي للخطاب والتصنيف الواقعي للظواهر. وتعلّقت باسمه وبموضوعه وبإمكانه النظري وبعلاقته بغيره من العلوم.

وكان الاسم الشائع للعلم الذي تناول أرسطو في إطاره مشكلة الموجود هو «علم ما بعد الطبيعة» (métaphysique)، وهو الاسم الذي أعطاه أندرونيكوس الروديسي (Andronicos de Rhodes) للكتاب المخصّص لهذا الغرض في أعمال أرسطو. وعلّة اختياره لهذا الاسم هي نشره لكتاب ما بعد الطبيعة إثر كتاب الطبيعة، الأمر الذي أعطى هذا العنوان مدلولا زمنيّا محضا؛ لكنّ دلالته تحوّلت شيئا فشيئا من المعنى الترتيبي الزمني إلى المصطلح الثابت الدالّ على موضوع الكتاب(1).

وقد ذهب كلّ من دوهيم (P. Duhem) وجلسن (E. Gilson) وألكييه (F. Alquié) وريكور (P. Ricoeur) إلى أنّ المقصود بهذه التسمية (الميتافيزيقا) هو ما سمّاه أرسطو حينا بالتيولوجيا(2) وحينا آخر بالفلسفة الأولى وحينا ثالثا بفلسفة الموجود بما هو موجود(3). وعلى نحو مخالف، ذهب هايدغر (M. Heidegger) إلى أنّ أرسطو أنتج ميتافيزيقا عامّة تتفرّع إلى ثلاثة علوم عقليّة خاصّة، الجامع بينها هو مفهوم الجوهر، هي: التيولوجيا وموضوعها الله، والكوسمولوجيا وموضوعها الكون، والسيكولوجيا وموضوعها النفس(4).

تسلّم هذه العلوم الثلاثة بمبدأ مشترك يتمثّل في اعتبار الموجود الأجدر باسم الجوهر الموجودَ الأقلّ اتّصالا بالمادّة وبمظاهر التغيّر؛ أي – بلغة أرسطو – الموجود الأكثر فعلا وتماما، والأبعد عن القوّة والإمكان. وفائدة هذا المبدأ أنّه يساعد في ترتيب الموجودات وبيان منزلتها الأنطولوجيّة في الكون. فالجوهر يقع من بين معاني الوجود في المرتبة العليا، وأعلى الجواهر ما يتكوّن منه فلك الإلهي (la sphère du divin)، ومن بين موجوداته يقع الجوهر الإلهي (Substance divine) في المرتبة العليا(5).

غير أنّ أوبنك (P. Aubenque) ذهب في الموضوع مذهبا آخر، فأكّد أنّ الميتافيزيقا لا مكان لها في تصنيف أرسطو الثلاثي للعلوم (الطبيعة والأخلاق والمنطق)، وأنّ الميتافيزيقا وعلـم الموجود بما هـو موجود ليسا علما واحدا؛ فالميتافيزيقا بـمعنـاهـا المتـداول لا تنطبـق إلاّ على ما سمّاه أرسطو بالفلسفة الأولى (proté philosophia) أوالتيولوجيا. وفسّر التسوية بين العلمين المختلفين بخطأ ناتج عن إسقاط الشرّاح القدامى موضوع الميتافيزيقا الأفلاطونيّة -وهو المثُل المفارقة للمادّة- على الميتافيزيقا الأرسطيّة(6). وسهّل وقوعَهم فيه تمتّع العلمين معا بالأوّليّة (Primauté) والكلّيّة (Universalité)(7). وقد جاءت هذه التسوية بين العلمين نتيجة تأويل جزئيّ لكتاب ما بعد الطبيعة استُمِدّ من مقطع وحيد من مقالة الكاف (K) قطع أوبنك بأنّه منحول على أرسطو، وعضد رأيه بشكّ دارسين آخرين في صحّة نسبة المقالة بأسرها إليه.

ولم يكتف أوبنك بالتمييز بين الفلسفة الأولى أوالتيولوجيا وعلم الموجود بما هو موجود، بل أكّد أنّ مكانة التيولوجيا ثانويّة في كتاب ما بعد الطبيعة؛ إذ لم يهتمّ بها أرسطو إلاّ في القسم الثاني من مقالة الألف الكبرى (A)، ورأى في عزوف ناشري كُتُب أرسطو عن اختيار الفلسفة الأولى عنوانا للكتاب اعترافا بغياب الاهتمامات التيولوجيّة عن القسم الأعظم منه. ولكنّهم لما لم يتصوّروا وجود علم فلسفي مغاير للعلوم الفلسفيّة المعروفة، ولم يدركوا أصالة علم الموجود بما هو موجود وخصوصيّته وجدوا أنفسهم أمام علم لا مكان له في التقسيم التقليدي للفلسفة ولا ضِمْن الأطر الأرسطيّة للتفكير، «هذا العلم الذي لم يكن له اسم ولا موضع – ولم يجدوا فيه التيولوجيا التي يعرفون، ولا يريدون مع ذلك أن يعترفوا أنّه شيء آخر غير التيولوجيا – جعلوا منه طيلة قرون الميتافيزيقا»(8).

رغم هذا الاعتراض من أوبنك يمكننا القول: إنّ فلسفة أرسطو كما كتبها صاحبها أو تمثّلها تلاميذه وشرّاحه تُسند إلى التيولوجيا بالفعل مكانة محوريّة، وتعدّ الوجود الإلهي المفارق وصلته بالعالم من مشاغلها الرئيسة، وهو ما يسمح لنا بعدّها تمهيدا لعلم الكلام ولفلسفة الدين بمعنييهما القديم والحديث.

2- الإلهيّات: فلسفة الدين عند الفلاسفة المسلمين

عدّ مؤرّخ الفلسفة الفرنسي جون جوليفيه ابنَ سينا(ت428ه) أوّل من أقحم في الفلسفة التعاليم الإسلاميّة الأساسيّة، جاعلا بذلك فلسفته فلسفة دينيّة(9). وعدّه الشهرستاني(ت548ه) «علاّمة القوم»؛ لأنّه أدقّ فلاسفة الإسلام نظرا وأغوصهم على الحقائق(10). وكانت المحاولة الأولى في هذا الاتّجاه هي رسالة أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي(ت: حوالي252هـ) في الفلسفة الأولى، ثمّ تلتها محاولات الفارابي(ت:339هـ) في إحصاء العلوم وفي كتبه الأخرى. وتوّجتها المقالة الافتتاحيّة من إلهيّات الشفاء لابن سينا.

وبصورة عامّة كان فعل التفلسف العربي محكوما باعتبارين: تمثّل الفلسفة اليونانيّة في ظلّ ظروف ومشاكل تاريخيّة خاصّة، مِن أهمّها امتزاج الأرسطيّة بتيّارات فلسفيّة ودينيّة غريبة عنها بسبب تنقّلها المستمرّ من لغة إلى أخرى ومن ثقافة إلى ثقافة وابتعادها عن أصولها اليونانيّة الحيّة، وتنزيل هذه الفلسفة اليونانيّة في إطار ثقافي جديد هو الثقافة العربيّة الإسلاميّة بمكوّناتها اللغويّة والدينيّة الخاصّة. وهذا يسمح لنا مبدئيّا بعدّ الفلسفة الإسلاميّة – وبصفة خاصّة الفلسفة السينويّة – فلسفة دينيّة بجذور هلّينيّة؛ فقد أطلقت هذه الفلسفة على أهمّ مشغل فيها -وهو علم الموجود بما هو موجود- اسم الإلهيّات(11).

وبصفة عامّة، قسّم ابن سينا العلوم الفلسفيّة إلى علوم عمليّة وعلوم نظريّة، وقسّم النظريّة بحسب علاقة موضوعها بالحركة والتغيّر إلى ثلاثة أقسام: طبيعيّة ورياضيّة وأوّليّة؛ فالطبيعيّة ما لا ينفكّ موضوعها عن الحركة والتغيّر. والرياضيّة ما من شأن موضوعها أن يجرّده الذهن عن التغيّر وإن كان مخالطا للتغيّر. والأوّليّة ما موضوعها مستغن عن مخالطة التغيّر، «والفلسفة الإلهيّة جزء منها، وهي معرفة الربوبيّة»(12). واتّبع هذا التقسيمَ الثلاثيّ في مصنّفاته الفلسفيّة الكبرى وتلاخيصها مثل الشفاء والنجاة والإشارات والتنبيهات.

لم تكن الربوبيّة عند ابن سينا مشغلا عاديّا من مشاغل الإلهيّات، ولم تكن الأشياء الإلهيّة مجرّد جزئيّة من جزئيّاتها؛ وإنّما كانت أساسها وموضوع اهتمامها الأوّل؛ فقد أكّد أنّ معرفة الله هي الغاية القصوى التي ينشدها هذا العلم، وأنّ الربوبيّة هي أشرف جزء فيه، وأنّه من باب تسمية الكلّ بأشرف أجزائه سمّي هذا العلم بالإلهيّات(13).

وهذا ما ذهب إليه ابن رشد أيضا؛ فعد علم ما بعد الطبيعة من أجلّ العلوم النظريّة رتبة؛ لأنّ نسبته إليها «نسبة الغاية والتمام؛ لأنّ بمعرفته تحصل معرفة الموجودات بأقصى أسبابها الذي هو المقصود من المعرفة الإنسانيّة». وأقرّ بأنّ الأوّل الحكيم هو «أشرف ما تفحص عنه الفلسفة»(14). وهذا الاهتمام الواسع بالألوهيّة تبرّره المكانة المركزيّة لله في نظام الكون: «فمنه وجود الكلّ، وإليه رجوع الكلّ، وبه قوام الكلّ»، و«إليه تنتهي الموجودات في سلسلتي الترقّي والتنزّل»(15).

وقد كانت لمفهوم الواجب الوجود أهمية مركزيّة في إلهيّات ابن سينا، اتخذه موضوعا لمعظم مسائلها، وذكره في أغلب عناوين فصولها. وهو مفهوم ذو جذور أرسطيّة(16)، يعني «ما لا يمكنه أن يكون بخلاف ما هو”(what cannot be otherwise)، وينقسم حسب أرسطو إلى نوعين من الواجب: ما كان غيره علّة كونه واجبا، وما لم يكن لكونه واجبا علّة(17). ومن المحتمل أن يكون ابن سينا أخذ هذا المفهوم وفكرة انقسامه إلى قسمين عن أرسطو، لكنّه قدّمهما في سياق فيضي أفلاطوني محدث، فاضطرّ إلى تعديلهما معا(18). وكان هذا الفيلسوف المسلم أوّل من حدّ القسمين حدّا منطقيّا صارما، وشرحهما شرحا ضافيا ووضع لهما عبارتين خاصّتين هما الواجب الوجود بنفسه، والممكن الوجود بنفسه الواجب بغيره(19)، ارتقتا بسرعة إلى رتبة المصطلح الفلسفي المقبول شرقا وغربا، وجعلهما أساسا صالحا لتشييد صرح فكره الفلسفي.

لعلّ أبرز نتيجة ترتّبت على تدارس الفلاسفة العرب للربوبيّة في إطار علم الموجود بما هو موجود – وما صحب ذلك من اعتراف للمبادئ الأولى بمكانة تفوق مكانة سائر موجودات العالم(20) – هي تلوين فكرهم الأنطولوجي بصبغة لاهوتيّة طاغية جعلت منه – شيئا فشيئا – أداة مسخّرة لخدمة التيولوجيا. فازدادوا بذلك قرباً من جوهر الموقف الكلامي(21) رغم حطّهم باستمرار من شأن علم الكلام، وازدادوا بُعْدا عن الموقف الفلسفي بما في ذلك الموقف الذي يمثّله أفلاطون. وأدّى ذلك إلى دمج النظام الفلسفي بالنظام الديني، وإلى التسوية بين عالم المبادئ المعقولة وعالم الآلهة المقدّس(22).

 

3- علم الكلام: فلسفة الدين عند المتكلّمين

فرضت الطبيعة الاستدلاليّة لعلم الكلام أن يكون متكوّنا من جزئين هما مادّة الاستدلال وأداته. وقد سمّى المتكلّمون الجزء الأوّل -أي المسائل التي هي أصل اعتقاد المسلم- «جليل الكلام» أو «جليّه»؛ لتعلّقه بالألوهيّة وتوابعها. وسمّوا الجزء الثاني -أي المسائل التي تنحصر وظيفتها في إثبات ذلك الاعتقاد- «دقيق الكلام» أو «لطيفه»؛ لتعلّقه بأمور دقيقة لا يدركها إلاّ المحقّقون المجوّدون. ويمكن تفسير هذا الاختيار المصطلحي بقدرة هذا الزوج الاصطلاحي على التعبير عن تفاضل المسائل الكلاميّة بحسب درجة تعلّقها بالموجود الأسمى الذي هو الله.

وقد لاحظ ابن خلدون في مقدّمته أنّ الأشاعرة بدؤوا يهتمّون في نطاق علم الكلام بالمسائل النظريّة المتعلّقة بقضايا المعرفة والنظر والاستدلال وتطبيقاتها ويصوغون فيها قولا مرتّبا منذ الباقلاّني، وسمّى هذه المسائل «مقدّمات عقليّة»؛ لأنّها تَرِد في الأبواب الأولى من المصنّفات الكلاميّة، ممهّدة للموضوع الرئيس فيها، وهو الكلام على الله وصفاته وأفعاله، ولأنّها تعتمد على معطى العقل وحده(23).

كانت وظيفة هذه المقدّمات هي التأسيس لما يأتي بعدها؛ أي للمقالات الدينيّة الاعتقاديّة، وهذا واضح من كلام الشريف الجرجاني(ت816): «وذلك لأنّ مسائل هذا العلم إمّا عقائد دينيّة – كإثبات القدم والوحدة للصانع… – وإمّا قضايا تتوقف عليها تلك العقائد؛ كتركّب الأجسام من الجواهر الفردة، وجواز الخلاء وكانتفاء الحال وعدم تمايز المعدومات المحتاج إليها في اعتقاد كون صفاته تعالى متعدّدة موجودة في ذاته»(24). وعلّل سعد الدين التفتزاني(ت791هـ) «تصدير الكلام بالتنبيه على وجود ما يشاهد من الأعيان والأعراض» بالحاجة إلى هذه الموجودات في الاستدلال على وجود الصانع وصفاته وأفعاله(25). وهذا يجعل بنية الكلام الأشعريّ – والكلام السنّي عموما – قائمة على إثبات وجود الله وصفاته وفعله في الكون.

وقد عدّ الأشاعرة أعمّ المقولات الكلاميّة هي مقولة المعلوم، فاتّخذوها مبدأ التفكير والباب الأوسع الذي منه ولجوا إلى مختلف القضايا الفرعيّة، ومنها قضيّة الألوهيّة. في هذا الإطار عدّوا النظر أوّل الواجبات، وعدوا أوّل نظر واجب هو «النظر المؤدّي إلى معرفة الله»(26). والذي نبّههم لوجود الله ليس كون الله موجودا – فذلك أمر يحتاج إلى استدلال؛ لأنّ وجوده غير بدهي ولا ضروري- وإنّما هو كلام الرسل وتعاليم الشرائع. فالمتكلّمون علِموا بوجود الله سمعا قبل وقوفهم على وجوده عقلا، ثمّ أقرّوا بأنّ كلّ محدث يجب أن يكون معلوما قبل أن يوجد -فذلك شرط وجوده وتحقّقه في الواقع- وهذا ما تجسّده مقالة شيئيّة المعدوم عند المعتزلة ومقالة الوجود العِلْمي أو الوجود الأوّلي في اللوح المحفوظ عند أهل السنّة.

إنّ الكلام الأشعري ينظر إلى الموجود من منظور إلهي صِرْف، ويصفه بما يمكن أن يصفه به «علم الله». وفي هذا العلم -أو ما سمّاه الشهرستاني معلومات الله- تنقسم الأشياء إلى موجودات ومعدومات، وإلى مستحيلات وجائزات وواجبات(27). سمحت هذه الوجهة الخاصّة في النظر بمقاربة الموجود من جهة كونه معلوما، وهذا جعل من المقاربة الكلاميّة ضربا من الميتافيزيقا العقديّة المشغولة بإثبات وجود الغيبيّات الدينيّة التي نصّ عليها الوحي واقتضاها الإيمان.

وقد كانت لهذا المنحى الخاصّ في معالجة مشكلة الموجود وظيفة إبستمولوجيّة وأخرى إيديولوجيّة، فمن جهة سوّغت التسوية بين جميع المعلومات – من حيث هي معلومات – للمتكلّمين أن يخلطوا بين المسائل الإلهيّة والمسائل الطبيعيّة، ويعالجوا إحداهما بمبادئ الأخرى. وتجسّد هذا في مبدأ قياس الغائب على الشاهد الذي تحوّل عندهم إلى مبدأ إبستمولوجي عامّ لولاه لاستحال كلّ خطاب كلامي في الغيب.

ومن جهة أخرى ساعد وضع المعلومات فوق الموجودات على إظهار تفوّق الكلام على الفلسفة والسماح للمتكلّمين بمنافسة الفلاسفة في أخصّ مقالاتهم والمزايدة عليها. في هذا الإطار أكّد الجرجاني أنّ المعلوم الذي هو موضوع علم الكلام «أعمّ الأمور وأعلاها»، وأنّه يتناول «أشرف المعلومات التي هي مباحث ذاته تعالى وصفاته وأفعاله»، ومن ثمّ كان الكلام أفضل العلوم وأشرفها. وزعم أنّ أدلّة هذا العلم بلغت الغاية من الوثاقة؛ لأنّها تجمع بين العقل والنقل، وأنّ مبادئه «إمّا بيّنة بنفسها أو بيّنة فيه»، وأنّها مبادئ لغيره من العلوم، ولا يجوز أن تبيّن «في علم أعلى غير شرعي، وإلاّ لاحتاج رئيس العلوم الشرعيّة على الإطلاق إلى علم أعلى غير شرعي». وهذا باطل عنده؛ لأنّ الكلام «هو رئيس العلوم على الإطلاق»(28).

 

4- فلسفة الدين في العصر الحديث:

نشأت فلسفة الدين الحديثة نتيجة إكراهات معرفيّة وسياسيّة واجتماعيّة وانفتاح غير مسبوق على الفكريْن العلمي والفلسفي في القرون الثلاثة الأخيرة. مدار فلسفة الدين على سؤال أساسٍ: ما الدين؟ وهي لا تقترح مقاربة واحدة لهذا السؤال بسبب تعدّد تجلّيات الدين ومستويات حضوره؛ بل تقترح عدّة مقاربات ينتظمها اتّجاهان كبيران: اتّجاه الفكر الجوهراني (essentialiste)، وهو ينطلق من وجود إله أو عدّة آلهة، ويبحث عن الأدلّة المثبتة لوجودها المبيّنة لصفاتها. واتّجاه الفكر الوظائفي (fonctionnaliste)، وينظر إلى الدين من حيث مظاهره ووظائفه ونتائجه العمليّة بقطع النظر عن القيمة المعرفيّة لتقريراته.

ولا تقف فلسفة الدين عند حدود سؤال ما الدين، فهذا السؤال مبدأ ومنطلق وليس نهاية المطاف فيها. تنطلق من ذلك السؤال لتتولّى دراسة المفاهيم التي تؤثّث الاعتقاد الديني وتؤسّس معقوليّته وإمكانه. وهي تستعيد القضايا اللاهوتيّة القديمة، من نوع: هل الله قديم أم محايث؟ هل لأدلّة وجود الله قيمة علميّة وفلسفيّة حقيقيّة؟ كيف نجمع بين مقالة خيريّة الله وشيوع الشرّ في العالم؟ وتتناول هذه القضايا تناولا حديثا باعتبارها قضايا تشغل الإنسان قديما وحديثا.

تضفي فلسفة الدين طابعا إنسانيّا على الفكر الديني؛ فالدين – من حيث هو حقيقة واقعيّة – إنساني وكوني، وهذا يجعل من التفكير في الدين جزءا من التفكير الفلسفي في المنزلة الإنسانيّة. غير أنّ فلسفة الدين تعترف لغير المؤمن بحقّه في ألاّ يؤمن ولا تحاكمه على ذلك.

تستلهم فلسفة الدين أفكارها وإشكاليّاتها ومقارباتها من فلاسفة أوروبّيّين مرموقين مثل كانط (Kant) وشلينغ (Schelling) وهيجل (Hegel)، وشلايرماخر (Schleiermacher)، ومن آباء الكنيسة وقدّيسيها القدماء، مثل أوريجين (Origène) وأغسطين (Augustin) وطوما الإكويني (Thomas d’Aquin).

ويعود الفضل بصفة خاصّة إلى كانط وهيجل اللذين أعطيا دروسا جامعيّة في الدين، وجعلا فلسفة الدين مادّة دراسيّة جامعيّة. وبفضل ما سمّي بعودة المقدّس في العقود الأخيرة تزدهر اليوم فلسفة الدين التحليليّة المنصبّة على تحليل الخطاب الديني، وحيًا كان أو فلسفة وتيولوجيا.

تلحّ فلسفة الدين ذات المنحى الوظائفي على البعد الإيتيقي للاعتقاد والممارسة الدينيّين. وهي تقيّم الدين بحسب ثماره ونتائجه وآثاره المتمثّلة في توصياته وتعاليمه الأخلاقيّة، وليس باعتبار قيمته المعرفيّة.

أمّا فلسفة الدين التحليليّة فتفكّر في مقالات الدين وفي الفكر الذي يعدّ الدين أساسيّا وضروريّا للإنسان. هي تحلّل العقائد والمفاهيم الدينيّة من خلال الخطاب والتقريرات التي تعبّر عنها.

ومن أبرز أعلام فلسفة الدين المعاصرة في شقّها المسيحي: كارل بارت (Karl Barth)(ت1968) وبول تيلّيتش (Paul Tillich)(1965) ورودلف بولتمان (Rudolf Bultmann)(ت1976) وبول ريكور (Paul Ricoeur)(ت2005) ويورغن مولتمان (Jürgen Moltmann).

 

 

 


1) Alquié, La Métaphysique, E.U., t15, p187 ; Heidegger, Interprétation phénoménologique de la «Critique de la raison pure», tr. Emmanuel Martineau, éd. Gallimard, 1982, p33.

2) مصطلح التيولوجيا أقدم من أرسطو، فأوّل من استخدمه أفلاطون، فعل ذلك في مناسبة واحدة موضعها الكتاب الثاني من مصنّفه الجمهوريّة. محمّد محجوب، مدخل إلى تاريخ الفلسفة القديمة، المركز القومي البيداغوجي، جامعة الزيتونة بتونس، ط1، 1997، سلسلة دراسات 8، ص37.

3) Duhem, Le Système du monde, Hermann, Paris, s.d. t1, p137 ; Gilson, L’être et l’essence, Vrin, Paris, 2éd. 1987, pp82-83 ; Alquié, La Métaphysique, E.U., t15, p187 ; Ricoeur, Ontologie, E.U., t16, p902.

4) Heidegger, Interprétation, p35.

5) Ricoeur, Ontologie, p904.

6) نفسه، ص28، 31.

7) Aubenque Pierre, Aristote, E.U., t2, p965. لكنّ الكاتب ناقض نفسه حين أقرّ في كتابه «مشكل الموجود»، ص35-36، بأنّ النصّ الأرسطي واضح في دلالته على جزئيّة موضوع الفلسفة الأولى وكلّيّة علم الموجود بما هو موجود.

8) Aubenque Pierre, Le problème de l’être chez Aristote, PUF, 5 éd. 1983, pp40-43.

9) J. Jolivet, Le déploiement de la pensée philosophique, pp 50-52.

10) الشهرستاني أبو الفتح محمّد عبد الكريم(ت548ه)، الملل والنحل، ت. عبد العزيز الوكيل، دار الفكر، بيروت، د.ت، ص414.

11) ابن سينا الشيخ الرئيس الحسين أبو علي(ت428ه)، الشفاء، الإلهيّات، المقالة الأولى، ت. الأب قنواتي وسعيد زايد، القاهرة، الهيئة العامّة لشؤون المطابع الأميريّة، 1960، ص5، 23.

12) ابن سينا، عيون الحكمة، ت. عبد الرحمن بدوي، دار القلم، بيروت ط2 سنة 1980، ص17.

13) ابن سينا، إلهيّات الشفاء، ص15-16، 23.

14) ابن رشد، تلخيص ما بعد الطبيعة، تح. عثمان أمين، ط مصطفى البابي الحلبي، القاهرة 1958 ص6-7؛ تهافت التهافت، تح. موريس بويج، دار المشرق، بيروت، ط2، 1986ص524.

15) ابن سينا، الرسالة العرشيّة، ضمن رسالة في الفعل والانفعال وأقسامهما، ص10.

16) استعمله أرسطو في سياق بحثه في إمكانيّة قيام علم ينظر في الموجودات الأزليّة والموجودات الكائنة الفاسدة. انظر:

Aubenque, Le problème de l’être, p328.

17) H. Davidson, Avicenna’s proof of the existence of God, pp171-172.

18) Fazlur Rahman, The eternity of the world and the heavenly bodies in post-avicennan philosophy, in Essays on islamic philosophy and science, edited by George F. Hourani, State University of N.Y. Press, Albany, first edition, 1975, pp222-237, pp222-223.

19) حدّ الواجب الوجود بكونه «الذي متى فرض غير موجود عرض منه محال»، وحدّ الممكن الوجود بكونه «الذي متى فرض غير موجود أو موجودا لم يعرض منه محال». الأوّل ضروري والثاني لا ضرورة فيه بوجه سواء فرض موجودا أو معدوما. ابن سينا، النجاة في الحكمة المنطقيّة والطبيعيّة والإلهيّة، دار الآفاق الجديدة، بيروت، د. ت.، ص261. وذهب في الإشارات والتنبيهات، تح. سليمان دنيا، دار المعارف، ط3، القسم الثالث: الإلهيّات، سلسلة ذخائر العرب، عدد 22ص66، إلى أنّ الواجب ثلاثة أنواع: واجب الوجود بذاته، وواجب الوجود بغيره دائما، وواجب الوجود بغيره وقتا ما.

20) يؤكّد ذلك تعريف ابن سينا الحكمة بكونها «أفضل علم بأفضل معلوم» وأفضل معلوم هو «العلم بالأسباب الأولى». إلهيّات الشفاء، ص5، وقول الفارابي في وصف الأوّل: «إنّه بريء من جميع أنحاء النقص كلّها ووجوده أفضل الوجود وأقدم الموجود، ولا يمكن أن يكون وجود أفضل ولا أقدم من وجوده، وهو من فضيلة الوجود في أعلى أنحائه ومن كلّ الوجود في أرفع المراتب». رسالة في الملّة الفاضلة، ضمن بدوي، رسائل فلسفيّة، دار الأندلس، بيروت، د.ت.، ص33-37، ص35.

21) ذهب ابن سينا إلى أنّ البحث عن الإله يكون على وجهين: «أحدهما البحث عنه من جهة وجوده والآخر من جهة صفاته»، إلهيّات الشفاء، ص6. وهذان الوجهان يمثّلان أهمّ مباحث علم الكلام.

22) راجع: E. Gilson, L’être et l’essence, p41.

23) ابن خلدون، المقدّمة، الدار التونسيّة للنشر، تونس، 1989ج2، ص565.

24) الجرجاني علي بن محمّد السيّد الشريف(ت816)، شرح المواقف، لعضد الدين الإيجي (ت756ه)، تح. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ط1، 1997ج1، ص35. انظر أيضا: التهانوي محمّد علي بن علي (ت: 1158هـ)، كشّاف اصطلاحات الفنون، دار صادر، بيروت، د. ت. ج1، ص23.

25) التفتزاني سعد الدين (ت: 791هـ)، شرح العقائد النسفيّة، لنجم الدين أبي حفص عمر بن محمّد(ت537هـ)، ت. أحمد حجازي السقا، مطبعة مورافتلى، مصر، ط1، 1987، ص12.

26) عبد الجبّار أبو الحسن بن أحمد قاضي القضاة(ت415)، الأصول الخمسة، ت. جيمريه، Annales Islamologiques, tXV, le Caire, 1979, pp47-96، ص79.

27) الشهرستاني، الملل والنحل، ص96.

28) الجرجاني، شرح المواقف ج1، ص37، 41-43.

*****************************

*) مراجع عربيّة حديثة في فلسفة الدين:

– إقبال محمّد (ت1357/1938)، تجديد الفكر الديني في الإسلام، الطبعة الأولى (بالإنجليزيّة)، 1930.

– بوهلال محمّد، العقدي والمعرفي في علم الكلام، نشر كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة، ط1، 2008.

– جرادي شفيق، مقاربات منهجيّة في فلسفة الدين، معهد المعارف الحكميّة، بيروت، ط1، 2004.

– الحيدري كمال، فلسفة الدين مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع، جمع الشيخ علي حمود العبادي، مؤسّسة الإمام الجواد للفكر والثقافة، مطبعة دار فراقد للطباعة والنشر، قم، إيران، ط1، 2008.

– الرفاعي عبد الجبّار (إعداد)، علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، دار الهادي، بيروت، ط1، 2002.

– سروش عبد الكريم، القبض والبسط في الشريعة، تع. دلال عبّاس، دار الجديد، بيروت، ط1، 2002.

*) مراجع غربيّة في فلسفة الدين

– Roger Pouivet et Cyrille Michon, Philosophie de la religion – Approches contemporaines, Vrin, 2010.

– Nicholas Wolterstorff, Les origines de la philosophie analytique de la religion, Traduction de Sébastien Réhault.

– Oliver D. Crisp and Michael C. Rea, Analytic Theology: New Essays in the philosophy of Theology, Oxford, 2009.

– Oliver D. Crisp et C. Michon, Philosophie de la religion, approches contemporaines, Vrin, coll. Textes-clés, Paris, 2010 (Textes choisis et préfacés).

error: