صورة الشخصية الخليجية في السينما المصرية – جابر العبيد

صورة الشخصية الخليجية في السينما المصرية – جابر العبيد

ورقة قدمت في المجلس العربي للعلوم الاجتماعية في مؤتمره الرابع، بعنوان “السلطة والحدود والإيكولوجيات في المجتمعات العربية: ممارسات وتصوّرات”، بتاريخ 12-14 نيسان/أبريل 2019 في بيروت، لبنان.


 المقدمة

   تسعى هذ الورقة إلى تحديد ملامح صورة الرجل الخليجي في السينما المصرية، والحديث عن السينما المصرية، يمثل المنبر الأعلى في السينما العربية، حيث تاريخها العريق الذي له فضل السبق في هذا الميدان وما مر عليه من كتاب ومخرجين وممثلين أعلوا من شأنه في مختلف الأزمنة منذ 1927م، إلى هذا اليوم.

   وبعد أن استنفذت وقتا في تتبع ملامح الصورة الخليجية في السينما المصرية، اعترضتني مقاطع متكررة في أفلام متنوعة ومتعددة، وقد أعرضت عنها إلى بعض الأفلام التي وثقت بعض المقاطع المتعلقة بـ الشخصية الخليجية توثيقا ظاهرا، ووظفتها توظيفا سرديا يخدم الفكرة الدرامية العامة في هذا العمل السينمائي أو ذاك، من هنا تمت هذه الورقة بعد أن اعتمدتُ على أحد عشر فلما مصريا، كان ظهور الشخصية الخليجية فيها يحمل دلالات ظاهرة، وأخرى إيحائية؛ تخدم الفكرة الرئيسة للعمل السينمائي، وتكشف الغطاء عن الموقف السينمائي تجاه الشخصية الخليجية ؛ ولهذا فإن عشرات المقاطع المبثوثة في الأفلام المصرية المتعلقة بـ الشخصية الخليجية ، قد أهملتها كونها باهتة الأثر، أو ربما أدرجت إدراجا في سير أحداث الفلم فباتت غير مؤثرة، وربما استغنيت عنها بمقطع آخر ضمن (فلم) جعل منه لبنة تكمل بناء الشخصية الخليجية فيه.

غلاف فلم “ذئاب لا تأكل البشر”

     وفي نفس الوقت، تجنبت هذه الورقة بعض الأعمال التي لا تعكس صورة الطرف الآخر (الخليجي) والتي لا تحدد موقفا تنجلي على إثره صورة الخليجي جلاءً نستطيع من خلاله أن نستبين ملامح الخليجي فيها، كفلم “ذئاب لا تأكل البشر” الذي عرض عام 1973م. وفلم “ويبقى الحب” الذي عرض عام 1978م، فقد تم هذان العملان في ظروف متباينة، فالأول صور في دولة الكويت، وكانت أحداثه مجردة من رسم أي ملمح للخليجي، وغلى غراره سار الثاني الذي كان نتيجة للشراكة بين فنانين سعوديين، ومصريين، وربما لقدم عرض العملين له دور فاعل فيما ذهبنا إليه.

غلاف فلم “لحم رخيص”

    وفي عام 1995م، في فلم “لحم رخيص” يظهر أول فلم يعمد إلى تصوير الشخصية الخليجية المتأثرة بعوامل بيئتها الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الجوانب المستقلة التي تمثل نظرة السينما المصرية تجاهها، وانتهاء بفلم “صرخة نملة” 2011م، وعلى هذه الحقبة جرت الدراسة.

   تبدأ هذه الورقة بتوطئة عن نشأة السينما، وتشكل الصورة الخليجية فيها، ومن ثم تعرض هذه الورقة إلى دور المال في تشكيل الشخصية الخليجية وتجريد هويته من خلال نظرة السينما المصرية، وبعد ذلك تحدثت عن كنه الشخصية الخليجية في السينما المصرية وقيمها الهشة من خلال ثلاث نوافذ (موضوعات): الخليجي والمرأة، الخليجي والمكان، الخليجي والأسرة، سائلين الله العون والسداد.

 

توطئة:

تأريخ السينما المصرية وتشكل الصورة الخليجية فيها:

       تعد مصر العربية هي الحاضنة الأم للسينما العربية، ولها فضل السبق في هذا الميدان، وفي ظل تطور ظواهر الأدب المتنوعة وأجناسه الفنية المنطوية على مر العصور، ولد فن جديد في هذا العصر الحديث موائم لحركته المتسارعة وتقنيته المتطورة، ونموه المتزايد في كل المجالات، وهذا ما جعل للفن السينمائي رواجا كبيرا عند الشعوب، فقد وجدوا فيه انعكاسا لحضارتهم، وثقافاتهم، وما تنطوي عليها من شؤون اجتماعية، وسياسية،  واقتصادية، وغير ذلك من شؤون الحياة في قالب قصصي مشاهد، تقوم بأدائه شخصيات في مكان واقعي،  أو خيالي عبر شاشة منظورة، وعلى ذلك أطلق النقاد السينمائيون على هذا الفن “الفن السابع[1]“.

     وبالنظر إلى التأريخ السينمائي المصري، فإن مصر من أول بلاد العالم التي عرفت السينما، إذ إن أول عرض سينمائي تجاري كان في 28 ديسمبر 1895 في الصالون الهندي في باريس، وبعد ذلك بأسبوع عرض في مصر في يناير 1896 في مقهى زواني بالإسكندرية[2].

   وفي عام 1927 عرض أول فلم مصري طويل، وهو فيلم “ليلى” الذي أنتجته وقامت ببطولته عزيزة أمير[3].

   ومن ذلك الحين بدأت تتوالى الأعمال السينمائية وتزداد، وفي عام 1935 افتتح “استوديو مصر” للإنتاج السينمائي، ويعد هذا التاريخ انطلاقة نوعية للعمل السينمائي في مصر[4]، ولعل هذا التاريخ الطويل والحافل الذي يناهز المائة عام كان له الدور الفاعل في تشكيل الصورة الخليجية في الثلاث العقود الأخيرة، إذ إن الدول الخليجية بأنظمتها الحالية وصورتها الحديثة لم تكن كذلك مع بدايات العمل السينمائي المصري، فالتاريخ العريق مدعاة للزهو, والفخر، والغض من شأن المجاورين.

     وبالنظر إلى العقود الأولى من التاريخ السينمائي المصري إلى اليوم الحاضر، فأن الصورة الخليجية في العمل السينمائي المصري معدومة الظهور في بداياتها، ومن ثم بدأت تتشكل شيئا فشيئا في الثلاث العقود الأخيرة، والتعريج على واقع الخريطة الخليجية في تلك المراحل أمر لا مفر منه لمعرفة الصورة الخليجية، وسبر أغوارها في الأعمال السينمائية المصرية، ومن ذلك يظهر لنا مفهوم ( التباين الموازي)  وهو رسم لحالة الشعوب المتجاورة في كافة المستويات ممثلا سرعة التحول العمودي الطردي بين الطرفين، ويكون أحدهما مندفعا من الأسفل إلى الأعلى، ويتهاوى طرديا الطرف الثاني من الأعلى إلى الأسفل، وهذا التحول السريع يولد حالة من الاضطراب الشكلي، والمضموني في تحديد هوية المقابل، وفي رسم صورته.

    وفي نهاية الثمانينات الميلادية وبداية التسعينات بدأت تظهر صورة الخليجي ظهورا جليا في الأعمال السينمائية المصرية بلبسه المبتذل, ساعيا خلف شهواته المنحرفة, ونزواته المبتذلة، وكثيرا ما يظهر ذلك الرجل الخليجي خلف الحدث بعيدا عن نقطة الحوار, أو مجريات الحدث لولا أن الكاميرة التقطته وهو يترنح في مرقص وقد تمايل سكرا مع تمايل الراقصة.

    وفي منتصف التسعينات بدأت تبرز صورة الخليجي في السينما المصرية فأصبح له دور فاعل في رسم الأحداث, وتشكيل مجريات القصة، ومن تلك الأعمال فيلم “لحم رخيص[5]“عام 1995 الذي صور الخليجي بالرجل الشيطاني والشهواني العابث الذي لا يرى في المرأة سوى جسدها محاولا سكب شهوته عليها، دون الالتفات إلى قلبها المفعم بالعاطفة الأنثوية الصادقة، وجوهرها الإنساني النبيل، مع الاستغلال الدنيء لحاجتها وشقائها في الحياة.

    ولعل عنوان الفلم يحدد لنا مدى الإسفاف في مفهوم العبثية من خلال تجريد المرأة عن إنسانيتها، والنظر إليها بوصفها جسدا رخيصا، والتعبير عن الجسد باللحم له دلالاته الإيحائية في الوعي الجنسي المتوارث، وجاءت كلمة رخيص ملحة على هذا المفهوم.

      وظلت السينما المصرية تلح على صورة الخليجي العابث في أعمال عدة متخذة صورة الخليجي الشغوف بجسد المرأة، والمولع بالسكر,  والمجون,  والحياة الهزلية كما في فيلم ” الريس عمر حرب[6]” الذي تدور أحداثه في صالة قمار، وكذلك فيلم ” كباريه[7]” في نفس العام، وكذلك فيلم “طير أنت[8]“.

    ومن أبرز الأفلام المصرية التي نستطيع من خلالها أن نستشف صورة الخليجي في السينما المصرية من جوانب أخرى هو فلم “عندليب الدقي[9]” 2007 فقد حاول هذا الفلم أن ينقل لنا التجربة الثقافية والإنسانية بين الفرد المصري, والفرد الخليجي على سبيل المقارنة المباشرة بين توأمين :  الأول يعيش في القاهرة, والثاني في الخليج، وقد مثل الدورين شخص واحد هو الممثل المصري “محمد هنيدي” ولعل توحيد الجسد في هاتين الشخصيتين يشي بمدى أزمة الوعي الثقافي والإنساني بين الطرفين، وكون الطرفين متشابهين في الشكل الخارجي إلا أن التباين يكون في التكوين الداخلي,  والجوهر الإنساني المتمثل بالقيم, والفضيلة, والمبادئ الراسخة.

    لقد نقل هذا العمل صورة تمثل التجربة الإنسانية, والحياتية بين خليجي ومصري، مبديا عبثية الرجل الخليجي الذي يتكئ على قيم ظاهرية هشة بخلاف الطرف المصري الآخر الذي يتكئ على قيم إنسانية راسخة ومُثل نبيلة.

       يرسم هذا العمل مدى التباين بين الصورتين على وجه المقارنة (صورة الخليجي وصورة المصري) وإن كان ثمة تشابه شكلي إلا أن القيمة الداخلية تختلف وتتباين.

     وفي صدد المقارنة بين الحال المصري، والحال الخليجي، نلحظ ذلك التسفيه للشخصية الخليجية مقابل الشخصية المصرية، ففي فلم “صرخة نملة” نجد مجريات الفلم تسير على نحو من الإسفاف المبالغ فيه، إذ إن أحداث الفلم تكشف الغطاء عن معاناة الشعب المصري في توفير حاجياته الأساسية، وحقوقه المشروعة، ففي الوقت الذي يسعى فيه الشعب المصري في مساع شريفة لرفع الظلم، وتوفير الماء والكهرباء، تنعكس شاشة العرض نحو ذلك الرجل الخليجي، المحاط بالنساء في جو عامر بالشرب واللهو، وهذا يحدد ذلك البون الشاسع بين الهم المصري الحقيقي الهادف، والهم الخليجي السطحي العابث.

هذا التباين العمودي الموازي الخاطف والسريع (ارتقاء الخليجي إلى الأعلى وانحدار المصري) أدى إلى ( العمى الظرفي) [10] وهو الجهل بالواقع أو تجاهله وأعني بذلك تجاهل واقع الذات أمام واقع المقابل الذي نتج عن سرعة تحول المتجاورين إلى حالين مختلفين صعودا ونزولا، وهذا ما دفع الذهنية المصرية لتتمسك بالصورة التاريخية القديمة متجاهلة الصورة المتحولة الحديثة، فكانت الصورة الخليجية الحالية في السينما المصرية مستوحاة من ذلك التباين الموازي.

 

دور المال في تشكيل صورة الخليجي وتجريد هويته:

     لا شك أن التاريخ المصري الحديث يشير إلى الدور المصري في إحياء التراث العربي واستعادته، حينما جاءت الطباعة، وأنشئت عدد من الصحف، والمجلات، وكذلك بروز عدد من الكتاب والأدباء والشعراء، الذين أحيوا الحركة الثقافية العربية وأعادوا وهجها[11].

    وأما المنطقة الخليجية، فهي تحظى بتاريخ عريق لا يمكن تجاهله، فهي الحاضنة العربية الأولى لتراثهم، وحضارتهم، ومن مكة والمدينة انطلقت الثقافة العربية، وبلغت الآفاق حتى غطت هذه المناطق العربية التي نراها اليوم.

    وفي فلم “عندليب الدقي” نلحظ التهكم بأبرز ما توارثته أجيال الجزيرة العربية من عصور سالفة كالصيد، والشعر اللذين يعدان من أبرز ملامح صورة الخليجي في جزيرة العرب، ولاسيما أنها تعد من صفات الرجل الكامل فيها. فقد استُهل هذا الفلم بعرض ذلك الرجل الخليجي “فواز” الذي يجهل أدوات الصيد ولا يعي منه شيئا، إذ إن الخدم عملوا على تخدير الغزال، كي يصيده ذلك الرجل الخليجي الثري ولم يتمكن من ذلك. إن هذا المشهد الاستهلالي يكشف عن حال الشخصية الخليجية الثرية التي لا تعي من تاريخها سوى الرتوش الشكلية التي يستطيع أن يجلبها بماله فقط، دون جهد أو وعي ذاتي للتراث الذي يحمله أو يدعيه.

     وفي عرض آخر يحتشد موظفو “فواز” في شركته؛ لتأبين زوجه المتوفية منذ خمس سنوات، فبدأ بإلقاء قصيدته الرثائية الساذجة في مشهد تطغى فيه روح التهكم، وقد أجبر موظفيه على ترديد أبياته خلفه، وكان ذلك في الشركة التي يملكها، ومن خلال هذا التأبين تتكشف سذاجة الرجل الخليجي حتى في مفاهيم جوهرية للحياة كالعزاء وفقدان الحبيب، فقد طغى جهل الخليجي بتلك المفاهيم الجوهرية التي كانت نتيجة الثراء الطاغي الذي لم يأتِ عصف فكر أو بذل جهد، وهذا ما جعل الموازين والمفاهيم تضطرب لدى الرجل الخليجي الذي اعتاد توفير ما يريده من أمواله الطائلة التي لا تبذل له من القيم والمثل سوى شكلها، ومن المفارقات التي نلحظها في هذا الفلم وغيره، كفلم، “يانا ياخالتي[12]” و”طير أنت”، أن الرجل الخليجي في درجة متدنية من الذكاء مع الجهل المطبق، إذ إنه بمستواه الثقافي المتدني يزداد ثراء وحظوة، ومن ثم يرتد ذلك على المشاهد بالسلب، فيخلق فيه هاجسا مرتبكا تجاهه، ويثير فيه تساؤلات عن استحقاق هذا الخليجي لهذا المال.  

      ظل الخليجي في السينما المصرية في صراع دائم وهو يلهث خلف هوية ضائعة محاولا لملمة شتاتها من خلال المال، والحديث عن المال في تشكل صورة الخليجي في السينما المصرية يعد أبرز ما يلتفت إليه ، ففي فلم “صاحب صاحبه[13]” نجد المال الخليجي يلعب دورا رئيسا في رسم أحداث الفلم، مع خفوت للشخصية الخليجية، بل انعدامها في هذا الفلم، فقد رحل صاحب البطل “أسامة” إلى الخليج وجنى ما جنى من الأموال الطائلة من الخليج,  وبدأت الأحداث تدور حول هذا المال المجني من الخليج، في فكرة تلح على تجريد الخليجي من قوامه وتجسيده بالمال ولا غير المال، وهذا يعني أن غياب الشخصية الخليجية لا تؤثر في أحداث الفلم طالما أن ماله يؤدي دورا رئيسا في أحداث الفلم.

     وقد تزداد أزمة الصورة الخليجية، حينما تجرد من كل معان الحياة، وتختزل في أوراق نقدية، ففي فلم “طير أنت” نجد البطل يسعى سعيا حثيثا لينال فتاة أحلامه “ليلى” وكان يعينه على ذلك عفريت يلبي كل أوامره لتكتمل صفاته أمام حبيبته، وقد قطع المارد عهدا على نفسه أن يجعل من البطل” بهيج” الشخصية التي تغري حبيبته ليلى، فتارة يكون قائدا وزعيما، وتارة يكون فارسا لا يضاهى، ومع كل هذه المحاولات المتكررة، نجد البطل يفشل في نيل رضى المحبوبة، وفي المحاولة الأخيرة، طلب البطل من المارد أن يجعل منه رجلا ثريا، ولكن المارد المصري لم يرتسم في ذهنه من الثراء سوى الرجل الخليجي، فتحول البطل إلى رجل ثري ولكن بكل أسف تحول إلى شخصية خليجية، وكان هذا التحول من الشخصية المصرية إلى الخليجية هو ما حال بينه وبين معشوقته بالرغم من ثرائه الفاحش، فقد أضحت شخصيته عابثة مبذرة لا تقيم وزنا للحياة إلا بمكيال المال، وبهذا السبب فشل بهيج في نيل إعجاب محبوبته ليلى.

    في هذا الفلم تحديدا تبلغ حالة التأزم في تشكل صورة الخليجي أوجها، حيث أن الرجل الخليجي لم يرتبط بالمال، وإنما المال هو المرتبط ارتباطا شرطيا بـ الشخصية الخليجية ، فقد عجز المارد أن يجد سبيلا في توفير المال للشاب المصري إلا من خلال تحويله إلى رجل خليجي، وكأن المال لا يجتمع مع الشخصية المصرية.

 

كُنه الشخصية الخليجية وقيمها الهشة:

     أولا: الخليجي والمرأة:

     إن من أبرز ملامح صورة الخليجي في السينما المصرية ، هي ارتباطها بشهوته الجنسية، وسعيه خلف جسد المرأة طارحا خلف ظهره كل ما تحويه المرأة من قيم فاعلة في البناء الإنساني على وجه العموم، فهذا الرجل الخليجي المثقل بأمواله الطائلة يستغل ثروته لينال شهوته من المرأة، ففي فلم “لحم رخيص” نجد الرجل الخليجي قد استغل بماله فاقة المرأة المصرية وعوزها، وحول حياتها إلى جحيم تقاسي فيه وحشة هذا الرجل الجنسي، فقد وجدت “نجفة” نفسها مرغمة على قبول الزواج من الرجل الخليجي، ترنو إلى حياة رغيدة بدلا من تلك التعاسة التي كانت تحيط بها من قبل.

        وفي أول مشهد بين “نجفه” وزوجها الخليجي تتجلى شراسة الخليجي الجنسية, فقد أراد أن يأتي زوجه من حيث ماحرم الله من جسدها، في صورة تشي بالوحشية ، مخالفا بذلك الفطرة الإنسانية، وبما أن الرجل الخليجي يتعامل مع قطعة لحم يلقي بشهوته عليها، فقد حول حياة “نجفة” إلى جحيم بعد أن أنجبت منه طفلا، وتركها تقاسي الحياة حينما عادت إلى مصر مع ابنها الذي لا يحمل هوية مصرية، فلا يحق لها أن تعالج ابنها في مستشفيات مصر، ولا يحق لها أيضا أن تقضي لوازمه من غير هوية.

      لقد صور هذا الفلم “لحم رخيص” الرجل الخليجي بما يخالف الواقع، حينما أطرها بصورة لا تليق وبخاصة عندما استغل حاجة المرأة المصرية وفقرها في تفريغ شهوته عليها، حتى أذاقها ألوانَ العذاب حينما كانت تحته، وبخاصة تلك النظرة المزدرية التي ينظر بها الرجل الخليجي للمرأة، واعتبارها خادمة، أو أمة ليس لها سوى تلبية أوامره، ومراعاة نواهيه دون اعتبار لحقوقها.

     وبالنظر إلى الاستغلال الدنيء لحاجة المرأة المصرية، الناتجة عن ظرفها القاهر، ومعيشتها المتدنية إلى حد الفاقة في بعض الأحيان، نجد الخليجي يمثل دور الذئب البشري الذي لا يثنيه عن شهوته حاجة المرأة، وضعفها، ففي فلم “صرخة نملة[14]” نرى الرجل الخليجي قد أوقع المرأة المصرية في شراك غدره، وألبسها تهمة هي منها براء، حتى تقع بين يديه ضعيفة مكسورة الجناح، ومن هنا تأتي لحظة الابتزاز في أقبح صورة، وقد كشف عن ذلك الرجل الخليجي في هذا المشهد بقوله:” السجن ورا الباب، والسعادة في السرير”.

     إن استغلال الخليجي الظرف القاهر لثني ذراع المرأة في انتهاك شرفها، هي فكرة مكررة، عبرت عنها جملة من المشاهد، ففي فلم” الريس عمر حرب” نجد شابا خليجيا، يستغل حاجة امرأة مصرية، ويغريها بملغ ضخم لينال ليلة مع ابنتها، في مشهد يكشف عن دناءة الرجل الخليجي فيها,  ومظهره العابث.

 

   ثانيا: الخليجي والمكان:  

       إن المكان الذي تتجلى فيه الشخصية الخليجية منوط بالصورة العامة التي شكلتها السينما المصرية عنه، ولأن الشخصية الخليجية قد اختزلت بالرجل الثري، الذي لايعبأ بما ينفقه طالما أن الرصيد يستحيل نفاده، نجد المكان التي تصوره السينما المصرية للخليجي في قصره المشيد، وفي شركته الضخمة ، وفي مركبه الفاره، كما نجد ذلك في فلم “عندليب الدقي”و “طير أنت” ولا شك أن اقتصار هذه الأماكن على الرجل الخليجي يؤكد على الصورة النمطية في السينما المصرية تجاه الشخصية الخليجية والمال.

    والحق أن أكثر الأعمال السينمائية المصرية قد صورت الخليجي وهو في أماكن اللهو والرقص، وثمة الكثير من المشاهد والأعمال السينمائية التي تصور ذلك الرجل المتوشح بغترته البيضاء ، أو الحمراء في ملهى ليلي، حتى وإن كان هذا المشهد خارج عن نطاق الحدث.

    وفي فلم “على جنب يا اسطى[15]” توقف امرأة صاحبَ التكسي” مرعي” وتأمره بالاتجاه نحو الملهى الليلي، وقد أمرته أن يدخل معها في هذا الملهى، وأول ملمح يظهر في هذا الملهى هي الأغنية الخليجية “البرتقالة” الشهيرة التي كان عرضها في الفيديو كليب مثار جدل، حتى أنها لاقت الكثير من المشاهدات حينها، والملمح الثاني هو كثرة الخليجين المتوشحين بغترهم، الذين يتهافتون، ويهتفون خلف الراقصة، وقد تواجدوا مع تلك الأغنية طربا.

      وفي هذا المكان الصاخب، انتبذ رجل خليجي طاولة قصية ومعه خادمه الذي ينادمه، وقد شغف شهوةً بصاحبة التكسي “نور” فأرسل خادمه، وقد سلمه رقمه، لكي تأذن له بالتواصل.

    وفي فلم “كباريه” الذي تدور أحداثه في مرقص شرقي، نلحظ شخصية خليجية تؤدي دورا فاعلا في هذا الفلم، محاولا افتراس ما يمكنه من النساء، وقد ظهر-كما اعتدنا في نسق الصورة الخليجية من خلال الأعمال السينمائية المصرية- بمظهر الرجل الثري الساذج,  وقد حضي باستقبال حافل مع دخوله للمرقص، وهذا يدل على مراودته الدائمة لهذا المكان، فقد بدأ برمي أمواله فوق الراقصة، على نمط الكثير من المشاهدات التي أظهرتها السينما المصرية تجاه الرجل الخليجي.

غلاف فلم "كباريه"     إن المكان الذي يتكرر فيه ظهور الشخصية الخليجية في السينما المصرية، واقتصاره على المراقص وأماكن اللهو، يشي بالرغبة في تنميط الصورة الخليجية وتأطيرها في نطاق اللهو والمجون، مع العبث الدائم بالمال حينما يلقي به في جنبات المرقص، فالعبثية والمجون، وتبذير الأموال دون تحسب، هي المعنى البارز الذي يظهره هذا المكان، ولاشك أن هذا المعنى جاء متسقا مع الصورة العامة التي تتشكل في صورة الشخصية الخليجية في السينما المصرية .  

 

ثالثا: الخليجي والأسرة:

    في فيلم “عندليب الدقي” يظهر “فواز” الثري الذي يعيش في الخليج متجاهلا توأمه “فوزي” الذي يعيش في مصر، ولعل هذه التوأمة بين فرد يعيش في حي الدقي “القاهرة، وآخر يعيش في الخليج، تجلي تلك الفوارق بين الشخصيتين ( المصرية والخليجية) فقد كان “فوزي” حريصا على مبدأ الأخوة والالتقاء بتوأمه، بخلاف “فواز” الذي لم يرع انتباها لتوأمه، حينما اتصل به شقيقه من مصر، وهذا يكشف جوانبا أساسية في الحياة الأسرية المتمثل بمعنى الأخوة الضائع في شخصية “فواز” وقد كانت أمواله الطائلة مما بدد ذلك المعنى القيم في الأسرة.

    ظل “فوزي” يبحث عن توأمه حتى عرف عنوانه ومكانه وبعد مشقة في توفير مؤونة السفر استطاع أن يصل إلى توأمه الذي لم يحتفي به، ولم يحسن استقباله، ونستشف من شخصية “فواز” وتعامله مع توأمه أن هذا الإهمال لم يكن بدافع الكره، أو التنكر، وإنما بجهله وعدم وعيه بقيمة الأخوة، بعكس “فوزي” الذي تكبد عناء السفر كي يلقى توأمه.

     ومما يؤكد ما نشير إليه هو احتفاء “فوزي” المصري بابن أخيه وشعوره بتقصير أخيه “فواز” الذي لم يتحمل مسؤوليه الأبوة، ولا يعرف دورها في التأثير على الابن، فقد كان متجاهلا طفله “يزيد” ومنشغلا عنه بتوافه الأمور بالرغم من حاجت ابنه الماسة له، وبخاصة أن أمه قد توفيت وهو طفل رضيع، وكما ذكرنا سالفا في ترسيخ المفاهيم الشكلية لقيم الحياة لدى الشخصية الخليجية في السينما المصرية ، نجد الأب “فواز” يكتفي بترديد عبارة جوفاء ليقطع جلسته القصيرة مع ابنه “يزيد” (من حبيب بابا، من روح بابا).

     وحفاظا على مشاعر الطفل “يزيد” التي تكاد أن تكسر من قبل أبيه، حاول “فوزي”  أن يتقمص شخصية توأمه “فواز” وذلك بأن يرتدي نفس زيه ويضع شاربا مصطنعا شبيها بشارب “فواز”، وقد أعانه الشبه الحقيقي بينهما، وأصبح “فوزي” هو ما يقل عثرات شقيقه تجاه ابنه، دون أن يشعر” يزيد” بتلك الحيلة، على أن الطفل كان ممتناً لأبيه الحقيقي الذي تحولت شخصيته، وتبدلت معاملته معه، ومن مبدأ راسخ، بمفهوم الأبوة لدى الشاب المصري “فوزي” أصر على كتمان هذه الحيلة، وإخفاء حقيقتها، وبخاصة أن الطفل أحيانا يقابل أبيه الحقيقي “فواز” فيجده خلاف السلوك الذي كان عليه البارحة.

      وفي مشهد آخر من فيلم “كباريه” نجد الشخصية الخليجية في المرقص، تتبجح في خياناته الزوجية حين قدم إلى مصر، ويعلن ذلك أمام النساء المصريات الذي يقابلهن في المرقص ، دون الالتفات إلى معنى الخيانة الزوجية، والتجرد من المسؤولية التي تحتم عليه، لأجل الحفاظ على مبدأ الزوجية، ولعل مكالماته لزوجته – التي تركها في الخليجي- في وتصريحه بالخيانة الزوجية المتكررة أمام ندمائه، يشي بجهله، وفقدان الوعي بمسؤولية الزوج تجاه زوجته.

    إن القيم الأسرية على وجه العموم تعد من أهم مرتكزات المجتمع، وثوابته، ومن خلال هذه النافذة، صورت السينما المصرية الشخصية الخليجية، وهي متجردة عن تلك القيم أو عن أكثرها، كقيمة الأبوة، أو الأخوة، أو القيمة الزوجية.      

الخاتمة

       لا شك أن الأعمال السينمائية، وبخاصة الكوميدية، لا تعد وثيقة حصرية، لنقل صورة الشعوب الأخرى، وثقافاتها، فالجانب الكوميدي لا يسطع إلا من خلال الجوانب المظلمة، ولا تكمن الفكاهة إلا من خلال الصورة المشوهة التي تمثل بنص هزلي الهدف منه إضحاك المشاهدين.

      وبالنظر إلى الأعمال السينمائية المصرية، نجد بعضها قد صورت الشخصية الخليجية في أعمال غير كوميدية، مثل “كباريه” “لحم رخيص” “الريس عمر حرب”، وقد جاءت الأعمال الكوميدية متماهية معها، وهذا يؤكد الصورة النمطية التي شكلتها السينما المصرية للخليجي، فإن تكرار الفكرة، والإلحاح عليها، تمكن الصورة النمطية من أذهان المشاهدين، وتنقل انطباع المنتجين، وتلغي الجوانب المشرقة لدى الطرف الآخر، وفي هذا ما يمكن أن يعد عيبا في تلك الأعمال بتكرر الشخصيات النمطية

   لقد سعت السينما المصرية – للأسف – إلى تشويه صورة الخليجي التي نُمّطت بإطار ظالم مجحف، فالحق أن المجتمع الخليجي ليس ملائكيا، وحاله كسائر الشعوب في أوطانها، وإنما الإشكال في تجريد الشعوب الخليجية من قيمها، فضلا عن الهزل بها، والتندر.

    ولعل “التباين الموازي” كان عاملا رئيسا وراء ذلك التجريد، الذي نتج عن شعور النقص، واتساع تلك الهوة بين الواقع المصري، والواقع الخليجي، فقد اقتصرت صورة الخليجي في السينما المصرية على ممارسات فردية، وطبقة محدودة، دون النظر إلى جوانب أخرى تمتلكها الشعوب الخليجية.

 


[1]– الفن السابع septieme art—senrnthart   اسم للفن السينمائي، وكان أول من أطلق عليه هو الناقد الفرنسي ricciott canudo   وقد سماها بالفن السابع على حد تعبيره؛ لأنها تالية للعمارة و الموسيقا والرسم,  والنحت,  والشعر,  والرقص. انظر: مرسي أحمد كامل. وهبة مجدي. معجم الفن السينمائي، وزارة الثقافة والإعلام، الهيئة المصرية للكتاب ص 313 

[2]– سعد الدين توفيق، قصة السينما في مصر، سلسلة شهرية تصدر عن “دار الهلال” العدد 221 أغسطس 1969، ص 9

[3]– سعد الدين توفيق، قصة السينما في مصر، ص 7.

[4]– جان الكسان” السينما في الوطن العربي” عالم المعرفة، 1982سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت 1978. ص 20

[5]– لحم رخيص، إخراج: إيناس الدغيدي، مصر1995م.

[6]– الريس عمر الحرب، إخراج: خالد يوسف، الكاتب طارق عبدالجليل، مصر 2011م.

[7] -كباريه، إخراج: سامح عبدالعزيز، الكاتب: أحمد عبدالله، مصر 2008م.

[8] – طير أنت، إخراج: أحمد الجندي، الكاتب: عمر طاهر، مصر 2009م.

[9] – عندليب الدقي، إخراج: وائل جسار، الكاتب: أيمن بهجت قمر، إنتاج روتانا للإنتاج السينمائي، مصر 2007م.

[10] هي حالة من فقدان الوعي بكفاءة الذات ومكانتها الواقعية داخل مجريات زمان ومكان.

[11] – انظر: أحمد هيكل، تطور الأدب الحديث في مصر، دار المعارف، الطبعة السادسة، 1994م.

[12] – يا أنا يا خالتي، إخراج: سعيد حامد، الكاتب: أحمد عبدالله، إنتاج: أوسكار- النصر- الماسة، مصر 2005م.

[13] – صاحب صاحبه، إخراج: سعيد حامد، الكاتب: أحمد عبدالله، مصر 2008.

[14] – صرخة نملة، إخراج سامح عبدالعزيز، الكاتب طارق عبدالجليل، مصر 2011م.

[15] – على جنب يا اسطى، إخراج: سعيد حامد، الكاتب: عبدالرحيم كمال، مصر 2008م.

error: