ضرر الضحايا: ماذا يأمل الضحايا من القانون؟ – لارا روسيتي خيمينز دو بارغا / ترجمة: وفاء صالح

ضرر الضحايا: ماذا يأمل الضحايا من القانون؟ – لارا روسيتي خيمينز دو بارغا / ترجمة: وفاء صالح


 “الحقوق” و”الضرر” مصطلحان قلّ ارتباطهما ببعضهما. فالحقوق يُنظر إليها كمجموعة من القوانين الجامدة والزجرية التي لا تراعي معاناة المجتمع. لكنّ هذا لا يعني أن السلطات العامة التي تسنّ القوانين لا تكترث للأضرار التي تحصل للأفراد، زد على ذلك فرضها للألم كعقوبة بالرغم من أنها تنتهك القوانين. وحتى لو كانت العقوبة الجسدية محظورة، فإن عقوبة الحبس هي مصدر لمعانة أكثر تعقيدًا ولا يستهان بها، ـ حتى لو كانت تحترم الضمانات الدستورية -.  يبدو أن القانون لا يهدف إلى تعويض المضرورين عن معاناتهم بقدر كونه عائقًا أمامهم.

لطالما أكد القضاة على أن جبر الضرر بالمال منافٍ للأخلاق، وأنكروا على ضحايا الجرائم أن القانون سيعوضهم [بالمال]. كما أن هذه النظريات ـ الهدامةـ تعتبر أنّ التعويض يؤدي إلى إثراء غير مشروع للمضرورين. صُممت المسؤولية المدنية كوسيلة عقاب جديد للمذنب وليست وسيلة للتعويض. كما أن الفقه والقضاء الفرنسي والإسباني يدعمان وبشدة هذه النظريات مؤكدين أن ” كلّ تقدير الضرر بالمال سيكون تعسفيًا” ويحرم المضرورين من الحصول على تعويض. هذا الرأي مقبول تماماً من منظور قانوني؛ لأن القانون يجب أن يحمي “الأمن القانوني”، وبالتالي فهو يحذر من القرارات القضائية التعسفية، ويمنع الاثراء بلا سبب. لكن وجود هذين الخطرين مدعاة للشك.

وللتعويض عن الضرر، يجب على المضرور أولاً أن يثبت وجود الضرر الذي ألحِق به مع ذكر المتسبب بذلك. قد يعتقد البعض أن هذا القرار تعسفي لكنه قرار قضائي مرتكز على وقائع مثبتة. ثانيًا يجب أن يعوض المضرور عن الضرر بمبلغ من المال من خلال إجراءات محددة ومنصوص عليها بحسب المسألة كالفحص الطبي. يجب أن تكتب التقارير بوضوح لكيلا يسفر عن الفقه والقضاء تناقض أو تعسف، ولا يكون هناك مكان للظلم. أليس من المنطقي القول إن تعويض الضرر بالمال سيكون أقل ظلمًا من الغياب الكلي للتعويض؟

عاجلًا أم آجلاً، سوف يتوجب على القضاة الإجابة عن هذه السؤال، عندما يواجهون قضية نقل دم ملوث بالسيدا، ففي هذه القضية لا يمكن منع التعويض للمضرور، (هذا حرمان من العدالة). لهذا فإن أحكام القضاء تطورت بشكل إيجابي وقبلت بإمكانية تحديد تعويض للمضرورين من الأخطاء التي ارتكبت بوحشية أو بتهاون. حصل هذا التغيير في القوانين بلمح البصر من غير تحليل شامل للأسباب التي دفعت القضاة لتغيير موقفهم. لكن هل المجتمع لا يحتاج إلى تبرير بشأن هذا التغير؟  إن القانون يتطور استجابة لمطلب الشعب، وفي دعوى التعويض المجتمع هو من يحد من التساهل ويضع القوانين في مكانها الصحيح. يجب ألا نغفل عن أمر وهو أن المواطنين هم الذين اختاروا السلطة التشريعية، ونتيجة لذلك فإن القرارات التشريعية لديها مكون سياسي جبار، بمعنى أنه يستحيل فهم القانون من غير تحليل دور الضرر في النموذج الثقافي الذي تندرج فيه.

في الواقع، لا يمكن أن نتصور الضرر بطريقة متماثلة بين الثقافات المختلفة. فنحن لا يمكننا أن نقر بوجود الضرر إلا عندما يتجلى، فالضرر يكون مخفي في النفس. يحدد النموذج الثقافي أيضًا مكانة الحظ والقدر مقارنة بالسعي وراء المطالبات. ففي الدول النامية، يصاحب الرغبة بالأمان الاقتصادي الحاجة إلى الاستقرار وميزانية عالية قدر المستطاع. نتيجة لذلك تحول الإيمان بالقدر والحظ السيء إلى اللوم والمسائلة. فلا عجب أن نرى اليوم رجل يتعثر في الطريق يطالب بتعويض من الحكومة بسبب حال الرصيف السيء.

فتحول التعثر البسيط من محض صدفة إلى سوء إدارة من الحكومة والتي تعتبر “مسؤولة”. لكن القانون مضى قدماً في هذا الموضوع، فنحن نجد في كل مرة الكثير من قضايا “المسؤولية دون خطأ” التي تفرض تعويض من غير اثبات لوجود الإساءة والإهمال.

صحيح أنه عندما اقرت المحاكم ولأول مرة بالحق في الحصول على تعويض مادي عن المعاناة، فإن المجتمع لم يصل إلى درجة رفض الفرصة، لكن لوحظ أن القرارات القضائية التي تدعم النظريات الايجابية لم تواجه معارضة شديدة من الرأي العام. ففي عام ١٩٦١م أقر مجلس الدولة الفرنسي بإمكانية تعويض كل جوانب الألم الجسدي والنفسي بعد قضية (lelisserand)، وكان هذا القرار الايجابي مقبولاً عموماً. وبعد عدة سنوات، تبع الفقه والقضاء الإسباني خطى المحاكم الفرنسية، وطبقوا هذا القرار. فلم يعد التعويض المادي منافيًا للقانون الذي حول محاجة المضرورين إلى ما اسماه بعض المسؤولين ب”المتاجرة بالمشاعر”. على كل حال، لا يرجى من القانون إدراك لمعاناة البشر، لكن كل ما يمكنه فعله هو وضع سلسلة من الآليات التي تمكن المضرور من الحصول على تعويض مالي عن الضرر الذي لحق به. والسؤال هنا، ماهي هذه الآليات؟

٢

 تنصّ كل قاعدة قانونية على عقوبة تطبق في حالة انتهاك قاعدة ذات صلة. الغرض من هذه العقوبة حماية الأفراد الذين تتولى الدولة حمايتهم، كالحياة في حالة القتل، أو السلامة الجسدية في حالة الضرب، لكنها لا تعتبره في أي حال من الأحوال كوسيلة لتعويض المضرور. فالعقوبة وظيفتها الردع وليس التعويض. تجنبت قوانين العديد من الدول نظريات كانط. هذا الفيلسوف الألماني يعتبر أن العقوبة ليست مرتكزة على دوافع لمنفعة المجتمع لأنها ستحوّل الفرد لأداة لصالح المجتمع. كان القانون الجنائي بالنسبة لكانط هو ترجمة قانونية لأمر مطلق، فهذا القانون تأكيد للعدالة. وعكس هذا المنطق، هو القانون الذي يصمم العقوبة كأداة للوقاية من الجرائم وذلك لتنظيم المجتمع، فهو يرفض تصور العقوبة كوسيلة لإرضاء المضرور. بالرغم من أننا نستطيع تفهّم المضرور من منظور إنساني؛ فهو يريد رؤية المعتدي يزج به في السجن، إلا أن المسؤولية الجنائية ليست وسيلة للتعويض عن الضرر على عكس المسؤولية المدنية. لكن هل نعتقد حقًا أن مبلغًا من المال سوف يعوض الضرر الذي لحق بالمضرورين وبعائلاتهم؟

إن القول بأن المال يعوّض الضرر حقًا هو بمثابة وضع تثمين للألم والمعاناة. ولا ننكر أن العلاقة بين “الألم” و “المال” صادمة؛ لأن هناك آلامًا داخلية يصعب تعويضها بالمال. ومن المفارقة، أن الرغبة بالتعويض عن الضرر تتطلب بالضرورة وجود تكافؤ بين الضرر ومبلغ التعويض. فعل سنستطيع إيجاد عناصر مكافأة على الميزان؟ هل فقدان المرء ليده يثمّن ب١٥٠٠٠€ ؟ هل أصبحنا نقول ” سوف أدفع مبلغ ١٥٠٠٠ لأنني لم أتأثر بهذا الفقد”؟ أو على العكس، “أريد هذه ليد مقابل ١٥٠٠٠”؟  يجب رفض هذا السيناريو الأخير لأن الأحكام لا تتضمن المتاجرة بالألم أو بأعضاء البشر. لا نريد أن يتحول المجتمع إلى سوق نتاجر فيه بالأضرار مقابل المال. بل الهدف من التعويض هو تخفيف الضرر، فالمضرور يتلقى المال من المتسبب بالضرر لكي يستطيع تعويض الخسائر التي تسببت بها الإصابة. دوفع عن هذا الفكر في المحاكم الهولندية في القرن السادس عشر: فالتعويض يكون لتكاليف العلاج وأجر الطبيب. ويقدم لنا القانون العرفي الفرنسي في القرن الرابع والخامس عشر مثال آخر: فالتعويضات المادية تكون لعائلة المتوفي. لقد حاول القانون إعادة التوازن الاقتصادي لدحض الظلم. لكن ينبغي الانتظار عدة قرون لكي يدرج التعويض عن “الضرر المعنوي” من ضمن التعويض المال.

أي ضرر يعالجه القانون في عصرنا؟ أخذ الضرر بالحسبان وفق تمييز قديم جداً ضل حتى يومنا هذا يفصل بين الضرر المعنوي البحت والضرر المعنوي الناتج عن ضرر جسدي، و في هذا الأخير تكون نتائج الألم متباينة بسبب الإصابة الجسدية. كما يفرض القانون تعويضًا عن انتهاك خصوصية الآخرين، كالفضائح أو التشهير. إن المحاكمة على هذه الجناية يحمي الحق المعنوي للمرء، ويجب أن يشمل التعويض الضرر المعنوي. هذا الضرر مختلف لانه لا يصاحبه ألم جسدي، ونتيجة لذلك يسهل تحديدها. على عكس قضايا التعويض عن الأضرار الجسدية، فينبغي تحديد الضرر المعنوي البحت والضرر المعنوي الناتج عن ضرر جسدي؛ لأنه حتى لو كان الإثنان يعوضان ماديًا فإنهما يقومان على أسس مختلفة جذريًا.

عندما يتعرض المرء لإصابة نتج عنها إعاقة في يده، فيجب أن يعوض عن هذا الضرر الجسماني. وإذا كانت يده هي مصدر دخله، ولم يعد بإمكانه إتمام عمله بسبب عجزه عن تحريك يده، وجب تعويضه أيضًا عن هذا الضرر. فالتعويض يختلف لعازف البيانو المحترف أو أمين المكتبة بحسب القانون. هل يوجد ضرر آخر يؤخذ بعين الاعتبار مثل الضرر الجسماني والكسب الفائت؟ في الواقع، أقرت المحاكم الفرنسية بإمكانية تعويض الضرر المعنوي، لكن هذا الضرر يصعب اكتشافه واثباته.  ورد في النظام الانجلوساكسوني تصنيف ذو أهمية يساعد على تمييز الضرر المعنوي. هذا النظام يفصل الضرر الخاص عن العام. فالضرر الخاص هو “الضرر الاقتصادي” الذي يتضمن انقطاع الاجر، والتكاليف الطبية، والمصاريف التي تسبب بها الحادث، هذا الضرر يمكن اثباته قبل الدعوى. بالمقابل يكون الضرر الغير اقتصادي على شكل ألم جسدي، وضرر يعيق المرء عن أداء نشاطاته بسبب الحادث، وتفويت الفرص التي تُحسب وفقًا للعائد السنوي للمضرور، وإمكانية الحصول على علاوة، والوقت الّذي مُنع منه المضرور من مزاولة مهنته. إذا كانت النتائج المترتبة على الحادث لا يمكن معالجتها، فيحدد التعويض وفقًا لمتوسط العمر المتوقع. يجب إثبات كافة هذه الأضرار أمام التأمينات، أو أمام المحاكم في حالة التنازع القضائي. سوف تكون الدعوى طويلة وباهضه التكلفة، لكن هل من طريقة لتجنبها؟

٣

لكي نحلل بدقة المسائل الناشئة عن الاجراءات القانونية، سأستند في حديثي عما أنا على دراية به وهو نظام القانون الاسباني، عملت “المحكمة الاسبانية العليا” بهذا الصدد التقديرات الاتية:

١- التعويض يكون للأشخاص المضرورين وليس للورثة، فليس كل وريث متضرر.

القانون الاجرائي مسؤول عن توثيق الدعوى من بين جملة أمور. فإذا كان المضرور يريد تقديم شكوى بنفسه فلن يواجه مشكلة. لكن ما العمل إذا توفى المضرور بسبب حادث أو جناية؟ في هذه الحالة سيقر القانون بشرعية التعويض للورثة؛ لأنهم يحلون محل المضرور شرعًا. لكن ربما يكون هناك أشخاص مرتبطين قانونياً بالمتوفى لكن ليس عاطفيًا، وسيواجهون صعوبة في طلب تعويض الضرر الذي ألحق بهم. لهذا السبب، فإن المحاكم الاسبانية تطلب شرطًا واحدًا لطلب التعويض وهو أن يكون الشخص متضرر من موت المضرور. لكن يجب إثبات وجد الضرر، فلا يكفي أن يظهر تأثره بفقد المضرور.

٢- مبدئيا، يجب منح التعويض عند إثبات الضرر فورًا. يتعلق الأمر بتنفيذ للإجراء مدني مدمج بإجراء جنائي لكن يتبع قوانين الدعوى المدنية.

 إن الإجراءات المدنية والجنائية منفصلة. وقانون العقوبات الإسباني يتيح لطالب التعويض أن يختار دعوى واحدة، وبناءً عليها سوف يحدد القاضي مقدار تعويض المسؤولية المدنية أو العونين (الجنائية والمدنية)، ليحدد المسؤولية الجنائية والمدنية بشكل منفصل. وبالرغم من النهج المتبع فإن قانيين الدعوى المدنية هي التي تحكم.

٣- في بعض الأحيان، يكون الضرر المعنوي، والألم والمعاناة ناتجة عن فقدان شخص قريب جدًا، أو التغيير جذري في الأحوال المعيشية ليست بحاجة لإثباتها لأنها واضحة، وهذا الظهور يثبت الضرر.

لذلك، أقر القانون الاسباني الاسباني بوجود ضرر لا حاجة لإثباته. فمن خلال ممارسة هذه المهنة، طبق هذا القانون كثيرًا، كقضية طلب أبوين تعويضًا بسبب وفاة طفلهما ذات الخمس سنوات جراء حادث سير على سبيل المثال. وبالرغم من هذا القانون إلا انه يجب إثبات الضرر في معظم القضايا. لكن ماهي الوسائل المتاحة لإثبات الضرر؟

إن القاضي هو الموكل بتقدير الضرر من غير تحيز، من خلال خبرته في ملاحظة ردود فعل المضرور، فهو يستطيع أن يقيم الألم بشكل موضوعي. لكن هل هو مؤهل لذلك؟ القاضي هو من يتحكم بسير الدعوى بشكل صحيح. فهو يقرأ الوقائع، ومنها يتصور ما حدث بطريقة منطقية، معتمدًا على الأدلة التي قدمت خلال الدعوى. بغض النظر عن جهل القاضي بالمعرفة العلمية، هل يستطيع أن يقيّم الضرر بحياد بالرغم من معرفة تفاصيل الحدث؟ من المرجح أنه سيحاول تقدير الضرر بموضوعية وعقلانية بناء على تجربته. لكن تجربة الألم مرتبطة بالمضرور. لهذا السبب يفضّل اللجوء إلى شخص مؤهل ليحلل بدقة التجارية الشخصية للفرد، بمعزل عن الأحداث التي عيشت.

أصبحت الخبرة الطبية الشرعية هي الوسيلة المثلى بالنسبة للقضاة لفهم حالة المضرور، فهي تقدر حالة المضرور وفق معايير طبية. فالفحص الطبي يجب أن يوكد الادعاءات التي لا يمكن ملاحظتها. و دور الطبيب الشرعي هو تحويل الألم “الشخصاني” إلى ألم “موضوعي”. ولا يكفي أن يحلل الطبيب ويقيس الألم، بل يجب عليه أن يجعل نتاجه واضحة للقاضي. يخضع تجسيد الألم لتحول لغوي مزدوج: فالطبيب يحول مشاعر وأحاسيس المضرور ويترجمها بمصطلحات طبية مفهومة لغير المتخصصين في هذه المهنة. يجب على الطبيب أن يكتب التقرير بمصطلحات غير علمية لكي يستطيع القاضي فهم حجم ألم المضرور ويقدره بناء على ذلك.  هذه الترجمة المزدوجة يجب أن تكون رنّانة وجلية.و بعد تفسير هذا الألم، هل سوف يستطيع القاضي تفهم حجم الضرر؟ بالطبع لا، نادرًا ما يبدي القضاة رغبتهم بفهم مطلق للحالة، فهدفهم هو التعويض الموضوعي وليس اظهار التعاطف مع المضرور.

لكي يكون التعويض إلزاميًا، ينبغي إيجاد المسؤول عن الحق المدني الذي يكون ملزمًا بدفع مبلغ من المال للمضرور. فلو حكم على شخص، أثناء الدعوي الجنائية، بأنه مرتكب الضرر، فسيكون هو مسؤول عن الحق المدني. لكن هناك قضايا استثنائية حيث يكون الأشخاص المسؤولون ليسوا مرتكبين للجريمة، ففي قضايا الأطفال، يكون الأبناء هم المسؤولين، فإذا كانت الوقائع واضحة مبدئيا لن تظهر مشكلة. لكن هل نستطيع الحصول على تعويض مع عدم وجود المتسبب بالضرر؟

كان القانون لا ينص على تعويض المضرور عندما لا يتحمل شخص مسؤولية الضرر الذي يراد تعويضه. لذلك تطور القانون ووجدت “المسؤولية بدون خطأ”، والتي لا تشترط وجود المتسبب بالإهمال لكي يقوم بتعويض المضرور. غالباً ما تواجه هذه الإشكالية في قضايا المؤسسات في إطار قانون حماية المستهلك، لأنه يستحيل إثبات الخطأ في قضايا التصنيع، مما دفع القانون إلى تحميل الشركات مسؤولة إثبات أنهم غير مسؤولين عن معيوبية منتجاتهم. لكن كيف نعرف ما الذي حدث لتكون العبوة معيوبة؟

حتى السلطات العامة مضت قدمًا من أجل حماية المضرورين. ففي قضية التعويض الفردية التي تلقاها ضحايا هجمات ١١ مارس ٢٠٠٤، في مدريد من الحكومة الإسبانية. أقر مجلس الوزراء، في يوم ١٣ مارس ٢٠٠٤، بقرار تقديري من الحكومة بمنح الجنسية الاسبانية للضحايا الأجانب ولعائلات اللذين لقوا حتفهم بسبب الهجوم. التبرير الذي قدمه مجلس الوزراء ليس لدعم القضاء فقط:  «حادثة التفجير هي كارثة إنسانية على الجميع»، ولأن الحكومة أرادت مساعدة الضحايا الأجانب وتسهيل حياتهم الاجتماعية في اسبانيا منحتهم الجنسية. يعمل القانون كوسيلة أخيرة ليجنب الضحية من عدم حصوله على تعويض. في هذه الحالة، كانت الآليات مرنة لوضع نهاية لمطالبات المجتمع المصاب. هناك اعلان للمعاناة، أخذت الدولة التدابير القانونية التي يمكن ان تكون مشبوهة من منظور سياسي. كيف يمكن للدولة أن تعوض هذا الضرر المهول من غير أن تتخذ تدابير الوقائية للادعاءات الإصلاح السياسي والانتخابي؟

٤

إنّ القانون، بصفته مجموعة من القواعد الجامدة التي تنظم المجتمع، لا يستطيع تجاهل حاجة المضرورين للتعويض. في معظم القضايا، يستجيب القانون لمطالب المضرورين، لكن يجب أولًا تبين الألم الذي لا يمكن التعبير عنه، واثبات وجوده للحصول على تعويض. الإجراء ليس بسهل، ويمكن أن يؤدي إلى ظهور تناقض بين ما مرّ به المضرور، وبين ما يسميه ضرر. فمن غير اثبات لوجود الضرر لا يستطيع القانون التدخل. سوف تكون المحاكمة طويلة ومكلفة اقتصادياً، ومدمرة للنفسية. لكن ليس بيد القانون حيلة.  تفرض ضمانات الدولة الخاصة عقبات، يصعب تخطيها نفسيا للحصول على التعويض. وهنا يأتي دور المحامي، فيجب عليه أن يبلغ موكّله عن الصلاحيات والمخاطر التي قد يواجها في عرض القضية على المحاكم. غالبًا ما ينصح المضرورين بحسم هذا النوع من القضايا مع شركات التأمين، لكن لماذا نكتفي بتسوية غير عادلة في حين أن المحاكم باستطاعتها تعويضنا بعدل؟ بالرغم من الأعباء التي سنتحملها أثناء الدعوى، إلا أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق العدالة. بالإضافة إلى ذلك، لو كان المضرورين من نقل الدم الملوث بالسيدا لم يناضلوا ضد ما نسميها بالمسؤولية المدنية الطبية، ولو كان ابن المضرور بحادث لم يطالب بتعويض بسبب الضرر المعنوي الذي ألحق به، فستكون استجابة المحاكم اليوم مختلفة. وهذا لا يعني أن كل قضية يجب أن تهدف إلى تقدم الفقه والقضاء، لكن عندما يحرص المضرور على مصالحه، وسلامته الجسدية والنفسية سيفيد المجتمع. لكن هل ستكون العقبات الإجرائية أقل سلبية مقارنة بالمنافع التي سيحظى بها المضرور؟

حدود القانون في التعويض واضحة. وقد يكون في بعض القضايا غير مجدي لتجاوز تجربة الألم. بالرغم من أننا رأينا سابقًا أن القوانين تقدم أيضا عدة وسائل غير مكلفة للحصول على التعويض، تشكل المحاكم الوسيلة الأخيرة للحصول على تعويض، وبالرغم من القيود، إلا أن للمحاكم دور أساسي في تطوير آليات التعويض عن الضرر، وفي تخفيف معاناة الضحايا. يشغل الفقه والقضاء وظيفة مهمة أيضا وهي الإعلام، بصرف النظر عن تفاصيل كل قضية، “خاصةً المبلغ المالي الذي يدفع لتعويض عن الضرر، والذي يولد العديد من النقاشات”. قد تكون التسوية مفيدة ـ حتى لو أعطي المضرور مبلغ أقل من الذي طلبه- فهي تتضمن أيضا إقرارًا رسميًا بالضرر، أوليس هذا أثمن من التعويض بحد ذاته؟ صحيح أنه في بعض القضايا، كقضايا الاعتداء الجنسي، يتحاشى فيها الاعتراف العلني لأننا نؤمن بأن النسيان هو الذي يعيد التوازن المفقود لحياة المضرور. لذلك تعتبر هذه الجريمة الوحيدة التي لا يكشف فيها المضرور إلا برضاه ليخضع للدعوى. ومع ذلك فإن الاعتراف بالجريمة لا غنى عنه لتعويض الضرر بالنسبة لبعض الضحايا. فالتشهير يضيف قيمة باعتباره وسيلة تعويض. وعلى سبيل المثال: طالب المضرورين من الدكتاتورية العسكرية في اسبانيا الفرانكية الحكمَ العسكري في تشيلي باعتراف بوجود جرائم وما ترتب عليها من ضرر. يصعب القول بأن القانون ترياق ضد الضرر لكنه يمكن أن يتيح وسائل فاعلة بلا شك للحصول على تعويض، واعتراف بالضرر يمنع التعبير عنه لدوافع مختلفة جدًا. فقد الضرر الشخصي خصوصيته إلا أنه كسب مكانة هامة ونافعة في تأسيس قانون موضوعي يفيد كافة الأفراد.

المصدر

error: