المشاعر كدليل – أرلي رسل هوتشيلد / ترجمة: سارة الفالح

المشاعر كدليل – أرلي رسل هوتشيلد / ترجمة: سارة الفالح

الفصل الثاني من كتاب The Managed Heart لأرلي رسل هوتشبيد


ينفصل الرجال عن بعضهم البعض حيث يحاول كل واحد

منهم سرا ان يجعل من الاخر اداة، وفي الوقت نفسه يتم صنع دائرة كاملة،

فيجعل الواحد منهم اداة من نفسه ويبتعد عنها ايضا.

تشارلز. رايت ميلز.

في أحد الايام بمركز تدريب ستيواردز الخاص بدلتا، قامت احدى المدربات بفحص الخمسة والعشرين متدرب ومتدربة الذين تم تهيئتهم لدورة التوعية الذاتية السنوية، التي أنشأتها الشركة الى جانب دورة تنشيطية في اجراءات الطوارئ المطلوبة من قبل إدارة الطيران الفيدرالية. بدأت الدورة بهذه المقدمة “هذه الدورة تتعلق بعمليات التفكير، والافعال و المشاعر . انا أؤمن بها. ويجب علي ان أؤمن بها، وإلا لم يكن باستطاعتي ان اقف امامكم وبكل هذا الحماس”. ما كانت تقصده هو “كوني شخص مخلص، لا أستطيع ان اقول شيء واحد لكم وأؤمن بغيره، خذوا حقيقية اخلاصي وحماسي كشهادة على اهمية تقنيات إدارة العواطف التي سأتحدث عنها”.

         مع ذلك، كما أصبح واضحا، انه تم تحقيق هذا الاخلاص من خلال تقنيات ادارة العواطف. وهكذا من خلال قاعة المرايا هذه، تم تعريف المتدربين والمتدربات بموضوع نادر ما يتم طرحه في دورات التدريب الاولي، ولكنه اساسي في التدريب المتكرر: الاجهاد واحد اسبابه الرئيسية – الغضب على الركاب البغيضين.

         “ماذا يحدث” سألت المدربة المضيفين والمضيفات، بطريقة الوزير المعمد الجنوبي الذي يدعوا الى اجابة من الجماعة،

“عندما تصبح غاضبا؟” الاجابات: يشتد جسمك. تتسارع نبضات قلبك. تتنفس بسرعة أكبر وتحصل على كمية اكسجين اقل. يرتفع معدل الادرينالين في جسمك.

“ماذا تفعل عندما تغضب؟” الاجابات: اللعن. رغبة في ضرب الراكب. الصراخ في دلو. البكاء. الأكل. تدخين سيجارة. التحدث مع نفسي. بما أن جميع الردود ما عدا الردين الاخرين تنطوي وتعتمد على المجازفة في ازعاج الراكب وبالتالي خسارة المبيعات، فقد تم توجيه المناقشة الى طرق يمكن من خلالها فهم الراكب والتعامل معه بشكل صادق ومفيد. الراكب الذي يطالب بانتباه دائم يمكن النظر اليه على انه “ضحية الخوف من الطيران”. الراكب “الثمل” يمكن التعامل معه “تماما مثل الاطفال”. وقد تم شرح فكرة انه من الأفضل للعامل الذي اغضبه أحد الركاب ان يتجنب البحث عن التعاطف من زملائه.

“كيف” سألت المدربة المضيفين والمضيفات “تخفف من غضب شخص غاضب؟” (irate، وهو اسم مولود من تجربة ويطلق على الشخص الغاضب) وكإجابة على سؤالها قالت:

أزعم ان شيء مؤلم قد حدث لهم في حياتهم. في أحد المرات كان لدي شخص غاضب، يشتكي مني ويشتمني وهددني بأنه سيحصل على اسمي وسيرفع تقرير عني الى الشركة. اكتشفت لاحقا ان ابنه قد مات للتو. الان كلما قابلت شخص غاضب أفكر بذلك الرجل. إذا كنت تفكر بالشخص الاخر، ولماذا هو مستاء جدا، ستتجاهل نفسك والاحباط الخاص بك ولن تشعر بالغضب الشديد.

إذا ثار الغضب على الرغم من وجود هذه الاساليب الوقائية، فإن التنفس العميق، والتحدث لنفسك وتذكير نفسك بأنك “لن تذهب الى المنزل وهو معك” تم تقديمها كوسائل لإدارة العواطف. وباستخدامها يصبح العامل أقل عرضه للعن، أو الضرب، أو البكاء، أو الرغبة في التدخين.

         لم تركز المدربة على ما قد يسبب غضب العاملين. وعندما تم الوصول الى هذه النقطة، فتح الكتاب على أدنى مثال (مثل أن يقول الراكب “تعالي الى هنا يا فتاة”). بدلا من ذلك، تم التركيز على رد العاملين وطرق لمنع الردود الغاضبة من خلال “إزالة حساسية الغضب”

بعد حوالي عشر دقائق من وقت المحاضرة، بدأت احدى المضيفات في الصف الخلفي بالنقر على دفترها بسرعة باستخدام اصبعها. ثم قامت بإبعاد عينيها عن المتحدثة، ووضعت كاحلها فوق ركبتها مرتين فجأة. ثم وضعت كوعها على الطاولة والتفت الى اثنين من زملائها في جهة اليسار وهمست بصوت عالي “انا فقط غاضبة”.

         دورات التدريب المتكررة مطلوبة سنويا. وحقيقية ان عدد قليل من العاملين قد تهربوا من حضورها بدون عقوبة لم تظهر إلا في المحادثات الغير الرسمية في العشر دقائق الاخيرة قبل الدورة. يطلب من المضيفين والمضيفات حضور مثل هذه الدورات من أي مدينة كانوا بنفس وقت الدورة. توفر الشركة تذاكر السفر للتدريب، ولكن من المعروف ان مصدر الاستياء بعد التدريب يكون بسبب صدمة العاملين من الرحلات الداخلية والتي تكون لصالح كسب الركاب. “في المرة الماضية” قالت المرأة الغاضبة “استغرق الامر مني يومين للعودة للمنزل من التدريب”.

         قالت المدربة مخاطبة بهمس المجموعة وعلى ما يبدو لا أحد على وجه الخصوص:

يستاء كثير من مضيفين ومضيفات الطيران الان من القدوم الى التدريب. يزعجهم القدوم الى التدريب ويزعجهم العودة منه كذلك. وبعض الاشخاص يغضبون مني بسبب ذلك. ولأنه ليس خطأي ولأنني اضع بعض الاعمال في دوراتي، فإنني اشعر بالغضب. ولكن بعد ذلك اشعر بالتعب من الغضب. هل سئمت يوما من الغضب؟ حسنا، في أحد المرات كان لدي مضيفة تجلس في الخلف وكانت تقهقه طوال وقت الدورة. لكن هل تعلمون ماذا فعلت؟ فكرت في نفسي “لديها شفاه كامله، وكنت دائما اظن ان الاشخاص الذين لديهم شفاه كاملة مثيرين للشفقه” وعندما فكرت بهذا الشكل لم أكن غاضبة.

         من خلال تركيز المتدربين والمتدربات بالأمور التي تسهل استخدام تصاريح الشركة. مثل الخطة الشاملة للتدريب المتكرر. كانت خارجه عن يد المدربة. وعندما وضعت نفسها في دور المضيفة ومستمعيها بدور الراكب الغاضب، كانت تأمل في ايصال محاولتها في ازالة الغضب. في الواقع، هي قللت من نسبة الغضب في الصف. مثل الفتاة التي تقهقه في الخلف والتي كانت تصدر اصوات باستخدام اصبعها قد توقفوا عن فعل ذلك.

الحق في الغضب ذبل فوق النبات المتسلق. كان هناك ظهور للساقين والاذرع، وإزهار التعليقات، استرخى المتدربين والمتدربات عندما تصاعدت النكت. وارتفع حماس المدربة على طول الطريق الذي تهيأت له.

قابلية الشعور للاستراتيجيات الوقائية

النظر في كيفية تدخل شركة او اي منظمة اخرى في حالة العمل بين الحافز والاستجابة، كان من الافضل لنا ان نبدأ بإعادة التفكير في العاطفة والشعور. ينظر الكثير من الباحثين للعواطف كحدث عاطفي مسدود، وهو امر يمكن ان تجلبه محفزات خارجية، مثل ما ان الطقس البارد يجلب نزلة البرد. علاوة على ذلك، ما إن تبدأ المشاعر – التي يطلق عليها العالم النفسي بول ايكمان “متلازمة الاستجابة البيولوجية” – بالعمل، فإن الفرد يمر بها بشكل سلبي. تشارلز داروين، ووليام جيمس، وأوائل فرويد، يتشاركون الى حد كبير هذا المفهوم “العضوي”[*]. لكنها تبدو لي كوجهة نظر محدودة. إذا كنا نتصور ان العاطفة هكذا فقط، فماذا سنفعل بكل الطرق المختلفة التي تدرس للمضيفات في الدورات التدريبية المتكررة لتحفيز وادارة المشاعر والاهتمام بها، والطرق التي يمكن ان تغير الشعور في الواقع؟

         إذا كنا نتصور ان الشعور ليس تنازل دوري في علم الاحياء ولكن كشيء نقوم به من خلال الاهتمام بالإحساس الداخلي بطريقة معينة، فيصبح عاديا كما لو ان الشعور مادة بلاستيكية وعرضه لإعادة تشكيل تقنياته. يمكن النظر الى الفعل نفسه لإدارة العواطف كجزء من ماهية العاطفة. لكن هذه الفكرة تضيع إذا افترضنا، كما يفعل الباحثين في الكائنات العضوية، ان الطريقة التي نستخدمها لإدارة مشاعرنا والتعبير عنها تكون خارجة عن العواطف. يريد الباحثون في الكائنات العضوية ان يشرحوا كيف يتم “مراقبة الغريزة العاطفية” وبالتالي تجاوزوا مسألة كيف نصل الى تقييم العاطفة وتسجيلها وإدارتها. (انظر ملحق أ و ب).

يفترض الباحثون “التفاعليون”، وانا كذلك، ان الثقافة يمكن ان تؤثر على العاطفة بطرق معينة تؤثر على ما نشير عليه عندما نتحدث عنها. وبالاعتماد على التقاليد العضوية والتفاعلية الموضحة في الملحق “أ”، اعتقد ان العاطفة أكثر قابلية للتأثير الثقافي مما ظن الباحثين في الكائنات العضوية، لكن بقدر واهمية أكبر مما ظن الباحثون التفاعليون. في العرض الموضح في نهاية الملحق “أ”، العاطفة هي توجه جسدي لفعل وهمي (هنا استنتج من داروين). لذلك، فإن لديها دور بارز: انها تحذرنا من المكان الذي نقف فيه تجاه الاحداث الداخلية والخارجية (اعتمد هنا على فرويد). اخيرا إن ما لا يبرز ولا يشكل “اشارة” يفترض وجود طرق معينة ملتزمة ثقافيا لرؤية ورصد التوقعات حول العالم – فكرة تم تطويرها في ملحق “ب” فيما يتعلق بتسمية العواطف – سيكون من الممكن ربط افكار هذا الكتاب بأفكار اخرى مختلفة تماما عن العاطفة، لكن وجهة نظري حول العاطفة تطورت جزئيا خلال بحثي لهذا الكتاب، وبالنسبة لي فإنها تقدم افضل وصف لكيفية دخول المؤسسات العميقة في حياة الفرد العاطفية، بينما تكرم ما يسمى ب حق العمال في “الخصوصية”.

المشاعر كدليل

الشعور هي الذي يظهر كفعل تلقائي على نحو حسن او سيء كدليل. تعمل على تصفية الادلة حول مدى ملاءمة الذات لما نراه، أو نتذكره، أو نتخيله. وتختلف دقة الدرجة التي نشعر بها بالجروح أو بالإهانة أو الثناء أو التعزيز. وصفت إحدى مضيفات الطيران حدود “الغضب” الخاصة بها على النحو التالي:

الان إذا نادني رجل مثل “أوه، يا نادلة”، لا أحب ذلك انا لست نادلة، انا مضيفة طيران. لكنني اعلم انه بعض الاحيان لا يعرفون كيف ينادونني، لذا لا امانع. لكن إذا استدعوني مثل “عزيزي” او “حبيبتي” او “ايتها السيدة الصغيرة” بنبرة صوت معينة، فإنني اشعر بالذل، فهم لا يعلمون انه في حالة الطوارئ، انه يمكنني انقاذ حياتهم “الشوفينية” الصغيرة. لكن عندما يطلق علي مسمى “عاهرة” او “امرأة وقحة” اشعر بالغضب. وعندما يضع “شخص ثمل” يديه بين ساقي، يا اللهي!

فضلت الشركة، كما رأته هي، خطاً مختلفا للغضب بالنسبة لها:

اما الان فالشركة تريد ان تقول، انظر، هذا شيء سيء للغاية، وليس لطيفا، لكن كل ذلك موجود في خط عمل الاتصال العام. القت امرأة كوب قهوة على ملابسي، هل تعتقدين ان الشركة ستقف الى جانبي؟ وتدعمني؟ هل سيقومون بكتابة رسالة؟ او رفع دعوى؟ ها! اي احتمال لدعاية سلبية سيقولون، لا. يقولون لا تغضبي؛ انها مهمة صعبة، وجزء من العمل هو اتخاذ هذا الاعتداء بطولة بال. حسنا، انا اسفه. انها اساءة ولا يجب علي التغاضي عنها.

لاحظت هذه المضيفة الاختلاف بالاهتمام بين الادارة (الحصول على مسافرين أكثر سعادة) والعمال (الحصول على الحقوق المدنية وظروف عمل أفضل) وهو ما يؤدي كلا منهما الى اعطاء اجابات مختلفة على السؤال بخصوص ما مدى مقدار الغضب الذي يبرر مقدار “الاهانة”؟ بقدر ما يمكن للغضب ان يكون مقدمة للفعل، فإن موقف الشركة من الغضب هو مسألة عملية. ربما لهذا السبب، فإن هذا الصدام في الاهتمام كان مبهما بشكل جدي في دورات التدريب المتكررة عن الوعي الذاتي. غرس النصائح حول كيفية الحد من التوتر وجعل العمل أكثر متعة في المحاضرة، كانت وجهة نظر الشركة حول ما يستحق ان تغضب عليه – وهو ليس بالشيء الكثير. عرضت مجموعة واسعة من التقنيات لتفادي الغضب وكغطاء واقي، لكن اجابة سؤال من الاكثر حاجة للحماية من الغضب – العامل ام الشركة – بقيت غامضة.

         يرتبط الامر بكل من المدرب والطالب على أساس ان العاطفة، مثل الرؤية والسمع، هي طريقة لمعرفة العالم. طريقة لاختبار الواقع. كما اشار فرويد في كتابه النواهي والاعراض والقلق (١٩٢٦)، القلق لديه وظيفة الاشارة. فهو ينذر بالخطر من الداخل، كما هو الحال عندما نخاف من الغضب الزائد، او من الخارج كما هو الحال عندما يهدد اهانتنا واذلالنا بشكل أكبر من قدرتنا على التحمل والتجاوز[†].

في الواقع، كل عاطفة لديها وظيفة اشارة. وليس كل العواطف اشارات للخطر. لكن كل عاطفة تشير الى “انا” التي تراها “انت”. فهي تشير الى المشهد اللاوعي الذي غالبا ما نطبقه عندما نحاول ان نفهم. تشير المشاعر الى المنظور الداخلي. وبالتالي، لاقتراح اساليب مفيدة لتغيير الشعور (لخدمة تجنب اجهاد العامل وجعل حياة الراكب مثالية) يجب التدخل في وظيفة الاشارة الخاصة بالشعور.

         هذه النقطة البسيطة غامضة عندما نطبق اعتقاد ان المشاعر خطيرة في المقام الاول لأنها تشوه الادراك وتقود الناس الى التصرف بطريقة غير عقلانية – مما يعني ان جميع الطرق التي تدعوا الى تقليل الانفعال تكون جيدة تلقائيا. بالطبع، قد يخطئ الشخص الذي تسيطر عليه مشاعر الخوف، وقد يجد صعوبة بالتعبير، وقد لا يستطيع (كما نقول) ان يفكر. لكن الذي بدون عاطفة يكون بلا نظام تحذيري، لا توجد لديه مبادئ توجيهيه للعلاقة الذاتية بمصيره، او ذاكرته، او خياله. مثل الشخص الذي لا يشعر بالنار ولا يستطيع لمسها، فإن الشخص العاطفي يشعر بالعبثية، والتي من وجهة نظره ان المصلحة الذاتية غير منطقية. في الحقيقة، من المحتمل ان تكون المشاعر سبيل “للرأي المعقول” [‡]. علاوة على ذلك، يمكن للمشاعر ان تخبرنا عن وسيلة للفهم ايضا [§].

         تحدد العاطفة موقع المشاهد. وتكشف عن المنظور اللاوعي في كثير من الاحيان، كمقارنة. “لا تبدو طويل القامة” قد تعني “تبدو طويلا، من حيث المكان الذي أقف فيه انا على الارض”. “اشعر بالرعب” قد تعني “بالمقارنة مع ما اقوم به او اعتقد انه يمكنني القيام به، فهو رائع”.

مشاعر الرعب والحب والغضب والحسد تخبرنا عن الذات في مواجهة اي موقف. عندما نفكر في الشعور، فإننا نفكر في هذا المعنى “من حيث اكون”١.

         تعني كلمة “موضوعي”، وفقا لقاموس راندوم هاوس، “خالي من المشاعر الشخصية”. لكن من المثير للسخرية، اننا بحاجة للشعور لكي نفكر بالعالم الخارجي او “الموضوعي”. اخذ المشاعر بالاعتبار كدليل ومن ثم تصحيحها قد يكون أفضل ما تقدمه في الموضوعية. مثل السمع والمشاهدة، توفر المشاعر مجموعة مفيدة من الادلة لاكتشاف ما هو حقيقي. اظهار المشاعر من قبل شخص اخر سيكون مثير للاهتمام بالنسبة لنا، تحديدا، لأنه يعكس منظور مدفون قد يقدم دليلا على كيف يمكن لهذا الشخص ان يتصرف.

         في الحياة العامة غالبا ما تظهر التعبيرات عن الشعور في الاخبار. على سبيل المثال: لاحظ مذيع الاخبار الرياضية في التلفزيون ما يلي: “لم تعد لعبة التنس رياضة تجارية تحاول البقاء على قيد الحياة. نحن ابعد من ذلك الان. فرق التنس النسائية، ايضا. النساء حقا لاعبات جادات، يصبحن غاضبات في كل مره تضرب الكرة الشباك. يغضبن أكثر من الرجال”٢. قال ذلك لأنه رأى لاعبة تنس اخفقت في رمي “كرة الشباك”، فاحمر وجهها وضربت بقدمها الارض، وضربت الشباك بمضربها. واستنتج من ذلك ان المرأة “تريد حقا ان تفوز”، وتسعى للفوز، فهي لاعبة “جادة” – محترفة. وكونها محترفة، من المتوقع ان ترى مباراة التنس كشيء يعتمد عليه مستقبلها المادي وسمعتها المهنية. بالإضافة الى ذلك، من الطريقة التي كسرت فيها هذا المجال العادي من الهدوء، تعرض لنا موجز للغضب، استنتج المعلق انها كانت تقصد ذلك فعلا – لقد كانت “جادة”. كما انه استنتج ما الذي كانت تريده وتتوقعه قبل كرة الشباك وما حقيقة الواقع الجديدة – الناقصة – وشعورها. حاول انا يختار اي جزء منها ذهب لرؤية الكرة. الجنون هو ان ملكة جمال تريد حقا ان تفوز.

         من كلمات المعلق ونبرة صوته، يمكن لمشاهدي التلفزيون ان يستنتجوا وجهة نظره. قام بتقييم غضب المرأة فيما يتعلق بتوقع سابق حول رؤية كيفية تصرف الاعبين المحترفين بشكل عام، وشعورهم، وعملهم، وحول كيفية تصرف النساء بشكل عام.

لاعبات التنس المحترفات، كما يقول، لا يضحكن بشكل تبريري على رمية فائته، كما يفعلن اللاعبات الغير محترفات. فهن يشعرن، يقول، بالطريقة التي يجب على اللاعبة المحترفة ان تشعر بها. في الواقع، كما أكد القادمون الجدد بشكل مبالغ فيه. “انهن يصبحن غاضبات أكثر من الرجال”. بالتالي، يمكن للمشاهدين اكتشاف عقلية المعلق الرياضي ومكانة النساء فيه.

         وبنفس الطريقة التي نستنتج فيها اراء الاخرين من كيفية اظاهرهم لمشاعرهم، فإننا نقرر بما نعتبره يشبهنا من خلال التفكير في مشاعرنا تجاه الاحداث العادية. خذ على سبيل المثال، هذا التصريح من شاب عمره تسعة عشر سنة:

وافقت على الذهاب الى حفلة مع شابة كانت صديقة قديمة. مع اقتراب الوقت، أصبح من الواضح لي انه على الرغم من انها تعجبني، الا انني لم أكن ارغب في اثبات هويتي “الاجتماعية” معها والذي سيدعمه هذا الفعل (الذهاب او مشاركتها الحفلة) … حاولت ان اشرح لها ذلك ولكن لم انجح، وفي البداية قررت ان افعل الشي المقبول اجتماعيا. لكن في اليوم السابق للحفلة، عرفت ببساطة انني لا أستطيع القيام بذلك، لذلك تراجعت. لم تتفهم صديقتي هذا الامر ووضعت في موقف محرج للغاية … لا أشعر بالخجل بغض النظر عن مدى صعوبة المحاولة. لم اشعر بشيء غير الراحة، هذه لا تزال ردة فعلي الاساسية … تصرفت بشكل اناني، لكن بشكل واعي تماما. اتصور ان صداقتي لم تكن تعني الكثير.

توصل الشاب الى استنتاجه من خلال تعليل غيابه بعيدا عن الشعور بالذنب او العار، الى الشعور بالارتياح. (ربما يكون توصل ايضا الى نتيجة: “لقد اثبت لنفسي انها من النوع الصريح مع ذاته في حالات عدم الالتزام بعهد او واجب. أستطيع ان اقاوم الشعور بالذنب. يكفي انني حاولت ان اشعر بالعار”).

         بالنسبة للمعلق الرياضي وهذا الشاب، تم اعتبار الشعور كإشارة. بالنسبة للمشاهد والممثل على حد سواء، كان ذلك بمثابة دليل على حقيقية كامنة وهي الحقيقة التي لابد من كشفها أو استخلاصها، فهي حقيقية الذات في مواجهة المواقف. اخذ المعلق الرياضي غضب لاعبة التنس كدليل على مدى جديتها في اللعب.

اخذ الشاب الذي تراجع عن الذهاب مع صديقته شعوره بالراحة وغياب شعوره بالذنب كدليل على انعدام الجدية في “صداقاته القديمة”.

         يمكن استخدام الشعور لإعطاء دليل على الحقيقية العملية، ولكن في الحياة الخاصة والعمل كذلك، يمكن ان تحدث بعض المضاعفات، الاول يكمن بين فكرة الشعور وتفسيره. نحن قادرون على تمويه ما نشعر به اي نتظاهر بأننا نشعر بشيء غير صحيح – على المستوى والفعل السطحي. صندوق الادلة مخفي، لكن لا يتم تغييره. اما الثاني فيظهر في العلاقة الاساسية بين التحفيز والاستجابة، بين كرة الشبك والشعور بالإحباط، بين ترك شخص حزين والشعور بالذنب، بين ان يتم مناداتك بأسماء معينة من قبل شخص “غاضب”، وتغضب انت في المقابل. هنا يكمن حل الالغاز من خلال التمثيل العميق، والتي من وجهة نظر واحدة تنطوي على خداع النفس بالقدر الذي يتم فيه خداع الاخرين. في التمثيل السطحي نخدع الاخرين حول ما نشعر به حقا، لكننا لا نخدع أنفسنا. يقوم الدبلوماسيين والممثلين بهذا الفعل بشكل أفضل، اما الاطفال فبشكل اسوء (انه جزء من براءتهم).

         في التمثيل العميق، نجعل التظاهر سهلا بافتراض انه ضروري. في دلتا، يتم دمج تقنيات التمثيل العميق مع مبادئ الهندسة الاجتماعية. هل يمكن لمضيفة طيران ان تكتم شعورها بالغضب عندما يهنها اي راكب؟ دلتا للخطوط الجوية سوف تعلمها كيف – إذا كانت مؤهلة لهذا المنصب فقط لان لديها القدرة على التصرف بشكل ودي ظاهريا. فربما ستفقد مع الزمن ما تشعر به لو انها توقفت عن محاولة الشعور بشيء اخر. من خلال الاستحواذ على مقابض انتاج المشاعر ، من خلال التظاهر بعمق، فهي تبدل نفسها.

         لطالما كان التصرف العميق يتفوق على التظاهر البسيط في قدرته على الاقناع، كما يعلم اي مدرب جيد للتدريب المتكرر. الوظائف التي تتطلب التعامل مع الجمهور يكون مسؤولين التوظيف فيها واعين بان يتم اختيار عاملين مخلصين، وان يتجاوزوا الابتسامة التي “رسمت للتو”. يشرح جريج سنازيل، مخرج جميع الاعلانات التجارية لشركة تويوتا عام ١٩٨٠، لطلابه في الصف الاول “ان يكونوا صادقين دائما”٣.

وراء الشاشة الاكثر فعالية هناك الشعور الذي يناسبها، وبالإمكان ادارة هذا الشعور.

         كعمال، كلما زاد تأثير الهندسة الاجتماعية على سلوكنا ومشاعرنا بشكل أكثر جدية، ازدادت الحاجة الى معالجة غموض جديد حول من الذي يقوم بالتوجيه (هل أنا ام الشركة التي تتحدث؟). كعملاء، كلما زاد وعينا بالهندسة الاجتماعية بذلنا جهد أكبر للتمييز بين ايماءات الشعور الشخصي والايماءات الخاصة بسياسة الشركة. لدينا معرفة عملية بالاستيلاء التجاري على وظيفة الاشارة الخاصة بالشعور. بطريقة روتينية، نعوضها، في أي من الطرفين، كعامل او عميل، في محاولة لتصحيح الهندسة الاجتماعية للشعور[**]. نحن ذهنيا نقوم بطرح الشعور مع القصد التجاري من النمط الكلي للعرض الذي نشعر به بصدق. عند تفسير اي ابتسامة، نحاول ان نضع ما تقتضيه الهندسة الاجتماعية، بحيث لا نكتفي بما يبدو لنا. نقول، “انها وظيفتها ان تبدو لطيفة”، او “عليهم ان يؤمنوا بمنتجهم على هذا النحو حتى يقوموا ببيعه”.

         في النهاية، يبدو أننا نصمم فكرة عن “الذات الحقيقية”، والجوهرة الداخلية التي تبقى من ضمن ممتلكاتنا الفريدة بغض النظر لمن لوحة الاعلانات التي خلفنا ومن المستفيد من الابتسامة التي ترتسم على وجهنا. نحن ندفع هذه “الذات الحقيقية” الى الداخل أكثر، ويكون صعب الوصول إليها. نخرج المصداقية من اجزاء آلاتنا العاطفية التي في أيدي تجارية، الى ان ننتقل الى ما تبقى لمعرفة من نحن “حقا”. وحول سطح شخصياتنا البشرية، حين كنا عراة في وقت من الاوقات، نرتدي قناع لحمايتنا من العناصر التجارية.

المصدر


[*] للحصول على ملخص وجهات النظر على الباحثين الذين تم ذكرهم في هذا الفصل، انظر الملحق أ

[†] دراسة واحدة! في الوقاية من الاغتصاب وجدت ان الضحايا يختلفون عن غير الضحايا عند حالات الخطر في “الثقة بشعورهم”، هذا هو، الضحايا يميلون الى تجاهل شعورهم بالخوف، في حين ان غير الضحايا يميلون الى الالتفاف حول مشاعرهم بدور مبتذل. (مؤسسة كوينز بينش ١٩٧٦).

[‡] قد نسيء تفسير حدث ما، ونشعر به وفقا لهذا التفسير، ثم نستخلص استنتاجات خاطئة مما شعرنا به. (نطلق على هذا احيانا اضطراب الاعصاب). يمكننا التعامل مع هذا الموضوع من خلال تطبيق إطار ثانوي يصحح عادات المشاعر والاستدلال، كما هو الحال عندما نقول “لدي ميول الى تفسير ايماءات معينة على انها رفض” لكن الشعور هو الدليل الاساسي على ان وجهة نظر معينة، رغم انها لا تزال تحتاج تعديل متكرر، لا تزال حية وجيدة.

[§] قد يرى الشخص الاسود حرمان “الغيتو” بشكل أكثر دقة، وأكثر “عقلانية” من خلال السخط والغضب أكثر من الطاعة “الواقعية”. سيركز بوضوح على نادي الشرطي الملطخ، كاديلاك المالك، ومظهر الاستنكار على وجه عامل التوظيف الابيض. بعيدا عن الغضب، تصبح هذه الصور مثل الصخور الى جانب الجبل، اجزاء صغيرة من مناظر طبيعية. كذلك، الشخص المصاب باكتئاب مزمن عندما يقع في الحب قد يرى العالم فجأه وكأنه أكثر سعادة.

[**] ليس فقط في عالم التجارة نفترض النفاق تلقائيا. يصرح المراسلون السياسيون بشكل منتظم ليس فقط بما يريد ان يشعر به صاحب المكتب او المرشح، ولكن كيف ينجح او تنجح في الجهود المبذولة لنقل هذا الشعور. من المفترض ان يطلب القراء على الاقل كشف عام.

error: